﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (04) سافر معي في المشارق والغارب :: (24) أثر الترية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (03) سافر معي في المشارق والمغارب :: (023) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(0124)الجهاد في سبيل الله-المبحث الرابع: غرس الولاء والبراء في نفوس المسلمين.

(0124)الجهاد في سبيل الله-المبحث الرابع: غرس الولاء والبراء في نفوس المسلمين.


القسم الأول: يعبد الله ولا يشرك به شيئاً، أقر بعبوديته التامة للإله الواحد فشهد أن لا إله إلا الله، وآمن بالغيب الذي أخبر الله به وأمر بالإيمان به من ملائكة وكتب ورسل وبعث وجزاء وحساب وجنة ونار... واستسلم لله فأطاعه وأطاع رسوله وترك ما نهى الله عنه. ويطلق على هذا القسم: المسلمون، أو المؤمنون.. ويشمل الملائكة الذين جبلوا على طاعة الله وعدم معصيته..{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم:6].




وأيضاً أهل الطاعة من الإنس والجن في الأرض، وهؤلاء معرضون للمعصية لأنهم بشر ولكنهم يذكرون الله فيستغفرونه ويتوبون إليه. هؤلاء كلهم الملائكة والمسلمون من الأنس والجن هم أولياء الله تعالى..كما قال تعالى عنهم: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [يونس:62-64].



وهم أهل الصراط المستقيم الذين رَضي الله عنهم ورضوا عنه. وبعضهم ولي لبعض، لأنهم أهل عقيدة واحدة يقرون بالعبودية التامة لربهم وبالألوهية المطلقة له تعالى، كما يقرون برسله وكتبه ويستسلمون له استسلاماً كاملاً في أمره ونهيه، ولاسيما أمة محمد صَلى الله عليه وسلم التي رسولها واحد لا رسول بعده وكتابها واحد لا كتاب بعده.



القسم الثاني: لا يعبد الله وحده، بل إما أن يعبد غيره أو يعبده مع غيره، أو يزعم أنه يعبده ولكنه يكفر ببعض ما أنزله في كتابه..كما هو صنيع اليهود الذين لا يؤمنون برسالة الرسول صَلى الله عليه وسلم، ويدخل في هذا القسم من لم يدخل في دين الله من الجن، وهؤلاء أعداء الله وأهل معصيته وبعضهم ولي بعض. وقد أوجب الله سبحانه على عباده المؤمنين أن يكون ولاؤهم لله ولرسوله وللمؤمنين، وأوجب عليهم أن يكونوا أعداء لأعدائه الكافرين، وحرم عليهم موالاتهم أي موادتهم ومناصرتهم ومناصحتهم فيما يضر المسلمين.



والذي يستعرض القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، يجد نصوصاً كثيرة جداً في هذا المعنى. وإذا تأملت سورة الفاتحة التي هي أول سور القرآن الكريم أثبتت في المصحف، وسورة الناس التي هي آخر سور القرآن الكريم، وجدت هذا المعنى واضحاً فيهما، وهو كثير فيما بين ذلك.



فقارئ الفاتحة الذي يثني على الله، ويمجده ويقر بعبوديته له ويخصه بالاستعانة به، يطلب منه أن يرشده ويوفقه إلى سلوك سبيل مَن هم أولياء لله وأولياء له وهو ولي لهم، ممن أنعم الله عليهم من عباده منذ خلق الله البشر إلى يوم القيامة.. كما يطلب من ربه أن يجنبه سبيل أعدائه الكافرين الذي أنزل بهم غضبه منذ خلق الله البشر إلى يوم القيامة، اقرأ سورة الفاتحة بتأمل تجد الولاء والبراء فيها ظاهراً كالشمس..قال تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} [الفاتحة:1-7].


وكذلك سورة الناس التي يطلب المؤمن فيها من ربه أن يعيذه ويعصمه من شر عدو الله وعدوه من الجن والإنس على السواء..قال تعالى : {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} [الناس:1-6].



وقد استجاب الله تعالى لعباده المؤمنين الذين سألوه في سورة الفاتحة أن يهديهم صراطه المستقيم الذي أنعم به على من شاء من عباده..فقال : {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيماً} [النساء:69-70].



وربط الله سبحانه بهذا الولاء بين سكان السماء و سكان الأرض من المؤمنين، إذ جعل ملائكته من حملة عرشه وغيرهم يستغفرونه لمن بشترك معهم في الإيمان به من أهل الأرض، وينفرد هؤلاء عنهم في أنهم يخطئون ويذنبون، ولكنهم يتوبون ويدعونه بأن يدخلهم الجنة ويقيهم النار ويعصمهم من الزلل والذنوب والمعاصي.كما قال تعالى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [غافر:6-8].


