﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (04) سافر معي في المشارق والغارب :: (24) أثر الترية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (03) سافر معي في المشارق والمغارب :: (023) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(0118) الجهاد في سبيل الله-المثال الخامس: الشيخ حسن البنا

(0118) الجهاد في سبيل الله-المثال الخامس: الشيخ حسن البنا

ولما كان المقصود ذكر نماذج يقتدي بها السائرون،

وليس الاستقصاء لقادة الدعوة والجهاد، فإن هذا العصر الذي تعيش فيه البشرية المعذبة بسفك دمائها وجوعها وعطشها، إخراجها من ديارها، وتهجيرها من بلادها، بسبب احتلال الأجانب لبلدانهم سابق ولاحقا، ولتنافس زعماء الأحزاب السياسية حاليا، وانتشار الأمراض التي لا تجد الدواء لها في أجسادها، أجدر بذكر نماذج قدوة السائرين من غيره..إذ أن ذلك أكثر حفزاً لهممهم، ونماذجه أقرب تمثلاً من غيرهم، لأن دعوتهم لا تزال حية في النفوس، ويحملها أتباع لهم مازالوا يرفعون الراية ويهتفون بالمسلمين وبغيرهم: هلموا إلينا فإنا عليكم مشفقون، وبيدنا هدي الله الذي يهدي للتي هي أقوم..


ومن هؤلاء الشيخ حسن البنا رحمه الله.

إن العصر الذي نشأ فيه البنا عصر كله كوارث مرعبة وعوائق مثبطة وعوامل مبطئة، عصر سقطت فيه آخر رمز لراية الخلافة الإسلامية، فانتثر بذلك عقد المسلمين، فتفرقوا شذر مذر، مثل الصبيان الذين فارق الحياة آباؤهم وليس لهم من يشرف على تربيتهم ويتعهدهم، فيذهبون هائمين يتسكعون في الأزقة ويشحذون لقمة العيش ـ هكذا أصبحت الشعوب الإسلامية –


عصر خرجت فيه جيوش الكفر من أوربا متنافسة في احتلال أراضي المسلمين، والسيطرة على شعوبهم ونهب خيراتهم، وجعلوا تلك الشعوب أسواقاً رائجة لصناعاتهم ونشر ثقافاتهم فيها ومذاهبهم وأفكارهم في أبناء المسلمين لإبعادهم عن دينهم وأخلاقهم، والقضاء على عزتهم وجعلهم أتباعاً لهم ينفذون ما يأمرونهم به..حتى أصبح غالب قادة البلدان الإسلامية ثلة من أبناء المسلمين في أسمائهم، ولكنهم أوربيون في ثقافاتهم وسياستهم، يفتخرون بذلك ويحملون أبناء وطنهم على الخضوع له قهراً..

وكانت مصر من أهم هذه البلدان التي منيت بهذا السرطان القاتل، وكان الناس في هذه الشعوب أقساما:

- قسم يؤيد المحتل ويسير تحت رايته لينال زعامة كاذبة وغنى مترفاً وهو عبد مطيع لسيده المستعمر..

- وقسم يصعب عليه الحصول على لقمة العيش وهي همه الوحيد، فهو يسعى ويكدح ليعيش ولا تطمح نفسه إلى غير رزقه، فإذا أوجد له المستعمر عملاً يوصله إلى بغيته طار بذلك فرحاً، وشعر بأن لهذا المحتل منة عليه، ويدخل تحت هذا القسم كثير من العمال والموظفين الصغار.

- وقسم آخر يكاد يحترق قلبه لما يرى من استعباد الأجنبي الكافر للشعب المسلم المغلوب على أمره، ويتمنى من قرارة نفسه أن يرى اليوم الذي يضطر هذا الأجنبي إلى حزم حقائبه للخروج من هذا البلد إلى بلده يجر ثوب الهزيمة..


ولكن هذا القسم كذلك مغلوب على أمره، لقلته من جهة، ولوقوف كثير أبناء بلده من عبيد المال والجاه والمنصب مع عدوه من جهة أخرى، ولحيرته في سلوك السبيل الناجح الذي يوصله إلى إرغام الغاصب بأن ينصاع له من جهة ثالثة.

- وقسم آخر كان جديراً بأن يبصر المسلمين بواجبهم ويقودهم إلى ما فيه عزهم وذل عدوهم، وهم كثير من العلماء الذين أخلدوا إلى الأرض، ورضوا بالقعود في أروقة المساجد يعقدون حلقات العلم ويتعمقون في متون كتبه وشروحها، ويمرون بآيات الله وسنة نبيه وسيرة السلف الصالح التي تدفع إلى الجهاد في سبيل الله دفعاً فلا يتأثرون بها..

- وقسم قد أضله الله فاغتر بجهله وبسلوك سبل الشيطان المتعددة، وهم أفواج الطرق الصوفية الذين يعبدون الله - في زعمهم - بأنواع من البدع والخرافات، ويقعدون في زواياهم يتمتمون ويتمايلون، فإذا جاءت مناسبة خرجوا في مواكب طويلة ترتفع على رؤوسهم الأعلام التي إذا رآها الرائي من بعيد ظن أنها أعلام جهاد تتحرك تحتها مواكب مجاهدين..

فإذا اقترب منها رأى تحتها شبه مجانين يرقصون ويلعبون، مخدِّرِين بعملهم ذلك الشباب الذي لو وجد قدوة في الجهاد لكان له شأن آخر، وتكون نهاية تلك المواكب أن تحط رحالها بقبر من قبور من يسمونهم بالأولياء، ليطوفوا حوله ويستغيثوا به، وبجمع كبار القوم النقود التي ينفقونها على أنفسهم وهكذا..


في هذا العصر الذي امتلأ بهذه الكوارث خلق الله الشيخ حسن البنا رحمه الله.

إن الله سبحانه وتعالى إذا أراد بعبده خيراً، هيأ له الأسباب في نفسه فرزقه خصائص يكون بها قابلاً للتوجيه والانطلاق، وهيأ له من يأخذ بيده ويوجهه من المربين..


وقد لا يكون المربي قادراً على تحمل أعباء الدعوة، وليس على المستوى الأعلى للتربية والتوجيه، ولكن ما عنده كاف لتفجير طاقات ذوي المواهب العالية والطاقات الهائلة التي لا يحتاج صاحبها إلا للإشارة والتوجيه العام.

وهيأ له زملاء صغاراً مثله يعينونه على الاتصال بالله والتقرب إليه والتخلق بالأخلاق الحسنة الفاضلة والبعد عن الأخلاق السيئة، وقد هيأ الله ذلك كله لحسن البنا وهو في سن الصبا كما حكاه هو بنفسه.. [راجع مذكرات الدعوة والداعية له ص4-8]. ورزقه الله حب الإطلاع والاتصال بمن يرى أنهم يدعون إلى الله وإلى طاعته، وكان الذين يتزعمون هذا السبيل هم رواد الطرق الصوفية.. منهم السلبي المخرف، ومنهم المعتدل الإيجابي الذي يربي النفوس ويزكيها ويطهر القلوب ويحييها، ويلتزم بمنهج الكتاب والسنة ويحذر من البدعة..

البنا والمدارس الصوفية

وهذا الصنف قليل ولا يسلم من دخن إلا ما شاء الله - وكان البنا - على رغم صغر سنه - يترقى ويأخذ من كل طائفة أو شخص أحسن ما عنده..


وها هو يصف شيخ إحدى الطرق التي انتسب إليها من خلال قراءته بعض كتبه وما سمع من الثناء عليه.. قال: "وفي هذه الأثناء وقع في يدي كتاب المنهل الصافي مناقب حسنين الحصافي... فأقبلت على القراءة فيه.. - إلى أن قال -: ثم أخذ يدعو إلى الله بأسلوب أهل الطريق، ولكن في استنارة وإشراق وعلى قواعد سليمة قويمة، فكانت دعوته مؤسسة على العلم والتعليم والفقه، والعبادة والطاعة والذكر ومحاربة البدع والخرافات الفاشية بين أبناء هذه الطرق، والانتصار للكتاب والسنة على أية حال والتحرز من التأويلات الفاسدة والشطحات الضارة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبذل النصيحة على كل حال..



حتى إنه غَيَّر كثيراً من الأوضاع التي اعتقد أنها تخالف الكتاب والسنة مما كان عليه مشايخه أنفسهم. وكان أعظم ما أخذ بمجامع قلبي وملك علي لبي من سيرته رَضي الله عنه، شدته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنه كان لا يخشى في ذلك لومة لائم، ولا يدع الأمر والنهي مهما كان في حضرة كبير أو عظيم.." [نفس المرجع السابق من 9-17].



