﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (04) سافر معي في المشارق والغارب :: (24) أثر الترية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (03) سافر معي في المشارق والمغارب :: (023) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(0121) الجهاد في سبيل الله-سيد قطب وأثره فيمن اقتدى به

(0121) الجهاد في سبيل الله-سيد قطب وأثره فيمن اقتدى به



كنت ذكرت في الطبعة الأولى لكتاب "الجهاد في سبيل الله-حقيقته وغايته، من الأمثلة التي يقتدي بها السائرون سيد قطب رحمه الله، بعنوان المثال السادس، وهو بدون شك قدوة في الدعوة إلى الله والصدع بالحق، والصبر على الأذى والفتنة ممن يخالفونه في الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسَلم، إلى درجة أنه رضي أن يحرم حق الحياة، من أجل ثباته على الحق الذي يعتقده.



وبعد مراجعتي للكتاب لإعداده للطبعة الثالثة، -إذا تيسرت-رأيت أن ما كتبته عن سيد كان طويلا لا يناسب الحلقات المقسمة، كما اطلعت على ما انتُقد به سيد رحمه الله، من أنه يكفر المجتمعات، المسلمة، كتبت تعقيبا على ما كتبته سابقا، ورأيت أن أذكر في هذه الحلقة التي تنشر في "الشبكة العالمية" التعقيب فقط، وأبقي ما كتبته أولا في مكانه من الكتاب، مع التعقيب، ويمكن من أراد الاطلاع على الموضوع كله، أن يقرأه في الأصل المنشور كاملا في موقع: "الروضة الإسلامي"...



وهذا نص التعقيب: "وهنا لا بد من التعقيب على بيان السبب الذي دعا سيد قطب رحمه الله إلى شرح المجتمع الإسلامي والمجتمع الجاهلي، وإطلاق هذا الأخير على المسلمين في البلدان الإسلامية، وعلى الأثر الذي أحدثه كلامه رحمه الله في ذلك.



فقد كانت الفترة التي ألف فيها سيد كتابه "معالم في الطريق" وكذلك كتابه "في ظلال القرآن" كانت من أشد الفترات بعدا عن الإسلام، وحربا لكتاب الله وسنة رسوله صَلى الله عليه وسلم، وإبعادا لتطبيق أحكامه في حياة المسلمين.



وكان غالب حكام الشعوب الإسلامية شديدي العداوة لعلماء الإسلام ودعاته الصادقين، من إندونيسيا شرقا، إلى بلدان المغرب العربي غربا، ولهذا كثرت المحاكمات العسكرية للعلماء والدعاة من الرجال والنساء، وزج بهم في المعتقلات والسجون، وسامهم أعداء الإسلام سوء العذاب، الذي لا يصبر عليه ويتحمله إلا أشداء عباد الله الصالحين، وصدرت بحق كثير منهم أحكام القتل ونفذت.



وكان من أشد الحكام عدوانا وظلما لدعاة الإسلام حاكم أكبر دولة عربية الذي نال منه سيد قطب وإخوانه النصيب الأوفر من الإهانات والتعذيب ثم القتل، إرضاء لدول الكفر في الشرق والغرب، ويمكن لمن أراد الاطلاع على بعض تلك المظالم أن يبحث عن بعض الكتب والرسائل التي نشرت في تلك الفترة الحرجة.، وقد يجدها وغيرها في "الشبكة العالمية"



ومنها كتيب: "لماذا أعدم سيد قطب" وكتيب "نافذة على الجحيم" وكتاب "أيام من حياتي" وهو للداعية المسلمة "زينب الغزالي" و "أقسمت أن أروي" للمسيحي اللبناني "روكس معكرون" و"مؤامرة ضد الإسلام في مصر" و "عندما غابت الشمس – مذكرات السجون والمعتقلات" للأستاذ "عبد الحليم خفاجي" و "البوابة السوداء – صفحات من تاريخ الإخوان المسلمين" للأستاذ "أحمد رائف" و له"لماذا أعدم سيد قطب".



