﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (04) سافر معي في المشارق والغارب :: (24) أثر الترية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (03) سافر معي في المشارق والمغارب :: (023) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(116)الجهاد في سبيل الله-المثال الثالث: شيخ الإسلام ابن تيمية

(116)الجهاد في سبيل الله-المثال الثالث: شيخ الإسلام ابن تيمية



ومن أعلام نماذج قدوة السائرين شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. ولقد وضع رحمه الله للجهاد في سبيل الله قاعدة عامة عرف بها الجهاد، استخلصها من نصوص الكتاب والسنة والهدي النبوي وسير أصحاب الرسول صَلى الله عليه وسلم وأتباعهم بإحسان..



وتعريفه للجهاد هو الذي اختاره الباحث، ويعيده هنا ليربط القارئ بين تعريف هذا المجاهد للجهاد في سبيل الله وتطبيقه العملي للجهاد..



فقد قال رحمه الله: "فمن كان محباً لله لزم أن يتبع الرسول فيصدقه فيما أخبر ويطيعه فيما أمر ويتأسى به فيما فعل، ومن فعل هذا فقد فعل ما يحبه الله فيحبه الله، فجعل الله لأهل محبته علامتين: اتباع الرسول والجهاد في سبيله.



وذلك لأن الجهاد حقيقته الاجتهاد في حصول ما يحبه الله من العمل الصالح ومن دفع ما يبغضه الله من الكفر والفسوق والعصيان". [مجموع الفتاوى (10/191)].



وقال بعد ذلك بقليل: "والجهاد هو بذل الوسع - وهو القدرة - في حصول محبوب الحق ودفع ما يكرهه الحق، فإذا ترك العبد ما يقدر عليه من الجهاد كان دليلاً على ضعف محبة الله ورسوله في قلبه". [مجموع الفتاوى (10/192)].

والذي يدرس سيرة هذا المجاهد يدرك أنه بذل أقصى وسعه في الجهاد في سبيل الله، بمعناه الشامل الذي لا تشذ عنه شاذة، فكل ما يحبه الله ورسوله من العلم النافع والعمل الصالح، بذل ابن تيمية فيه أقصى وسعه في تطبيقه بنفسه، ودعا الناس إليه واجتهد في إيصاله إليهم وإقناعهم به، ولا يرده عن القيام به في كل حياته إلا عجزه عنه الذي يعذره الله به.

كل ما يبغضه الله ورسوله من الكفر والفسوق والعصيان، بذل ابن تيمية أقصى جهده في الابتعاد عنه وتحذير الناس عنه بالوسائل المناسبة المتاحة له، فما كان أسلوبه البيان بالغ في بيانه، وما كان أسلوبه الزجر والتحذير بالغ في الزجر عنه والتحذير منه، وما كانت وسيلته الجهاد المسلح حمل ابن تيمية لأهله السلاح وقارعهم به.

أما جهاده في تحصيل العلم النافع، فقد قال عنه الحافظ عمر بن علي البزار: "ولم يزل منذ إبان صغره مستغرق الأوقات في الجد والاجتهاد وختم القرآن صغيراً، ثم اشتغل بحفظ الحديث والفقه والعربية حتى برع في ذلك مع ملازمة مجالس الذكر وسماع الأحاديث والآثار.. ولقد سمع غير كتاب على غير شيخ من ذوي الروايات الصحيحة العالية، أما دواوين الإسلام الكبار كمسند أحمد وصحيح البخاري ومسلم وجامع الترمذي وسنن أبي داود السجستاني والنسائي وابن ماجه والدارقطني، فإنه رحمه الله ورضي عنهم وعنه، فإنه سمع كل واحد منها عدة مرات.. وأول كتاب حفظه في الحديث: الجمع بين الصحيح للإمام الحميدي.

وقل كتاب من فنون العلم إلا وقف عليه، وكان الله قد خصه بسرعة الحفظ وإبطاء النسيان، لم يكن يقف على شيء أويستمع لشيء غالباً إلا ويبقى على خاطره: إما بلفظه أو معناه، وكان العلم كأنه قد اختلط بلحمه ودمه وسائره، فإنه لم يكن له مستعاراً بل كان له شعاراً ودثاراً..