العلم الشرعي والتربية الروحية والعمل الحركي



فأنت تراه كيف يتأثر بما ينسب إلى بعض العلماء، من جد في العلم والتعليم والتحذير من البدع، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم يبين بعد ذلك رأيه في التصوف وينتقد جوانب الفساد فيه..



فيقول: "ولكن فكرة الدعوة الصوفية لم تقف عند حد علم السلوك والتربية، ولو وقفت عند هذا الحد لكان خيراً لها وللناس.. ولكنها جاوزت ذلك بعد العصور الأولى إلى تحليل الأذواق والمواجد، ومزج ذلك بعلوم الفلسفة والمنطق ومواريث الأمم الماضية وأفكارها، فخلطت بذلك الدين بما ليس منه..



وفتحت الثغرات الواسعة لكل زنديق أو ملحد أو فاسد الرأي والعقيدة، ليدخل من هذا الباب باسم التصوف والدعوة إلى الزهد والتقشف والرغبة في الحصول على هذه النتائج الروحية الباهرة..



وأصبح كل ما يكتب أو يقال في هذه الناحية، يجب أن يكون محل نظر دقيق من الناظرين في دين الله والحريصين على صفائه ونقائه.." [المذكرات ص:16 وبهذا يجب أن يفهم معنى قوله رحمه الله في بعض رسائله: إن دعوته دعوة صوفية فليس المقصود بها صوفية المخرفين الملحدين الزنادقة، كما أشار هنا، وإنما المراد من جوانب الدعوة قوة الصلة بالله والزهد المشروع في الدنيا].



وتراه يتمنى رحمه الله، أن تجتمع في الدعوة إلى الله محاسن الدعوات المختلفة، فكان يود أن تجتمع القوة العلمية الْمُسَدِّدة، بالقوة الروحية الجياشة مع القوة العملية القائدة. كما قال: "ولو أراد الله والتقت قوة الأزهر العلمية، بقوة الطرق الروحية، بقوة الجماعات الإسلامية العملية، لكانت أمة لا نظير لها تُوَجِّه ولا تَتَوَجه، وتقود ولا تنقاد، وتؤثر في غيرها ولا يؤثر شيء فيها، وترشد هذا المجتمع الضال إلى سواء السبيل". [نفس المرجع السابق ص:17].



وهو بهذا يهيب بالدعاة إلى الله أن يجمعوا بين الفقه في الدين، والتربية الصالحة التي تقرب إلى الله وتزكي النفوس، والجهاد العملي الذي يحقق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. ويحذر رحمه الله من التقصير في أي جانب من هذه الجوانب التي لا تنجح الدعوة إلى الله بدونها، وإن المتأمل لسير الجماعات الإسلامية ليجد أن من أهم الأسباب التي تعوق حركتها وتحول بينها وبين الفوز في دعوتها هو عدم تكميل نفسها بأخذ ما عند غيرها من الصفات النافعة..



فترى هذه الجماعة تعنى بالتربية الروحية وتزكية النفوس، ويفوتها الفقه في الدين والجهاد الشامل، وقد تجمع بين التربية والعلم ويفوتها الجهاد، وترى تلك الجماعة جادة في العلم مقصرة فيما عداه..



وترى الأخرى مشمرة في الأمور السياسية وجهاد أعداء الله والصبر على البلاء، ولكنها لم تأخذ نصيبها من الفقه في الدين والتربية الروحية.. وهكذا تفرق في الجماعات الإسلامية ما يجب أن يجتمع في جماعة، وصفها الله بأنها: {خير أمة أخرجت للناس} تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.



وهذه الجماعة هي التي أراد تكوينها الشيخ حسن البنا رحمه الله، كما هو واضح من نشاطه ورسائله، ولعل الله يوفق أتباعه لإكمال مقصده.



وعلى الرغم من أن البنا رحمه الله بدأ تدينه في أحضان الصوفية الداعية إلى العزلة والصمت والنفور من الناس، فإن نزعته الإصلاحية كانت تغلبه وتدفعه إلى العمل والمشاركة الجادة ضد الأجنبي المحتل، بالإضرابات والمظاهرات، وهذا دليل على عناية الله به وتهيئته إياه ليكون له شأن غير الصمت والعزلة. [راجع المذكرات ص:19-22].



وكانت مواقفه ضد موظفي الدولة - وهو صبي - تدل على قوة توكله على الله وعدم مبالاته بما يخالف رأيه الذي يرى أنه يرضي ربه، وفي قصته مع مدير التعليم الذي انتقد زيه - وكان البنا يلبس عمامة ذات عذبة، ونعلا كنعل الإحرام في الحج ورداء أبيض فوق الجلباب - ما هو واضح في ثبات البنا على المبدأ الذي يؤمن به، فعندما هدده مدير التعليم بعدم تعيينه مدرساً بعد تخرجه إذا بقي على هذا الزي.. قال له البنا: "على كل حال هذا لم يجئ وقته بعد، وحين يجيء وقته يكون للمجلس الحرية ويكون لي الحرية كذلك، والأرزاق بيد الله ليست بيد المجلس ولا الوزارة" [نفس المرجع ص:20].



هذا مع العلم أنه لا يوجد لباس معين يجب على المسلم استعماله، بل كل ما يتزين به المسلم ساترا لعورته، فله أن يلبسه، وليس لأحد أن يكره أحدا على لباس معين، ولهذا نجد المسلمين في كل بلد يرتدون لباسهم الوطني.



ومما يدل على عناية الله بالبنا من صغره، أنه كان ينظم وقته للحفظ والاستذكار، وممارسة الصنعة التي تعود إليه بالفائدة، فقد كان مغرماً بصناعة الساعات والتجليد. [نفس المرجع ص:5ـ23].



البنا يوقظ المؤذنين



وكان من أعمال البنا الصبي أن يتقاسم هو وبعض زملائه أحياء القرية لإيقاظ المؤذنين والمصلين قبل صلاة الفجر.. وكان كما قال: "وكنت أجد سعادة كبرى وارتياحاً غريباً حين أوقظ المؤذنين لآذان الصبح، ثم أقف بعد ذلك في هذه اللحظة السحرية الشاعرة على نهر النيل وأصغي إلى الأذان ينطلق من حناجرهم في وقت واحد.. إذ كانت المساجد على مسافات متقاربة في القرية، ويخطر ببالي أنني سأكون سبباً ليقظة هذا العدد من المصلين، وأن لي مثل ثوابهم مصادقة لقول الرسول صَلى الله عليه وسلم: (من دعا إلى هدى فله أجره وأجر من عمل به إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً) [صحيح مسلم من حديث أبي هريرة (4/2060) وسنن أبي داود (4/201) وسنن الترمذي (5/43) وقال: "هذا حديث حسن صحيح"] وكان يضاعف هذه السعادة، أن أذهب بعد ذلك إلى المسجد فأرى نفسي أصغر الجالسين فيه في هذا الوقت سناً، فأحمد الله وأسأله أن يديم التوفيق" [المذكرات ص:24].



قال الباحث: ولعل ذلك كان تمريناً للبنا وتدريباً له على حب الإيقاظ العام للمسلمين بالدعوة إلى الله في مستقبل أيامه، وقد كان..



وأخذ الصبي يبحث عن منطلقات للدعوة الإسلامية ومجالات لنشرها، فاشترك في جمعية مكارم الأخلاق الإسلامية الوحيدة آنذاك، واستفاد من بعض المشاركين فيها" [نفس المرجع ص:39].



نقل الدعوة إلى خارج المساجد



ثم نظر في جو القاهرة فرأى فيه مظاهر التحلل والبعد عن الإسلام ومبادئه، ورأى المهتمين بالدعوة والإرشاد لا يطرقون بها إلا المساجد، فدعا لفيفا من أصدقائه للتدريب على الوعظ والإرشاد في المساجد والمجتمعات العامة ومنها القهاوي التي لا يطرق مجتمعاتها المساجد غالباً.



وأخذ في إقناع أصدقائه بالدعوة في القهاوي، فاستغربوا وكانوا يرون عدم نجاح الدعوة فيها لغرابتها، ولأن أهل القهاوي سيرون في ذلك تعطيلاً لأعمالهم.. وكان الصبي يرى أن النجاح سيكون حليفهم، وطلب منهم أن يحكموا التجربة، وبدأ هو فألقى أكثر من عشرين خطبة في ليلة واحدة في القهاوي، ونجحت التجربة كما قال: (مائة في المائة) وبذلك أخرج الدعوة من الأمكنة التي حبست فيها مدة، طويلة إلى مجالاتها الواسعة اقتداء بالرسول صَلى الله عليه وسلم الذي كان يؤم بها المجتمعات والمنتديات والأسواق. [نفس المرجع ص:40-90].



