﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (04) سافر معي في المشارق والغارب :: (24) أثر الترية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (03) سافر معي في المشارق والمغارب :: (023) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(108)الجهاد في سبيل الله-المبحث الخامس: استعلاء الإيمان ومضاء أنصار الحق

(108)الجهاد في سبيل الله-المبحث الخامس: استعلاء الإيمان ومضاء أنصار الحق


إذا كان الابتلاء أمراً لا مفر منه، فإن أولياء الله هم الأعلون بإيمانهم وطاعتهم لربهم، هم الأعزة ولو كانت السلطة والقوة المادية بيد أعدائهم، يمضون في طريقهم ناصرين الحق الذي كلفهم الله نصره.



إذا كثر أعداؤهم عدداً، كثروا هم بالواحد الذي لا يعطي العزة سواه، ولا ناصر لمن خذله ولا خاذل لمن نصره، لذلك تجد الواحد من أوليائه أو الفئة القليلة تنظر إلى أعدائها الكثيرين نظرة ازدراء واحتقار لأن الله معها.



اقرأ ما قاله الله عن نبيه نوح عليه السلام: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ} [يونس:71].



لماذا هذا التحدي ولماذا هذا الاستعلاء من فرد أعزل على مة قوية ماكرة؟ إنه استعلاء الإيمان ومضاء أنصار الحق.



وباستعلاء الإيمان ينقلب العبد الذليل أمام الطاغي المتجبر حراً يتحدى جبروته وطغيانه، لأنه اعتصم بالله العزيز الغالب..



{وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (12) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (13) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (14) قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (15) لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (16) قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقلِبُونَ (17) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ(18)} [الأعراف].


ويستعلي الإيمان بالفئة القليلة الواثقة في الله، فتلهج بسنة الله في نصر أوليائه وإن قلوا ثم تدعوه ليثبتها وينصرها على أعدائها ويتحقق ذلك واقعاً عملياً. {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (248) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (249) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ(50)} [البقرة:



ويبتلى جند الله المؤمنون بإدالة عدوهم عليهم، فيقتل منهم العدد الكثير ويجرح الباقون، ومنهم قائدهم، وهو نبي الله صَلى الله عليه وسلم، ثم يدعوهم داعي الجهاد بأعيانهم، ولا يؤذن لأحد غيرهم بالخروج معهم، ودماؤهم تسيل وجروحهم قد أثخنتهم، فلا يتقاعسون بل يلبون النداء خفافاً وثقالاً، لأن إيمانهم مستعل ومضاءهم في نصر الحق ثابت.. قال تعالى: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ 172) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(175)} [آل عمران].



قال ابن كثير موضحاً قصة هذه الآيات: "قال موسى بن عقبة - بعد اقتصاصه وقعة أحد وذكره رجوعه عليه السلام إلى المدينة -: وقدم رجل من أهل مكة على رسول الله صَلى الله عليه وسلم، فسأله عن أبي سفيان وأصحابه فقال: "نازلتهم فسمعتهم يتلاومون ويقول بعضهم لبعض لم تصنعوا شيئاً، أصبتم شوكة القوم وحدهم ثم تركتموهم ولم تبتروهم، فقد بقي منهم رؤوس يجمعون لكم" فأمر رسول الله صَلى الله عليه وسلم - وبهم أشد القرح - بطلب العدو ليسمعوا بذلك، وقال: (لا ينطلقن معي إلا من شهد القتال) فقال عبدالله بن أبي: أنا راكب معك فقال: (لا).. فاستجابوا لله ولرسوله على الذي بهم من البلاء فانطلقوا.. فقال الله في كتابه: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ} [آل عمران:172]. قال: وطلب رسول الله صَلى الله عليه وسلم العدو حتى بلغ حمراء الأسد" [البداية والنهاية (4/48)].



ولقد ذكَّر الله أصحاب رسوله صَلى الله عليه وسلم في غزوة أحد، عندما أصابهم ما أصابهم من القتل والجرح والهزيمة، ذكَّرهم باستعلاء بمن سبقهم بإيمان من الأمم السابقة ليقتدوا بهم في هذا الاستعلاء.



فقال: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (145) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(148)} [آل عمران].


ونهى الله أولياءه المجاهدين عن أن يضعفوا ويستخذوا، ويطلبوا من عدوهم المعاهدة السلمية التي يظهر فيها ذلك العدو، هو المنتصر الذي يملي عليهم شروط السلم والمعاهدة، لأن ذلك ينافي استعلاء الإيمان ومضاء أنصار الحق وثباتهم.. قال تعالى: {فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} [محمد:35].



ويقوى الإيمان في القلب، فيستعلي صاحبه به على الكفر في أول لحظة ذاق قلبه منها الإيمان، فيأبى إلا أن يصدع به في صفوف صناديد الكفر في عقر دارهم، وهو يعلم قلة الناصر من الناس وجموع الأعداء الحاقدة التي لا تطيق سماع كلمة الله من أحد إلا تعرضت له بالأذى والمحنة.