ولم يزل آباؤه أهل الدراية التامة والنقد والقدم الراسخة والفضل، لكن جمع الله له ما خرق بمثله العادة، ووفقه في جميع أمره لأعلام السعادة وجعل مآثره لإمامته من أكبر شهادة، حتى اتفق كل ذي عقل سليم أنه ممن عنى نبينا صَلى الله عليه وسلم بقوله: (إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها) [قال المحشي: أخرجه أبو داود، برقم (4291) والحاكم، برقم (8593) وغيرهما بسند صحيح من حديث أبي هريرة رضِي الله عنه، وهو في سلسلة الأحاديث الصحيحة للمحدث الألباني برغم 601]. فلقد أحيا الله به ما كان قد درس من شرائع الدين وجعله حجة على أهل عصره أجمعين والحمد لله رب العالمين". [انتهى كلام البزار من الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية ـ تحقيق زهير الشاويش ـ ص: 19ـ21]. ولا شك أن العلم النافع - وهو الفقه في الدين - لهو قاعدة الجهاد في سبيل الله.

وقال الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله: "وفي الجملة إن ذلك الفتى ربى نفسه تربية عالية، فتعلم العلوم التي كانت رائجة في عصره ولم يترك باباً من الأبواب إلا أتقنه، ولقد قال فيه أحد معاصريه: "قد ألان الله له العلوم كما ألان لداود الحديد، كان إذا سئل عن فن من العلم ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن، وحكم أن أحداً لا يعرفه مثله.. وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جلسوا معه استفادوا في مذاهبهم منه، ما لم يكونوا عرفوه قبل ذلك، ولا يعرف أنه ناظر أحداً فانقطع فيه، ولا تكلم في علم من العلوم سواء أكان من علوم الشرع أم من غيرها إلا فاق فيه أهله والمنسوبين إليه، وكانت له اليد الطولى في حسن التصنيف... هذه ثمرة الدراسة الواسعة التي تلقاها وعالجها في نشأته وشبابه، حتى صار له شأنه وشغل عصره والأجيال، وجدد الإسلام وأعاده قشيباً كما بدا غضاً، وأزال عنه غبار القرون الذي تكاثف عليه، حتى حال دون إدراك حقيقته ومعرفة غايته" [ابن تيمية حياته وعصره ـ ص: 28 فقرة 31].

وأما اجتهاده وجهاده في عبادة ربه، فقد كان محافظاً مع الفرائض على النوافل المطلقه والمقيدة والأذكار والأدعية، كما كان يعود المرضى في كل أسبوع..ولقد وصف تلميذه الحافظ عمر بن علي البزار عبادته.. ثم قال: "وكان رضِي الله عنه كثيراً ما يرفع طرفه إلى السماء لا يكاد يفتر من ذلك، كأنه يرى شيئاً يثبته بنظره، فكان هذا دأبه مدة إقامتي بحضرته، فسبحان الله ما أقصر ما كانت! يا ليتها كانت طالت، ولا والله ما مر على عمري إلى الآن زمان كان أحب إلي من ذلك الحين، ولا رأيتني في وقت أحسن حالاً مني حينئذ". [الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية ص: 42ـ43].

وأما دعوته إلى العلم النافع والعمل الصالح، فتتضح من كثرة مجالسه وحلقاته وتطوافه للدعوة إلى الله تعالى في كل مكان نزل به، حتى ولو كان ذلك المكان هو السجن..كما قال ابن كثير رحمه الله: "والمقصود أن الشيخ تقي الدين أقام بثغر الإسكندرية ثمانية أشهر، مقيماً ببرج متسع مليح نظيف له شباكان، أحدهما إلى جهة البحر والآخر إلى جهة المدينة، وكان يدخل عليه من شاء ويتردد إليه الأكابر والأعيان والفقهاء، ويقرأون عليه ويستفيدون منه، وهو في أطيب عيش وانشراح صدر". [البداية والنهاية (14ـ50)].