السعي إلى تكوين نواة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر



وأخذت آفاق البنا تتوسع، وتأملاته تقوى، فرأى موجات التحلل تزداد ودعوات أعداء الإسلام تنتشر، وقد سقطت الخلافة الإسلامية، وأخذ الشباب إعجابه بما يأتي من جديد يخالف الإسلام، وأخذت بعض الأوساط المعنية بالإسلام تفكر في هذا الخطر.. ولكن العمل الناجح لم يكتب له الظهور، إذ العاملون أفراد والمناقشات تبدأ ثم تنتهي بالكتابة وما شابهها، فاشتد قلق البنا فذهب عنه النوم وسأل نفسه: لماذا لا أحَمِّل هؤلاء القادة من المسلمين هذه التبعة، وأدعوهم في قوة إلى أن يتكاتفوا على صد هذا التيار..؟ فإن استجابوا فذاك.. وإلا كان لنا شأن آخر وصح العزم على هذا وبدأ التنفيذ". [نفس المرجع ص:43-45].



وبدأ البنا عزمه وتنفيذ ما عزم عليه، فاجتمع بكبار العلماء الذين مارسوا الدعوة، وأخذ يناقشهم في أمر الإسلام والمسلمين وما وصلت إليه الحال، فأظهروا الأسف وعدم جدوى كل الجهود..



ولكن البنا خرج عن وداعته التي ألفوها منه، فقال: "إنني أخالفك يا سيدي كل المخالفة في هذا الذي تقول، وأعتقد أن الأمر لا يعدو أن يكون ضعفاً فقط، وقعوداً عن العمل، وهروباً من التبعات.. من أي شيء تخافون؟ من الحكومة أو من الأزهر، يكفيكم معاشكم واقعدوا في بيوتكم واعملوا للإسلام، فالشعب معكم في الحقيقة لو واجهتموه، لأنه شعب مسلم وقد عرفته في القهاوي وفي المساجد وفي الشوارع فرأيته يفيض إيماناً ولكنه قوة مهملة من[ هكذا..]: وإن هؤلاء الملحدين والإباحيين وجرائدهم ومجلاتهم، لا قيام لها إلا في غفلتكم.. ولو تنبهتم لدخلوا جحورهم.. يا أستاذ إن لم تريدوا أن تعملوا لله، فاعملوا للدنيا وللرغيف الذي تأكلون.. فإنه إذا ضاع الإسلام في هذه الأمة ضاع الأزهر وضاع العلماء.. فلا تجدون ما تأكلون ولا ما تنفقون، فدافعوا عن كيانكم إن لم تدافعوا عن كيان الإسلام.. واعملوا للدنيا إن لم تريدوا أن تعملوا للآخرة، وإلا فقد ضاعت دنياكم وآخرتكم على السواء..



وانقسم المجلس الذي أطلق فيه هذه الصرخة المدوية إلى قسمين، قسم يؤيد البنا وآخر يرى في كلامه هذا إساءة إلى الشيخ، ولكن البنا أخذ يتابع الشيخ وينتقل معه من هذا المجلس إلى آخر.. وتابع كلامه قائلا: "يا سيدي إن الإسلام يحارَب هذه الحرب العنيفة القاسية، ورجاله وحماته وأئمة المسلمين يقضون الأوقات غارقين في هذا النعيم، أتظنون أن الله لا يحاسبكم على هذا الذي تصنعون؟ إن كنتم تعلمون للإسلام أئمة غيركم وحماة غيركم، فدلوني عليهم لأذهب إليهم لكي أجد عندهم ما ليس عندكم..



وسادت لحظة صمت عجيبة، وفاضت عينا الشيخ رحمه الله بدمع غزير بلل لحيته. [المذكرات ص:45-48-64 وهذا الشيخ هو يوسف الدجوي الذي أسس جمعية نهضة الإسلام كما في ص: 46 من المذكرات]. ولم يخرج البنا من هذا المجلس حتى تكونت نواة للقيام بالدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كانت هذه النواة فيما بعد: جمعية الشبان المسلمين.



من هذا الحوار يتضح أن البنا كان يرى أن الأعمال الفردية لا تكفي، بل لا بد من عمل جماعي، وإن الذين يجب أن يقودوا العمل الجماعي هم علماء الإسلام، وإن اليأس غير لائق بهم، وإن عظم البلاء وكثرتْ العقبات، وأن تذكير هؤلاء العلماء بالواجب والإلحاح عليهم فيه جدير بحفز هممهم، وهذا ما فعله البنا رحمه الله ونجح فيه.



ابتعد عن الخلاف وغرس دعوته في تربة صالحة



وهيأ الله للبنا التربة الصالحة التي يبذر فيها نواة للدعوة فتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، فانتقل إلى الإسماعيلية مدرساً، وكانت كلمات الخير التي يسمعها من أصدقائه ترن على مسمعه، فلا يفارقه صداها، بل يبقى مشدوداً إلى تحقيق مضمونها..وكان من تلك الكلمات قول أحد أصدقائه، وهو يودعه: "إن الرجل الصالح يترك أثراً صالحاً في كل مكان ينزل فيه، وإنا لنرجو أن يترك صديقنا أثراً صالحاً في هذا البلد الجديد عليه". [المذكرات: 54-55].



ودخل البنا مدينة الإسماعيلية وباشر عمله وأخذ يدرس مجتمع المدينة، فوجد الخلاف الديني يشتد في المساجد بين أهل الطرق والمذاهب، ورأى كثيراً من الناس بعيدين عن الدين وعن المساجد وخلافاتها، يتجمعون في القهاوي لتزجية الوقت.. كما رأى المعسكرات الأوربية تحيط بالبلد، وأخذ الفتى يفكر في إيجاد الأثر الصالح في هذه المدينة، فاشترك مع أهل المساجد في أداء فريضته، واتجه إلى القهاوي الكبيرة لأداء رسالته، فألقى دروسه في الناس فترك فعلاً أثراً صالحاً فيها.. عبر عنه بقوله: "كان لهذا المسلك أثره في الجمهور الإسماعيلي، وأخذ الناس يتحدثون ويتساءلون، وأقبلوا إلى هذه المقاهي ينتظرون، وعمل هذا الوعظ عمله في نفوس المستمعين وبخاصة المواطنين منهم..

فأخذوا يفيقون ويفكرون، ثم تدرجوا من ذلك إلى سؤاله عما يجب أن يفعلوا، ليقوموا بحق الله عليهم ويؤدوا واجبهم نحو دينهم، وأمتهم وليضمنوا النجاة من العذاب والفوز بالنعيم..؟ وابتدأ هو يجيبهم إجابات غير قاطعة جذباً لانتباههم واسترعاء لقلوبهم، وانتظاراً للفرصة السانحة وتهيئة للنفوس الجانحة" [المذكرات: ص57].



وبدأ العمل فأخذ البنا يشرح للناس مبادئ الإسلام ويحثهم على أدائها، فاصطحبهم إلى الماء وعلمهم الوضوء، ثم أدخلهم المسجد فعلمهم الصلاة وقصار السور، فكان ناجحاً في دعوته أيما نجاح. [نفس المرجع ص:55-58].



وعندما رأى المنتسبون إلى العلم نجاح الفتى في دعوته، اجتمعوا عليه ليدخلوا معه في خلاف كما هو شأنهم، فأفلت منهم بحكمته وسداد رأيه، بتوفيق من الله له. [نفس المرجع ص: 58-60]. واتجه إلى دراسة عوامل التأثير في مجتمع الإسماعيلية، فحصرها في أربعة: العلماء وشيوخ الطرق، وأعيان البلد، والأندية.. ثم حدد المسلك الذي ينبغي أن يتبعه مع كل فئ، وباشر العمل فعلاً فكان التوفيق حليفه معهم جميعاً. [راجع نفس الكتاب ص60ـ63].



وكان البنا يدعم أي عمل إسلامي تقوم به أي طائفة، حتى ليبدو وكأنه واحد من تلك الطائفة. [نفس المرجع ص: 64]. وهذا هو دأب دعاة الإسلام الذين لا يعملون إلا لله قاصدين بعملهم رفع كلمة الله، فإنهم يفرحون بأعمال غيرهم الإسلامية ويدعمونها، بخلاف ذوي المدارك الضيقة والأهداف المحدودة، أو من حرموا الفقه في الدين، فإنهم لا يسرون إلا بأعمالهم هم أو بأعمال من يوجهونهم.. فإذا جاء العمل الإسلامي لغيرهم تجهموا له أو لم يعيروه اهتماماً، وهذه هي الحزبية الضيقة التي ينشئها الحسد وينميها الغرور.



