﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (04) سافر معي في المشارق والغارب :: (24) أثر الترية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (03) سافر معي في المشارق والمغارب :: (023) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(011)الجهاد في سبيل الله - إضاعة الجهاد بأعمال الفساد

(011)الجهاد في سبيل الله - إضاعة الجهاد بأعمال الفساد


والخلاصة: أن جنس الجهاد على المسلم-في الجملة-لا يخلو من كونه فرض عين عليه، وأن الجهاد بمعنى قتال الكفار فرض كفاية، إذا قامت به طائفة من المسلمين قياماً كافياً لكسر شوكة أعداء الإسلام، وإعزاز هذا الدين في الأرض، وإلا أثم الجميع حتى يقوم به من يكفي على الوجه المذكور، وأن الجهاد فريضة من فرائض الإسلام التي لا قيام للإسلام بدونها، حتى ليكاد يكون ركناً من أركان الإسلام، وما ضاعت الأمة الإسلامية وذلت إلا بتركها الجهاد بمعنييه العام والخاص.



قال أبو بكر أحمد بن علي الرازي المشهور بالجصاص، رحمه الله: "وليس بعد الإيمان بالله ورسوله فرض آكد ولا أولى بالإيجاب من الجهاد، وذلك أنه بالجهاد يُمكِّن إظهار الإسلام وأداء الفرائض، وفي ترك الجهاد غلبة العدو ودروس الدين وذهاب الإسلام، إلا أن فرضه على الكفاية كما بينا" [أحكام القرآن 3/15]



وإن ترك المسلمين لفريضة الجهاد في سبيل الله، والتأخر عن إعداد العدة لإقامته، لجريمة عظيمة في حق دينهم وخيانة لله ولرسوله ولعزتهم، لا سيما في هذه الأزمنة التي أصبح الإسلام فيها محارباً في غالب المعمورة، فخسر بترك الجهاد في سبيل الله العالم كله، بله المسلمين الذين يتحملون إثم تلك الخسارة.



ولقد كان المسلمون الأوائل يتساءلون: أيهما أفضل الجهاد في سبيل الله، أم طلب العلم – وطلب العلم جزء من الجهاد بمعناه العام – وهذا التساؤل إنما هو في حال قيام بعض الأمة الإسلامية بالجهاد قياماً كافياً.



ومع هذا نرى اليوم أعداء الإسلام قد هيئوا لشباب الإسلام ميادين كثيرة لتبديد طاقاته، وتلهيته عما ينفعه في دينه ودنياه، لا عن فريضة الجهاد بمعناه الخاص فقط، بل عن طاعة الله بعامة، أي عن فروض العين وفروض الكفاية كلها، وأصبح ذلك من الأمور المألوفة لدى الكثير من المسلمين، حتى ماتت في نفوسهم الغيرة على دينهم، وهان عليهم عزتهم وكرامتهم!



فهناك الأعداد الهائلة من صفوف الرياضة – وحدها – في العالم الإسلامي، لو ربيت على طاعة الله، وأعدت للجهاد في سبيل الله، وفقهت غايتها في هذه الحياة، لكان لهذا للشباب - الضائع الممسوخ الذي أصبح في عداد الحيوان يتسلى بهم الفارغون، كما يتسلى أهل أسبانيا بنطاح الثيران – شأن آخر في رفع راية الإسلام وعزة المسلمين، كما كان لشباب الإسلام في عصوره الزاهرة المفضلة، إذ كانوا يتسابقون قبل أن يصلوا إلى سن التكليف إلى خوض المعارك الجهادية ضد أعداء الإسلام.



وليس المقصود الحط من شأن الرياضة والرياضيين، فالذي لا يحرك جسمه بالرياضة يذبل في عنفوان شبابه، فلا بد من مزاولة الرياضة، كل فيما يقدر عليه، وقد سابق الرسول صلى الله عليه وَسلم زوجه عائشة رضي الله عنْها، فسبقها مرة وسبقته مرة، وسابق أعرابيا على ناقته، فسبق الأعرابي، وحزن بعض أصحابه، وهذا أمر لا نزاع فيه، ولكن تلهية الشباب بالرياضة، وبعده عن طاعة الله، وعن إعداده لجهاد الأعداء المعتدين على المسلمين وبلدانهم، هو المنكر الممقوت.