واشتدت ضغوط الأجهزة العسكرية على كثير من العلماء الموظفين في مؤسسات الدولة، حتى أصدروا فتاوى تؤيد الحكام الظلمة في تصرفاتهم ضد الدعاة إلى الله، بل إن بعضهم أُجبِروا على إلقاء محاضرات على المسجونين في سجونهم، لتغيير ما يعتقدون من الحق، ولم يجرؤ غالب العلماء و الأعيان على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمطالبة برفع الظلم عن المظلومين. إذا اجترأ أحد على التلويح بإنكار تلك التصرفات الظالمة، لحق من سبقه من المبتلين في سبيل الله.



في هذه الأجواء التي اشتدت فيها المحن، وسيطر فيها الظلم والقهر، وساد فيها الطغيان والعدوان، وحوربت فيها شريعة الرحمن، ووالى فيها غالب الحكام أحزاب الشيطان، وعادوا فيها حزب الله الديان، واستوحش فيها دعاة الإسلام، فلم يجدوا من المخلوقين ناصرا، ولا بالمعروف آمرا، ولا للفساد والشر منكِرا.



في هذا هذه الأجواء أطلق سيد قطب رحمه الله تلك العبارات، التي تدل على ما بلغ به من الحزن والأسى على حالة هذه الأمة، ومن الحسرة على ما نزل بها من البلاء والغمة، وعلى ما أوتيته دول الكفر من وفرة المال والاقتصاد، ومن التفوق في السلاح والعتاد، ومن تدبير في السياسة و الإدارة والنظام، ومن تميز في التعليم والإعلام، حتى سيطروا بذلك على مشارق الأرض ومغاربها -وبخاصة الشعوب الإسلامية-ورفعوا بها راياتهم والأعلام.



فأكثر رحمه الله من إطلاق لفظ "المجتمع الجاهلي" على المسلمين، وكان يرى أن بعض المؤسسات الإسلامية الموجودة في بعض البلدان الإسلامية، ما هي إلا لافتات أريد بها تضليل المسلمين وتخديرهم، وأنها أسماء بدون مسميات، حتى لا يتنبهوا لخطر الحرب على الإسلام، ويجاهدوا في سبيل الله، لطرد ذلك الخطر، ولذلك رأى أنه يجب إنزال تلك اللافتات، وكشف زيفها لعامة المسلمين، حتى لا تخدعهم.



ولكن تعميم حكمه الذي يظهر منه المساواة بين كل المؤسسات في حكومات الشعوب الإسلامية ومنظماتها الدعوية، فيه مبالغة، فإن بعض الحكام -وإن قلوا- وكثيرا من المسئولين عن تلك المؤسسات كانوا يعملون لمصلحة الإسلام، في حدود ما يتاح لهم من قبل تلك حكومات شعوبهم، وانتفع المسلمون من تلك المؤسسات ومن المسئولين عنها في تلك الحدود، سواء كانت تعليمية أو دعوية، و إذا وجد في تلك المؤسسات من يخدم مصالح الحكومات المعادية لحكم الشريعة، مع تضييع ما أوجب الله تعالى عليه، وهو قادر على خلاف ذلك، فالله حسيبه، ولكن لا ينبغي أن يعمم الحكم على كل من يعمل في تلك المؤسسات.



فقد يكون كثير منهم حاول التقليل من المفاسد، والإكثار من المصالح التي يقدر عليها، ولا قدرة له غير ذلك، فلا يكلف ما لا يستطيعه، إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، ووجود أولئك العلماء والدعاة، في تلك المؤسسات مع ما فيها من تقصير متعمد أو غير متعمد، خير من فقدها.



وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، مشروعية تولي الصالحين وظائف في دولة ظالمة بل كافرة -فما بالك بحكومات تظهر إيمانها بالإسلام-إذا استطاع المتولي التقليل من المفاسد، والتكثير المصالح، فقال: "إذا كان المتولي للسلطان العام، أو بعض فروعه، كالإمارة والولاية والقضاء ونحو ذلك، إذا كان لا يمكنه أداء واجباته وترك محرماته، ولكن يتعمد ذلك ما لا يفعله غيره قصدا وقدرة جازت له الولاية، وربما وجبت... وهذا باب يختلف باختلاف النيات والمقاصد، .. ومن هذا الباب تولي يوسف الصديق على خزائن الأرض لملك مصر، بل ومسألته أن يجعله على خزائن الأرض، وكان هو وقومه كفارا... ومعلوم أنه مع كفرهم لا بد أن يكون لهم عادة وسنة في قبض الأموال وصرفها على حاشية الملك وأهل بيته ورعيته، ولا تكون تلك جارية على سنة الأنبياء وعدلهم، ولم يكن يوسف يمكنه أن يفعل كل ما يريد، وهو ما يراه من دين الله، فإن القوم لم يستجيبوا له، لكن فعل الممكن من العدل والإحسان، ونال بالسلطان من إكرام المؤمنين من أهل بيته، ما لم يكن يمكن أن يناله بدون ذلك، وهذا كله داخل في قوله: {فاتقوا الله ما استطعتم}) التغابن: 16. [مجموع الفتاوى (20/55-57)]



فالقول بتحريم تولي الوظائف في حكومات ظالمة أو كافرة مطلقا، واتهام كل من يسمون بالعلماء الرسميين أو غيرهم من العاملين، بموالاة الحكام الظلمة أو الكفار ورضاهم بما يحصل في وظائفهم مما يخالف حكم الله، غير صحيح، بل ينظر في ذلك إلى المقاصد والمصالح والمفاسد.



فقد يكون المتولي للوظيفة سيئ النية ممالئا للسلطان الظالم، لا يراعي الواجب الشرعي، ولا يبذل جهده في إحقاق الحق وإبطال الباطل، فهذا هو الذي يذم شرعا، ما لم يكن مكرها.



وقد يكون المتولي حسن القصد والنية، يبذل جهده في إحقاق الحق وإبطال الباطل في حدود قدرته، فهذا جدير بالمدح لا بالذم، ويبدو لي أن هذا المقصد كان غائبا عن سيد قطب رحمه الله، لكثرة ما رأى من المداهنة للحكام والاستجابة لتنفيذ رغباتهم.



هذا فيما يتعلق بما سماها سيد "اللافتات الإسلامية" ومن سماهم بـ(علماء الدين) مثل قوله: " لقد رأينا من هؤلاء من يعلم ويقول: إن التشريع حق من حقوق الله – سبحانه - من ادعاه فقد ادعى الألوهية، ومن ادعى الألوهية فقد كفر، ومن أقر له بهذا الحق وتابعه عليه فقد كفر أيضاً، ومع ذلك.. مع علمه بهذه الحقيقة التي يعلمها من الدين بالضرورة، فإنه يدعو للطواغيت الذين يدّعون حق التشريع..." انتهى.



أما إطلاق سيد رحمه الله على المجتمعات في دول المسلمين، بأنها مجتمعات جاهلية، فلا أرى فيه تكفيرا صريحا لها إلا في الحالات الآتية:



الحالة الأولى: أن يصرح السلطان أو الحاكم أنّى كانت تسميته، بأن الشريعة الإسلامية لا تصلح للتطبيق في هذا العصر، متبعا في ذلك أعداء الإسلام من المستشرقين ومن أيدهم.



الحالة الثانية: أن يدعي أنه لا توجدد شريعة ولا قانون في الإسلام، كما صرح بذلك بعض من يسمون بالعلمانيين.



الحالة الثالثة: أن يعتقد ويصرح بالقول: إن الحكم بالشريعة الإسلامية والعمل بها غير واجب، ويحل بذلك ما حرم الله، كالزنا وشرب الخمر وأكل الربا، والزواج بأكثر من أربع من النساء، وكل ما علم من الدين بالضرورة، أويحرم ما فرضه الله أو أباحه في كتابه وفي سنة رسوله صلى الله عَليه وسلم، فهذ كله من حكم الجاهلية التي نهى الله تعالى عنه عن طريق الاستفهام الإنكاري: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} لعل سيدا رحمه الله قصد بحكم الجاهلية، هذه الحالات.