ولادة حركة الإخوان



وأثمرت الدعوة ثمارها وأصبحت التربة قابلة لغرس جذورها، وقصد الداعيةَ رجالٌ قليلون اشتد تأثرهم بها، إنهم ستة نفر جاءوا إلى البنا يطلبون منه أن يقودهم إلى الله، فعليه القيادة وعليهم الطاعة، فقبل منهم ذلك شاكراً لهم تلك الروح العالية..قائلا لهم: "فلنبايع الله أن نكون لدعوة الإسلام جنداً، وفيها حياة الوطن وعزة الأمة، وكانت بيعة وكان قسما، أن نحيا إخواناً نعمل للإسلام. ونجاهد في سبيله". وكان ذلك إيذاناً بمولد جماعة: (الإخوان المسلمون) [كان ذلك في ذي القعدة سنة 1347هـ راجع المذكرات ص:66].



وبعد عام من البيعة أصبح عدد الإخوان أكثر من سبعين، وأخذت الدعوة تقوى وتظهر وتنتشر وبدأ الحساد يستشيطون غيظاً يحيكون الدسائس وينشرون التهم، ويثبطون همة من أراد أن يبذل للدعوة ما يقويها ويأخذ بيد أصحابها.. واتهموا الداعية بأنه شيوعي يعمل ضد النظام وأخذ التحقيق مجراه فأخزى الله أعداء الدعوة ففضحهم وأبان كذبهم. [نفس المرجع ص: 74-82]. وأراد رجال الدولة من البنا أن يقف خطيباً أمام رئيس الحكومة الذي زار البلد بحجة أنه من موظفي الدولة..



فغضب وقال: "إنني أكتب لكم استقالتي الآن، إن كنتم تظنون أن الموظف أداة تتحرك بإرادة الناس فأنا أقدر قيمة نفسي... ولا يمكن أبداً أن أضع نفسي في هذا الموضع".. وقد جرت عادة الناس أن يتنافسوا في هذا الموضع الذي أبى البنا أن يضع نفسه فيه: وربى البنا أتباعه على عزة النفس وعدم الخضوع لغير الله الذي كان سائداً في المجتمع قبل أن تقوم الدعوة في هذا البلد. [راجع المذكرات ص:68-97-98-99-100].



معهد حراء وشعبه المناسبة



وأخذ البنا في توسيع نشاط الدعوة بكل ألوان النشاط، نشاط التعليم الشامل في معهد حراء الإسلامي الذي ضم الشعب الثلاث المناسبة للتعليم في البلد المصري كله:

شعبة تهيئ الدارسين فيها للأزهر.. وأخرى تتمشى مع المدارس الأولية أول النهار ومع المدارس الصناعية أخره.. وثالثة تتمشى مع المدارس الابتدائية الأميرية التي تهيئ دارسيها للثانوي والعالي، وجعل العمل في المعهد لا يتعارض مع أوقات الصلاة. [نفس المرجع ص:85-89]. ووسع قاعدة الدعوة فأنشأ لها عدة شعب في أماكن مختلفة [نفس المرجع ص:89-99].



وكان حريصاً على إقامة السنن الواردة عن الرسول صَلى الله عليه وسلم، وكان أعداء هذه السنن حريصين على الكيد له وتنفير الناس منه، ولكنه كان ينتصر في كل ميدان بقوة حجته وحسن أسلوبه [نفس المرجع ص:100ـ102] كما كان الفشل حليف أعدائه. [نفس المرجع ص: 104-105]. وأخذ في الكيد للدعوة والمؤامرة عليها من دخل في صفوفها لأغراض مادية من مال وجاه ومنصب، فرد الله عن الدعوة والداعية كيد الكائدين ومؤامرة المتآمرين. [نفس المرجع ص: 106-119].



دقة التخطيط والتنظيم وانتشار الدعوة بين العامة والخاصة



ثم انتقل البنا إلى القاهرة وأخذت الدعوة تسير بتخطيط وتنظيم دقيقين، وبدأ النشاط يأخذ في الانتشار عن طريق المحاضرات في الدروس والدور والمساجد، وعن طريق المجلات والنشرات والرسائل والمؤتمرات والاحتفالات المناسبة وعن طريق الرياضة والطلاب والاستعانة بعلماء الأزهر وطلابه..



كما بدأ التنبيه على النواحي السياسية والاجتماعية، ومكاتبة الملوك والحكام وإسداء النصح لهم ومهاجمتهم إن اقتضى الأمر ذلك.. ومن نماذج هذا النشاط ما نشر في مجلة النذير في العدد الأول منها يوم الاثنين 29 ربيع الأول سنة 1357هـ، وكانت فاتحتها للبنا رحمه الله.. وفيها قال: "سننتقل من خير دعوة العامة إلى خير دعوة الخاصة، ومن دعوة الكلام وحده إلى دعوة الكلام المصحوب بالنضال والأعمال، وسنتوجه بدعوتنا إلى المسؤولين من قادة البلد وزعمائه ووزرائه وحكامه وشيوخه ونوابه وأحزابه، وسندعوهم إلى مناهجنا ونضع بين أيديهم برامجنا، وسنطالبهم بأن يسيروا بهذا البلد المسلم بل زعيم الأقطار الإسلامية في طريق الأقطار في جرأة لا تردد معها، وفي وضوح لا لبس فيه، ومن غير مواربة أو مداورة، فإن الوقت لا يتسع للمداورات.



فإن أجابوا الدعوة وسلكوا السبيل إلى الغاية آزرناهم، وإن لجأوا إلى المواربة والروغان، وتستروا بالأعذار الواهية والحجج المردودة، فنحن حرب على كل زعيم أو رئيس حزب أو هيئة، لا تعمل على نصرة الإسلام ولا تسير في الطريق لاستعادة حكم الإسلام ومجد الإسلام. سنعلنها خصومة لا سلم فيها ولا هوادة معها، حتى يفتح الله بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الفاتحين" [المذكرات ص:136].



ووقفت الدعوة ضد المنصرين الذين كانوا يسعون إلى تنصير بعض المسلمين. [نفس المرجع ص:141-147]. وأخذ البنا في تنظيم أجهزة الدعوة التي كان من أهمها مجلس الشورى العام [نفس المرجع ص: 140-151-153-170-172] كما أخذ يوضح منهاج الدعوة ونظمها الإدارية والمالية والتكوينية والرياضية وغيرها. [نفس المرجع ص: 175-191].



وأخذت الدعوة تنتشر في الأقطار الأخرى خارج مصر [نفس المرجع ص: 192-197] وما كان البنا يحط عصا ترحاله في مكان، إلا لينتقل إلى مكان آخر، إما لزيارة شعب قائمة لتعهدها وتوجيه مسؤوليها، وإما لافتتاح شعب جديدة، وإما لإيجاد قبول لها مستقبلاً في نفوس الناس، لذلك كان يجوب القطر المصري كله في رحلات متواصلة.. [راجع المذكرات ص: 147-198].



الاهتمام بقضية فلسطين ومراسلة الحكام



وتحركت قضية فلسطين فجال البنا وصال في شأنها في داخل الجماعة وفي أوساط الشعب المصري وفي الحكومة المصرية وغيرها يدعو إلى الوقوف مع الفلسطينيين ضد أعداء الله الغزاة. [نفس المرجع ص: 201-206-261]. وأخذ البنا يراسل حكام الشعوب الإسلامية، مطالباً لهم بالقيام بالإصلاحات السياسية، والقضائية، والاجتماعية، والعلمية، والاقتصادية، وقد عرفت بالمطالب الخمسين. [نفس المرجع ص: 214-218]. كما بعث خطاباً إلى سفير بريطانيا، مستنكراً وعد بلفور ومذكراً بأن أرض فلسطين هي أرض كل مسلم، وأن على بريطانيا أن تفكر في الأمر قبل فوات الأوان. [نفس المرجع ص: 18-220].



أثر عاطفته الجياشة وحبه العميق للناس



وامتاز جهاد البنا في هذا العصر بالعاطفة الجياشة، والحب العميق الذين كان يكنهما للمسلمين، كما عبر عن ذلك هو بنفسه فقال: "ونحب كذلك أن يعلم قومنا أنهم أحب إلينا من أنفسنا، وأنه حبيب إلى هذه النفوس أن تذهب فداء لعزتهم إن كان فيها الفداء، وأن تزهق ثمناً لمجدهم وكرامتهم ودينهم وآمالهم إن كان فيها الغناء. وما أوقفنا هذا الموقف منهم إلا هذه العاطفة التي استبدت بقلوبنا وملكت علينا مشاعرنا، فأقضت مضاجعنا وأسالت مدامعنا، وإنه لعزيز علينا جد عزيز أن نرى ما يحيط بقومنا ثم نستسلم للذل أو نرضى بالهوان أو نستكين لليأس، فنحن نعمل للناس في سبيل الله أكثر مما نعمل لأنفسنا، فنحن لكم لا لغيركم أيها الأحباب، ولن نكون عليكم يوماً من الأيام". [مجموعة رسائله رحمه الله طبع المؤسسة الإسلامية للطباعة والصحافة والنشر بيروت ص:11].



