﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (04) سافر معي في المشارق والغارب :: (24) أثر الترية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (03) سافر معي في المشارق والمغارب :: (023) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(0111)الجهاد في سبيل الله-متى يجوز للمسلمين نبذ العهد إلى عدوهم؟

(0111)الجهاد في سبيل الله-متى يجوز للمسلمين نبذ العهد إلى عدوهم؟


الأصل عند المسلمين الوفاء بالعقود والعهود، امتثالا لأمر الله تعالى واقتداء بسنة رسوله صَلى الله عليه وسلم، فقد قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود(1)} [المائدة] وقال تعالى: {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا(34)} [الإسراء]



ولا فرق في وجوب الوفاء بالعهد، بين أن يكون المعاهَد مسلما أو كافرا، ولهذا قال تعالى: {إلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلَى مُدَّتِهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ(4)} [التوبة] وَقَالَ تعالى: {إلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [التوبة (7)]



وسبق قريبا ذكر بعض الأحاديث الموجبة للوفاء بالعهد، حيث جعل الرسول صَلى الله عليه وسلم، الغدر من صفات المنافقين: (أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، و من كانت فيه خصلة منهن، كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا حدث كذب، و إذا و عد أخلف، و إذا عاهد غدر، و إذا خاصم فجر). هذا هو الأصل عند المسلمين، وهو الوفاء بالعقود والعهود، وعدم نقضها بغير سبب شرعي.



ولكن الله تعالى يعلم بأن غالب أعداء المسلمين من الكفار والمنافقين، لا يفون لهم بعهودهم، كما يفي لهم بذلك المسلمون الصادقون، بل يخونونهم ويغدرون بهم، ولهذا حذر الله تعالى المسلمين من خيانة أعدائهم وغدرهم بهم، وأمرهم بالتنبه لهم واليقظة لخداعهم، وأمرهم إذا ظهرت لهم أمارات الخيانة منهم، أن يطرحوا إليهم عهودهم بوضوح تام، حتى يكونوا على علم مساو لعلم المسلمين، بأنهم لم يعودوا في حالة سلم، بل أصبحوا في حالة حرب، كما كانوا قبل المهادنة، فقال تعالى: {وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين} [الأنفال (58)]



وهذا من محاسن الإسلام وخلال المسلمين: أمانة لا خيانة، وصدق لا كذب، ووفاء لا غدرن بخلاف أعدائهم في ذلك كله. ومن هنا يجب فهم أمر الله للمسلمين، بالميل إلى السلم، إذا مال إليه عدوهم، كما سبق في قوله تعالى: {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم} [الأنفال (61)] فلا يجوز أن يسالم المسلم من لا يسالمه، ولا يجوز أن يدعو عدوه إلى السلم الذي لا مصلحة للمسلمين فيه، بل فيه ضرر عليهم، وهو قوي قادر، أن يخضع لعدوه ويتخلى عن إخراج الناس من الظلمات إلى النور، برفع راية الجهاد في سبيل الله، الذي لا يرهب طغاةُ الأعداء سواه، ولا يَقِفُهم عن العدوان على المسلمين وغيرهم غيرُه.



وهذا ما سطره الواقع في تاريخ الأمم قديما وحديثا، ونحن اليوم نشاهده في عدوان اليهود وأعوانهم من النصارى المعتدين، في كل البلدان الإسلامية، وبخاصة في أرض فلسطين المباركة، التي لا يخفى شأنها على أحد.



ولا يجوز كذلك أن يخدع المسلمين أعداؤُهم، فينخدعوا، فلا زال خداع أعدائهم وخيانتهم لهم مستمرة، من المشركين في الجزيرة العربية، ومن اليهود في المدينة النبوية، ومن جميع الوثنيين في بلاد فارس والهند وما وراء النهرين، ومن النصارى في كل البلدان والأزمان، من يوم أشرقت شمس الإسلام، إلى يومنا هذا، وكيف يخدعهم عدوهم، وقد بان الصبح لذي عينين؟



وللمسلمين مع عدوهم المعاهد أربع حالات:



الحالة الأولى: أن يغلب على ظنهم وفاؤ العدو بالعهد، فعلى المسلمين الوفاء بعهدهم، وعدم نقضه، كما مضى.



