﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(028) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (09) سافر معي في المشارق والمغارب :: (08) سافر معي في المشارق والمغارب :: (027) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(0123)الجهاد في سبيل الله-المبحث الثاني: تبليغ الإسلام للعالم.

(0123)الجهاد في سبيل الله-المبحث الثاني: تبليغ الإسلام للعالم.

ومما يعيد روح الجهاد إلى المسلمين، قيام المسلمين يالبلاغ المبين لكل من يقدرون تبليغه هذا الدين، كما أنزله الله في كتابه، وبلغه رسوله صَلى الله عليه وسلم، بسنته القولية والفعلية، لأن قيام المسلمين بذلك يجعلهم يقتدون بنبيهم الذي جاهد في الله حق جهادة بالدعوة والتربية والتعليم، وتحطيم الحواجز التي تحول بين الناس، وبين تبليغهم دين الإٍلاسلام.



لأن الإسلام دين عالمي - أي إن الله سبحانه وتعالى بعث رسوله صَلى الله عليه وسلم وأنزل هذا الكتاب - القرآن الكريم - للناس كافة..كما قال سبحانه: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} [الفرقان:1]. وتتدرج هذه العالمية من دعوة الأفراد والأسرة والقبائل، وأهل البلد كلهم ثم تأخذ في التوسع الأقرب فالأقرب إلى أن تبلغ البشر كلهم حسب قدرة الداعي والوسائل المتاحة له..



وقد سار رسول الله صَلى الله عليه وسلم على ذلك بتوجيه من ربه، فأنذر عشيرته الأقربين بدأ بأفراد أسرته، ثم أنذر العرب من قريش، ثم العرب كلهم، ثم كاتب الملوك والرؤساء ودعاهم إلى الإسلام، ثم بعث أمراءه للدعوة والجهاد، واستمر على ذلك أصحابه رضِي الله عنهم، لأن من حق الناس كلهم في الأرض كلها أن يتمتعوا بهذا الدين.



والواجب على علماء الإسلام ودعاتهة أن يسعوا بكل ما أوتوا من قدرة لإيصال كلمة الله إلى كل الناس في الأرض، والواجب على ملوك المسلمين وأمرائهم وحكامهم أن يسهلوا للعلماء والدعاة القيام بذلك، بتوفير كل الوسائل التي يحتاجونها في مسيرتهم الدعوية. وهذا السعي من قبل الدعاة الى الله حكامهم، يمنحهم روحاً جهادية عالية، لأنهم يُسَرُّون بدخول الناس في الإسلام وفهمهم لمبادئه وتطبيقها بسبب دعوتهم، لأنهم هم الذين دلوهم على الإسلام والدال على الخير كفاعله.



ثم إن المسلمين عندما يرون الدعوة تنتشر في الأرض ويدخل غير المسلمين في الإسلام، ترتفع معنوياتهم ويعتزون بدينهم، ويتحمسون له، ويدأبون على الجهاد في سبيله.. وهذا هو السر الذي جعل أصحاب رسول الله صَلى الله عليه وسلم ومن تبعهم من السلف الصالح، يفتحون بلاد كسرى وقيصر ويُدخلون فيها رحمة الإسلام في برهة قصيرة من الزمن، ويتطلعون إلى المزيد من هداية العالم، وكانوا على روح جهادية سامية، رغبة في إعلاء كلمة الله وطلباً لمرضاته والحصول على أجر من اهتدى بدعوتهم إلى يوم القيامة.



وهذا هو الأساس الذي يجب أن يسير الدعاة إلى الله عليه، وهذه هي الغاية التي يجب أن يسعوا إليها بدعوتهم، وهو إبلاغها إلى العالم كله، وهذا المقصد النبيل يُبقي المسلمين في حالة جهاد دائب، من بذل المال في سبيل الله، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن إعداد العدة ومقارعة أعداء الله الذين يصدون عن سبيله.



والدعوة المحلية في أسرة أو بلدة أو قطر من الأقطار، لا يجوز أن تكون هي الهدف الذي لا هدف بعده، بل يجب أن تكون بداية ومنطلقاً إلى أسرة أخرى أو قطر آخر وهكذا. لذلك كان الأصل في الدعوة إلى الإسلام أن تكون علنية يَغشَى بها الداعي إلى الله الناسَ في منازلهم ومجتمعاتهم وأسواقهم ومساجدهم، ويبين لهم ما يجب عليهم، والإسرار بالدعوة أمر استثنائي لا يجوز إلا في الحالات التي لا يتأتى فيها الجهر في أمور جزئية من الإسلام، ثم يجب تجاوز السرية في تلك الجزئية إلى الجهر بها عندما تسنح الفرصة للجهر بها.