فقه العصر وإعداد الدعاة له



كما امتاز رحمه الله بفقه عصره الذي عاش فيه، فعرف الدعوات المضادة للإسلام ووسائلها ودعاتها وكشف عوارها وحض على الاستعداد لها بما يناسبها، قال رحمه الله: "إن دعوة الإخوان المسلمين دعوة مبدأ، وفي الشرق والغرب اليوم دعوات ومبادىء وفكر ومذاهب وآراء ومنازع، كلها تتقاسم عقول الناس وتتنازع ألبابهم، وكل منها يزينه أهله ويقوم بالدعاية له أبناؤه وأتباعه وعشاقه ومريدوه، ويدَّعون له المزايا والمحاسن، ويبالغون في هذا الادعاء ما يبرزه للناس جميلاً خلاباً رائعاً. والدعاة اليوم غيرهم بالأمس، فهم مثقفون مجهزون مدربون أخصائيون، ولا سيما في البلاد الغربية، حيث تختص بكل فكرة كتيبة مدربة، توضح غامضها وتكشف عن محاسنها، وتبتكر لها وسائل النشر وطرائق الدعاية، وتتلمس في نفوس الناس أيسر السبل وأهونها وأقربها إلى الإقناع والاتباع.



ووسائل الدعاية الآن غيرها بالأمس، كذلك فقد كانت دعاية الأمس كلمة تلقى في خطبة أو اجتماع، أو كلمة تكتب في رسالة أو خطاب، أما الآن فنشرات ومجلات وجرائد ورسالات ومسارح و(خيالات) وحاك ومذياع.. وقد ذلل ذلك كله سبل الوصول إلى قلوب الناس جميعهم نساء ورجالاً، في بيوتهم ومتاجرهم ومصانعهم ومزارعهم. لهذا كان من واجب أهل الدعوة أن يحسنوا تلك الوسائل جميعاً حتى يأتي عملهم بثمرته المطلوبة". [نفس المرجع ص:26].



[لم تكن الفضائيات والإنترنت قد ظهرت في عهد البنا رحمه الله، وهما من أعظم الوسائل التي يجب على الدعاة استغلالهما لنشر الدعوة، ما وجدوا إليهما سبيلا]



معرفة أمراض الأمة ووصف الداء والدواء



وامتاز كذلك بتشخيص أمراض الأمة الإسلامية وكشفها لهم، ووصف الدواء النافع للقضاء على تلك الأمراض. وتأمل كل جملة من هذه الجمل التي صاغ بها تلك الأمراض..قال: "وقد علمتنا التجارب وعرفتنا الحوادث، أن داء هذه الأمم الشرقية متشعب المناحي كثير الأعراض، قد نال من كل مظاهر حياتها..



فهي مصابة في ناحيتها السياسية بالاستعمار من جانب أعدائها، والحزبية والخصومة والفرقة والشتات من جانب أبنائها، وفي ناحيتها الاقتصادية بانتشار الربا بين كل طبقاتها، واستيلاء الشركات الأجنبية على مواردها وخيراتها..



وهي مصابة من ناحيتها الفكرية بالفوضى والمروق والإلحاد، يهدم عقائدها ويحطم المثل العليا في نفوس أبنائها، وفي ناحيتها الاجتماعية بالإباحية في عاداتها وأخلاقها والتحلل من عقدة الفضائل الإنسانية التي ورثتها عن الغر الميامين من أسلافها، وبالتقليد الغربي يسري في مناحي حياتها سريان لعاب الأفاعي فيسمم دماءها ويعكر صفو هنائها..



وبالقوانين الوضعية التي لا تزجر مجرماً، ولا تؤدب معتدياً، ولا ترد ع ظالماً، ولا تغني يوماً من الأيام غناء القوانين السماوية التي وضعها خالق الخلق ومالك الملك ورب النفوس وبارئها..



وبفوضى في سياسة التعليم والتربية تحول دون التوجيه الصحيح لنشئها ورجال مستقبلها وحملة أمانة النهوض بها، وفي ناحيتها النفسانية بيأس قاتل، وخمول مميت، وجبن فاضح، وذلة حقيرة، وخنوثة فاشية، وشح وأنانية تكف الأيدي عن البذل وتقف حجاباً دون التضحية، وتخرج الأمة من صفوف المجاهدين إلى اللاهين اللاعبين..". إلى أن قال: "إن داءًا واحداً من هذه الأدواء يكفي لقتل أمم متظاهرة، فكيف وقد تفشت جميعاً في كل أمة على حدة، لولا مناعة وحصانة وجلادة وشدة في هذه الأمم الشرقية التي جاذبها خصومها حبل العداء من بعيد، ودأبوا على تلقيحها بجراثيم هذه الأمراض زمنا طويلاً، حتى باضت وأفرخت، لولا ذلك لعفت آثارها ولبادت من الوجود، ولكن يأبى الله ذلك والمؤمنون". [نفس المرجع ص:26].



وقد أوضح الداعية علاج هذه الأمراض وغيرها عن طريقين:



الطريق الأول: السعي لإيجاد مجتمع إسلامي يرسي دعائم الإسلام، ويقضي على جذور الجاهلية وآثارها.



وأما الطريق الثاني: فهو طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للأفراد والجماعات والأحزاب والحكومات.



ففي الطريق الأول سعى رحمه الله لإنشاء جماعة تؤمن بالإسلام وتجاهد لإعلاء كلمة الله، حدد لها الغاية والوسيلة، وقادها بنظام دقيق حتى انتشر أعضاؤها في كل مكان..



كشف الغاية وتجليتها



فقد عرف رحمه الله غموض الغاية التي يجب على المسلمين تحقيقها عند المسلمين أنفسهم، فأخذ يجليها ويوضحها لهم.. اقرأ ما قال عنها: "وبما أن الغاية هي التي تدفع إلى الطريق، ولما كانت الغاية في أمتنا غامضة مضطربة، كان لا بد من أن توضح وتحدد، وأظننا وصلنا إلى كثير من التوضيح، واتفقنا على أن مهمتنا سيادة الدنيا وإرشاد الإنسانية كلها، إلى نظم الإسلام الصالحة وتعاليمه التي لا يمكن بغيرها أن يسعد الناس". [مجموعة الرسائل ص:33-34].



وقال في موضع آخر: "إن غاية الإخوان تنحصر في تكوين جيل جديد من المؤمنين بتعاليم الإسلام الصحيح، يعمل على صبغ الأمة بالصبغة الإسلامية الكاملة في كل مظاهر حياتها {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} [البقرة:138].



وقال في موضع ثالت: "ولكن اذكروا دائما أن لكم هدفين أساسيين:



الأول: أن يتحرر الوطن الإسلامي من كل سلطان أجنبي، وذلك حق طبيعي لكل إنسان لا ينكره إلا ظالم جائر أو مستبد قاهر.



الثاني: أن تقوم في هذا الموطن الحر دولة إسلامية حرة، تعمل بأحكام الإسلام وتطبق نظامه الاجتماعي، وتعلن مبادئه القويمة وتبلغ دعوته الحكيمة الناس، وما لم تقم هذه الدولة، فإن المسلمين جميعاً آثمون مسؤولون بين يدي الله العلي الكبير، عن تقصيرهم في إقامتها وقعودهم عن إيجادها". [نفس المرجع ص: 141].



وهذا الهدف الأخير هو الذي كان يسعى له جاهداً، ولكن لما كان لا يمكن أن يتحقق إلا بالقضاء على الأجنبي الذي احتل البلاد واستذل العباد ورحيله عن بلاد المسلمين ذكره في الهدف الأول كما ترى.



لا قيام للإسلام بدون دولة تحميه



وكان سعيه لتحقيق هذا الهدف - قيام الحكومة الإسلامية - صادراً عن إدراك كامل بأنه لا سعادة للمسلمين، بل وللبشرية كلها إلا إذا قامت هذه الدولة، وكان يعجب رحمه الله من وجود قُوى تحمي المبادئ الكافرة في الأرض ما عدا الإسلام، الذي هو وحده الحق وهو وحدة القادر على تقديم الخير والسعادة والحلول لكل المشكلات المنتشرة في الأرض.



