﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(028) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (09) سافر معي في المشارق والمغارب :: (08) سافر معي في المشارق والمغارب :: (027) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(0115)الجهاد في سبيل الله-الفرع الثاني: أمثلة لنماذج المجاهدين -جهادا معنويا أو عسكريا-في عصور مختلفة

(0115)الجهاد في سبيل الله-الفرع الثاني: أمثلة لنماذج المجاهدين -جهادا معنويا أو عسكريا-في عصور مختلفة



المثال الأول: الإمام أحمد بن حنبل


أذكر قبل البدء في هذه النماذج بأن الذي اخترته في تعريف الجهاد اصطلاحا من تعريف علماء المذاهب، هو تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وقلت هناك: "وكل هذه التعريفات ليست شاملة لكل أنواع الجهاد التي يجب على المسلم أن يحققها في نفسه وفي غيره، كما سيأتي في فصل: أنواع الجهاد". وأشمل تعريف للجهاد في سبيل الله هو ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حيث قال:



"والجهاد هو بذل الوسع - وهو القدرة - في حصول محبوب الحق، ودفع ما يكرهه الحق". وقال في موضع آخر: "وذلك لأن الجهاد حقيقته الاجتهاد في حصول ما يحبه الله من الإيمان والعمل الصالح، ومن دفع ما يبغضه الله من الكفر والفسوق والعصيان" [مجموع الفتاوى (10/191 ـ 192)].



فهذا التعريف يشمل كل أنواع الجهاد التي يؤديها المسلم، يشمل اجتهاده في طاعة ربه في نفسه، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، واجتهاده في دعوة غيره لتلك الطاعة، القريب والبعيد، المسلم وغير المسلم، واجتهاده في قتال الكفار لإعلاء كلمة الله، وصبره على ما يناله من أذى في ذلك كله. انتهى.



وبهذا تعلم أن الجهاد في سبيل الله يشمل الدعوة إلى الله، وبيان الحق للناس، والصبر على أذاهم، كما يشمل قتال أعداء الله المعتدين على الإسلام والمسلمين في ساح المعارك من أجل رفع راية الإسلام، والنماذج التي تذكر هنا منها ما جمع بين أنواع الجهاد المذكورة كلها، ومنها ما قام ببعضها حسب طاقته.



وإذا تجاوزنا عصر الصحابة رَضي الله عنهم إلى غيره، وجدنا في كل عصر من سلك نفس الدرب وأضاف نموذجاً جديداً ينيره للسائرين..



ومن هؤلاء الإمام أحمد بن حنبل رَضي الله عنه وأرضاه وتغمده برحمته، فقد آذاه أعداؤه الذين تزعمهم ابن أبي دؤاد في القول بخلق القرآن الكريم وقهر العلماء وإكراههم على ذلك..



فاستجاب كثيرمن العلماء مكرهين، ولكن أحمد رحمه الله قاد فئة قليلة في درب الصبر والجهاد والثبات على الحق، على رغم شدة الإيذاء والتعذيب الذي كان يقف على تنفيذه الخليفة المعتصم بنفسه.



وليقرأ القارئ ما رواه الإمام أحمد نفسه مما أصابه، وما وفقه الله له من الثبات على الحق.



قال ابن كثير في سياق القصة: "فلما لم يقم لهم معه حجة، عدلوا إلى استعمال جاه الخليفة [وهذه سبيل الذين تضعف حجتهم ممن ينتسبون إلى العلم فتضيق صدورهم من حجج من يخالفهم في الرأي من العلماء بخلاف فيغرون بهم الحكام الذين لهم عندهم حظوة ووجاهة ممن يوافقونهم على باطلهم] فقالوا: يا أمير المؤمنين هذا -يعنون أحمد رحمه الله-كافر ضال مضل..



وقال له إسحاق بن إبراهيم نائب بغداد: يا أمير المؤمنين، ليس من تدبير الخلافة أن تخلي سبيله ويغلب خليفتين، فعند ذلك حمى واشتد غضبه، وكان ألينهم عريكة، وهو يظن أنهم على شيء..



قال أحمد: فعند ذلك قال لي: لعنك الله طمعتُ فيك أن تجيبني فلم تجبني، ثم قال: خذوه واخلعوه واسجنوه، قال أحمد: فأخذت وسجنت وخلعت، وجيء بالعاقبين والسياط وأنا أنظر...