وجعْلُ العمل السري هو القاعدة في الدعوة إلى الله، أو تغليب السرية على الجهرية بدون ضرورة ملجئة، أمرٌ خارج عن أسلوب الرسل كلهم، وبخاصة رسول الله صَلى الله عليه وسلم، بل إن ذلك من تقليد الأحزاب المعادية للإسلام التي تتضمن مبادئها ما فيه خطر على البشرية. وإذا فَرَضتْ حكومة من الحكومات على الدعاة إلى الله الامتناع عن دعوة الناس وتعليمهم الإسلام في الظاهر، فإن الدعاة عندئذ يعذرون في دعوة الناس علننا، ويجب أن يدعوهم ويعلموهم سرا، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلمْ في أول دعوته في مكة.



ويجب أن تعلم الدولة التي تضيق على الدعاة والعلماء في دعوتهم إلى الله، أن ذلك ليس من مصلحتها، فإن العمل في السر أخطر عليها من العمل في العلن، لأن منع صاحب المبدأ الحق من إظهاره والدعوة إليه، ظلم له وللناس الذين يجب أن يعلموه ويعملوا به، ولا يمكنه أن يتنازل عنه مادام قادرا على أدائه بأي وسيلة من الوسائل.



كما أن في ذلك تسويغاً لمناوأة صاحب المبدأ بمنعه من إظهاره والدعوة إليه، وإلجائه إلى سلوك أي سبيل يتاح له بها إيصال دعوته إلى الناس، وإلجاء الناس إلى الدعوة إلى مبادئهم الحقة في السر، يتيح الفرصة لنشر الأفكار الشاذة - ولو باسم ذلك المبدأ الحق - التي قد يكون خطرها عظيماً على العامة.



وفي ذلك ـ علاوة على ما مضى ـ قتل للروح الجهادية في المسلمين وتسبب في حقد بعضهم على بعض، وتوجيه لطاقات بعضهم ضد بعض.


المبحث الثالث: إعداد طليعة تتحمل تكاليف الدعوة

كثير من الناس يستجيبون لنداء الحق ولتطبيق هذا الدين على أنفسهم، فينفذون أوامر الله ويجتنبون ما نهى عنه وقد يخلطون عملا صالحا بآخر سيئا..ولكن القليل هم الذين يستجيبون لهذا الدين، فيطبقونه على أنفسهم ويحملون غيرهم من قريب أو بعيد على تطبيقه، بالدعوة والتعليم والتربية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبذل المال والجاه والمنصب في سبيل الله، وتقديم النفس في ساح الوغى لجهاد أعداء الله الذين يحاربون دينه، ويمنعون الدعاة من تبليغه، ويمنعون غيرهم من الناس من الاستجابة له.



هذا القليل يجب أن يأخذ حظاً أوفر من الدعوة والتوجيه والتزكية والتطهير والإعداد، لتحمل أعباء الدعوة وتكاليفها، ويُعنَى به أكثر من غيره، لأن هذا الفريق هو الذي يثبت وقت الشدائد والمحن وهو الذي يلتف حوله من لم يبلغ مثله في إيمانه وتحمله.



ولولا أن الله تعالى يهيئ لعامة الناس رجالاً يلتفون حولهم ويقتدون بهم، ويرون فيهم ما يجذبهم إلى الثبات معهم، لما كان لأولئك العامة من شأن يذكر بل لكانوا في مهب الرياح أينما تميلها تمل.



لذلك كان من الواجب على الدعاة أن يختاروا ذوي المواهب السامقة في التعلم والعمل والتعليم والدعوة، والذكاء والقدرة على الاستيعاب والصبر والجلد والقيادة، يولوهم من العناية ما يأخذ بأيديهم إلى المستوى اللائق بهم ويدربوهم على تحمل مسؤولياتهم كل فيما يظهر أنه أنفع فيه من غيره.



وذلك هو الذي يضمن بتوفيق الله استمرار صفوف الدعاة إلى الله وقادتها، لأن القائد الواحد يربي قادة، والصف يربي صفوفاً، كلما ذهب قائد حل قائد آخر محله، وكلما ذهب صف تقدم إلى مكانه الصف الذي يليه، كما يضمن بقاء الروح الجهادية في النفوس.