قال رحمه الله: "لو كانت لنا حكومة إسلامية صحيحة الإسلام، صادقة الإيمان، مستقلة التفكير والتنفيذ، تعلم حق العلم عظمة الكنز الذي بين يديها، وجلالة النظام الإسلامي الذي ورثته، وتؤمن بأن فيه شفاء شعبها وهداية الناس جميعاً، لكان لنا أن نطلب إليها أن تدعم الدنيا باسم الإسلام، وأن تطالب غيرها من الدول بالبحث والنظر فيه، وأن تسوقها سوقاً إليه بالدعوات المتكررة والإقناع والدليل والبعثات المتتالية، وبغير ذلك من وسائل الدعوة والإبلاغ، ولاستطاعت أن تجدد حيوية الشعب وتدفع به نحو المجد والنور وتثير في نفسه الحماسة والجد والعمل.



عجيب أن تجد الشيوعية دولة تهتف بها وتدعو إليها وتنفق في سبيلها، وتحمل الناس عليها، وأن تجد الفاشستية والنازية أمماً تقدسها وتجاهد لها وتعز بأتباعها، وتخضع كل النظم الحيوية لتعاليمها.. وأن تجد المذاهب الاجتماعية والسياسية المختلفة، أنصاراً أقوياء يقفون عليها أرواحهم وعقولهم وأفكارهم وأقلامهم وأموالهم وصحفهم وجهودهم، ويحيون ويموتون لها.. ولا نجد حكومة إسلامية تقوم بواجب الدعوة إلى الإسلام الذي جمع محاسن هذه النظم جميعاً وطرح مساوئها، وتقدمه لغيرها من الشعوب كنظام عالمي فيه الحل الصحيح الواضح المريح لكل مشكلات البشرية.. مع أن الإسلام جعل الدعوة فريضة لازمة، وأوجبها على المسلمين شعوباً وجماعات، قبل أن تخلق هذه النظم وقبل أن يعرف منها نظام الدعايات..{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [نفس المرجع ص: 105 - آل عمران:104].


لذلك كان البنا صريحاً في رده على تساؤلات الناس:



هل في منهاج الإخوان المسلمين أن يكُوِّنوا حكومة، وأن يطالبوا بالحكم وما وسيلتهم إلى ذلك؟ كان رده صريحاً واضحاً لا لبس فيه ولا غموض، قال: "ولا أدع هؤلاء المتسائلين أيضا في حيرة ولا نبخل عليهم بالجواب. فالإخوان المسلمون يسيرون في جميع خطواتهم وآمالهم وأعمالهم على هدي الإسلام الحنيف كما فهموه… وهذا الإسلام الذي يؤمن به الإخوان المسلمون، يجعل الحكومة ركناً من أركانه ويعتمد على التنفيذ كما يعتمد على الإرشاد، وقديماً قال الخليفة الثالث رَضي الله عنه: (إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن… فالإسلام حكم وتنفيذ، كما هو تشريع وتعليم، كما هو قانون وقضاء، لا ينفك واحد منها عن الآخر).



والمصلح الإسلامي إذا رضي لنفسه أن يكون فيها مرشداً، يقرر الأحكام ويرتل التعاليم، ويميز الفروع والأصول، وترك أهل التنفيذ يشرعون للأمة ما لم يأذن به الله، ويحملونها بقوة التنفيذ على مخالفة أوامره، فإن النتيجة الطبيعية أن صوت هذا المصلح سيكون صرخة في واد ونفخة في رماد كما يقولون". [نفس المرجع ص:70].



وكذلك كان جوابه صريحاً في أمر الخلافة، حيث قال: "وبيان ذلك أن الإخوان يعتقدون أن الخلافة رمز الوحدة الإسلامية… لهذا يجعلون فكرة الخلافة والعمل لإعادتها في رأس مناهجهم". [نفس المصدر ص: 178]. ونعى على من يفصل الدين عن السياسة، وبين دعائم الحكم الإسلامي في موضع آخر. [نفس المرجع ص: 211-212].



الوسائل المحققة للغاية



ولم يترك الوسائل التي توصل إلى تلك الغايات والأهداف بدون بيان فذكر الوسائل العامة التي لا تتغير ولا تتبدل..فقال: "والوسائل العامة للدعوات لا تتغير ولا تتبدل ولا تعدو هذه الأمور الثلاثة: 1- الإيمان العميق. 2- التكوين الدقيق. 3- العمل المتواصل". [نفس المرجع ص: 142].



وذكر الوسائل المحددة التي تدور عليها فكرة الدعوة في موضع آخر فقال: "أما الوسيلة التي وعدتك الكلام عليها، فهي أركان ثلاثة تدور عليها فكرة الإخوان:



أولها المنهاج الصحيح، وقد وجده الإخوان في كتاب الله وسنة رسوله وأحكام الإسلام، حين يفهمها المسلمون على وجهها غضة نقية، بعيدة عن الدخائل والمفتريات، فعكفوا على دراسة الإسلام على هذا الأساس دراسة سهلة واسعة مستوعبة.



وثانيها العاملون المؤمنون، ولهذا أخذ الإخوان أنفسهم بتطبيق ما فهموه من دين الله تطبيقاً لا هوادة فيه ولا لين...



وثالثها القيادة الحازمة الموثوق بها، وقد وجدها الإخوان المسلمون كذلك، فهم لها مطيعون وتحت لوائها يعملون". [نفس المرجع ص: 28].



ووضح مراحل الدعوة ومراتبها، وجعل لكل مرحلة وسائلها، فقال: "وذلك أن مراحل هذه الدعوة ثلاث:



التعريف: بنشر الفكرة العامة بين الناس، ونظام الدعوة في هذه المرحلة نظام الجمعيات الإدارية، ومهمتها العمل للخير العام ووسيلتها، الوعظ والإرشاد تارة وإقامة المنشآت النافعة تارة أخرى...



التكوين: باستخلاص العناصر الصالحة لحمل أعباء الجهاد، وضم بعضها إلى بعض، ونظام الدعوة في هذه المرحلة: صوفي بحت (يقصد قوة الصلة بالله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه والتقرب إليه بنوافل الطاعات) من الناحية الروحية، وعسكري بحت من الناحية العملية، وشعارها بين الناحيتين دائماً أمر وطاعة...



التنفيذ: والدعوة في هذه المرحلة جهاد لا هوادة معه، وعمل متواصل في سبيل الوصول إلى الغاية، وامتحان وابتلاء لا يصبر عليها إلا الصادقون". [نفس المرجع ص:274].



الاعتماد على التربية والتدرج في الخطوات



ولقد أخذ البنا أتباعه بالتدرج في الخطوات، وعدم العجلة في الأمر، وكبح جماح من أراد أن يسرع الخطى خارجاً عن الحدود المرسومة، كما عاب القاعدين عن السير في طريق الدعوة المطلوب.. فقال:"وأما التدرج والاعتماد على التربية ووضوح الخطوات في طريق الإخوان المسلمين، فذلك أنهم يعتقدون أن كل دعوة لا بد لها من مراحل ثلاث وذكر المراحل الثلاث السابقة..".



ثم قال:"وكثيراً ما تسير هذه المراحل الثلاث جنباً إلى جنب نظراً لوحدة الدعوة وقوة الارتباط بينها جميعاً…".إلى أن قال: "أيها الإخوان المسلمون، وبخاصة المتحمسون المتعجلون منكم،اسمعوها مني كلمة عالية داوية من فوق هذا المنبر في مؤتمركم هذا الجامع: إن طريقكم هذا مرسومة خطواته، موضوعة حدوده، ولست مخالفاً هذه الحدود لأني اقتنعت كل الاقتناع بأنها أسلم طريق للوصول. أجل قد تكون طريقاً طويلة ولكن ليس هناك غيرها، إنما تظهر الرجولة بالصبر والمثابرة والجد والعمل الدائب، فمن أراد منكم أن يستعجل ثمرة قبل نضجها، أو يقتطف زهرة قبل أوانها، فلست معه في ذلك بحال..". [نفس المرجع ص:159-161].



وحدد كذلك خطوات الدعوة بالنسبة لمجالاتها، فبين أن الداعية عليه أن يوجد الرجل المسلم، ثم البيت المسلم، ثم الشعب المسلم، ثم الحكومة المسلمة، ثم تحرير كل الشعوب وضمها كلها في دولة واحدة [نفس المرجع ص:85] تدعو العالم إلى الله تعالى.. ورد على الجبناء القاعدين الذين يصعب عليهم تصور تحقيق هذه الأمور.[نفس المرجع ص: 86].