لأن تعمد إبعاد الحكم بشريعة الله، وإحلال القوانين البشرية المخالفة لنصوصها القطعية الثبوت والمعنى، يدخل في قول الله تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (65)} [النساء]



والأصل في علماء الإسلام، أن يبينوا للناس الحق ويدعوهم إليه، وأن يبينوا لهم الباطل وينهوهم عنه، وأن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، ولو كان من يأمرونه وينهونه سلطانا جائرا كما هو معلوم، ويحرم عليهم كتمان الحق، أو قول الباطل.



ولكن قدرة العلماء على الثبات على قول الحق، مع الإيذاء الشديد والمحن العظيمة، في نفوسهم وفي أسرهم وأموالهم، تختلف من عالم إلى آخر، فقد يكون بعضهم قوي الإيمان شديد الصبر لا يبالي ما يحصل له من ابتلاء، كحال بلال رَضي الله عنه، وكحال الإمام أحمد بن حنبل الذي صبر ولم يستجب لأعدائه في قول الباطل، وهذا قليل بل نادر، وقد لا يكون قادرا على ذلك، كحال عمار بن ياسر، وحال بعض زملاء الإمام أحمد الذين لم يستطيعوا عل الصب مثله، فأظهروا الاستجابة لما أجبرهم الحكام عليه. لهم.



ومعلوم أن صبر بلال، وعدم صبر عمار، كان في معنى قاعدة قواعد الإسلام: "لا إله إلا الله محمد رسول الله" وصبرُ أحمد وعدم صبرِ زملائه، كان في قاعدة مهمة من قواعد الإسلام، تتعلق بكلام الله تعالى، وذلك أعظم من دعاء العالم للظالم أو الكافر، فلا يكلف غير القادر على الصبر ما يكلفه القادر عليه.



أما تعريف سيد رحمه الله للمجتمع الجاهلي: "إنه هو كل مجتمع لا يخلص عبوديته لله وحده، متمثلة هذه العبودية وفي التصور الاعتقادي وفي الشعائر التعبدية، وفي الشرائع القانونية، وبهذا التعريف الموضوعي تدخل في إطار المجتمع الجاهلي جميع المجتمعات القائمة اليوم في الأرض فعلا..." فإنه يظهر منه دخول الشعوب الإسلامية كلها في المجتمعات الجاهلية.



وإذا تأملنا أحوال المسلمين، وجدناهم – في الجملة - أصنافا ثلاثة:

الصنف الأول: يصرح بجحد الإسلام ويظهر الكفر به، كحال الشيوعيين الملحدين الذين كانوا في تلك الفترة لا يخفون كفرهم، وهؤلاء مع جحودهم وكفرهم، كانوا يحاربون الإسلام حربا سافرة ويزهقون أرواح المخالفين لهم، وبخاصة العلماء والدعاة إلى الله، و لا يشك مسلم في كفرهم، لأنهم يعلنون ذلك بأنفسهم، من مات منهم على ذلك ولم يتب منه، فهو خارج عن ملة الإسلام مخلد في نار جهنم.



الصنف الثاني: من يزعمون أنهم مسلمون، وقد يظهرون أنهم يصلون ويصومون ويحجون، ولا يصرحون بالكفر بالإسلام، ولكنهم يحاربون دعاة الإسلام، كما يفعل الشيوعيون، ولا يطبقون منه إلا بعض الأحكام المتعلقة بنظام الأسرة، ويأذنون للناس بأداء العبادات، كالصلاة والصيام والحج ونحو ذلك، ويرفضون تطبيق كثير من الأحكام الشرعية. وهذا الصنف أربعة أقسام:



القسم الأول: أهل السلطة الذين لهم الأمر والنهي، كرؤساء الدول الذين يستعملون سلطتهم و يملون إرادتهم على من يشرع لهم الدساتير التي تحقق لهم التصرف في الشعوب، حسب أهوائهم على أساس من الشرعية، ولو خالفت نصوص الإسلام وقواعده العامة.



القسم الثاني: رجال القانون الذين يكتبون لهم القوانين ويفصلونها تفصيلا يمكنهم من إصدار ما يحقق رغباتهم، في دين الناس ونفسهم ومالهم، محتجين بتلك القوانين الجائرة.