وأما تحذيره من البدع والاجتهاد في قمعها وإظهار مخالفتها للكتاب والسنة وإقامة الحجة على أهلها فإن أمثلة ذلك لا تحصى كثرة..فقد تصدى للصوفية الغالية بجميع طرقها، ومن ذلك ما جرى له مع الرفاعية الذين كانوا يضلون الناس بشعوذاتهم التي يدعون أنها كرامات، فقد عقد معهم جلسات حضرها جمع من الناس، وضح فيها أن ما يدعونه من الكرامات إنما هو شعوذات..ومن ذلك زعمهم أنهم يدخلون في النار ولا تحرقهم، فطلب منهم ابن تيمية أن يغسلوا أجسامهم بما يزيل ما يعلق بها مما يدهنون به ويحتالون على الناس به، وباهلهم في ذلك، بل بين للناس أنهم وإن دخلوا النار على سبيل الفرض ولم تؤثر فيهم، فإن ذلك لا يدل على كرامات لهم ما داموا يخالفون الإسلام.. قال ابن كثير: "وأظهر الله السنة على يديه وأخمد بدعتهم ولله الحمد والمنة". [راجع البداية والنهاية من (14ـ26) وما بعدها، وكذا كتاب العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، لتلميذه محمد بن أحمد بن عبد الهادي، ص: 194].

وكان يتخذ لكل قضية أو حادثة ما يناسبها، يقابل فساد التصور بالإيضاح والبيان لذلك الفساد، ولما هو الحق بالحجج والبراهين، فإذا كان ذوو الفساد مسلحين يعيثون في الأرض فساداً، اتخذ مع موقف البيان والحجة موقف الجهاد المسلح، كما فعل مع النصيرية والتتار. قال تلميذه محمد بن أحمد بن عبد الهادي: "وكان توجه الشيخ تقي الدين رضِي الله عنه إلى الكسراويين في مستهل ذي الحجة سنة أربع وسبعمائة وصحبته الأمير قراقوش... وفي يوم الخميس سابع عشر وصل النائب والعسكر معه إلى دمشق، بعد أن نصرهم الله تعالى على حزب الضلال من الروافض والنصيرية وأصحاب العقائد الفاسدة وأبادهم الله من تلك الأرض والحمد لله رب العالمين. وبعد أن جاهد ابن تيمية النصيرية وانتصر عليهم مع نائب السلطنة والأمير قراقوش، كتب كتاباً للسلطان الملك الناصر يهنئه فيه بالنصر على حزب الضلال ويوضح له فيه ضلالهم وشرهم واعتداءهم على المسلمين، وتكفيرهم للسلف الصالح من الصحابة والتابعين ومشايخ الإسلام، وأنهم عندهم أكفر من اليهود والنصارى، وأن تعاونهم مع الفرنج والتتار على المسلمين مبني على هذا الاعتقاد الفاسد. وقد سجل هذه الرسالة كذلك تلميذه ابن عبد الهادي [راجع ذلك في العقود الدرية.. ص:181ـ194، وهي أيضاً في مجموع الفتاوى، جمع ابن قاسم (28/398/409)].

ومما قاله في هذا الخطاب: "فإن ما من الله به من الفتح والنصر على هؤلاء الطغاة، هو من عزائم الأمور التي أنعم الله بها على السلطان وأهل الإسلام.. وذلك لأن هؤلاء وجنسهم من أكابر المفسدين في أمر الدنيا والدين، فإن اعتقادهم أن أبا بكر وعمر وعثمان وأهل بدر وأهل بيعة الرضوان، وجمهور المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، وأئمة الإسلام وعلماءهم أهل المذاهب الأربعة وغيرهم، ومشايخ الإسلام وعبادهم وملوك المسلمين وأجنادهم وعوام المسلمين وأفرادهم..كل هؤلاء عندهم كفار مرتدون، أكفر من اليهود والنصارى لأنهم مرتدون عندهم، والمرتد شر من الكافر الأصلي، ولهذا السبب يقدمون الفرنج والتتار على أهل القرآن والإيمان... ولقد كان جيرانهم من أهل البقاع وغيرهم معهم في أمر لا يضبط شره، كل ليلة تنزل عليهم منهم طائفة ويفعلون من الفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد، كانوا في قطع الطرقات وإخافة سكان البيوتات، على أقبح سيرة عرفت من أهل الجنايات، يرد إليهم النصارى من أهل قبرص فيضيفونهم ويعطونهم سلاح المسلمين، ويقعون بالرجل الصالح من المسلمين، فإما أن يقتلوه أو يسلبوه". [مجموع الفتاوى (28/400/403) وكذا (28/553)].