فقلت يا أمير المؤمنين: اللهَ الله إن رسول الله صَلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد ألا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث…) وتلوت الحديث، وإن رسول الله صَلى الله عليه وسلم قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم) فبم تستحل دمي ولم آت شيئاً من هذا؟ يا أمير المؤمنين اذكر وقوفك بين يدي الله، كوقوفي بين يديك، فكأنه أمسك، ثم لم يزالوا يقولون له: يا أمير المؤمنين إنه ضال مضل كافر…



وجيء بالضُّراب ومعهم السياط، فجعل أحدهم يضربني بسوطين، ويقول له - يعني المعتصم -: شد قطع الله يديك، ويجيء الآخر فيضربني سوطين، ثم الآخر كذلك، فضربوني أسواطاً، فأغمي علي وذهب عقلي مراراً، فإذا سكن الضرب يعود علي عقلي.. وقام المعتصم إليّ يدعوني إلى قولهم فلم أجبه، فأعادوا الضرب، ثم جاء إليّ الثالثة فدعاني فلم أعقل ما قاله من شدة الضرب، ثم أعادوا الضرب فذهب عقلي فلم أحس بالضرب، وأرعبه ذلك من أمري، وأمر بي فأطلقت ولم أشعر إلا وأنا في حجرة من بيت وقد أطلقت الأقياد من رجلي…



ثم أمر الخليفة بإطلاقه إلى أهله، وكان جملة ما ضرب نيفاً وثلاثين سوطاً، وقيل ثمانين سوطاً، لكن كان ضرباً مبرحاً شديداً جداً". [البداية والنهاية (10/334)].



الإمام أحمد بن حنبل الذي يجب أن يدعى له برضوان الله يُلعن على لسان الخليفة، الإمام أحمد المؤمن الصالح المهتدي، يقال عنه إنه ضال مضل كافر..



الإمام أحمد الذي تقطع إليه المسافات، لأخذ حديث رسول الله صَلى الله عليه وسلم وفقهه والاقتداء به، يسلط عليه الجلادون بالسياط، حتى يغمى عليه مرات.



الإمام أحمد الذي لا يمرغ جبهته إلا لربه في التراب، يسحب في الشوارع. الإمام أحمد الذي جاهد أهل الكفر والزيغ والبدع في ذات الله، يضرب حتى يغمى عليه ويكبل بالقيود من أجل إكراهه على اعتقاد الباطل، ألا إنه من النماذج الفذة التي يجب أن يقتدي بها السائرون.



المثال الثاني: العز بن عبد السلام


ومن نماذج القدوة للسائرين، العز بن عبد السلام الملقب بسلطان العلماء، ولقبه بعضهم ببائع الملوك، الذي نذر نفسه لله فصدع بالحق وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر فابتلي وصبر وكان النصر حليفه.. ويكفي أن تُذكر له قصتان من قصصه مع الملوك:



القصة الأولى مع الملك الصالح إسماعيل وهي كما يلي:



"وأما الصالح إسماعيل فإنه قد شاهد ما اتفق للشيخ مع الملك الأشرف، وما عامله به في آخر الآمر من الإكرام والاحترام، ثم شاهد أيضاً ما عامله به السلطان الملك الكامل رحمه الله، فولاه الصالح إسماعيل خطابة دمشق، وبقي على ذلك مدة.



ثم إن المصريين حلفوا -بايعو- للملك الصالح نجم الدين أيوب وكاتبوه بذلك، فوصل إليهم وملك الديار المصرية، وسار في أهلها السيرة المرضية فخاف منه الصالح إسماعيل خوفاً منعه المنام والطعام والشراب.. واصطلح مع الفرنج على أن ينجدوه على الملك الصالح نجم الدين أيوب، ويسلم إليهم صيدا والثقيف، وغير ذلك من حصون المسلمين، ودخل الفرنج دمشق لشراء السلاح ليقاتلوا به عباد الله المؤمنين..



فشق ذلك على الشيخ مشقة عظيمة في مبايعة الفرنج السلاح، وعلى المتدينين من المتعيشين من السلاح فاستفتوا الشيخ في مبايعة الفرنج السلاح.. فقال: يحرم عليكم مبايعتهم لأنكم تتحققون أنهم يشترونه ليقاتلوا به إخوانكم المسلمين، وجدد دعاءه على المنبر وكان يدعو به إذا فرغ من الخطبتين قبل نزوله من المنبر..وهو: اللهم أبرم لهذه الأمة أمراً رشداً، تعز فيه وليك وتذل فيه عدوك، ويعمل فيه بطاعتك وينهى فيه عن معصيتك، والناس يبتهلون بالتأمين والدعاء للمسلمين والنصر على أعداء الله الملحدين..