الحالة الثانية: أن يتوهموا نقض العدو العقد، بدون أمارة تدل عليه، وحكم هذه الحالة حكم الحالة الأولى، لأن مجرد الخوف بدون دليل لا يسوغ لهم نقض العهد، وإن كان يجب عليهم الحذر. قال ابن قدامة: "فصل وإن خاف الإمام نقض العهد منهم، جاز أن ينبذ إليهم عهدهم لقوله تعالى {وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء} الأنفال. يعني أعلمهم بنقض العهد، حتى تصير أنت وهم على سواء في العلم، ولا يكتفي بمجرد الخوف" [الكافي (4/345)]



وقال ابن العربي، رحمه الله: "الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : إنْ قِيلَ : كَيْفَ يَجُوزُ نَقْضُ الْعَهْدِ مَعَ خَوْفِ الْخِيَانَةِ, وَالْخَوْفُ ظَنٌّ لاَ يَقِينَ مَعَهُ, فَكَيْفَ يَسْقُطُ يَقِينُ الْعَهْدِ بِظَنِّ الْخِيَانَةِ؟

فَعَنْهُ جَوَابَانِ : أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْخَوْفَ هَاهُنَا بِمَعْنَى الْيَقِينِ, كَمَا يَأْتِي الرَّجَاءُ بِمَعْنَى الْعِلْمِ; كَقَوْلِه: {لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} .



الثَّانِي: أَنَّهُ إذَا ظَهَرَتْ آثَارُ الْخِيَانَةِ, وَثَبَتَتْ دَلاَئِلُهَا وَجَبَ نَبْذُ الْعَهْدِ, لِئَلاَّ يُوقِعَ التَّمَادِي عَلَيْهِ فِي الْهَلَكَةِ, وَجَازَ إسْقَاطُ الْيَقِينِ هَاهُنَا بِالظَّنِّ لِلضَّرُورَةِ, وَإِذَا كَانَ الْعَهْدُ قَدْ وَقَعَ فَهَذَا الشَّرْطُ عَادَةٌ, وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ لَفْظًا; إذْ لاَ يُمْكِنُ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا" [أحكام القرآن في تفسير الآية، وراجع تفسير القرطبي.]



الحالة الثالثة: أن تظهر لهم أمارات ودلائل على إرادتهم الخيانة ونقض العهد على غرة من المسلمين، وهذه الحالة هي التي يجب على المسلمين، أن ينبذوا إليهم عهدهم على سواء. والراجح في معنى قوله تعالى {على سواء} ما قاله الجصاص:"أَلْقِ إلَيْهِمْ فَسْخَ مَا بَيْنَك وَبَيْنَهُمْ مِنْ الْعَهْدِ وَالْهُدْنَةِ، حَتَّى يَسْتَوِيَ الْجَمِيعُ فِي مَعْرِفَةِ ذَلِكَ. ... لِئَلاَّ يَتَوَهَّمُوا أَنَّك نَقَضْت الْعَهْدَ بِنَصْبِ الْحَرْبِ" [أحكام القرآن]



الحالة الرابعة: أن يظهر المعَاهدون خيانتهم، بحيث يعملون ما هو نقض صريح للعهد، وفي هذه الحالة يجب على المسلمين أن يغزوهم ويطبقوا عليهم أحكام الجهاد في سبيل الله، دون إنذار لهم ولا نبذ لعهدهم، لأنهم قد نقضوا العهد، فلم يعد له بقاء.