القسم الثالث: القضاة الذين يولونهم سواء كانوا مدنيين أو عسكريين، ويأمرونهم بإصدار الأحكام الجائرة، فيفعلون.



القسم الرابع: الأجهزة المنفذة لأوامر ذي السلطان، ويشمل ذلك المحافظين، ومن يسمون بأجهزة الأمن من المباحث على تنوع وظائفهم، وأجهزة الاستخبارات، والشرطة وغيرهم، ممن يتلقون من صاحب السلطة الأوامر الظالمة وينفذونها، وقد يتجاوزونها تقربا إليه أو حقدا على أهل الحق الذي يحاربهم السلطان.



فأهل هذه الأقسام الأربعة شركاء للحاكم كلهم في الإثم، لما قاموا به من إعانة السلطان الظالم، وقد يكون إثمهم أكبر من إثمه، بسبب مباشرتهم للظلم.

وهؤلاء هم الذين قصدهم سيد قطب رحمه الله قصدا أساسا، بالمجتمع الجاهلي، لما ذكر.



وهؤلاء الأقسام الأربعة، من استحل الظلم المعلوم من الدين بالضرورة، وصرح باستحلاله مع علمه أن ذلك مخالف للثابت في دين الله سواء أَمَر َبه أو حكم به أو نفذه، فهو كافر خارج من الملة كالملحد الشيوعي.



و من فعله وهو يعتقد - والله تعالى يعلم سريرته - أن ما فعله محرم شرعا، ولكن هواه غلبه لشهوة جاه أو منصب، أو مال، أو أكراه عليه، فهو عاص لله مرتكب كبيرة، حكمه إلى الله تعالى في مجازاته على حقوقه وحقوق خلقه، ولا يحكم عليه بالكفر المخرج من الملة، ويصح إطلاق المجتمع الجاهلي على هؤلاء، كما قال سيد قطب رحمه الله، لأن أعمالهم أعمال جاهلية بدون شك، ولا يلزم من إطلاق المجتمع الجاهلي أن يكون جميع أفراده كفارا، بل قد يكون منهم الكافر كفرا مخرجا من الملة، وقد يكون مسلما عاصيا، وقد يكون منافقا.



الصنف الثالث: من يؤمنون بالله تعالى باطنا -والباطن لا يعلمه إلا الله- وظاهرا، ويطبقون من دين الله تعالى ما يقدرون عليه في نفوسهم وفي غيرهم، ويكرهون ما يخالف الإسلام ومن يخالفه، فيقيمون شعائر الله تعالى، ولكنهم لا يقدرون على إظهار كلمة الحق من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن ذلك الظلم الصادر من الحاكم وأعوانه، على المستضعفين، خوفا على أنفسهم وأهليهم وأموالهم خوفا مبنيا على قرائن تدل على أنهم سيؤذون، لما يرون من سطوة السلطان، سواء كان الخائفون من العلماء والدعاة، أو من الأعيان والأغنياء أو غيرهم من عامة المسلمين، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها. وهؤلاء لا يدخلون في المجتمع الجاهلي الذي أطلقه سيد قطب رحمه الله.



والذي أريد الوصول إليه أن الأجواء التي أصدر سيد قطب رحمه الله تعالى فيها حكمه العام بإطلاق المجتمع الجاهلي على المسلمين، كان لعمومه أثره على شباب المسلمين الذين يقصر علمهم عما سجله العلماء في التكفير وضوابطه.



ممن اعتقلوا وسجنوا وقد أثر ذلك في كثير من المظلومين وعذبوا، وانتهكت أعراضهم، وصودرت أموالهم، وقتل أقاربهم وإخوانهم في الإسلام أمام أعينهم، فاعتقدوا تكفير تلك المجتمعات كلها، وفهموا أن الإعداد للجهاد في سبيل الله، وتطبيقه، لإقامة دين الله فرض عين، ولم يتبين لهم ما يشترط في الجهاد، وفهموا من ظاهر بعض الآيات أن من لم يحكم بما أنزل الله يكون كافرا، ولم يطلعوا على تفسير العلماء وتفصيلهم لمعاني الآيات، الذي يبين متى يكون ذلك كفرا أكبر مخرجا من الملة، ومتى يكون كفرا أصغر لا يخرج من الملة، فبنوا على فهمهم في المسألتين: التكفير وفرضية الجهاد، كفر الحكام وموظفيهم وأعوانهم ووجوب جهادهم، فرأوا استباحة دمائهم وأموالهم، وانتشروا في أنحاء الأرض فنشروا فكرتهم تلك، وقرروا القيام بما اعتقدوه من التكفير والجهاد.



