﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (04) سافر معي في المشارق والغارب :: (24) أثر الترية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (03) سافر معي في المشارق والمغارب :: (023) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(0105) الجهاد في سبيل الله-المبحث الثاني: الحرص على إخراج الناس من الظلمات إلى النور.

(0105) الجهاد في سبيل الله-المبحث الثاني: الحرص على إخراج الناس من الظلمات إلى النور.


إن الذي يقرأ تاريخ الدعاة إلى الله وقصصهم مع قومهم، وأساليبهم في الدعوة إلى الله، وصبرهم على أذى قومهم، ومثابرتهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى يلقوا ربهم، يظهر له ظهورا جلياً حرصهم على إخراج الناس من الظلمات إلى النور، وشفقتهم عليهم وشدة خوفهم عليهم من عذاب الله في الدنيا والآخرة.



وهذه أمثلة من نصوص القرآن والسنة لتوضيح ذلك الحرص وتلك الشفقة من الدعاة إلى الله على قومهم.



فرسول الله نوح عليه السلام الذي، مكث في قومه داعياً لهم إلى طاعة ربهم، ألف سنة إلا خمسين عاماً، يخاطب قومه مستعطفاً لهم بلفظ القوم، مبيناً لهم ما يترتب على طاعته والإيمان به من الخير لهم في الدنيا والآخرة، وما يصيبهم على إصرارهم على الكفر من عذاب في الدنيا والآخرة، متخذاً في دعوته شتى الأساليب طمعاً في أن تؤثر فيهم.

فمرة يدعوهم علناً، ومرة يتصل بأفرادهم سراً، فإذا يئس منهم اتجه إلى ربه شاكياً عدم استجابتهم لدعوته التي تستغرق وقته كله الليل والنهار، ذاكراً وسائل دعوته لهم، من ترغيب وترهيب، والتذكير بالنعم والتخويف من النقم، ولا يلجأ إلى الدعاء عليهم، إلا بعد أن يعلم من ربه أن القوم في غيهم سادرون.



قال تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ، أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ، يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً، فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلاَّ فِرَاراً، وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً، ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً، ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً، فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً، مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً، وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً، أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً، وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً، وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتاً، ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً، وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطاً، لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً} [نوح:1-20]. إلى آخر السورة.



وقال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ، قَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ، قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} [الأعراف:59-62].



انظر كيف يخاطبهم {يَا قَوْمِ}. {إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} فيكون ردهم وصفه بالضلال البين الذي لا خفاء به، فيجيبهم إجابة المهتدي الهادي المشفق الذي يكظم الغيظ، فينفي عن نفسه الضلالة ويثبت لها الرسالة، ويؤكد لهم نصحه لهم، ويهددهم بأسلوب قد لا يفطن له من تبلد حسه بضلال الكفر: {وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ}.



وقال تعالى عن هود: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ، قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ} [الأعراف:65-68].


إنهم، وهم السفهاء، يصفونه بالسفه، وهو الرسول الحكيم الرشيد، ويصفونه بالكذب، وهو الرسول الصادق الأمين، فلا يزيد على استعطافهم بقوله يا قوم، وينفي السفه والكذب الذين اتهموه بهما، ويؤكد إثبات رسالته إليهم من الله، وقيامه بما كلفه إياه وهو التبليغ، والنصح والأمانة.



وقال تعالى عن صالح: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الأعراف:73]. إلى قوله: {فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف:79].


وقال عن شعيب: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ، وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ، بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ، قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لاَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ، قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ، وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ، وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ، قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ، قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيّاً إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ، وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ، وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [هود:84- 94].



أترى هذا الحوار الهادئ، وهذا الأسلوب الحكيم، وهذا الصبر الواسع وهذا التلطف في القول، مع إغلاظ القول من القوم، والاستخفاف به وبرسالته وخالقه وعبادته، أيكون ذلك كله من رجل غير حريص كل الحرص على هداية قومه، مشفق كل الإشفاق عليهم من عذاب الله في الدنيا والآخرة..؟ تأمل هذه الجمل الصادرة عن قلب رحيم مشفق حريص على الخير لقومه: {إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ} [هود: من الآية84]. {بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ} [هود: من الآية86]. {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي} [هود: من الآية28].{إِنْ أُرِيدُ إِلا الإصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ} [هود: من الآية88].{وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ} [هود:89]. {وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} [هود:90].ٍ {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيّاً إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [هود:92].


وقال تعالى عن إبراهيم: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً، إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً، يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً، يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً، يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً، قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً، قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً، وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيّاً}[مريم:41-48].



إن إبراهيم عليه السلام ينكر على أبيه – وهو إنكار على كل من سلك مسلكه - أن يبلغ به الضلال إلى عبادة ما لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع ولا يضر، مقيماً بذلك الحجة البالغة على هذا الضلال. ثم يطرق قلبه بأنه ما فعل ذلك الضلال، إلا لجهله بما منح الله إبراهيم علمه، ثم يصل به إلى دعوته بأن يتبعه ليهديه الصراط المستقيم ويخوفه عذاب الله... وهكذا إذا تأملت هذه الجمل وجدتها شديدة الوضوح، في الدلالة على حرص أبي الأنبياء على إخراج الناس من الظلمات إلى النور.