هذا الذي يصفه ابن تيمية من إفساد النصيرية، كان في وقت لا دولة لهم قائمة، ولذلك غزاهم هو ونائب السلطنة في دمشق وأحد الأمراء مع بعض العساكر وخضدوا شوكتهم. أما بعد أن قامت لهم دولة في هذا العصر، فقد أذاقوا المسلمين كل ما يمليه عليهم حقدهم من قتل وسجن وتعذيب وتشريد ونفي، ولكن تلاميذ ابن تيمية لهم بالمرصاد والله غالب على أمره، وهاهم اليوم في الأربع السنين الأخيرة من 2011-2015م يدفنون المسلمين في مدنهم وقراهم وحاراتهم بالقنابل والبراميل المتفجرة، عن طريق الطائرات الحربية وغيرها، من أجل بقائهم على كراسي ظلمهم.

أما التتار فكان جهاده لهم على وجهين:

الوجه الأول: إهابته بالمسلمين وحضه لهم على الثبات والاستبسال والمقاومة والقتال، وتحذيرهم من الجبن والفرار، وكان ذلك في الشام ومصر على السواء.. فقد كان رحمه الله يجوب الأرض، ناصحاً للحكام وكبار رجال الدولة وأعيان البلد وعامة المسلمين، داعياً لهم إلى التضحية واعداً لهم بالنصر على الأعداء، مجادلاً من عنده أدنى شك في كفر التتار ووجوب قتالهم، مقيماً لهم الحجة في كل ذلك..

وقد نجح في تثبيت المسلمين وإقناعهم بوجوب قتال هؤلاء الأعداء، فقاتلوهم حتى نصرهم الله عليهم بعد هزائم منكرة أنزلت بالمسلمين من التتار.. وأخذ ابن تيمية رحمه الله يذكر المسلمين بنعمة الله ونصره، ويقارن بين حالهم هذه مع التتار وبين الحال التي كان عليها الرسول صَلى الله عليه وسلم وأصحابه في غزوة الأحزاب، موضحاً أوجه الشبه فيها من نصر الله الذي أنزله على أوليائه بأعدائه بعد أن بلغت القلوب الحناجر وزلزل المسلمون زلزالاً شديداً". [راجع البداية والنهاية (14ـ13) وما بعدها.. وراجع رسائله رحمه الله في شأن التتار في مجموع الفتاوى (28/410ـ553)].

والوجه الثاني من جهاده رحمه الله: تصديه لأعداء الله بنفسه، ينصحهم ويهددهم ويستنقذ منهم أسرى المسلمين، ويباشر قتالهم ويشارك في حراسة البلد مع عامة المسلمين.. قال ابن كثير رحمه الله: "وفي هذا اليوم - الثاني من رجب سنة 699 للهجرة - خرج الشيخ تقي الدين بن تيمية إلى مخيم بولاي، فاجتمع به في فكاك من كان معه من أسارى المسلمين، فاستنقذ كثيراً منهم من أيديهم وأقام عنده ئلاثة أيام.. - إلى أن قال-: وكان الشيخ تقي الدين بن تيمية يدور كل ليلة على الأسوار، يحرض الناس على الصبر والقتال، ويتلو عليهم آيات الجهاد والرباط". [البداية والنهاية (14ـ10ـ11)].