ومن هنا نشأت جماعات في مصر وخارجها على أساس هذا الفهم، واتفقت كلها على ألا طريق للإصلاح إلا الجهاد العسكري، لعدم جدوى غيره من أنواع الجهاد، كالتعليم والدعوة وغيرهما، لأن الحكومات تقف سدا منيعا ضد التعليم الإسلامي، وتضع مناهج مضللة للأجيال، وتحظر الدعوة التي تشرح للأمة الإسلام على حقيقته، وتستغل مرافق الشعوب في نشر الباطل الشامل لحياة الناس العقدية، والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية والسياسية، في مناهج التعليم، ووسائل الإعلام، وغيرها.



وكان من ثمار منهج هذه الجماعات الإصرار على استعمال السلاح ضد الحكام وأعوانهم، من الموظفين الصغار والكبار على السواء، بل نسب إليهم في بعض البلدان – كالجزائر - قتل شيوخ وأطفال ونساء، كما دأبوا على اغتيال الزوار الأجانب لبعض البلدان الإسلامية، رجالا ونساء...ولا زال كثير من الشباب الجاهلين بحقيقة الإسلام وتحقيقات علمائه العظام، مع ظنهم أنهم على علم بذلك، ونفورهم من العلماء الذين يتولون وظائف في الحكومات التي لا تعترف بشريعة الله تعالى، لا زالوا إلى الآن يكفرون المسلمين ويقتلون من يعتقدون كفره من المسلمين، بل إن كل طائفة منهم تقاتل الأخرى وتضللها، اعتقادا منها أنها هي فقط على الحق وغيرها على الباطل، وما يجري في بعض البلدان العربية، كسوريا واليمن وغيرهما، من اقتتال تلك الفرق فيما بينها، مع قتلها لمن تعتقد كفيره من المسلمين، ما يجري في تلك البلدان دليل على جهلهم بحقيقة اللإسلام.



وأطلق سيد قطب رحمه الله مصطلحا آخر وكرره كذلك، وهو "العزلة الشعورية" في المجتمع الجاهلي، فتلقفها من تتلمذ على كتبه، وبخاصة "في ظلال القرآن" و"معالم في الطري" وأضافوا إلى "العزلة الشعورية" "العزلة الحسية" فنزحوا من المدن والقرى إلى الأرياف والأماكن الخالية، وسكنوا في الكهوف، ولم يعودوا إلى المدن إلا للاغتيال والحصول على الغنيمة، وقد رجعت بعض تلك الجماعات عن رأيها وأعلنت ذلك في كتب ألفها زعماؤها، كالجماعة الإسلامية بمصر.



ما الهدف من هذا التعقيب؟

والقصد من هذا التعقيب الذي طال نسبيا، بيان أنني عندما كتبت هذا الكتاب "الجهاد في سبيل الله – حقيقته وغايته" نقلت عن سيد رحمه الله كثيرا من أقواله، المتعلقة بأحوال الأمة المحزنة في هذا العصر، وأن من أهم ما يخرجها من ذلها وتأخرها الجهاد في سبيل الله، وقصدي من ذلك تحريض المسلمين على إعداد العدة لأعدائهم، وإقامة راية لإسلام بهذا الجهاد، ولا أزال أحرض المسلمين جميعهم على ذلك، كل بما يقدر عليه، في حدود الفقه الإسلامي المعتبر، والذي يقرأ كتابي هذا من أوله إلى آخره سيجد ذلك واضحا بدون تكلف في الفهم.