قال الإمام الشافعي رحمه الله: "وَإِذَا نَقَضَ الَّذِينَ عَقَدُوا الصُّلْحَ عَلَيْهِمْ, أَوْ نَقَضَتْ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ فَلَمْ يُخَالِفُوا النَّاقِضَ بِقَوْلٍ, أَوْ فِعْلٍ ظَاهِرٍ قَبْلَ أَنْ يَأْتُوا الإِمَام, أَوْ يَعْتَزِلُوا بِلاَدَهُمْ وَيُرْسِلُوا إلَى الإِمَامِ إنَّا عَلَى صُلْحِنَا, أَوْ يَكُونَ الَّذِينَ نَقَضُوا خَرَجُوا إلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ, أَوْ أَهْلِ ذِمَّةٍ لِلْمُسْلِمِينَ فَيُعِينُونَ الْمُقَاتِلِينَ, أَوْ يُعِينُونَ عَلَى مَنْ قَاتَلَهُمْ مِنْهُمْ فَلِلإِمَامِ أَنْ يَغْزُوَهُمْ, فَإِذَا فَعَلَ فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهُمْ إلَى الإِمَامِ خَارِجٌ مِمَّا فَعَلَهُ جَمَاعَتُهُمْ، فَلِلإِمَامِ قَتْلُ مُقَاتِلَتِهِمْ وَسَبْيُ ذَرَارِيِّهِمْ وَغَنِيمَةُ أَمْوَالِهِمْ، كَانُوا فِي وَسَطِ دَارِ الْإِسْلاَمِ, أَوْ فِي بِلاَدِ الْعَدُوِّ. وَهَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلى الله عليه وسلم، بِبَنِي قُرَيْظَةَ عَقَدَ عَلَيْهِمْ صَاحِبُهُمْ الصُّلْحَ بِالْمُهَادَنَةِ فَنَقَضَ, وَلَمْ يُفَارِقُوهُ، فَسَارَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلى الله عليه وسلم، فِي عُقْرِ دَارِهِمْ وَهِيَ مَعَهُ بِطَرَفِ الْمَدِينَةِ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ وَسَبَى ذَرَارِيِّهِمْ وَغَنِمَ أَمْوَالَهُمْ" [الأم (4/186)]





حكم من نقض العهد من أهل الذمة.


هذا وليعلم أن حكم أهل الذمة، إذا نقضوا العهد، هو حكم المحاربين المعاهدين الذين نقضوا العهد، يحاربون ويقتلون، إلا أن ذرية أهل الذمة الذين ولدوا قبل العهد، ولم يبلغوا سن الرشد، عند نقض آبائه، لا يسبون ولا يسترقون، أما من ولد منهم بعد النقض، فيسبون ويسترقون. قال ابن قدامة: ( 7588 ) "مسْأَلَةٌ ; قَالَ: وَمَنْ كَانَ لَهُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ عَهْدٌ, فَنَقَضُوهُ حُورِبُوا, وَقُتِلَ رِجَالُهُمْ, وَلَمْ تُسْبَ ذَرَارِيُّهُمْ, وَلَمْ يُسْتَرَقُّوا, إلاَّ مَنْ وُلِدَ بَعْدَ نَقْضِهِ، وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ إذَا نَقَضُوا الْعَهْدَ.....فَإِنَّهُ يُقْتَلُ رِجَالُهُمْ, وَلا تُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ الْمَوْجُودُونَ قَبْلَ النَّقْضِ, لأَنَّ الْعَهْدَ شَمِلَهُمْ جَمِيعًا, وَدَخَلَتْ فِيهِمْ الذُّرِّيَّةُ, وَالنَّقْضُ إنَّمَا وُجِدَ مِنْ رِجَالِهِمْ, فَتَخْتَصُّ إبَاحَةُ الدِّمَاءِ بِهِمْ..." [المغني (9/237)]



عقد الصلح مع اليهود


كان ما تقدم من حكم إبرام الهدنة أو نقضها، مع عدو عقد المسلمون معه عهد الهدنة وهو في بلاده كحال قريش في مكة، أو أهل ذمة أمِنوا على دمائهم وذراريهم وأموا لهم، في ظل الدولة الإسلامية.



