﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (04) سافر معي في المشارق والغارب :: (24) أثر الترية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (03) سافر معي في المشارق والمغارب :: (023) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(0107)الجهاد في سبيل الله-المبحث الرابع: أنواع الابتلاء

(0107)الجهاد في سبيل الله-المبحث الرابع: أنواع الابتلاء


وأنواع الابتلاء كثيرة، ولعل أصولها قد جمعت في الخوف، والجوع ونقص الأموال، والأنفس، والثمرات التي أجملها الله سبحانه وتعالى وذكر جزيل ثواب من صبر عليها في هذه الآيات.. {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ(157)} [البقرة].



وهي كما ترى عامة شاملة، فالخوف، أياً كان سببه، ولا سيما الخوف من العدو في الدين، الذي قد تتوافر له أسباب القوة التي يبتلي الله بها عباده المؤمنين، والجوع، أياً كان سببه كذلك، كالقحط، والحروب والجوائح، ونقص المال، ونقص الأنفس والثمرات.. هذه الأمور يبتلي الله بها الناس، فيفوز في الابتلاء المؤمن الصادق، ويخفق ضعيف الإيمان والمنافق. وعلامة الفوز في الابتلاء، أن يصبر المبتلى ويتقي ربه إذا ابتلي بأي نوع من أنواع الابتلاء.. قال تعالى: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [آل عمران:186].



ومن أنواع الابتلاء مكر أعداء الله بأوليائه، بحبسهم وتعذيبهم أو قتلهم أو إخراجهم من ديارهم، وقد حاولت قريش ذلك كله مع الرسول صَلى الله عليه وسلم. كما قال تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال:30]. وقال تعالى: {فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأَكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ(195)} [آل عمران].



وقال: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ} [محمد:13]. وقال: {إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة:40]. وهذا ما يفعله اليهود اليوم مع المسلمين في الأرض المباركة "فلسطين" كما يشاهده العالم كله.


ومن أنواع الابتلاء أن يعذب أعداءُ الله أولياءَه بقتل أبنائهم الذكور الذين هم عون لهم على العدو لو بقوا أحياء، وإبقاء بناتهم وأزواجهم واسترقاقهن لما فيه من العار عليهم.. قال تعالى: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} [البقرة:49].


ومنه التعذيب بالرجم أو التهديد به، كما قال تعالى عن والد إبراهيم عليه السلام، وهو يهدده بالرجم: {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً} [مريم:46]. وقال عن أهل الكهف، وبعضهم يحذر بعضاً من عدوهم: {إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً} [الكهف:20].


ومنه التعذيب بقطع الأيدي والأرجل والتصليب، كما قال تعالى عن فرعون، وهو يهدد سحرته الذين نبذوا ألوهيته الكاذبة وآمنوا بالإله الواحد: {قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى} [طـه:71].


ومن أنواع الابتلاء تكذيب الصادق، والاستهزاء بصاحب الحق ونسبة الجنون إلى العاقل الكامل العقل..كما قال تعالى: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ(34)} [الأنعام].



ويكثر أعداء الله وأعداء دينه ورسله وعباده الصالحين، من السخرية بمن يبلغهم دعوة الله، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (31) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ (32) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (33) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (35) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ 36)} [المطففين]



وقال تعالى: {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ(11)} [الحجر11]. وقال تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئينَ * الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ} [الحجر:94-97]. وقال تعالى: {وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ * وَمَا هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} [القلم:51-52].



ومن أشد أنواع الابتلاء أن يمتحن وليَّ الله أسرتُه وأقاربه، وبخاصة والديه يقفان ضده ليصداه عن توحيد خالقه ويدعواه إلى الشرك به، وهو يعيش بينهما في منزل واحد، ويشعر بفضلهما عليه منذ أن كان في بطن أمه إلى أن شب وكبر. قال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ(15)} [لقمان].