ولكني عندما كتبت هذا الكتاب، لم يكن انتشر كثيرا خبر من يسمونهم بجماعة التكفير، في البلدان الإسلامية، فلما انتشرت تلك الجماعات وعلمت أن من أهم من تأثروا به في منهجهم هو فكر سيد قطب رحمه الله، وقد نبهني بعض العلماء المحبين لسيد قطب عندما اطلع على كتابي بعد طبعه ونشره.



أقول: بعد هذا رأيت أن من الواجب علي أن أنبه على ما أعتقده، وقد نشرته في بعض كتبي، ومنها "الإيمان هو الأساس" أنه لا يجوز تكفير أحد بعينه أهل القبلة بذنب ارتكبه، ما لم يكن كفرا بواحا قامت على صاحبه الحجة، فكيف بتكفير المجتمع كله؟ لأن للتكفير كغيره من الأحكام شروطا لا بد من توافرها، وموانع لا بد من انتفائها، فإذا فقد شرط منها أو وجد مانع لم يجز الحكم على من انتفى عنه الشرط أو وجد به المانع بالكفر، ولا أذكر أن سيد قطب رحمه الله كفر معينا في كتبه، وإنما يطلق على من حكم بغير ما أنزل الله إطلاقا عاما، ولم يفصل كم فصل العلماء قبله، عن معنى الكفر هل هو كفر أكبر مخرج من الملة أم كفر أصغر أمر صاحبه إلى الله إن شاء تعالى غفر له، وإن شاء عذبه بقدر ذنبه، ثم أدخله الجنة.



قال ابن تيمية رحمه الله: " وأما الحكم على المعين بأنه كافر، و مشهود له بالنار: فهذا يقف على الدليل المعين، فإن الحكم يقف على ثبوت شروطه وانتفاء موانعه........ وإذا عرف هذا فتكفير المعين من هؤلاء الجهال وأمثالهم-بحيث يحكم عليه بأنه من الكفار-لا يجوز الإقدام عليه إلا بعد أن تقوم الحجة الرسالية التي يتبين بها بأنهم مخالفون للرسل، وإن كانت هذه المقالة لا ريب أنها كفر. وهذا الكلام في تكفير جميع المعينين.. فليس لأحد أن يكفر أحدا من المسلمين، وإن أخطأ وغلط، حتى تقام عليه الحجة وتبين له المحجة..". [مجموع الفتاوى (12/497-501، وراجع:523)]



هذا في الشخص بعينه، فكيف يحكم على أمة بالكفر جملة؟



فلا يفهم من نقلي لكلام سيد رحمه الله، أنني ممن يكفرون المجتمعات أو أعيان المسلمين بإطلاق، ولا أنني فهمت منه أنه يكفر المسلمين، أفرادا أو جماعات، بل أدعو طلاب العلم إلى الحذر من تكفير المسلم، لما في التكفير من مفاسد عظيمة في الدنيا والآخرة، وقد ألفت رسالة خاصة في ذلك، بعنوان: التكفير والتفسيق ومذاهب العلماء فيهما" ذكرت فيها أدلة المكفرين بالكبائر، واقوال أهل العلم في ذلك، فليرجع إليها من شاء، وهي مثبتة بين المؤلفات، في موقع"الروضة الإسلامي"، تحت هذا الرابط.

http://al-rawdah.net/r.php?sub0=allbooks&sub1=message002&p=1

هذا وأذكر أنني عندما التقيت الأستاذ محمد قطب -أخا سيد- رحمهما الله، بعد خروجه من السجن، ومجيئه على المملكة العربية السعودية، سألته عما يعني سيد قطب بـ"المجتمع الجاهلي"؟ فقال: "يطلق المجتمع الجاهلي على المجتمع الذي لا يحكم بشريعة الله، ولا يلزم من ذلك كفر هذا المجتمع كله، بل يوجد في هذا المجتمع المسلم الذي يدين بالإسلام ويقر بمعنى لا إله إلا الله محمد رسول الله، ولا يحارب الإسلام والحكم به، فهؤلاء مسلمون، ويوجد به من يعلن بأنه مسلم، ولكنه يكره تطبيق الإسلام ويعتقد ولا يصرح أن الحكم بغير ما أنزل الله هو المناسب للعصر وفيه المصلحة للمسلمين، فهذا منافق، ويوجد من يحارب الإسلام علنا ويصرح بأن الإسلام ليس صالحا لهذا الزمان وأن القوانين الوضعية هي التي تصلح للبشر، فهذا كافر خارج من الملة" هذا ما فهمته من معنى كلام الأستاذ محمد قطب، ولعل سيدا، كان يقصد من إطلاقه يقصد ذلك، فإذا كان يقصد هذا، فلا إشكال فيه.