ولقد ذكَّر الله المؤمنين بفضله عليهم، إذ بعث فيهم رسوله محمداً صَلى الله عليه وسلم الذي هو أشد حرصاً على أنفسهم منهم.



ولولا ذلك لما نالوا ذلك الفضل وتلك المنة، ولما زكت نفوسهم بالطاعة وتطهرت من الذنوب والمعاصي، وما تنورت بصائرهم بالعلم النافع الذي تضمنه كتاب الله وسنة رسوله صَلى الله عليه وسلم. قال تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة:128]. وقال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [آل عمران:164].


ولشدة حرصه صَلى الله عليه وسلم على هداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور، كان يحزن حزناً شديداً على صدودهم وعدم استجابتهم لدعوته، حتى ليكاد يقتل نفسه أسفاً عليهم. قال تعالى: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [فاطر:8]. وقال تعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً} [الكهف:6].



قال ابن كثير رحمه الله: "قال تعالى مسلياً لرسوله صلوات الله وسلامه عليه، في حزنه على المشركين لتركهم الإيمان وبعدهم عنه: {فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَات} [فاطر: من الآية8].



وقال: {وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الحجر: من الآية88].

وقال: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [الشعراء:3]. باخع أي مهلك نفسك بحزنك عليهم. ولهذا قال: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً} [الكهف:6]. يعني القرآن (أسفاً) يقول: لا تهلك نفسك أسفاً… أي لا تأسف عليهم بل أبلغهم رسالة الله فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تذهب نفسك عليهم حسرات". [تفسير القرآن العظيم (3/73)].



وقد بين صَلى الله عليه وسلم شدة حرصه على هداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور، بالمثل الذي ضربه في حديث أبي هريرة ليكشف به عن رغبته في هدايتهم وحرصه على الحوْل بينهم وبين عذاب الله وسخطه.



فقد روى أبو هريرة رَضي الله عنه: أنه سمع رسول الله صَلى الله عليه وسلم يقول: (إنما مثلي ومثل الناس، كمثل رجل استوقد ناراً، فلما أضاءت ما حوله، جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها، فجعل يزعهن ويغلبنه، فيقتحمن فيها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تقتحمون فيها) [البخاري رقم 6483، فتح الباري (11/316) ومسلم (4/1789)].



ومن أراد الوقوف على شدة حرصه صَلى الله عليه وسلم على إخراج الناس من الظلمات إلى النور، فليعد إلى سيرته صَلى الله عليه وسلم وجهاده في الدعوة إلى الله، وصبره على ما ناله من أذى، وتشميره عن ساعد الجد وطوافه على الناس في منازلهم وأسواقهم ومخيماتهم، مرغباً لهم في الدخول في الإسلام، ومحذراً لهم من البعد عنه والصد عن سبيل الله. وكيف كان يبذل نفسه وماله وأصحابه من الأنصار والمهاجرين من قرابته وغيرهم للجهاد في سبيل الله.



ويكفي ذكر قصته صَلى الله عليه وسلم مع أهل الطائف الذين ذهب يدعوهم إلى الله ويطلب منهم نصره على قومه، فآذوه بالسب من كبارهم وأغروا به سفهاءهم، فرموه بالحجارة حتى سالت دماؤه صَلى الله عليه وسلم، ثم سلاه الله بأن بعث إليه ملكاً ليطبق على أعدائه من أهل مكة الجبال، فطلب إمهالهم طمعاً في إيمانهم أو إيمان ذريتهم.



قال ابن القيم رحمه الله: "فلما نقضت الصحيفة، وافق موت أبي طالب وموت خديجة وبينهما يسير، فاشتد البلاء على رسول الله صَلى الله عليه وسلم من سفهاء قومه، وتجرأوا عليه فكاشفوه بالأذى، فخرج رسول الله صَلى الله عليه وسلم إلى الطائف ابتغاء أن يؤوه وينصروه على قومه ويمنعوه منهم، ودعاهم إلى الله عز وجل، فلم ير من يؤوي ولم ير ناصراً.. وآذوه مع ذلك أشد الأذى ونالوا منه ما لم ينله قومه، وكان مولاه زيد بن حارثة معه، فأقام بينهم عشرة أيام لا يدع أحداً من أشرافهم إلا جاءه وكلمه، فقالوا: اخرج من بلدنا، وأغروا به سفهاءهم، فوقفوا له سماطين وجعلوا يرمونه بالحجارة حتى دميت قدماه، وزيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى أصابه شجاج في رأسه، فانصرف راجعاً من الطائف إلى مكة محزوناً.. وفي مرجعه ذلك دعا بالدعاء المشهور دعاء الطائف: (اللهم أشكو إليك ضعف قوتي...). فأرسل ربه تبارك وتعالى إليه ملك الجبال يستأمره أن يطبق الأخشبين على أهل مكة، وهما جبلاها اللذان هي بينهما، فقال صَلى الله عليه وسلم: (لا بل أستأني بهم لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئاً) [زاد المعاد (2/52)].