وصارح البنا رجال دعوته أن تحقيق تلك الأهداف بهذه الوسائل، لا ينتظر من حكَّام ربَّاهُم أهل الغرب على عداء الإسلام، لأنهم يفقدون الإيمان بهذه الأهداف وفاقد الشيء لا يعطيه.. وإنما تتحقق تلك الأهداف بتوفيق الله للمؤمنين بها الجادين في الحصول على مرضاته سبحانه..قال: "ولكن أنَّى لحكامنا هذا وهم جميعاً قد تربوا في أحضان الأجانب ودانوا بفكرتهم على آثارهم يهرعون وفي مرضاتهم يتنافسون... ليست هذه مهمتهم أيها الإخوان، فقد أثبتت التجارب عجزهم المطلق عن أدائها، ولكنها مهمة هذا النشء الجديد، فأحسنوا دعوته، وجدوا في تكوينه، وعلموه استقلال النفس والقلب، واستقلال الفكر والعقل، واستقلال الجهاد والعمل، واملأوا روحه الوثابة بجلال الإسلام وروعة القرآن، وجندوه تحت لواء محمد صَلى الله عليه وسلم ورايته، وسترون في القريب الحاكم المسلم الذي يجاهد نفسه ويسعد غيره". [نفس المرجع ص: 105].



لا بد للإسلام من القوة الشاملة



وصارحهم كذلك بأن الحق لا يبقى بدون قوة تحميه.. فقال: "وما أحكم ذلك القائل: (القوة أضمن طريق لإحقاق الحق) وما أجمل أن تسير القوة والحق جنباً إلى جنب..". [نفس المرجع ص: 40]. وقال: "وتحتاج كذلك الأمم الناهضة إلى القوة وطبع أبنائها بطابع الجندية، ولا سيما في هذه العصور التي لا يضمن فيها السلم إلا بالاستعداد للحرب، والتي صار شعار أبنائها جميعاً: (القوة أضمن طريق لإحقاق الحق..) [نفس المرجع ص: 63].



وردَّ في موضع آخر على تساؤلات الناس: هل في عزم الإخوان المسلمين أن يستخدموا القوة في تحقيق أغراضهم والوصول إلى غايتهم؟ فقال: "أما القوة فشعار الإسلام في كل نظمه وتشريعاته، فالقرآن الكريم ينادي في وضوح وجلاء..{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ} [الأنفال:60]. والنبي صَلى الله عليه وسلم يقول: (المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف...) فالإخوان المسلمون لا بد أن يكونوا أقوياء ولا بد أن يعملوا في قوة...".



ثم يشرح معاني القوة ودرجاتها، وأن قوة الساعد والسلاح تأتي في الدرجة الأخيرة لمصلحة راجحة.. فقال: "ولكن الإخوان المسلمين أعمق فكراً وأبعد نظراً، من أن تستهويهم سطحية الأعمال والفكر، فلا يغوصوا إلى أعماقها، ولا يزنوا نتائجها وما يقصد منها وما يراد بها. فهم يعلمون أن أول درجة من درجات القوة قوة العقيدة والإيمان، ويلي ذلك قوة الوحدة والارتباط، ثم بعدهما قوة الساعد والسلاح، ولا يصح أن توصف جماعة بالقوة حتى تتوفر لها هذه المعاني جميعاً، وإنها إذا استخدمت قوة الساعد والسلاح وهي مفككة الأوصال مضطربة النظام أو ضعيفة العقيدة خامدة الإيمان، فسيكون مصيرها الفناء والهلاك". [نفس المرجع ص: 169].



أصناف الناس في فهمهم للدعوة ووضوح مواقفهم منها



ويشرح الداعية أصناف الناس، فيذكر أنهم أربعة: شخص آمن بالدعوة، فعليه أن يبادر بتأييدها والانضمام إلى حزبها.ـ وشخص لم يستبن له وجه الحق فيها، فعليه أن يتعرف عليها وعلى أهلها، وسيطمئن إلى أنها حق ويؤيدها. وشخص نفعي يريد مغنما، فيمكنه أن يعلم أن الدعوة تحتاج إلى من يضحي في سبيلها، وأن أهلها يتحملون أعباءها قاصدين ثواب الله لا شيئاآخر غيره. وشخص رابع متحامل ليس عنده استعداد للتعرف على الدعوة ولا الإيمان بها، وإنما هو خصم لدود لها، فهذا إن لم تداركه هداية الله فلا مطمع في هدايته وتوفيقه. ويدعو البنا الناس أن يكونوا واضحين في موقفهم من الدعوة، باتخاذهم أحد هذه الأصناف الأربعة، وإن كان الواجب إدراك الغاية التي تضمنتها وترك الغفلة السادرة والتقليد الأعمى. [راجع نفس المرجع ص:12].



ولقد وصل البنا بأتباعه في هذه الطريق - طريق تربية جيل يؤمن بالدعوة ويعرف غايتها ووسائلها ويسعى لإقامة حكم الله في الأرض - وصل بأتباعه درجة عالية، كادوا يبلغون الهدف الذي رباهم من أجله، وكانت هتافاتهم ترتفع مدوية: الله غايتنا، والرسول قدوتنا، والقرآن شرعتنا، والجهاد سبيلنا والشهادة أمنيتنا.. [نفس المرجع ص: 63]. ولم يفارق الدنيا حتى ترنم مع جماعته قائلين:



هو الحق يحشد أجناده ،،،،،، ويعتد للموقف الفاصل

فصفوا الكتائب آساده،،،،،،،،ودكوا به دولة الباطل



وارتعدت بذلك فرائص أعداء الله وتألبت قوى الكفر ضد الدعوة والدعاة..



الابتلاء قادم والصبر واجب والنصر مأمول



وظل البنا يربي أتباعه هذه التربية، وهو ينظر إلى المستقبل الذي ينتظرهم وإلى الابتلاء الذي سيصيبهم، عندما يظهر لأعداء الإسلام خطرهم على الكفر والفسوق والعصيان كما هي سنة الله في عباده.. ولذلك أبان لهم الطريق وحثهم على الصبر يوم يأتي ذلك الابتلاء، الذي سيصيبهم من جهلة الشعب وزعمائه وعلمائه الرسميين وغيرهم..



فقال رحمه الله: "أحب أن أصارحكم أن دعوتكم لا زالت مجهولة عند كثير من الناس، ويوم يعرفونها ويدركون مراميها وأهدافها ستلقى منهم خصومة شديدة وعداوة قاسية، وستجدون أمامكم كثيراً من المشقات، وسيعترضكم كثير من العقبات، وفي هذا الوقت وحده تكونون قد بدأتم تسلكون سبيل أصحاب الدعوات.



أما الآن فلا زلتم مجهولين، ولا زلتم تمهدون للدعوة وتستعدون لما تتطلبه من كفاح وجهاد، سيقف جهل الشعب بحقيقة الإسلام عقبة في طريقكم.. وستجدون من أهل التدين ومن العلماء الرسميين من يستغرب فهمكم للإسلام، وينكر عليكم جهادكم في سبيله.. وسيحقد عليكم الرؤساء والزعماء وذوو الجاه والسلطان.. وستقف في وجهكم كل الحكومات على السواء، وستحاول كل حكومة أن تحد من نشاطكم وأن تضع العراقيل في طريقكم...".



إلى أن قال: "وستدخلون بذلك ولا شك في دور التجربة والامتحان، فتسجنون وتعتقلون وتقتلون وتشردون، وتصادر مصالحكم وتعطل أعمالكم وتفتش بيوتكم، وقد يطول بكم مدى هذا الامتحان.. {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ} [العنكبوت:2].


ولكن الله وعدكم بعد ذلك كله نصرة المجاهدين ومثوبة العاملين المحسنين.. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} إلى قوله تعالى: {…فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} [الصف:10-14]. فهل أنتم مصرون على أن تكونوا أنصار الله.؟ [نفس المرجع السابق ص:142-143].



الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر



أما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو الطريق الثاني الذي سلكه البنا وربى عليه أتباعه، فإنه يظهر جلياً في رسالته المسماة: نحو النور.. وهو خطاب بعث به إلى الملك فاروق ورئيس وزرائه، وإلى رؤساء الشعوب الإسلامية ومفكريها، وفيه أوضح مزايا الإسلام وتبعة الراعي ومفاسد المدنية الغربية..وقدرة الإسلام على إمداد الأمة الناهضة بما تحتاج إليه من الأمل والعزة والقوة، والصحة العامة والعلم والخلق والاقتصاد والنظم العامة، وحماية الأقليات وصيانة حقوق الأجانب، وقيام العلاقات المفيدة مع دول الغرب.. كما أبان أن أصول النهضة في الشرق غير أصولها في الغرب، وأن رجال الدين الذين يسيئون إلى الدين، ليسوا هم الدين وحث على الجرأة في إقامة الدين، وبين الخطوات العملية في النواحي السياسية والقضائية والإدارية والاجتماعية والعلمية والاقتصادية.. وفي آخر الخطاب بين أنه لا يريد بذلك إلا النصيحة لوجه الله، لا طمعاً في حكم أو رغبة في منصب أو جاه، وأنه سيكون جندياً هو وأتباعه لأية حكومة تطبق الإسلام..



