﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (04) سافر معي في المشارق والغارب :: (24) أثر الترية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (03) سافر معي في المشارق والمغارب :: (023) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(0126)الجهاد في سبيل الله-المبحث الخامس: بث العزة في نفوس المسلمين

(0126)الجهاد في سبيل الله-المبحث الخامس: بث العزة في نفوس المسلمين



لا يمكن أن تعيش الأمة الإسلامية، قوية الجانب مرفوعة الرأس، محافظة على كرامتها طامعة في قيادة البشرية، إلا إذا كانت روح العزة تسري في دمها.. وهداية العالم تؤرقها وتحكم نشاطها، والجهاد في سبيل الله يرفع رايتها، تفتح قلوب الأمم بنور دينها، وتحطم الجبابرة والطغاة الذين يعيثون في الأرض فسادا، بقوة بأسها، ترفض العبودية والخضوع لغير خالقها.



والأمة التي ترغب في القيادة وهي تفقد العزة الحقيقية، تلجأ إلى محاكاة إبليس في التلبس برداء العلو والإفساد في الأرض، وتسمي ذلك زوراً وبهتاناً: عزة تبثها في نفوس أفرادها.. لتقتحم بهم عقبات الحياة بالحق وبالباطل.



أما الأمة التي تفقد هذه وتلك، فهي من القطعان البشرية الضائعة التي تقاد ولا تقود.



فالناس مع العزة ثلاثة أقسام:



القسم الأول: أمة تطلب العزة الحقيقية: وهي لعزة التي تحقق الذلة الكاملة والعبودية المحضة في نفسها للخالق سبحانه وتعالى، وتعتز به وبدينه، وتستعلي به على جميع قوى الأرض المادية..



ويقودها طموح العزة إلى إقامة دين الله وإعلاء كلمته في الأرض، وتبلغ رسالته إلى العالم بالدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله.



ولا وجود حقيقيا للأمة الإسلامية بدون هذه العزة، بل إذا فقدتها ذلت وسلط الله عليها عدوها الذي لا يرقب فيها إلا ولا ذمة.



لذلك عُنِي القرآن الكريم الذي أنزله الله لها لقيادة البشر، ببث العزة في نفوس المسلمين وإلهاب عواطفهم بها..



كما قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران:110].


وهل يليق بأمة اصطفاها الله لهداية البشر وقيادته بالإيمان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أن تتخلى عن وظيفتها هذه؟ وإذا تخلت عنها فهل تكون عزيزة؟ كلا.



ولقد جعل الله الأمة المؤمنة العزيزة في صفه سبحانه مع رسوله صَلى الله عليه وسلم، وكرمها بمنحها هذه العزة التي اختصها الله بها دون سائر الأمم..كما قال سبحانه: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ} [المنافقون: من الآية8]. وهو سبحانه رب العزة وحده كما قال: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الصافات:180].



وهل يسهل على أمة أن تفقد هذا التكريم، إلا أن تكون ذليلة مهانة، فلا تكون أهلاً للبقاء، وحكمة الله تقتضي استبدال غيرها بها ممن يحرص على هذه العزة ويحافظ عليها ويدفع ثمنها.. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [المائدة:54].


ولا عزة بدون جهاد في سبيل الله كما، لا عزة بدون محبة الله والتواضع للمؤمنين والعزة على الكافرين.



ويستثير القرآن الكريم هذه العزة ويبثها في نفوس المؤمنين في الوقت الذي يكاد الوهن يثبط هممهم ويضعف عزائمهم، ويكاد الأسى والحزن يقضي على روح الجهاد فيهم، بعد أصيبوا في معركة أحد بما أصيبوا به من انكسار، بسبب معصية بعضهم للرسول صَلى الله عليه وسلم. قال تعالى: {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران:139].


فالعزة واستعلاء الإيمان لا يجتمع معهما الوهن والحزن اللذان يثبطان الهمم، لأن الوهن يدعو إلى الذلة والرضا بالدون وإظهار الضعف للعدو والبدء بطلب المهادنة الذي يجرئ عليهم عدوهم ويغريه بهم...



ولذلك نهى الله المسلمين عن الهوان ودعوة العدو إلى المهادنة والمسالمة، وهم الأعلون إيمانا واعتزازا بربهم وعلما ودعوة وإعدادا وجهادا. كما قال تعالى: {فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} [محمد:35]. قارن بين قوله هنا: {وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ..!}. وبين قوله فيما مضى: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين..!}. ترى كيف يستثير الله العزة في نفوس عباده؟



ولا بد من سلوك هذا المنهج الذي تضمنه كتاب الله تعالى، وهو بث العزة في نفوس المسلمين، لتعود إليهم الروح الجهادية التي لا عزة لهم إلا بها وهذه هي العزة الحقيقية.