ووعد سبحانه برحمته وثوابه ورضوانه عباده المؤمنين الذين أقاموا على طاعته وطاعة رسوله، ووالى بعضهم بعضاً وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر.. فقال : {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة:71-72].




وإذا كان المؤمنون بعضهم أولياء بعض، فإن أعداء الله وأعداءهم بعضهم أولياء بعض.. كما قال تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} [الجاثـية:18-19].




وعندما تنافس أهل الأديان في دعوى توليهم إبراهيم عليه السلام وأنهم أهل ملته، فصل الله في الأمر بأن المؤمنين به، ليسوا هم الذين يدعون دعوى بدون برهان، وإنما هم الذين اتبعوه حقاً والرسول صَلى الله عليه وسلم والمؤمنون به من هذه الأمة. أما أهل الكتاب الذين تركوا الهدى واتبعوا الضلال ورغبوا في إضلال أهل الهدى فليسوا بأولياء لله ولا لإبراهيم.. كما قال تعالى: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ * وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [آل عمران:68-69].




وربط الله سبحانه وتعالى أمة محمد صَلى الله عليه وسلم المؤمنة بأبيهم إبراهيم حيث جعله أسوة صالحة لهم في الولاء والبراء..كما قال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأستغفرن لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [الممتحنة:4]




وولاء المؤمن لله ولرسوله وللمؤمنين وعداؤه للكافرين، يترتب عليه أن يكون في صف أوليائه مهما تباعدت الأنساب واختلفت الألوان واللغات ضد عدوه، الكافر ولو كان أقرب قريب إليه وإلا كان ظالماً فاسقاً يستحق وعيد الله سبحانه. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الأِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة:23-24].



وكلما كان المؤمنون متعاونين على طاعة الله أكثر، كان ولاء بعضهم لبعض أشد وأوثق، وكلما: بعد بعضهم عن بعض في ذلك، ضعف الولاء أو فقد شيء منه، بقدر بعدهم. فالمؤمنون الذين يبقون بين أهل الشرك وهم قادرون على الهجرة إلى المؤمنين الذين تجمعوا في دار خاصة بهم يقيمون فيها دين الله ويجاهدون في سبيل الله، أولئك المؤمنون الذين بقوا بين المشركين ولم يهاجروا وهم قادرون، لا ولاية لهم على إخوانهم المجاهدين.. أي ليسوا مستحقين منهم كل ما يستحقه بعض المجاهدين من بعض، من النصرة الكاملة وقسم الغنائم أو خمسها، وغير ذلك مما يجب للمجاهد على أخيه المجاهد الذين تجمعوا في دار الإسلام.



قال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الأنفال:72].




قال ابن كثير:"يقول تعالى وإن استنصركم هؤلاء الأعراب الذين لم يهاجروا في قتالٍ دينيٍّ على عدوهم، فإنه واجب عليكم نصرهم، لأنهم إخوانكم في الدين، إلا أن يستنصروكم على قوم من الكفار بينكم وبينهم ميثاق أي مهادنة إلى مدة، فلا تخفروا ذمتكم ولا تنقضوا أيمانكم مع الذين عاهدتم، وهذا مروي عن ابن عباس رضِي الله عنه". [تفسير القرآن العظيم (2/329)].



وفي حديث بريدة عن النبي صَلى الله عليه وسلم: (ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأعلمهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين وأن عليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا فاختاروا دارهم فأعلمهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة نصيب إلا أن يجاهدوا مع المسلمين). [صحيح مسلم، برقم (1731) وأورده ابن كثير في تفسير الآية السابقة وقد تقدم..]. ثم قال سبحانه: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال:73]. قال ابن كثير: "أي إن لم تجانبوا المشركين وتوالوا المؤمنين، وإلا وقعت فتنة في الناس وهو التباس الأمر واختلاط المؤمنين بالكافرين، فيقع بين الناس فساد منتشر عريض طويل". [تفسير القرآن العظيم (2/330)].



وفي هذا، أي في حرمان المسلم الذي لم يكن ولاؤه لإخوانه تاماً، لعدم انتقاله من بين المشركين إلى المسلمين مهاجراً مجاهداً معهم، في حرمانه من النصرة التامة ومن الغنيمة والفيء ونحو ذلك، ما يحفز المسلم على تحقيق الولاء التام لله ولرسوله وللمؤمنين، وأن هذا الولاء يرفع الروح الجهادية عند المسلمين لأن الجهاد هو مقارعة العدو وقتاله مع المؤمنين، وذلك يستلزم مفارقة هذا العدو وعدم السكنى معه -إلا لضرورة تجبره على البقاء في داره- والانضمام إلى المجتمع المسلم المجاهد، ومفاصلة الكافر وإظهار البراءة منه ومن دينه، هي سنة المجاهدين التي شرعها الله لهم..