وهناك صفوف أخرى لا حصر لها، تولى أعداءُ الإسلام إعدادها لحمل جراثيم الفساد الخلقي التي تقتحم قلوب أبناء المسلمين، فتميتها وتحولها من قلوب بشرية مفطورة على الخير إلى قلوب حيوانية، ليس لها هم إلا تلبية الشهوات، لا تفكر إلا في البطن والفرج والزي، لا فرق بين أن يأتيها من طريق حلال أو حرام، مثلها في ذلك مثل من قال الله تعالى فيهم {والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم} [محمد 12]



ومن أمثلة هذا النوع صفوف الرقص الفاضح، والغناء الماجن، والموسيقى الملهية عن الحق والخير، وسائر الملاهي التي لم يبق منزل في الأرض ولا مكان إلا وصل فسادها إلى أهله، إما مباشرة في المراقص والمسارح ودور السينما، ومراكز الفتن ونوادي الشر، وإما عن طريق وسائل الإعلام - كالمذياع وتلفاز وجرائد ومجلات - التي يديرها ويسيرها من لا يخاف الله ولا اليوم الآخر، من ذوي الهوى والشهوات، وقد زاد شر ذلك بعد ظهور الشبكة العالمية وما تحويه من مواقع وفيديوهات، وحدث عن "اليوتيوب ولا حرج"!





ولوسائل الإعلام العربية – وبخاصة الفضائيات النصيب الأوفر من الفساد والإفساد – حتى عم الأرض بلاؤها، وأصبح متاع الحياة الدنيا ولعبها الذي هو غاية المفسدين في الأرض، هو غالب ما يسعى إليه الكثير من المسلمين، كباراً وصغاراً، رجالاً ونساءً. كما قال تعالى: {وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} [الحديد 20]. وقال تعالى: {اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر وتكاثر في الأموال والأولاد …} [أل عمران 185]



لقد أراد أعداء الإسلام أن يصرفوا شبابه بتلك الألعاب ويلهوه بها عن معالي الأمور، ومصالح الأمة، التي لو علمها الشباب حق العلم وتصورها حق التصور وعلم واجبه نحوها، لانصرف إلى تحقيقها، ولَحَرَم أعداء هذه الأمة وأذنابهم ما يتمتعون به من خيرات بلاد المسلمين التي لا يحصلون عليها إلا بجهل المسلمين وانحطاطهم، وسفالة أهدافهم في حياتهم، وعدم قيامهم بدفع العدوان على دينهم وحقوقهم.



أين هذا الانحطاط الذي لم يشهد التاريخ مثيلاً له في حياة المسلمين، من طموح السلف الصالح الذين كانوا يوازنون بين الأعمال الصالحة، عندما يكون لهم الخيار في فعل أي منها، ليعلموا أيها أفضل، ليتسابقوا عليه ويقدموه على غيره، طمعاً في الطاعة التي هي أرضى لله سبحانه وتعالى؟



وأين ما يريده الله تعالى من هذه الأمة، وما يريد لها المفسدون لحياتها، كما قال الله تعالى مسجلا ذلك في كتابه الكريم: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (27)}[النساء].



اقرأ لمثل هذا القصة الآتية:



عن النعمان بن بشير الأنصاري، رضِي الله عنه، قال: "كنت عند منبر رسول الله صَلى الله عليه وسلم، في نفر من أصحابه، فقال رجل منهم: ما أبالي ألا أعمل عملاً بعد الإسلام إلا أن أسقي الحجيج، وقال آخر: بل عمارة المسجد الحرام، وقال آخر: بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم. فزجرهم عمر بن الخطاب رضيَ الله عنه، وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صَلى الله عليه وسلم، ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على رسول الله صَلى الله عليه وسلم، فاستفتيته فيما اختلفتم فيه. قال: ففعل.



فأنزل الله عز وجل {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله؟ لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين} [التوبة 19. والقصة في صحيح مسلم 3/1499، وذكرها ابن كثير في تفسيره 2/342]



ويتساءل علماء الإسلام: أي العملين أفضل تعلم العلم أم الجهاد في سبيل الله؟

ثم يجيبون: "فإن قيل تعلم العلم أفضل أم جهاد المشركين؟ قيل له: إذا خيف معرة العدو وإقدامهم على المسلمين، ولم يكن بإزائه من يدفعه، فقد تعين فرض الجهاد على كل أحد، فالاشتغال في هذه الحال بالجهاد أفضل من تعلم العلم، لأن ضرر العدو إذا وقع بالمسلمين لم يمكن تلافيه، وتعلم العلم ممكن في سائر الأحوال، ولأن تعلم العلم فرض على الكفاية، لا على أحد في خاصة نفسه، ومتى لم يكن بإزاء العدو من يدفعه من المسلمين فقد تعين فرض الجهاد على كل واحد.



وما كان فرضاً معيناً على الإنسان غير موسع عليه في التأخير، فهو أولى من الفرض الذي قام به غيره، وسقط عنه بعينه، وذلك مثل الاشتغال بصلاة الظهر في آخر وقتها، هو أولى من تعلم علم الدين في تلك الحال، فإن قام بفرض الجهاد من فيه كفاية وغنى، فقد عاد فرض الجهاد إلى حكم الكفاية " [أحكام القرآن للجصاص 3/119].



قارن بين حديث النعمان، وما ذكره الجصاص، وبين انصراف كثير من المسلمين اليوم عن الجهاد بنوعيه العام والخاص، إلى اللعب واللهو ومتاع الحياة الدنيا، وكثير منه من المحرمات، أو المباحات المبالغ فيها!