ولعل هذا المعنى يظهر شيئاً من حكمة الله تعالى في ابتلاء عباده وتمحيصهم وتصفية صفوف المؤمنين بذلك الابتلاء من عناصر الفساد، حتى يكون الصف المؤمن ثابتاً متراصاً.كما قال سبحانه: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت:2-3]. وقال: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [التوبة:16].


ولما كانت القاعدة الثابتة هي محور الجيش المجاهد، كان لا بد للقائد من اختبار جنوده، ليعلم أشدهم صلابة وأعظمهم شجاعة وإقداماً وإخلاصاً وتوكلاً على الله. وهذا ما فعله طالوت الذي قال الله عنه: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة:249].


قال سيد قطب رحمه الله - وهو يقرر ضرورة إعداد هذه القاعدة: "لقد كان الله سبحانه يعلم أن هذا هو المنهج - تعرض الفئة المؤمنة للأذى الطويل - القويم لتربية الجماعة الأولى وتكوين القاعدة الصلبة لهذه العقيدة وأنه بدون هذه المحنة الطويلة لا تصلب الأعواد ولا تثبت للضغوط..وإن هذه الدرجة من الصلابة والخلوص والتجرد والإصرار والمضي في سبيل الله على الأذى والعذاب والقتل والتنكيل والتشريد والتجويع وقلة العدد وانعدام النصير الأرضي، إن هذه الدرجة هي وحدها التي تصلح للقاعدة الأصيلة الثابتة عند نقطة الانطلاق... إنه ابتداء يجب توجيه الحرص كله لإقامة القاعدة الصلبة من المؤمنين الخلص الذين تصهرهم المحنة فيثبتون عليها..والعناية بتربيتهم تربية إيمانية عميقة تزيدهم صلابة وقوة ووعياً، ذلك مع الحذر الشديد من التوسع الأفقي قبل الاطمئنان إلى قيام هذه القاعدة الصلبة الخالصة الواعية المستنيرة.



فالتوسع الأفقي قبل قيام هذه القاعدة، خطر ماحق يهدد وجود أية حركة لا تسلك طريقة الدعوة الأولى من هذه الناحية ولا تراعي طبيعة المنهج الحركي الرباني النبوي الذي سارت عليه الجماعة الأولى". [في ظلال القرآن (10/1577)].



وأجمل ذلك في مكان آخر بقوله: "لقد قامت كل عقيدة بالصفوة المختارة لا بالزبد الذي يذهب جفاء ولا بالهشيم الذي تذروه الرياح". [في ظلال القرآن 1618].



وهذا الإعداد يكون بتقوية الإيمان وتزكية الأخلاق الفاضلة وكثرة الطاعة لله ولرسوله، والبعد عن المعصية والتوعية الكاملة والفقه في الدين ومعرفة مشكلات العصر وحلها، والتدريب العملي على البذل والإنفاق وإيثار الدعوة الإسلامية بالنفس والنفيس والإخلاص الكامل والتجرد لله وحده.



وهذا الإعداد لا يكون إلا بالتعليم والتربية الإيمانية القوية، وهو مع صعوبته وطول مدته التي تحتاج إلى صبر وجلد، خير من العجلة في جمع جماهير ذوي عواطف تبهج النفس.. وتنعشها، وعواطف يظهر أصحابها الطاعة والحب والتفاني في سبيل العقيدة ولكن وقت الرخاء..أما وقت الشدة فإنها كما قال سيد قطب آنفاً: "الزبد الذي يذهب جفاء والهشيم الذي تذروه الرياح".



وليس معنى هذا إهمال عامة الناس عن إيصال دعوة الله إليهم، فهذا أمر مرفوض في شرع الله، لأن الله تعالى أمر العلماء والدعاة بتبليغ رسالات الله إلى الناس كلهم، كما أمر بذلك الرسول صَلى الله عليه وسلم، يبلغ كل من قدر على تبليغه، ولكنه كان يصطفي رجال الدعوة الذين يعلم أنهم أهل لحملها فيقربهم منه، ويتخذهم بطانة ووزراء يحملهم من تكاليف الدعوة والجهاد ما لم يكلف غيرهم.






السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13474512

عداد الصفحات العام

635

عداد الصفحات اليومي