فكاتب أعوانُ الشيطان السلطان بذلك وحرفوا القول وزخرفوه، فجاء كتابه باعتقال الشيخ فبقي مدة معتقلاً، ثم وصل الصالح إسماعيل وأخرج الشيخ بعد محاورات ومراجعات فأقام مدة بدمشق..ثم انتزح عنها إلى بيت المقدس، فوافاه الملك الناصر داود في الفور فقطع عليه الطريق، وأخذه وأقام عنده بنابلس مدة وجرت له معه خطوب، ثم انتقل إلى بيت المقدس وأقام به مدة..



ثم جاء الصالح إسماعيل والملك المنصور صاحب حمص وملوك الفرنج بعساكرهم وجيوشهم إلى بيت المقدس يقصدون الديار المصرية، فسير الصالح إسماعيل بعض خواصه إلى الشيخ بمنديله وقال له: تدفع منديلي إلى الشيخ وتتلطف به غاية التلطف وتسـتـنـزله وتعده بالعود إلى مناصبه على أحسن حال، فإن وافقك فتدخل به عليّ وإن خالفك فاعتقله في خيمة إلى جانب خيمتي.



فلما اجتمع الرسول بالشيخ، شرع في مسايسته وملاينته، ثم قال له بينك وبين أن تعود إلى مناصبك وما كنت عليه وزيادة أن تنكسر للسلطان وتقبل يده لا غير، فقال له: والله يا مسكين ما أرضاه أن يقبل يدي فضلاً أن أقبل يده، يا قوم أنتم في واد وأنا في واد والحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به. فقال له: قد رسم لي إن لم توافق على ما يطلب منك وإلا اعتقلتك، فقال: افعلوا ما بدا لكم، فأخذه واعتقله في خيمة إلي جانب خيمة السلطان وكان الشيخ يقرأ القرآن والسلطان يسمعه..



فقال يوماً لملوك الفرنج: تسمعون هذا الشيخ الذي يقرأ القرآن قالوا: نعم، قال: هذا أكبر قسوس المسلمين، وقد حبسته لإنكاره علي تسليمي لكم حصون المسلمين، وعزلته عن الخطابة بدمشق وعن مناصبه، ثم أخرجته فجاء إلى القدس وقد جددت حبسه واعتقاله لأجلكم. فقالت له ملوك الفرنج: لو كان هذا قسيسنا لغسلنا رجليه وشربنا مرقها. [طبقات الشافعية الكبرى لتاج الدين أبي النصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي (8/242) طبعة الحلبي].



إن هذه القصة تحتوي على عبر كثيرة، فهي تدل على عظمة سلطان العلماء وقوته في الحق وثباته عليه، واستهانته بأعداء الله وإشفاقه عليهم وغبطته بنعمة الله عليه حيث عافاه من العبودية لغيره التي ابتلي بها عبيد الطغاة والجاه وا لمنصب.



أنكر المنكر من غيرخوف لومة لائم، في وقت لا يشك فيه بأن اللوم وما يتبعه من عقوبات سيصدر من ملك البلاد الذي هو أكبر مسؤول وبيده القوة المادية. ودعا على المنبر بالدعاء الذي يزلزل عرش الطاغية.



وتعاون أعداء الله عليه مع السلطان بالزور والباطل، فاعتقل وصبر وأفرج عنه فانتقل إلى مكان آخر فتلقفته أيد أخرى جرت له معها خطوب. وامتحن بالترغيب في الجاه والمنصب والحظوة عند السلطان إذا انكسر له وقبل يده، فكان جوابه: (والله يا مسكين ما أرضاه أن يقبل يدي فضلاً أن أقبل يده، يا قوم أنتم في واد وأنا في واد، والحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به). نعم إنه في وادي العبودية المحضة للإله الحق، وهم في العبودية المذلة لعبيد الملك والسلطان فشتان بين مشرق ومغرب.



ثم امتحن بالتهديد والعقاب فكان جوابه جواب عبد الله المتوكل عليه: "افعلوا ما بدا لكم".ولعله قال هذه الجملة وهو يتذكر قول هود عليه السلام في تحديه لقومه: قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [هود:54-56].