وما دامت موازين حياة كثير من المسلمين بعيدة كل البعد عن موازين حياة السلف الصالح، فإن حكم الجهاد في سبيل الله – وغيره من الأحكام – سيبقى ليس ذا بال في نفوسهم، بل إن نفوسهم لا تزال نافرة من أحكام الله، ولا سيما الجهاد في سبيل الله، الذي يقتضي الجد في الأمور، وهجر الراحة والترف والاسترخاء والتثاقل إلى الأرض، تلك النفوس التي ألفت اللهو والخلود إلى الأرض والهزل في الحياة.



هذه هي فريضة الجهاد في سبيل الله، وتلك هي حال الأمة الإسلامية اليوم أمة أضاعت الجهاد، وأخلدت إلى اللعب واللهو، ففقدت العزة، وأصيبت بالذلة، فالجهاد فرض عين عليها، والإثم عام شامل، حتى يقوم علم الجهاد قياماً كافياً.



الفرق بين جهاد الدفع وجهاد الطلب:



إن لأفراد المسلمين وجماعاتهم، أن يقوموا بدعوة الناس إلى الله، وتبليغهم رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم، لإخراجهم من الظلمات إلى النور... وأن الواجب على الناس كلهم الدخول في هذا الدين الذي لم يبق دين حق سواه، إذا توافرت في أولئك الأفراد وتلك الجماعات الشروط الواجب إحرازها للدعاة، ومن أهمها العلم والحكمة والصبر على الأذى واللين.....



كما يجب على كل مسلم القيام بجهاد الدفع، وهو أن يعتدي الكفار على بلد مسلم،

فالواجب – عينا – على كل مسلم قادر أن يتصدى لرد العدوان عن نفسه وعرضه وماله وإخوانه... في حدود قدرته.



أما جهاد الكفار بمعنى قتالهم في بلدانهم –وهو ما يسمى بجهاد الطلب - فليس من حق الأفراد والجماعات القيام به، بل لا بد من أمير للأمة يتولى أمرها ويقود جيشها بنفسه، أو يؤمر عليها من يقودها، كما كان عليه الرسول صلى الله عَليه وسلم وخلفاؤه الراشدون ومن تبعهم، فلم يعرف أن فردا أو مجموعة من المسلمين [بعد قيام الدولة الإسلامية] غزوا الكفار في بلدانهم بدون أمير يقودهم وينظم شئونهم.



ويمكن تعليل ذلك بالأسباب الآتية:



السبب الأول: أن المصالح والمفاسد المترتبة على هذا النوع من الجهاد تعود إلى الأمة كلها، ولا تختص بمن يباشر الجهاد... فلا يحق لفرد أو جماعة مباشرة عمل لا تتحمل الأمة كلها ما يترتب عليه من آثار، بدون مشورتها واستعدادها له.



السبب الثاني: أن الفرد أو الجماعة التي تباشر هذا النوع من الجهاد، لا يستطيعون حماية الأمة من الآثار المترتبة على تصرفاتهم، بخلاف ولي الأمر الذي بيده مقاليد الأمور، ومعه أهل الحل والعقد، فإنهم لا يقدمون على القتال، إلا بعد أن يتشاوروا ويتدبروا أمورهم، ويغلب على ظنهم أنهم قادرون على مواجهة عدوهم.



ثم إذا فرض أنهم غلبوا على أمرهم تحملوا تبعة قرارهم جميعا، وحشدوا طاقاتهم، وأعدوا العدة لحماية أنفسهم....



والذي يترتب على عمله الذي يستبد به من دون الأمة، ضرر يلحق بها، ولا يستطيع هو دفع ذلك الضرر عنها، لا يحق له ذلك العمل...



السبب الثالث: ما يترتب على الأعمال الانفرادية من الفوضى والانفلات، وعدم القدرة على ضبط الأمور، وفي ذلك ما فيه من المفاسد...



ولقد بينت رأيي في حدث نيويورك وواشنطن، الحاصل بتاريخ 23/6/1422هـ 11/9/2001م وتوقعت ما سيترتب عليه من المفاسد العظام على هذه الأمة، عندما حاورني بعض الإخوة فيما رأيتُ.



ولقد فاقت المفاسد ما توقعتُه وتوقعه كثير من الناس، ولا زالت تتوالى على المسلمين، وأكرر مرة أخرى، أن ذلك الحدث وما تبعه، إنما عجل بالحملة الأمريكية الظالمة، التي اتخذتها مسوغات لحملتها، وإلا فالحرب قديمة من أمريكا وغيرها، ولكن أمريكا وحلفاءها على الإسلام قرروا شدتها منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، كما سبق قريبا.





السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13467490

عداد الصفحات العام

718

عداد الصفحات اليومي