وقد وصف تلميذه ابن عبد الهادي بعض مواقفه في جهاده التتار فقال: "وبقي الشيخ المذكور - رضِي الله عنه - هو وأخوه وأصحابه ومن معه من الغزاة، قائماً بظهوره وجهاده ولأمة حربه، يوصي الناس بالثبات ويعدهم بالنصر ويبشرهم بالغنيمة والفوز بإحدى الحسنيين.. إلى أن صدق الله وعده وأعز جنده وهزم التتار وحده، ونصر المؤمنين وهزم الجمع وولوا الدبر، وكانت كلمة الله هي العليا، وكلمة الكفار هي السفلى، وقطع دابر القوم الكفار والحمد لله رب العالمين.. ودخل جيش الإسلام المنصور إلى دمشق المحروسة، والشيخ في أصحابه شاكياً في سلاحه داخلاً معهم، عالية كلمته قائمة حجته، ظاهرة ولايته مقبولة شفاعته مجابة دعوته". [العقود الدرية في مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ص: 177].

قال ابن كثير عنه رحمه الله: "وفي يوم الاثنين رابع الشهر رجع الناس من الكسوة إلى دمشق، فبشروا الناس بالنصر.. وفيه دخل الشيخ تقي الدين بن تيمية البلد ومعه أصحابه في الجهاد، ففرح الناس به ودعوا له وهنأوه بما يسر الله على يديه من الخير...وذلك أنه ندبه العسكر الشامي أن يسير إلى السلطان يستحثه السير إلى دمشق، فسار إليه فحثه على المجيء إلى دمشق بعد أن كاد يرجع إلى مصر، فجاء هو وإياه جميعاً فسأله السلطان أن يقف معه في معركة القتال.. فقال له الشيخ: السنة أن يقف الرجل تحت راية قومه، ونحن من جيش الشام لا نقف إلا معهم، وحرض السلطان على القتال وبشره بالنصر وجعل يحلف بالله الذي لا إله إلا هو، إنكم منصورون عليهم في هذه المرة.. فيقول له الأمراء: قل إن شاء الله، فيقول إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً، وأفتى الناس بالفطر مدة قتالهم وأفطر هو أيضاً، وكان يدور على الأجناد والأمراء فيأكل شيئاً معه في يده ليعلمهم أن إفطارهم ليتقوّوا على القتال أفضل، فيأكل الناس". [البداية والنهاية (14ـ25ـ26)].

وقال الحافظ عمر بن علي البزار: "كان رضِي الله عنه من أشجع الناس وأقواهم قلباً، ما رأيت أحداً أثبت جأشاً منه، ولا أعظم عناء في جهاد العدو منه، كان يجاهد في سبيل الله بقلبه ولسانه ويده، ولا يخاف في الله لومة لائم. وأخبر غير واحد أن الشيخ رضِي الله عنه كان إذا حضر مع معسكر للمسلمين في جهاد، يكون بينهم واقيتهم وقطب ثباتهم، إن رأى من بعضهم هلعاً أو رقة أو جبانة شجعه وثبته وبشره ووعده بالنصر والظفر والغنيمة، وبين له فضل الجهاد والمجاهدين وإنزال الله عليهم السكينة.. وكان إذا ركب الخيل يتحنك ويجول في العدو كأعظم الشجعان، ويقوم كأثبت الفرسان ويكبر تكبيراً أنكى في العدو من كثير من الفتك بهم، ويخوض فيهم خوض رجل لا يخاف الموت". [الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية ص:69ـ70، وراجع كتاب الحافظ أحمد بن تيمية لأستاذنا أبي الحسن علي الحسني الندوي الهندي ص:48ـ54].

هذا الرجل العظيم الذي رزقه الله الفقه في الدين، والتطبيق العملي لما فقهه فيه من عمل صالح في ذات نفسه، ومن دعوة وبيان للحق وإزهاق للباطل، لم يدعه الحساد والجهال والحكام يمضي في طريقه.. بل حاربه كثير منهم وآذوه وصدوا الناس عن دعوته وعلمه بكل ما قدروا عليه، فاعتقل في سنة خمس وسبعمائة في مصر وأدخل السجن، وحبس كذلك سنة تسع وسبعمائة، ثم سجن سنة 726 في قلعة دمشق حتى توفي في سجنه، وهو يجاهد حسب استطاعته دون كلل أو ملل. [راجع البداية والنهاية لابن كثير (14/37/49/123)].