وبقي الكلام على حالة أخرى وهي أن يغتصب العدو أرض المسلمين أو أحد أقاليمها، كما حصل في القرن الماضي، عندما احتل الأوربيون غالب بلدان المسلمين، وكما هو الواقع اليوم في الأرض المباركة "فلسطين" وهذه تدخل في حالات وجوب الجهاد العيني الذي يأثم فيه من تأخر عنه من المسلمين وهو قادر عليه:



الحالة الأولى: أن يهجم العدو على بلاد المسلمين، فيجب وجوبا عينيا على كل قادر من أهل البلد المعتدى عليه، رجالا ونساء شبابا وشيبا، أن يدفعوا العدوان عن بلدهم، ومن تأخر منهم عن ذلك فهو آثم، مالم تقم بذلك طائفة كافية لرد العدوان.



الحالة الثانية: أن يستنفر ولي الأمر المسلمين، فيجب على كل قادر منهم تلبية النفير، ولا يجوز له التأخر، ومن تأخر منهم عن ذلك فهو آثم، واستنفار ولي الأمر رعيته في هذه الحالة واجب، وإذا لم يفعل فهو آثم، لأنه راع وكل راع مسئول عن رعيته.



الحالة الثالثة: أن يلتقي الصفان: صف المسلمين، وصف الكفار، فلا يجوز للمسلم، الفرار من المعركة، إلا متحرفا إلى قتال أو متحيزا إلى فئة، وقد سبق الكلام على هذه الحالات في موضعه.



والحالات الثلاث موجودة اليوم في الأرض المباركة "فلسطين"



فقد هجم الأعداء اليهود، بدعم من الصليبيين الإنجليز والأمريكان وغيرهم، على هذا البلد المسلم واحتلوه، وأهلكوا الحرث والنسل فيه منذ أكثر من ستين عاما.



وقد استنفر الشعبُ الفلسطينيُّ المعتدَى عليه كافةَ المسلمين، ومنهم الدول العربية وشعوبها، ولا يمر يوم من الأيام، دون أن نسمع استغاثة النساء والأطفال، والشيوخ من المسلمين، طالبين منهم النصر على الأعداء، ودفع عدوانهم.



واستنفرهم علماءُ الإسلام جميعَ المسلمين، منذ حصل الاحتلال، وعقدوا المؤتمرات التي ناشدوا فيها الأمة الإسلامية إعلان الجهاد في سبيل الله، لدفع العدوان اليهودي، وإعادة الأرض إلى أهلها، ولا زال العلماء يناشدون المسلمين ويصدرون الفتاوى الدالة على أن الجهاد في فلسطين فرض عين على كل قادر منهم، حتى يجلو العدو من أرض المسلمين.



وقد رفع المجاهدون في فلسطين، راية الجهاد في سبيل الله، ووقفوا ثابتين في الصف أمام عدوهم، وصبروا وصابروا، ولا زالوا صابرين مصابرين، ولم يولوا عدوهم الأدبار، إلا متحرفين لقتال، أو متحيزين إلى فئة، ولكن الفئة التي يتحيزون إليها فئة ضعيفة مستضعفة.



والسبب في ذلك تفوق اليهود في العُدد كما هو معلوم، وخذلان حكومات الشعوب الإسلامية، وبخاصة الدول العربية، بل تعاون بعض هذه الدول مع أعدائهم من الإدارات الصليبية الغربية واليهود الصهاينة.



فالحجة قائمة على كل المسلمين، بأن الجهاد في فلسطين، لرفع عدوان اليهود واستنقاذ الأرض التي احتلوها منهم، فرض عين على كل مسلم قادر منهم، وأنهم آثمون بتباطئهم عن القيام بذلك.



وإذا عجز أهل البلد عن مقاومة العدو، ولم يقم بقية المسلمين بنصرتهم، وهي فرض عين عليهم، فلهم بسبب عجزهم أن يعقدوا مع عدوهم هدنة محدودة الوقت قصيرا أو طويلا، بحسب حاجتهم.