وهذا إمام المجاهدين أمره الله سبحانه بذلك كما في سورة الكافرون..كما قال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون:1-6]. وبدون هذه المفاصلة تموت الروح الجهادية ويألف من لم يعاد أعداء الله ويظهر لهم تلك العداوة، يألف أولئك الأعداء ويهادنهم وقد يوادهم ويناصرهم فيكون منهم..كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ} [المائدة:51-52].




وكيف يجتمع حب الله ورسوله والمؤمنين في قلب المؤمن مع موالاة أعداء الله؟ بل كيف ينفذ المسلم أمر الله في جهاد أعداء الله الذين قد يكون منهم أبوه وأخوه وأقرباؤه؟ كما قاتلهم أصحاب الرسول صَلى الله عليه وسلم أقرباءهم في المعركة، وسجل القرآن لهم تلك الروح العالية كما سجل رضاه عنهم.. قال تعالى: {لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة:22].




قال ابن كثير: "وقد قال سعيد بن عبد العزيز وغيره أنزلت هذه الآية في أبي عبيدة عامر بن عبدالله بن الجراح حين قتل أباه يوم بدر... وقيل في قوله تعالى: {ولو كانوا آباءهم} نزلت في أبي عبيدة قتل أباه يوم بدر.. {أو أبناءهم} في الصديق هم يومئذ بقتل ابنه عبد الرحمن.. {أو إخوانهم} في مصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير.. {أو عشيرتهم} في عمر قتل قريباً له يومئذ أيضاً، وفي حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث، قتلوا عتبة وشيبة والوليد بن عتبة.. والله أعلم. [تفسير القرآن العظيم (4/329)].



وقد يوسوس الشيطان للمسلم الذي ضعف إيمانه، فيزين له موالاة أعداء الله لما قد ينال منهم من نفع مادي، كبقاء حكمه أو كثرة ماله أو علو منصبه وعظمة جاهه.. كما هو شأن كثير من الذين يوالون الكفار ويوادونهم، فأنكر الله ذلك، وبين سبحانه أن الأمر بيده والعزة له يهبها هو فقط لمن يستحقها..كما قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً} [النساء:139].


وقال تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ * لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [آل عمران:26-28].




بل إن الكفار الذين لا يعاديهم المسلم ولا يجاهدهم في ذات الله، يطمعون في إعادة ذلك المسلم الذي والاهم إلى الكفر، فيجتهدون في استمالته بأن يطيعهم ويعصي ربه.. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ} [آل عمران:149-150].




ومن عجب أن يتخذ المؤمنون من غيرهم من أعداء الله، مَن يأمنونه على أسرارهم ويستشيرونه في أخطر أمورهم، وهو يود إفساد أمور المسلمين، وعلامات بغضه لهم تظهر على لسانه مما يدل على شدة حقده وانطوائه على شر كبير.. ويظهر هؤلاء المنتسبون للإسلام محبة هذا العدو مع بغضه هو لهم، وقد يتظاهرون بأن دين الإسلام حق، ولكنهم إذا خلوا بمن يأمنونهم على نفسهم أظهروا غير ذلك من الغضب والقدح في المسلمين وفي دينهم.. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران:117-120].


هذا ومن أعظم الأضرار التي تحدث للمسلم من جراء موالاة أعداء الله، تقليدهم والسير في ركابهم فيما يخالف هذا الدين الحق، وقد أوجز ذلك رسول الله صَلى الله عليه وسلم في بعض جوامع كلمه، كما في حديث أبي سعيد الخدري رضِي الله عنه: أنه صَلى الله عليه وسلم قال: (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم). [صحيح البخاري (3269) وصحيح مسلم، برقم (2669)].



والمتأمل في حياة المسلمين اليوم يرى هذا الاتباع بينا في تصرفات كثير منهم، وبخاصة من بيدهم أمور الشعوب الإسلامية، فكيف تعود الروح الجهادية إلى المسلمين، وهم معجبون بأعدائهم يقلدونهم ويرون فيهم المثل الذي يحتذى ويتبع؟.





السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13467793

عداد الصفحات العام

1021

عداد الصفحات اليومي