وفي قصة أبي ذر الغفاري التي رواها ابن عباس ما يظهر ذلك الاستعلاء ويثبت مضاء أنصار الحق، وفي تلك القصة: "حتى دخل على النبي صَلى الله عليه وسلم ودخل معه، فسمع من قوله وأسلم مكانه، فقال له النبي صَلى الله عليه وسلم: (ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري). قال: والذي نفسي بيده لأصرخن بها بين ظهرانيهم، فخرج حتى أتى المسجد، فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا اله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم قام القوم فضربوه حتى أضجعوه، وأتى العباس فأكب عليه قال: ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار وأن طريق تجارتكم إلى الشام فأنقذه منهم، ثم عاد من الغد لمثلها فضربوه وثاروا إليه فأكب العباس عليه... [البخاري رقم 3861، فتح الباري (7/173) ومسلم (4/1923)].



ويستعلي الإيمان بصاحبه فيبذل نفسه في سبيل ربه، كما في قصة الغلام الذي حاول الملك الكافر الظالم أن يقتله بكل وسيلة من وسائله التي يقدر عليها، فلم يفلح إلى أن دله الغلام نفسه على الوسيلة التي يقدر بها على قتله، وهي أن يجمع الناس في صعيد واحد ويأخذ سهما من كنانته - أي من كنانة الغلام - ثم يقول باسم الله رب الغلام ويرميه، ففعل فمات فأسلم الناس وقالوا آمنا برب الغلام، وهي قصة أصحاب الأخدود، وفي آخرها قال الغلام لأمه التي تقاعست عن ولوج النار خوفاً عليه: يا أمه اصبري فإنك على الحق". [راجع صحيح مسلم 2300]. ومضت الإشارة في موضع آخر إلى قصة بلال رَضي الله عنه قريبا.



ويتألب أعداء الحق على أهله فيشتد البلاء عليهم، ويشفق قائد جند الله عليهم، فيعرض على أُسْد الله المجاهدين، أن يخفف عنهم ما هم فيه من الكرب بمصالحة أعداء الله علي شيء من المال، ولكن إيمان المجاهدين يستعلي بهم فيأبون ذلك، إلا إذا كان أمراً واجباً من الله عليهم.



واقرأ هذه القصة التي وقعت في غزوة الأحزاب: "ولما طالت هذه الحال على المسلمين، أراد رسول الله صَلى الله عليه وسلم أن يصالح عيينة بن حصن والحارث بن عوف رئيسي غطفان على ثلث ثمار المدينة وينصرفا بقومهما، وجرت المراوضة على ذلك فاستشار السعدين في ذلك، فقالا: يا رسول الله إن كان الله أمرك بهذا فسمعاً وطاعة، وإن كان شيئاً تصنعه لنا فلا حاجة لنا فيه. لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعاً، فحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وعزنا بك نعطيهم أموالنا؟! والله لا نعطيهم إلا السيف، فصوب رأيهما وقال: (إنما هو شيء أصنعه لكم لما رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة) [السيرة النبوية (4/180) والبداية والنهاية (4/104) والنص مأخوذ من زاد المعاد لابن القيم (2/131)].



ويستعلي الإيمان بصاحبه، وهو موثق في يد أعدائه، والسيف مصلت على رقبته، فيطلب منهم عندما يريدون قتله، أن يودع دنياه بعبادة ربه، فيصلي ركعتين، ويحب أن يزيد ولكنه يخشى أن يتهم، وهو المؤمن المحب لقاء ربه، بأنه يريد الفرار من الموت، فيقول لهم: لولا أن تروا أن ما بي جزع من الموت لزدت، إنه خبيب بن عدي الذي أسره المشركون في غزوة الرجيع، بعد أن قتلوا رفاقه في الجهاد [راجع صحيح البخاري الحديث رقم 4086، فتح الباري (7/378)].



ولقد قتل رَضي الله عنه، وهو كالجبل الراسي، يتحدى عدوه ويصف استعلاءه بإيمانه ومضاءه مع الحق الذي آمن به، قتل وهو يشدو بهذه الآبيات:



لقد جمع الأحزاب حولي وألبوا،،،،،،،قبائلهم واستجمعوا كل مجمع

وكلهم مبدي العداوة جاهدُ،،،،،،،،،،،،،علي لأني في وثاق بمضيع

وقد جمعوا أبناءهم ونساءهم،،،،،،،،،،،وقربت من جذع طويل ممنع

إلى الله أشكو غربتي ثم كربتي،،،،وما أرصد الأعداء لي عند مصرعي

فذا العرش صبرني على ما،،،، وقد بضعوا لحمي وقد يأس مطمعي

وذلك في ذات الإله وإن يشأ،،،،،، يبارك على أوصال شلوٍ ممزع

وقد خيروني الكفر والموت دو،،،، وقد هملت عيناي من غير مجزع

وما بي حذار الموت إني لميت،،،،، ولكن حذاري حجم نارٍ ملفع

فوالله ما أرجو إذا مت مسلما، على أي جنب كان في الله مضجعي

فلست بمبدٍ للعدو تخشعاً،،،،،،،،،،، ولا جزعاً إني إلى الله مرجعي

[البداية والنهاية لابن كثير (4/66)].