و يجوز أن تكون مطلقة بدون تحديد، معتبرين أنفسهم مكرهين على ذلك وليسوا مختارين، لأنهم غير قادرين على الاستمرار في جهاد العدو المادي.



ومعلوم أن التكليف منوط في شرع الله بالقدرة، وَمن لا قدرة له، لا يكلفه الله ما لا يستطيع: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}.



ولا يجوز مطلقا أن يعقدوا مع اليهود صلحا فيه تنازل عن أي قطعة من الأرض الفلسطينية، لأنهم لا يملكون منح الكفار المعتدين أرض المسلمين، بل يجب أن يعدوا العدة التي أمرهم الله تعالى بها، لاستئناف الجهاد عندما يشعرون بالقدرة عليه. ولا يلزمهم الاستمرار في الهدنة مع العدو عند القدرة على قتاله، للأسباب الآتية:



السبب الأول: أنهم مكرهون على عقد الهدنة مع عدوهم، بسبب قوته التي لا طاقة لهم بها، وما بني على الإكراه غير معتبر كما هو معلوم.



السبب الثاني: أنه يجب إزالة الظلم عن المظلوم، واليهود ظالمون، والشعب الفلسطيني مظلوم.



السبب الثالث: أنه لا يجوز للمسلمين تمكين الكفار من السيطرة على أرضهم، وجعلها ملكا لهم، بل الفرض عليهم دفع لعدوان عنها قبل وقوعه، ورفعه عنها بعد وقوعه.



السبب الرابع: أن تمكين الكفار من احتلال أرض المسلمين، من أعظم الموالاة لهم، وقد نهى الله تعالى عن مولاتهم مطلقا، كما قال تعالى: {ياأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين} [المائدة (51)] وعداوة اليهود ثابتة متأصلة مستمرة، دل عليها القرآن والسنة والسيرة النبوية، والواقع التاريخي.



فقد وصفهم الله تعالى بأنهم أشد عداوة للمؤمنين، كما قال تعالى: {لتجدن أشد الناس عداوة للذين ءامنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين ءامنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون} [المائدة (82)]



وتمكين اليهود من احتلال أرض المسلمين، من أعظم الموالاة لهم، وقد قاتلوا المسلمين في دينهم، وأخرجوهم من ديارهم، وقد قال تعالى عنهم وعن أمثالهم: {إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون} [الممتحنة (9)]



السبب الخامس: أن الصلح الذي يعقد مخالفا لشرع الله، باطل كما مضى في شروط الهدنة، فلا يجوز الوفاء به، وسبق أن العقد – هنا – إنما حصل اضطرارا وإكراها، وليس اختيارا.



وإن جندنا لهم الغالبون



وليعلم المجاهدون في فلسطين أن العاقبة الحسنة ستكون لهم، وأن النصر على عدوهم آت لا محالة، وعدا صادقا من الله القادر على كل شيء، لأنهم بجهادهم ينصرون دين الله على أعداء الله: {ياأيها الذين ءامنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم} [محمد (7)] {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين(171) إنهم لهم المنصورون(172) وإن جندنا لهم الغالبون} [الصافات (173)]



فلا يثبطهم خذلان الخاذلين، ولا موالاة من والى أعداءهم المعتدين، فالله هو مولاهم فنعم المولى ونعم النصير. ونحن واثقون بإذن الله أن الفلسطينيين، لو اجتمعت كلمتهم، ووجدوا من يمدهم بالمال الذي يوفر لهم حاجاتهم الضرورية، ومنها السلاح المتيسر، فإنهم سينتصرون على عدوهم من اليهود، مهما طال الأمد، ومهما طغوا وأمدهم الأمريكان بالمال والسلاح، وغير ذلك...