وقد ورد في الصحيح ما يدل على أن هذه الآيات نزلت في شأن سعد بن أبي وقاص رَضي الله عنه، الذي ألحت أمه عليه ليترك الإسلام الذي ارتضاه ديناً له ويعود إلى دينها الوثني.. وفي قصته ما يوضح الصبر على المحنة، فمن حديثه رَضي الله عنه أنه نزلت فيه آيات من القرآن، قال: حلفت أم سعد ألا تكلمه أبداً حتى يكفر بدينه، ولا تأكل ولا تشرب، قالت: زعمت أن الله وصاك بوالديك وأنا أمك وأنا آمرك بهذا، قال: مكثت ثلاثاً حتى غشي عليها من الجهد، فقام ابن لها يقال له: عمارة فسقاها، فجعلت تدعو على سعد، فأنزل الله عز وجل في القراًن هذه الآية: {وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ} إلى آخرها[والقصة في صحيح مسلم، برقم (1784)



وإن أصحاب رسول الله صَلى الله عليه وسلم الذين هم أقدر الناس على الصبر على الابتلاء واجتيازه، طمعاً في ثواب الله ورضاه، كانوا يفضلون أن يلاقوا ربهم صابرين وألسنتهم تسبحه وتنزهه كقلوبهم، يفضلون ذلك على أن يذكروا ربهم أو نبيهم أو دينهم بسوء، مع أن الله أباح لهم ذلك عند الضرورة، تخليصاً لأرواحهم من إزهاقها.



وكانت سمية زوج ياسر وأم عمار رَضي الله عنها، أول شهيدة في الإسلام على يد فرعون هذه الأمة أبي جهل لعنه الله، وكان بلال رَضي الله عنه، يعذب في حر رمضاء مكة، حيث يقلب ظهراً لبطن وتوضع الصخور المحماة على صدره وبطنه، ليسب دين محمد صَلى الله عليه وسلم، وهو لا يزيد على قوله: "أحدٌ أحد". [تراجع قصة بلال في السيرة النبوية (3/180) تاريخ الطبري (2/35) وغيرهما من كتب السيرة والتاريخ]



إن أصحاب رسول الله صَلى الله عليه وسلم الذين كان هذا دأبهم في مواجهة أنواع الابتلاء، ليضعف بعضهم من شدة الأذى، حتى يكره على قول الكفر بلسانه – وإن كان قلبه ثابتاً مطمئناً بالإيمان –كما فعل عمار بن ياسر رَضي الله عنه الذي أنزل الله فيه قوله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل:106].



قال ابن كثير رحمه الله: "وقد روى العوفي عن ابن عباس، أن هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر حين عذبه المشركون، حتى يكفر بمحمد صَلى الله عليه وسلم، فوافقهم على ذلك مكرهاً، وجاء معتذراً إلى النبي صَلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية" [تفسير القرآن العظيم (3/587)].



وقد بين ابن عباس رضي الله عنهما بعضاً من أنواع الابتلاء التي كان المشركون يذيقون بها الصحابة رَضي الله عنهم.. عن سعيد بن جبير قال: "قلت لعبد الله بن عباس: أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله صَلى الله عليه وسلم من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم؟ قال: نعم والله إن كانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه، حتى ما يقدر أن يستوي جالساً من شدة الضر الذي نزل به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة، حتى يقولوا له: آللات والعزى إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم، حتى إن الجعل ليمر بهم فيقولون له: أهذا الجعل إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم، افتداء منهم بما يبلغون من جهده". [السيرة النبوية لابن هشام، وهو في الروض الأنف (3/202)].



وقوله: افتداء منهم… إلخ يوضح معنى قوله: (في ترك دينهم) أي إنهم يظهرون للكفار ترك دينهم، تخلصاً من العذاب وإلا فقلوبهم كقلب عمار: مطمئنة بالإيمان.



وإذا كان أصحاب رسول الله صَلى الله عليه وسلم قد تعرضوا لأشد أنواع الابتلاء التي كانت موجودة في عهدهم، فإن الأساليب التي ابتكرت في العصور المتأخرة بعد أن تقدمت الصناعات وارتقت العلوم المادية، قد بلغت وسائلها ما لم تبلغه في أي عصر مضى.



فإذا كان المشركون الأولون يعذبون أولياء الله بالرمضاء والنار - في بعض الأحيان - فإن تعذيب آلات الكهرباء الطويل أشد، وإذا كان الكفار السابقون يصلبون أولياء الله على الجدران والأخشاب وفي جذوع النخل، فإن أعداء الله يصلبون أولياءه الآن على أعمدة الحديد المتصلة بتيار الكهرباء.



وإذا كان أعداء الله كانوا يقلبون أولياءه على حر الرمضاء ظهراً لبطن بأيديهم أو يجرونهم بالحبال، فإن أعداءه الآن يسحبون أولياءه بالآلات السريعة، فيسحبونهم بالسيارات في الشوارع، ويدخلون الواحد منهم في فتحة الدولاب (عجلة السيارة) بعد أن يضموا رأسه مع رجليه ويديرونها بالآلات وهو مكشوف العورة.