ولقد كان رحمه الله وهو في سجنه، يرسل صواعق الإسلام التي يكتبها لتحرق أعلام الشرك والبدع التي كان خصومه قد تجمعوا ضده، لهجومه عليها فازدادوا غيظاً.. وطلبوا من الحاكم عدم تمكينه من القراءة والكتابة، فلم يوقفه ذلك عن عمل ما يقدر عليه، فكان يكتب بالفحم حتى توفاه الله، وقد نقل تلميذه ابن عبد الهادي نصاً رآه مكتوباً في ورقة بعثها إلى بعض أصحابه مكتوبة بالفحم. [راجع العقود الدرية.. ص: 363ـ364].

وقال تلميذه الحافظ عمر بن علي البزار: "ولقد سجن أزماناً وأعصاراً وسنين وشهوراً، ولم يولهم دبره فراراً، ولقد قصد أعداؤه الفتك به مراراً، وأوسعوا خليهم عليه إعلاناً وإسراراً، فجعل الله حفظه منهم له شعاراً ودثاراً، ولقد ظنوا أن في حبسه مشينة، فجعله الله له فضيلة وزينة، وظهر له يوم موته ما لو رآه واده أقر به عينه، فإن الله تعالى لعلمه بقرب أجله ألبسه الفراغ عن الخلق للقدوم على الحق، أجمل حلله، كونه حبس على غير جريرة ولا جريمة.. بل على قوة في الحق وعزيمة.. [الأعلام العلية.. ص:78].

ولقد كان رحمه الله يحلم على من يجهل عليه، ويعفو عن من ظلمه، ويوصي أصحابه بذلك وهو في سجنه، وما كان يغضب إلا لله فقط.. أما نفسه فكل من نال منها أذى فهو في حل منه، عملا بوصايا الله تعالى بالاتصاف بعزم الأمور بالعفو والغفر عمن ظلم عند القدرة على الاقتصاص منه، كقوله تعالى: {وَلَمَنْ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ (43)} [الشورى] يدل على ذلك ما قاله في خطابه لأصحابه: (فلا أحب أن يُنتَصر من أحد بسبب كذبه عليّ أو ظلمه وعدوانه، فإني قد أحللت كل مسلم وأنا أحب الخير لكل المسلمين، وأريد لكل مؤمن من الخير ما أحبه لنفسي). [الفتاوى: 28ـ55].

وإن دفاع الشيخ عن خصومه الذين آذوه وتسببوا في سجنه مرات، وحاولوا صد الناس عن علمه والاستفادة منه، إن دفاعه عنهم وقد أراد السلطان قتلهم ـ لا حبسهم - معللاً ذلك بإيذائهم للشيخ - والواقع أنه كان يريد الانتقام منهم لسعيهم في عزله، فلم يوافقه الشيخ على ذلك بل أصر على عدم التعرض لهم بسوء.. إن ذلك لمن أكبر الأدلة على أن هذا الشيخ كان لا يغضب إلا لله سبحانه وتعالى، وأنه ابتلي فصبر وكان النصر حليفه.

قال ابن كثير رحمه الله: "وسمعت الشيخ تقي الدين يذكر ما كان بينه وبين السلطان من الكلام، لما انفردا في ذلك الشباك الذي جلسا فيه، وأن السلطان استفتى الشيخ في قتل بعض القضاة بسبب ما كانوا تكلموا فيه.. وأخرج له فتاوى بعضهم بعزله من الملك، ومبايعة الجاشنكير، وأنهم قاموا عليك وآذوك أنت أيضاً، وأخذ يحثه بذلك على أن يفتيه في قتل بعضهم..