ولقد زلزل أقدامَ اليهود شبابٌ باع نفسه لله تعالى، مع ضعفه المادي، وقلة عدده ومحاربة بعض أبناء بلده له، وتكاتف دول العالم ضده، وخذلان الدول العربية له. ومع ذلك اضطر كثير من اليهود إلى الهجرة المعاكسة، وهي الهرب من فلسطين إلى الخارج، بدلا من الهجرة القوية من الخارج إلى فلسطين، وأصيب اقتصاد اليهود بنكسة شديدة، وبدأ بعض أفراد الجيش يظهرون عصيانهم للحرب ضد الفلسطينيين، ويدعون غيرهم إلى الانضمام إليهم، وما قامت به منظمة حماس في الفترة الأخيرة من هزيمتها لليهود في هجومهم على غزة، خير شاهد على نصر الله للفئة القليلة التي تعد ما تستطيع من القوة لجهاد أعدائها مع الصبر والمصابرة على الفئة الكثيرة من الأعداء.



ومعلوم أن طرد المحتلين من البلدان الإسلامية أو غيرها، لا يتم إلا بالتضحية بالنفوس والأموال والصبر على تخريب الديار، وإهلاك العدو كثيرا من الحرث والنسل، ولكن العاقبة تكون للصابرين المصابرين من أهل البلد المغتَصَب، لأنهم أهل حق، والمغتصبون أهل باطل، وأهل البلد أكثر ثباتا في بلدهم من عدوهم الطارئ عليه.



وفي التاريخ من ذلك عبر وبراهين، فقد اغتصبت إمبراطوريات، بلدانا كثيرة في العالم، وعاثت فيها فسادا، ولكنها في آخر الأمر انسحبت منها تجر أذيال الهزيمة.



ومن أقرب ذلك الدول الأوربية المغتصبة، في القرون الأخيرة، حيث لم يبق بلد في العالم غير مغتصب لدولة من دولها، وقد أخلت تلك الدولُ المغتصِبة كل البلدان التي اغتصبتها، بسبب مقاومة أهلها الجادة، وهذه بريطانيا التي كان يقال عنها: لا تغرب عنها الشمس، أصبحت شبيهة بضب مختف في جحره...وكذلك فرنسا وألمانيا وهولندا والبرتغال....



وفي جهاد الشعب الجزائري للمغتصب الفرنسي عبرة لمن اعتبر. وفي هزيمة الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، وتفكك الدول التي كان قد ضمها إليه بالقوة والظلم مثل وعبرة كذلك.



ومن الأمثلة الحية لذلك هزيمة الطاغوت المتغطرس اليوم "أمريكا" في فيتنام... وسيهزمها الله في حملتها الظالمة اليوم على البلدان الإسلامية، وبخاصة في أفغانستان والعراق الذي حشدت لغزوه كل ما تملك من قوة.



حكم صلح الدول العربية الدائم مع اليهود



أما صلح الدول العربية الدائم مع اليهود، والاعتراف بدولة يهودية تسمى "إسرائيل" في الأرض المباركة، فهو صلح باطل من أساسه، لأنه اعتراف بدولة غير شرعية، بل هو أشد نكرا من الاعتراف بابن الزنا، لأن الأرض التي أقيمت عليها هذه الدولة أرض للمسلمين، وليست أرضا لليهود.



والدول التي تعترف بهذه الدولة، إنما تعترف بما لا تملك، فلا يصح اعترافها بذلك، ولا يلزم الشعبَ الفلسطينيَّ اعترافُ الدول العربية بدولة اليهود التي اغتصبت أرضه، فله الاستمرار في جهاد عدوه، ما استطاع إلى ذلك سبيلا.



بل لا يلزم الشعوبَ الإسلاميةَ اعترافُ حكوماتها بدولة اليهود، لأن اعتراف تلك الدول لليهود بأرض المسلمين المغتصبة معصية لله وخروج على شرعه، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وعليهم أن ينصروا إخوانهم المجاهدين من الفلسطينيين بالنفس والمال، عند القدرة على ذلك، وفي الهدنة بأنواعها -ومنها المطلقة-مخرج لغير القادرين على الجهاد.





السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13467746

عداد الصفحات العام

974

عداد الصفحات اليومي