وكان صَلى الله عليه وسلم يربي أصحابه على الحرص على إخراج الناس من الظلمات إلى النور في حياته ليقتدوا به في ذلك، ففي حديث سهل بن سعد رَضي الله عنه في قصة فتح خيبر، وإعطاء الراية لعلي بن أبي طالب رَضي الله عنه: إن عليا قال: "نقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال صَلى الله عليه وسلم: (على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم، فوالله لأن يهدى بك رجل واحد خير لك من حمر النعم) [البخاري رقم 2942، فتح الباري (6/111) ومسلم (4/1872)]. وهذا الحرص هو الذي جعل السلف الصالح ينشرون دين الله في كل شبر من الأرض استطاعوا الوصول إليه.



ولا زال دعاة الإسلام إلى الآن.. وسيكونون كذلك إلى أن تقوم الساعة، يحرصون أشد الحرص على إخراج الناس من الظلمات إلى النور، ولولا هذا الحرص ما امتلأت بهم السجون وأريقت دماؤهم، وانتهكت أعراضهم واصطلوا بنار التعذيب والفتنة، وهم صابرون على ذلك ماضون في طريق الدعوة إلى الله.



ولو أن الناس علموا ما في قلوب الدعاة من حب الخير لهم، وبغض الشر الذي يشقيهم في الدنيا والآخرة، لفاءوا إلى رشدهم وأجابوا الدعوة ونصروا أهلها، ولكن ثوابهم عند الله الذي لا يبتغون بعملهم إلا وجهه.



وإن الدعاة إلى الله، قد يختلف جنسهم وزمنهم وديارهم، ولكن أسلوبهم في الدعوة وشفقتهم على قومهم وحرصهم على إخراجهم من الظلمات إلى النور، لا يختلف عن غيرهم من جنس آخر، لأن الغاية واحدة والرسالة واحدة. فهؤلاء دعاة الجن يشفقون على أبناء جنسهم، ويرغبونهم في الإسلام ويرهبونهم من الكفر، كما هو شأن إخوانهم من دعاة الإنس ويخاطبون المدعوين بيا قومنا للتلطف والتودد وإظهار الرحمة بهم. كما قال تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ، يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [الأحقاف: 29ـ32].



وإن الداعي إلى الله ليؤثر دعوته ويؤثر الناس بنفسه، فيضحي بها ويذهب إلى ربه إذا كان في تضحيته بها إخراج الناس من الظلمات إلى النور، واقرأ هذا النص من قصة الغلام في حديث صهيب الطويل وفيه: "فقال للملك إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به قال: وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع، ثم خذ سهما من كنانتي ثم ضع السهم في كبد القوس ثم قل: باسم الله رب الغلام، ثم ارمني فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني - وكان قد استعصى عليه قتله بإذن الله - فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه على جذع، ثم أخذ سهما من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قال باسم الله رب الغلام، ثم رماه فوقع السهم في صدغه فوضع يده في صدغه في موضع السهم فمات، فقال الناس آمنا برب الغلام آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام " [مسلم (4/2300)].



واقرأ قصة الرجل المؤمن الذي كان يكتم إيمانه وأسلوبه في الدعوة والمحاجة، ترى حرصه على هداية فرعون وقومه وإخراجهم من الظلمات إلى النور، يبدو في كل جملة من كلامه الذي حكاه الله عنه [اقرأ الآيات من 28 إلى 44 من سورة غافر].



واقرأ هذه الجمل التي أطلقها أحد دعاة الإسلام في هذا العصر، وقد ذهب إلى ربه،شهيداً بإذنه تعالى، على يد من كان يذيع لهم هذه العاطفة الجياشة، المليئة بالحب والحنان، والحرص على إخراجهم من الظلمات إلى النور. قال الشيخ حسن البنا رحمه الله: "ونحب كذلك أن يعلم قومنا أنهم أحب إلينا من أنفسنا، وأنه حبيب إلى هذه النفوس أن تذهب فداء لعزتهم إن كان فيها الفداء، وأن تزهق ثمناً لمجدهم وكرامتهم ودينهم، وآمالهم إن كان فيها الغناء...وما أوقفنا هذا الموقف منهم.. إلا هذه العاطفة، التي استبدت بقلوبنا وملكت علينا مشاعرنا، فأقضت مضاجعنا وأسالت مدامعنا.. وإنه لعزيز علينا جدُّ عزيز أن نرى ما يحيط بقومنا، ثم نستسلم للذل أو نرضى بالهوان، أو نستكين لليأس. فنحن نعمل للناس في سبيل الله أكثر مما نعمل لأنفسنا.. فنحن لكم لا لغيركم.. أيها الأحباب.. ولن نكون عليكم يوماً من الأيام. [مجموع رسائل الإمام حسن البنا ص11].




السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13467684

عداد الصفحات العام

912

عداد الصفحات اليومي