وتتوالى العصور وتشمخ أنوف إخوان لخبيب في كل عصر، ويستعلون بإيمانهم، ويمضون في طريقهم المرسوم لا يبالون غير دينهم ورفع كلمة الله في الأرض، ويشدو شاديهم من داخل السجون ومن وراء القضبان، وهو يرى أفواج رفاقه تشنق رقابهم كل يوم وينتظر نفس المصير بين آونة وأخرى..ولكنه يستعلي بإيمانه ويحض إخوانه على أن يستعلوا كذلك بإيمانهم، وأن يثقوا بربهم الذي ما ذل من اعتز به، وإن ابتلي وأوذي في سبيله، ويذكرهم بأن الحرية هي حرية القلب الذي خلصت عبوديته لخالقه، وإن كبله أعداء الله بالقيود وأحاطوه بأسوار السجون والمعتقلات..



فهو يقول:



أخي أنت حر وراء السدود،،،،،،،،، أخي أنت حر بتلك القيود



إذا كنت بالله مستعصما،،،،،،،،،،،،،، فماذا يضيرك كيد العبيد



ولا يخاف، وهو في السجن ينتظر الموت، على نفسه، وإنما يخاف من أن يسأم الدعاة ويخلدوا إلى الراحة ويتركوا الجهاد والكفاح، فيطلق فيهم صرخته مذكراً لهم بواجب رفع الراية ومواساة المجاهدين وضحاياهم.



فيقول:



أخي هل تراك سئمت الكفاح،،،،،،، وألقيت عن كاهليك السلاح



فمن للضحايا يواسي الجراح،،،،،،،،،،،،،، ويرفع رايتها من جديد



ثم يمضي ناصحاً إخوانه بالمضاء في الطريق الذي سالت فيه دماء الشهداء، وعدم الالتفات إلى غير الغاية العليا، وهي رضا الله بالجهاد في سبيله. فيقول:



أخي فامض لا تلتفت للوراء،،،،،،، طريقك قد خضبته الدماء



ولا تلفت هاهنا أو هناك،،،،،،،،،،،،، ولا تتطلع لغير السماء



[هذا الشادي هو المجاهد سيد قطب رحمه الله، الذي قضى حياته مجاهداً لأعداء الإسلام راضياً بفراق المنزل والأسرة، مطمئناً بنزله في السجن صابراً على التعذيب والمحنة مضحياً بنفسه في سبيل إعلاء كلمة ربه..



وقد قتله أعداء الإسلام في يوم 29من شهر أغسطس سنة 1966م، بعد أن أرادوه أن يذل نفسه لهم بطلب العفو من كبير طواغيتهم، ووعدوه بأن يمنحوه منصب كبيراً في دولتهم، فاستعلى به إيمانه ورفض طلبهم، واعتصم بربه غير مكترث بترغيب العبيد ولا ترهيبهم، بل غير مبالٍ بالموت الذي قادوه إلى مشنقته وهو يبتسم ابتسامة السخرية من جند الطاغوت وعبيد الشيطان، الذين يصدون عن سبيل الله ويقاتلون في سبيل الطاغوت، لإخراج الناس من النور إلى الظلمات، ويقتلون الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.



وابتسامة السخرية كذلك من الجماهير المنتسبة إلى الإسلام، التي تساق إلى هاوية الهلاك في الدنيا والآخرة، وهي راضية بتلك الحال مناصرة من يسوقها إليها، خاذلة من يريد إنقاذها منها..



وابتسامة الفرح المسرور بلقاء ربه الذي جاهد في سبيله وهو رافع الرأس عزيز النفس، في أشد أوقات المحنة والابتلاء التي كان أعداء الله يظنون أنه مهان ذليل تحت مطارق محنتهم وابتلائهم.



وهذا مثال لاستعلاء الإيمان ومضاء أنصار الحق في هذا العصر الذي يراه المسلمون ويلمسونه في واقع الحياة يثبت أن القافلة سائرة بلا انقطاع]..



إنه استعلاء الإيمان الذي يجعل صاحبه يستهين بكل قوى الأرض المادية التي تقف في طريقه لتصده عن دينه ودعوته. ويجعله ينسى نفسه وما يذيقها أعداء الله من الفتنة، ويهتم بإعلاء الراية وحض المجاهدين على المضي في طريقهم وعدم التفاتهم إلى غير ذلك الطريق.







السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13467773

عداد الصفحات العام

1001

عداد الصفحات اليومي