استعصاء سيد قطب رحمه الله على الإغراء



أراد أذناب الغرب أن يصطادوا سيد قطب، ليكون رائداً من رواد الحضارة الغربية وداعية من دعاتها، لما رأوا فيه من ذكاء ومقدرة على الإقناع بأساليبه الراقية، فأوفدوه إلى أمريكا التي بقي فيها سنتين، فرأى بعينيه آثار العقائد الفاسدة والأخلاق السيئة والضياع الذي مني به أهل الغرب...فرجع مِعولاً من معاول هدم الدعاية الكاذبة، لريادة الغرب وسيادته، وكشف عوار هذه الحضارة المدعاة، وحدد معنى الحضارة ومعنى الجاهلية عن وعي وعن تجربة واقعية للغرب، وكتب كتاباً عما رأى وجرب في أمريكا بعنوان (أمريكا كما رأيت)..ولم يظهر هذا الكتاب إلى الآن، ولكن ظهر له كتاب: الإسلام ومشكلات الحضارة.. والكتاب كما قال يوسف العظم: "عرض هادف للحضارة الإسلامية، ورفض إيجابي للسلبيات المدمرة التي تفرزها لنا حضارة العري والضياع والأفيون".. [كتاب رائد الفكر الإسلامي المعاصر الشهيد سيد قطب ص:178].



وهنا أنقل نصا من كلام للأستاذ الدكتور بكر أبي زيد سطره في مناسبة مّا عما اتهم به سيد رحمه الله، والشيخ أبو بكر عالم محقق وباحث مدقق، درس في كلية الشريعة بالرياض، ثم انتسب إلى المعهد العغالي للقضاء، ودرس على كبار علماء المملكة، وتضلع في العلم، وتقلب في عدد من الوظائف، فكان قاضيا في محكمة المدينة الكبرى، وإماما للمسجد النبوي ومدرسا فيه، و عضو اللجنة الدائمة للإفتاء ثم ممثلاً للمملكة العربية السعودية في مجمع الفقه الإسلامي الدولي، المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي، واختير رئيسًا للمجمع. وله كتب كثيرة من تأليفه وتحقيقات، وبخاصة كتب ابن القيم رحمه الله.



فقد قال عن سيد قطب في تلك المناسبة: ":لكن هول ما ذكرتم دفعني إلى قراءات متعددة في عامة كتبه، فوجدت في كتبه خيرًا كثيرًا وإيمانًا مشرفًا وحقًا أبلج، وتشريحًا فاضحًا لمخططات العداء للإسلام، على عثرات في سياقاته واسترسال بعبرات ليته لم يفه بها، وكثير منها ينقضها قوله الحق في مكان أخر والكمال عزيز.



والرجل كان أديبًا نقادة، ثم اتجه إلى خدمة الإسلام من خلال القرآن العظيم والسنة المشرفة، والسيرة النبوية العطرة، فكان ما كان من مواقف في قضايا عصره، وأصر على موقفه في سبيل الله تعالى، وكشف عن سالفته، وطلب منه أن يسطر بقلمه كلمات اعتذار وقال كلمته الإيمانية المشهورة، إن أصبعًا أرفعه للشهادة لن أكتب به كلمة تضارها... أو كلمة نحو ذلك، فالواجب على الجميع … الدعاء له بالمغفرة … والاستفادة من علمه، وبيان ما تحققنا خطأه فيه، وأن خطأه لا يوجب حرماننا من علمه ولا هجر كتبه". انتهى كلام الدكتور بكر.

http://www.alukah.net/culture/0/1882/






السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13467760

عداد الصفحات العام

988

عداد الصفحات اليومي