وإنما كان حمقه عليهم بسبب ما كانوا سعوا فيه من عزلة ومبايعة الجاشنكير.. ففهم الشيخ مراد السلطان.. فأخذ في تعظيم القضاة والعلماء وينكر أن ينال أحداً منهم بسوء، وقال له: إذا قتلت هؤلاء.. لا تجد بعدهم مثلهم.. فقال له: إنهم قد آذوك وأرادوا قتلك مراراً..فقال الشيخ: من آذاني فهو في حل، ومن آذى الله ورسوله فالله ينتقم منه، وأنا لا أنتصر لنفسي ومازال به حتى حلم عنهم السلطان وصفح.. قال: وكان قاضي المالكية ابن مخلوف يقول: ما رأينا مثل ابن تيمية حرضنا عليه فلم نقدر عليه وقدر علينا فصفح عنا وحاجج عنا". [البداية والنهاية من 14ـ54].

وليت المسلمين -وخاصة العلماء- يأخذون من هذا الموقف قدوة، فلا يكونون مطايا للظلمة، يفتونهم بما يرضيهم، ولا يراعون في فتاواهم خوف الله، وحقوق عباده. إن ابن تيمية من أعظم النماذج التي يقتدي بها السائرون، بسبب فقهه في الدين فقهاً يندر توافره لكثير من العلماء المجتهدين، وشدة تعبده وإخلاصه لله الخالق.. وقيامه بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصلابته في الحق، وصبره على المحن والفتنة في ذات الله تعالى، وصفحه عن أعدائه في كل ما نالوه من أذى وما أحوج العالم اليوم إلى هذا النموذج الفريد الذي جمع الله فيه ما فرق في غيره!

ولا يقدر على مقارعة أعداء الحق، من علماء الضلال وفرق البدع وطواغيت الحكم في الأرض، إلا أمثال ابن تيمية الذي عرف الحرية الحقة والرق المذل.. الحرية الحقة التي صاحبها في غياهب السجون، وخلف قضبان الحديد تحت التعذيب والحرمان من كل متع الدنيا، والرق المذل الذي قد يصاحبه رئيس دولة أو ذا مركز مرموق فيها..

وقد قال في ذلك رحمه الله: "وكلما قوى طمع العبد في فضل الله ورحمته لقضاء حاجته ودفع ضرورته، قويت عبوديته له وحريته مما سواه... وكل من علق قلبه بالمخلوقين أن ينصروه أو يرزقوه أو أن يهدوه، خضع قلبه لهم وصار فيه من العبودية لهم بقدر ذلك، وإن كان في الظاهر أميراً لهم مدبراً لأمورهم متصرفاً بهم.

فالعاقل ينظر إلى الحقائق لا إلى الظواهر... واستعباد القلب أعظم من استعباد البدن، فإن من استعبد بدنه واسترق وأسر، لا يبالي إذا كان قلبه مستريحاً من ذلك مطمئناً، بل يمكنه الاحتيال في الخلاص، وأما إذا كان القلب - الذي هو ملك الجسم - رقيقاً مستعبداً متيماً لغير الله، فهذا هو الذل والأسر المحض والعبودية الذليلة لما استعبد القلب...

فالحرية حرية القلب والعبودية عبودية القلب... وكذلك طالب الرئاسة والعلو في الأرض، قلبه رقيق لمن يعينه عليها، ولو كان في الظاهر مقدمهم والمطاع فيهم.. فهو في الحقيقة يرجوهم ويخافهم، فيبذل لهم الأموال والولايات ويعفو عما يجترحونه، ليطيعوه ويعينوه، فهو في الظاهر رئيس مطاع وفي الحقيقة عبد مطيع. والتحقيق أن كلاهما (هكذا) فيه عبودية للآخر، وكلاهما تارك لحقيقة عبادة الله، وإذا كان تعاونهما على العلو في الأرض بغير الحق، كانا بمنزلة المتعاونين على الفاحشة أو قطع الطريق، فكل واحد من الشخصين لهواه الذي استعبده واسترقه مستعبد للآخر." [مجموع الفتاوى (10ـ184ـ189) أخذ منها باختصار].