ويملأون الأحواض بالماء الساخن في شدة الحر أيام الصيف، ويقذفون بالمؤمن فيها مجرداً من ثيابه ويبقى فيها الساعات حتى ينسلخ جلده، ويملأونها في أيام الشتاء والبرد القارس بالماء البارد، ويلقونه فيها كذلك، ويودعون ولي الله في حجرة ضيقة لنومه وطعامه وشرابه وفضلاته.



ويجيعون الكلاب المدربة ويضعونها معه في حجرته، لتنهش جسمه وتكثر من العواء والنباح على رأسه، ويضربونه بالسياط حتى تسيل الدماء وقد تتجاوز دفعة الضرب في المرة الواحدة خمسمائة سوط..



ويتركونه حتى يتورم جسمه، ثم يلهبونه بالسياط في مواضع الضرب السابقة ويسيل قيحه وينتن جسمه، فلا يسمحون لطبيب يداوي جراحه ويأمرونه مع زملائه من أمثاله بالجري وهم في تلك الحال لمسافات طويلة، ومَن أظهر التعب ضربوه حتى يغمى عليه أو يموت وهكذا [راجع كتاب: أيام من حياتي لزينب الغزالي التي تعرضت هي بنفسها لكثير من هذه الأساليب الوحشية].



وهذا أحد دعاة الإسلام الذين تعرضوا للأذى والفتنة في هذا العصر حتى قتل في سبيل الله، يصف بعض أنواع الابتلاء. قال سيد قطب رحمه الله: "ومن الفتنة أن يتعرض المؤمن للأذى من الباطل وأهله، ثم لا يجد النصير الذي يسانده ويدفع عنه، ولا يملك النصرة لنفسه ولا المنعة، ولا يجد القوة التي يواجه بها الطغيان، وهذه هي الصورة البارزة للفتنة المعهودة في الذهن حين تذكر الفتنة، ولكنها ليس أعنف صور الفتنة، فهناك فتن كثيرة في صور شتى ربما كانت أمر وأدهى. هناك فتنة الأهل والأحباء الذين يخشى عليهم أن يصيبهم الأذى بسببه وهو لا يملك عنهم دفعاً، وقد يهتفون به ليسالم أو ليستسلم، وينادونه باسم الحب والقرابة واتقاء الله في الرحم التي يعرضها للأذى أو الهلاك، وقد أشير في هذه السورة إلى لون من هذه الفتنة مع الوالدين وهو شاق وعسير.



وهناك فتنة إقبال الدنيا على المبطلين، ورؤية الناس لهم ناجحين مرموقين تهتف لهم الدنيا وتصفق لهم الجماهير، وتتحطم في طريقهم العوائق، وتصاغ لهم الأمجاد وتصفو لهم الحياة، وهو مهمل منكر لا يحس به أحد ولا يحامي عنه أحد، ولا يشعر بقيمة الحق الذي معه إلا القليلون من أمثاله الذين لا يملكون من أمر الحياة شيئاً. وهناك فتنة الغربة في البيئة والاستيحاش بالعقيدة، حين ينظر المؤمن فيرى كل ما حوله وكل من حوله غارقاً في تيار الضلالة وهو وحده موحش غريب طريد. وهناك فتنة من نوع آخر قد نراها بارزة في هذه الأيام، فتنة أن يجد المؤمن أمماً ودولاً غارقة في الرذيلة وهي مع ذلك راقية في مجتمعها متحضرة في حياتها، يجد الفرد فيها من الرعاية والحماية، ما يناسب قيمة الإنسان ويجدها غنية قوية وهي مشاقة لله.



وهنالك الفتنة الكبرى أكبر من هذا كله وأعنف: فتنة النفس والشهوة، وجاذبية الأرض وثقلة اللحم والدم، والرغبة في المتاع والسلطان أو في الدعة والاطمئنان، وصعوبة الاستقامة على صراط الإيمان والاستواء على مرتقاه، مع المعوقات والمثبطات في أعماق النفس وفي ملابسات الحياة وفي منطق البيئة وفي تصورات أهل الزمان.فإذا طال الأمد وأبطأ نصر الله، كانت الفتنة أشد وأقسى، وكان الابتلاء أشد وأعنف، ولم يثبت إلا من عصم الله، وهؤلاء هم الذين يحققون في أنفسهم حقيقة الإيمان ويؤتمنون على تلك الأمانة الكبرى أمانة السماء في الأرض وأمانة الله في ضمير الإنسان". [في ظلال القرآن (21/2720)].





السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13467452

عداد الصفحات العام

680

عداد الصفحات اليومي