ومن العبر التي احتوتها القصة إذلال من طلب العزة من غير الله، فهذا الملك الذي طلب النصر من الكفار وعامل الشيخ تلك المعاملة طلباً لرضاهم، لم يزيدوا على أن اعترفوا بعظمة الشيخ صراحة وبنذالة السلطان ضمناً حيث قالوا له: "لو كان هذا قسيسنا لغسلنا رجليه وشربنا مرقها". وليت حكام الشعوب الإسلامية يتعظون بهذه العبرة.



أما القصة الثانية: فهي إصراره على عدم صحة بيع أمراء الأتراك وشرائهم، وغير ذلك من المعاملات التي تشترط فيها الحرية، لأن سادتهم ولوهم الإمارات وهم عبيد لبيت مال المسلمين، وعلى الرغم من وقوف السلطان معهم، ومن مناصبهم التي أرادوا استغلالها ضده ثم الدفاع عن أنفسهم، فإنه صمم على بيعهم حتى بيعوا وصرفت أثمانهم في مصالح المسلمين العامة أمراء باعهم سلطان العلماء وبائع الملوك!!. وهذه هي القصة:



"ذِكْرُ كائنة الشيخ مع أمراء الدولة من الأتراك، وهم جماعة ذكر أن الشيخ لم يثبت عنده أنهم أحرار، وأن حكم الرق مستصحب عليهم لبيت مال المسلمين، فبلغهم ذلك فعظم الخطب عندهم فيه وأضرم الأمر، والشيخ مصمم لا يصحح لهم بيعاً ولا شراء ولا نكاحاً وتعطلت مصالحهم بذلك..



وكان من جملتهم نائب السلطنة، فاستشاط غضباً، فاجتمعوا وأرسلوا إليه فقال: نعقد لكم مجلساً وينادى عليكم لبيت مال المسلمين، ويحصل عتقكم بطريق شرعي. فرفعوا الأمر إلى السلطان فبعث إليه فلم يرجع، فجرت من السلطان كلمة فيها غلظة، حاصلها الإنكار على الشيخ في دخوله في هذا الأمر وأنه لا يتعلق به، فغضب الشيخ وحمل حوائجه على حمار وأركب عائلته على حمار آخر ومشى خلفهم خارجاً من القاهرة قاصداً نحو الشام..فلم يصل إلى نحو نصف بريد إلا وقد لحقه غالب المسلمين، لا سيما العلماء والصلحاء والتجار وأنحاؤهم فبلغ السلطان الخبر، وقيل له: متى راح ذهب ملكك..



فركب السلطان بنفسه ولحقه واسترضاه وطيب قلبه، فرجع واتفقوا معه على أنه ينادى على الأمراء، فأرسل إليه نائب السلطنة بالملاطفة فلم يفد فيه فانزعج النائب، وقال: كيف ينادي علينا هذا الشيخ ويبيعنا ونحن ملوك الأرض، والله لأضربنه بسيفي هذا.. فركب بنفسه في جماعته وجاء إلى بيت الشيخ والسيف مسلول في يده، فطرق الباب، فخرج ولد الشيخ، أظنه عبد اللطيف فرأى من نائب السلطنة ما رأى، فعاد إلى أبيه وشرح له الحال، فما اكترث لذلك ولا تغير، قال: يا ولدي أبوك أقل من إن يقتل في سبيل الله..



ثم خرج كأنه قضاء الله قد نزل على نائب السلطنة، فحين وقع بصره على النائب يبست يد النائب وسقط السيف منها وأرعدت مفاصله، فبكى وسأل الشيخ أن يدعو له، وقال: يا سيدي خبر أيش تعمل؟ قال: أنادي عليكم وأبيعكم، قال: ففيم تصرف ثمننا؟ قال: في مصالح المسلمين قال: من يقبضه؟ قال: أنا.. فتم له ما أراد، ونادى على الأمراء واحدا واحداً وغالى في ثمنهم وقبضه وصرفه في وجوه الخير. وهذا ما لم يسمع بمثله عن أحد رحمه الله تعالى ورضي عنه". [طبقات الشافعية الكبرى (8/216)].



نعم لم يسمع بمثله عن أحد، ولكنه نموذج يقتدي به السائرون ونبراس يضيء الدرب للمجاهدين وضياء ينير الصراط للصابرين، والسؤال: هل يوجد عالم واحد يشبه بائع الملوك والسلاطين، وهل يوجد لهذا العالم -لو وجد-من ينصره ويقف بجانبه، كما وقفوا بجانب بائع الملوك العلماء والصلحاء، حتى تهتز عروش من يحاربون الإسلام؟!





السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13474659

عداد الصفحات العام

782

عداد الصفحات اليومي