وقد قال عنها ابن تيمية رحمه الله: "وأما القسم الرابع فهم أهل الجنة الذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً مع أنهم قد يكونون أعلى من غيرهم..كما قال الله تعالى: {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران:139]. وقال تعالى: {فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} [محمد:35]. وقال: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ} [ سبقت الإشارة إلى أرقام هذه الآيات وانظر الفتاوى (28/393) المنافقون: من الآية8].



قال عنها سيد قطب رحمه الله: "والعزة الصحيحة حقيقة تستقر في القلب قبل أن يكون لها مظهر في دنيا الناس حقيقة تستقر في القلب، فيستعلي بها على كل أسباب الذلة والانحناء لغير الله حقيقة يستعلي بها على نفسه أول ما يستعلي.. يستعلي بها على شهواته المذلة ورغائبه القاهرة ومخاوفه ومطامعه من الناس وغير الناس..



ومتى استعلى على هذه فلن يملك أحد وسيلة لإذلاله وإخضاعه، فإنما تذل الناس شهواتهم ورغباتهم ومخاوفهم ومطامعهم، ومن استعلى عليها فقد استعلى عل كل وضع وعلى كل شيء وعلى كل إنسان، وهذه هي العزة الحقيقية ذات القوة والاستعلاء والسلطان.. [في ظلال القرآن (22/2931)].



القسم الثاني: عزة الكبرياء والطغيان، وهي العزة التي تدفع إلى الاستعلاء على الناس وإذلالهم واستعبادهم، مع عدم قبول الحق واتباع أهله، والأمة التي تتصف بهذه الصفة الذمية التي تسميها عزة وتبثها في نفوس أفرادها، هي أمة ظالمة متجبرة، قصدها العلو في الأرض بغير الحق، تستضعف الناس وتقهرهم بالقوة وتخضع من تقدر على إخضاعه من البشر بالقتل والتشريد والاعتقال ونهب الأموال وانتهاك الأعراض..



هذه الأمة أمة ظالمة مفسدة، جديرة بإنزال الله سخطه وعقوبته عليها، وعزتها عزة ظلم وكبرياء وليست عزة عدل وإصلاح.. تأبى الحق وتحاربه.. أفرادها يجمعون على تطبيق هذه القاعدة.. قال تعالى:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} [البقرة:204-206].



قال ابن تيمية رحمه الله في بيان هذا القسم: القسم الأول يريدون العلو على الناس والفساد في الأرض، وهو معصية الله، وهؤلاء الملوك والرؤساء المفسدون، كفرعون وحزبه، وهؤلاء هم شرار الخلق.. قال الله تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [القصص:4].



وروى مسلم في صحيحه عن ابن مسعود رضِي الله عنه قال: قال رسول الله صَلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر ولا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان). فقال رجل: يا رسول الله إني أحب أن يكون ثوبي حسناً ونعلي حسناً أفمن الكبر ذاك ؟ قال صَلى الله عليه وسلم: (إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس) [مسلم (1/93)]. فبطر الحق دفعه وجحده، وغمط الناس احتقارهم وازدراؤهم وهذا حال من يريد العلو والفساد. [الفتاوى (28/392)]..



وقال سيد قطب في هذا القسم: "إن العزة ليست عناداً جامحاً يستكبر على الحق ويتشامخ بالباطل، وليست طغياناً فادحاً يضرب في عتو وتجبر وإصرار، وليست اندفاعا باغياً يخضع للنزوة ويذل للشهوة، وليست قوة عمياء تبطش بلاحق ولا عدل ولا صلاح، كلا.. [في ظلال القرآن (22/2931)].



وإن من واجب أهل العزة الصحيحة أن يقضوا بعزتهم على ذوي العناد الجامح، والاستكبار على الحق، والتشامخ بالباطل والطغيان العاتي المتجبر والمصر عليه، والاندفاع الباغي الخاضع للنزوة والذليل للشهوة، وأن يضربوا بعزتهم القوة العمياء التي تبطش بلا حق ولا عدل ولا صلاح.. لأنه لا يوجد من يقضي على أولئك أو يضرب هؤلاء بحق سواهم. وعاقبة ذوي العلو والفساد في الأرض عقوبة الله بهم في الدنيا والآخرة.



أما القسم الثالث: فهو القطعان البشرية الضائعة التي استساغت الذل والمهانة والتقليد الأعمى، فأصبحت تؤمر فتطيع، لا هم لها إلا لقمة العيش والتمتع بما أتيح لها من شهوات الدنيا، لا فرق بين حلال أو حرام ترضى بالضيم وتستنيم للاستعباد. ولقد انطبق هذا الوصف على أبناء الأمة الإسلامية الذين أضاعوا مجد آبائهم، فحق عليهم من ربهم الخزي والعار، إلا من شاء ربك ممن نذروا أنفسهم للدعوة والجهاد في سبيل الله وقليل ما هم.







السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13467559

عداد الصفحات العام

787

عداد الصفحات اليومي