وماذا ينتظر أعداء الدعوة إلى الله من دعاة أحرار القلوب الذين يعتبرون أعداءهم أرقاء، وإن قعدوا على العروش وحكموا وأمروا ونهوا وتجبروا وعلوا في الأرض وعاثوا فساداً..؟ ماذا ينتظر عبيد الدنيا وإن سادوا – في ظاهر الأمر – من عباد الله الأحرار، وإن سجنوا وأوذوا وقتلوا وأخرجوا من ديارهم؟

وها هو ابن القيم رحمه الله ينقل عن شيخه الحر ابن تيمية رحمه الله، ما لو عقله عبيد الدنيا عن عباد الله لكفوا عن إيذائهم وسجنهم وقتلهم، لأنهم لا يزدادون بذلك إلا فرحاً وسروراً، وزلفى إلى ربهم ورفعة في الأرض وثواباً في الآخرة.. قال رحمه الله: "وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: "إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة". وقال لي مرة: "ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، إن رحت فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة..".

وكان يقول في محبسه في القلعة: "لو بذلت ملء هذه القلعة ذهباً ما عدل عندي شكر هذه النعمة" أو قال: "ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير" ونحو هذا.. وكان يقول في سجوده: "اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ما شاء الله". وقال لي مرة: "المحبوس من حبس قلبه عن ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه" ولما دخل إلى القلعة، وصار داخل سورها نظر إليه وقال: "فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب". وعلم الله ما رأيت أحداً أطيب عيشاً منه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش وخلاف الرفاهية والنعيم بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق.. وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشاً وأشرحهم صدراً وأقواهم قلباً، وأسرهم نفساً تلوح نضرة النعيم على وجهه..

وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت بنا الظنون وضاقت منا الأرض أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه، فيذهب ذلك كله وينقلب انشراحاً وقوةً ويقيناً وطمأنينة.. فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل فآتاهم من رَوْحها ونسيمها وطيبها، ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها..". [الوابل الصيب من الكلم الطيب ص:670 من مجموعة الحديث التي طبعت من مطابع الحكومة في الرياض بأمر الملك فيصل رحمه الله سنة1389هـ].

وإن المسلمين الذين يتوقون إلى الجهاد في سبيل الله لفي أمس الحاجة، بل الضرورة، إلى أمثال هذا النموذج الذي يرون فيه القدوة الحسنة في الفقه والدين والعمل الصالح، والدعوة إلى الله، والجهاد في سبيله والصبر على البلاء والاطمئنان إلى قضاء الله، وعدم الاكتراث بذوي الجبروت والطغيان عبيد الدنيا والمناصب والشهوات. ولو أن المسلمين وجدوا هذا النموذج من الدعاة إلى الله، أحرار القلوب الذين إذا سمع كلامهم أو رآهم من اشتد خوفه وساءت منه الظنون وضاقت منه الأرض، ذهب كل ما به وانقلب انشراحاً وسروراً وطمأنينة وقوة ويقيناً لكان للمسلمين مع طغاة الأرض شأن آخر.

نعم الأرض لا تخلو من ناصرين لدين الله، يجمع الله فيهم ما تفرق في غيرهم، ولكنها فترات يحصل فيها جَزْر ليعقبه مد، لا يُبقِي من أعداء الله ولا يذر. وعلى من يريد أن يتصدى للدعوة إلى الله، أن يكون حر القلب كامل العبودية، لا تسترقه الشهوات ولا ترغيب أعداء الله أو ترهيبهم ولا سجونهم ومعتقلاتهم.. وليرددوا مع شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قوله: "ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، أين رحت فهي معي لا تفارقني.. إن حبسي خلوة.. وقتلي شهادة.. وإخراجي من بلدي سياحة"..وليرددوا مع سيد قطب الداعية الحر الصبور قوله:

أخي أنت حر وراء السدود،،،،،،،،،،،أخي أنت حر بتلك القيود
إذا كنت بالله مستعصماً،،،،،،،،،،،،،،،،فماذا يضيرك كيد العبيد!





السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13467551

عداد الصفحات العام

779

عداد الصفحات اليومي