فقال: "وبعد فهذه رسالة الإخوان المسلمين، نتقدم بها، وإنا لنضع أنفسنا ومواهبنا وكل ما نملك، تحت تصرف أي هيئة أو حكومة، تريد أن تخطو بالأمة الإسلامية نحو الرقي والتقدم نجيب النداء ونكون الفداء، ونرجو أن نكون قد أدينا بذلك أمانتنا وقلنا كلمتنا، والدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، وحسبنا الله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى". [نفس المرجع ص: 55-78]. وهكذا خاطب في رسالته مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي: رئيس الحكومة، ورجال الأزهر، ورؤساء الهيئات والجماعات والأحزاب وأبناء الوطن جميعاً.. ثم أخذ يوجه إليهم النداء ويقول: ألا قد بلغت اللهم فأشهد. [نفس المرجع ص: 189-245].



إن رجلاً أخرجه الله للناس في عصر انفرط فيه عقد المسلمين، وأقصي حكم الله فيه من الأرض، وقويت شوكة الكفر وعلا أهل الإلحاد، وسقطت راية الإسلام الجهادية، وذل المسلمون فيه لأعدائهم، ودب الخلاف بينهم وتفرقوا شذر مذر، وأخلد فيه كثير من العلماء إلى الأرض، وانتشرت بينهم الخرافات وتعددت الطرق واحتلت فيها أغلب بلاد المسلمين من قبل الكفار.. إن رجلا أخرجه الله للناس في هذا العصر الذي هذه بعض رزاياه على المسلمين، فهيأ الله له أسباب التقرب إلى الله وجعله ينتقل من جماعة إلى أخرى مختاراً أحسن ما عند كل جماعة من صغره.. ورزقه الفقه في الدين، والعمل به، والدعوة إليه، والغيرة على أهله، والصبر على الأذى في ذات الله، وآتاه قوة فكرية وتخطيطية وتنظيمية وعملية، ومنحه صفات قيادية، كان تأثيرها شبيهاً بخوارق العادات، وجعله يتبع نهج الرسول صَلى الله عليه وسلم في إبلاغ الدعوة إلى كل الناس، في مجتمعاتهم ومنتدياتهم وقهاويهم في وقت ما كان أحد يفكر في هذه المجالات للدعوة...



كما منحه الله البعد عن بعث الأمور الخلافية التي استهلكت طاقات العلماء وأتباعهم وفرقت كلمتهم.. و منحه الأسلوب الجذاب والحجة المقنعة لكل طبقات المجتمع، ورزقه القوة في قول الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى لا يخشى في الله لومة لائم.. وأعلن للملأ أن تحكيم شرع الله، أصل لا قيام للدين بدونه،وأن القوة بمراتبها الثلاث قوة الإيمان والعقيدة، وقوة الأخوة والجماعة والارتباط، وقوة الساعد والسلاح أمر ضروري للدعوة إلى الله..

وأن الإسلام دين عالمي، لا يكفي أن يدين به شعب أو جنس من البشر، بل هو رحمة عالمية يجب أن يبلغ إلى الناس كافة، وأن الجهاد في سبيل الله وإعداد العدة لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ضرورة من ضرورات الإسلام..



ورزقه الله – كذلك - معرفة كاملة بأمراض الأمة الإسلامية في هذا العصر - وكذلك غيرها من أمم الأرض - ومعرفة بالدواء والغاية من خلق البشر والوسيلة لتحقيق هذه الغاية.. كان من أثر رزق الله له هذه المزايا، أن أخذ رحمه الله يربي الشباب - وغير الشباب - على الإيمان بالمبدأ الذي آمن به، ويثير فيه عاطفة جياشة وعزة وأنفة، ويدفعه دفعاً إلى رفع كلمة الله في الأرض.. وكشف عوار القوانين الوضعية وفضح تآمر أهلها على الشعوب الإسلامية..



ووقف ضد قوى الكفر والعدوان -الذين احتلوا البلاد، وأذلوا العباد- وأذنابهم، مطالباً إياهم بالجلاء وإعطاء الحرية لتلك الشعوب المغلوبة على أرضها، وجهز الغزاة المجاهدين ضد قوة الكفر في مصر وفلسطين، من اليهود والنصارى فأذاق رجال البنا المستعمرين نارا لا قبل لهم بها، ولو أن عملاء الغرب تركوا أولئك الرجال يستمرون في جهادهم، لكان لليهود يوم يخزيهم الله فيه، وينصر أولياءه المجاهدين عليهم.



ولكن أولئك العملاء حاربوا المجاهدين، وصادروا سلاحهم وجمعوهم في معتقلات، ثم زجوا بهم في السجون، حماية لليهود المغتصبين، واستجابة لأوامر الأعداء البريطانيين وغيرهم من الغربيين الذين مكنوا اليهود من احتلال الأرض المباركة.. ثم اغتالوا رجل الدعوة والجهاد"البنا" ليقروا بذلك عيون الأعداء!



إن رجلاً أخرجه الله للناس ومنحه تلك المواهب العظيمة التي لا توجد إلا في جيش من الصالحين متفرقة في أفرادهم، أخرجه الله في هذا العصر الذي تلك حالته، لجدير أن تقف الدنيا كلها في وجهه وتصد الناس عن دعوته وتتآمر عليه وتنزل به ألواناً من الابتلاء والمحنة وبأتباعه.. وذلك ما كان وهو الذي صارح به قومه قبل مدة طويلة من الزمن كما مضى [راجع ثناء العلماء على البنا رحمه الله في كتاب المدخل إلى دعوة الإخوان المسلمين لسعيد حوا ص: 183ـ201].



نعم جاء وقت المحنة، وجاء الوقت الذي علم فيه الناس دعوة هذا الرجل، وقد كانوا من قبل يجهلونها، علم الطغاة أنها تعني لا إله إلا الله محمد رسول الله..وأنها تعني تبعاً لذلك القضاء على استعباد البشر للبشر، وأنه لا طاعة لأحد في معصية الخالق سبحانه، وأن الدعوة لابد لها من قوة تحميها وتزيل العقبات من طريقها.. فاجتمعت قوى الكفر الغربية وعبيدها الحاكمون في مصر، وقرروا حل جماعة الإخوان المسلمين واعتقال الأعضاء ومصادرة الممتلكات.. وعندما أخذت الشرطة أعضاء الجماعة، أراد الإمام أن يكون معهم، وحاول الصعود إلى السيارة التي أقلتهم، ولكن رجال الشرطة رفضوا وقالوا له: ليس عندنا أمر باعتقالك، فأصر ولكنهم أيضاً أصروا على عدم أخذه مع أتباعه..



وخطوا الخطوة الثانية - بعد الحل واعتقال الأعضاء - فأخذوا سيارته واعتقلوا سائقها، وسحبوا سلاحه الذي كان مرخصاً له كغيره من زعماء الهيئات والأحزاب، وقبضوا على شقيقيه اللذين كانا يرافقانه، وسلطوا عليه من اغتاله عام 1949م.. وكانت إصابته غير قاتلة، كما قرر أحد الأطباء ولكن أعداء الله تركوه - فيما يبدو - ينزف دماً حتى لقي ربه. [راجع كتاب المدخل إلى دعوة الإخوان المسلمين ـ ص:202 لسعيد حوا، وكذا كتاب لماذا اغتيل الإمام الشهيد حسن البنا؟ ص: 157-164].



وبذلك صار الإمام حسن البنا رحمه الله، من النماذج القليلة التي تكون قدوة للسائرين في الفقه في الدين والعمل والجهاد والصبر على الابتلاء في سبيل الله، فرحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.. وقد سار في دربه أبناؤه الذين رباهم، فأوذوا إيذاء قل أن يوجد مثله واعتقلوا واغتيلوا وقتلوا وصمدوا صمود الجبال الرواسي ولا زالوا على العهد.. وفقهم الله لسلوك درب إمامهم، وفقههم في الدين، وأنزل عليهم سكينة الصبر والطمأنينة ونصرهم على عدوهم إنه على كل شيء قدير..








السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13467778

عداد الصفحات العام

1006

عداد الصفحات اليومي