﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (04) سافر معي في المشارق والغارب :: (24) أثر الترية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (03) سافر معي في المشارق والمغارب :: (023) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(0128)الجهاد في سبيل الله-الفصل الثاني: السعي إلى إقامة الخلافة الإسلامية

(0128)الجهاد في سبيل الله-الفصل الثاني: السعي إلى إقامة الخلافة الإسلامية


وفيه مبحثان:

المبحث الأول: الحرص على أصول وحدة المسلمين

المبحث الثاني: الخلافة هي قمة الوحدة الإسلامية.

المبحث الأول: الحرص على أصول وحدة المسلمين وفروعها

وفيه تمهيد و فرعان:

الفرع الأول: أصول وحدة المسلمين.

الفرع الثاني: بعض من فروع وحدة المسلمين.

تمهيد

إن الجهاد في سبيل الله لا يقوم إلا على كواهل أمة معتصمة بحبل الله، مجتمعة الكلمة متحدة الهدف والغاية، ولا يمكن أن يقوم على كواهل طوائف متفرقة مختلفة في عقيدتها وأهدافها وغاياتها، بل إن هذه الطوائف جديرة بفتح سوق النزاع والشقاق والحروب بعضها مع بعض بدلاً من حربها مجتمعة، مع غيرها.

فلا جهاد بدون وحدة واجتماع، ولا وحدة بدون أصول تجمع الشتات وتلم الشعث، وفروع وارفة لتلك الأصول تمد ظلالها على المتحدين تنزل على قلوبهم الطمأنينة والرضا.

وقد منح الله الأمة الإسلامية قواعد لوحدتهم وأصولاً ثابتة، لا تحركها عواصف الخلاف والفرقة، ما حافظوا على تلك القواعد والأصول، وأمدهم بفروع لها تأبى على نار النزاع أن تصل إلى ظلالها.

وهذه خلاصة لتلك القواعد والأصول وفروعها:

الفرع الأول: أصول وحدة المسلمين.

وفي هذا الفرع ثلاثة مطالب:

المطلب الأول: الوحدة الإيمانية

المطلب الثاني: وحدة المنهج.

المطلب الثالث: وحدة القيادة.

المطلب الأول: الوحدة الإيمانية:

الإيمان هو الذي وحد بين عباد الله من الأنبياء والرسل وأتباعهم على تباعد أزمانهم، وهو الدين الذي أمرهم الله به جميعاً..كما قال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} [الشورى:13]. ولو أن الأمم التي تتابعت الرسل على دعوتهم في كل العصور، اعتصمت بهذا الإيمان وهذا الدين، ولم يحملهم البغي على رد الحق وعدم قبوله، لكانت الوحدة عامة للبشر كلهم، ولكن البغي أصم أغلب الأمم وأعماها فلم تقبل ذلك الدين الحق، بعد أن أقام الله عليهم الحجة بإرسال الرسل وإنزال الكتب فتفرقوا واختلفوا…

كما قال تعالى : {وَمَا تَفَرَّقُوا إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ} [الشورى:14].

فوحدة الإيمان هو أعظم داع لوحدة الأمة، بل هو الأصل الأول والأساس لأصول الوحدة وفروعها.. وقد سيق الكلام في مبحث الجهاد المعنوي، على جهاد الفرقة والتصدع، وهو من أعظم الواجبات التي يجب على علماء المسلمين ومفكريهم، وقادتهم القيام به وعدم التساهل فيه. وسبق كلام نفيس فيه للشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله.

و قال سيد قطب رحمه الله: "ثم يدعو المسلمين لإعلان الوحدة الكبرى للدين من لدن إبراهيم أبي الأنبياء إلى عيسى بن مريم إلى الإسلام الأخير ودعوة أهل الكتاب إلى الإيمان بهذا الدين الواحد: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة:136].

تلك هي الوحدة الكبرى بين الرسالات جميعاً وبين الرسل جميعاً، هي قاعدة التصور الإسلامي، وهي التي تجعل من الأمة المسلمة الأمة الوارثة لتراث العقيدة القائمة على دين الله في الأرض الموصولة بهذا الأصل العريق السائرة في الدرب على هدى ونور.. والتي تجعل من النظام الإسلامي النظام العالمي الذي يملك الجميعُ الحياةَ في ظله دون تعصب ولا اضطهاد، والتي تجعل من المجتمع الإسلامي مجتمعاً مفتوحاً للناس جميعاً في مودة وسلام". [في ظلال القرآن (1/117-118)].

وإذا كانت وحدة الأمة الإسلامية ضرورة، فإن ذلك يحتم على دعاة الإسلام والقادرين على مناصرتهم، أن يجاهدوا أولاً في وحدة عقيدتهم على ضوء ما في كتاب الله وسنة رسوله صَلى الله عليه وسلم، لأن التصدع والتشتت الذي أصاب المسلمين، أساسه عدم وحدة العقيدة - أي إنهم لم يتفقوا كلهم على العقيدة الصحيحة التي جاء بها الإسلام - من الناحية العملية على الأقل.

نعم.. العقيدة الإسلامية واحدة، وهي أصول الإيمان التي أجملها الله تعالى في كتابه، وفي سنة رسوله، صَلى الله عليه وسلم. كما قال تعالى: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من ءامن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين} [البقرة (177)] وقال تعالى: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير} [الحديد (22)]

وهذه الأصول هي التي تضمنها إجمالاً حديث جبريل المشهور، وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والإيمان بالقدر خيره وشره وكل هذه الأصول الإيمانية وما تفرع عنها فصلت في كتاب الله وسنة رسوله صَلى الله عليه وسلم تفصيلاً كاملاً.

ولكن المتأمل في حال المسلمين، يجد بوناً شاسعاً بين اثنين أو فريقين كل منهما يقر بالإيمان بالله وبرسوله وكتابه مثلاً، فيقول لا إله إلا الله محمد رسول الله صَلى الله عليه وسلم، ولكن أحدهما يلتزم بذلك فلا يصرف من عبادته شيئاً لغير الله، ولا يتبع أحداً غير رسول الله صَلى الله عليه وسلم، ويصر على تحكيم كتاب الله وسنة رسوله صَلى الله عليه وسلم..

وتجد الآخر غارقاً في عبادة غير الله مثل عباد الأوثان، ولكن في صورة قبور وأضرحة وما شابه ذلك، وتجد من يرفض الاحتكام إلى كتاب الله وسنة رسوله صَلى الله عليه وسلم، ويرى في تشريع البشر ما هو أولى بالتحكيم وهكذا... وسبب ذلك عدم فقه قاعدة التصور الإسلامي والعقيدة التي كان عليها رسول الله صَلى الله عليه وسلم وأصحابه، فالذي لم يفقهها فقها صحيحا، لم يلتزم بها بل يحاربها عملا وإن ادعاها قولا.

لذلك كان الواجب على دعاة الإسلام والقادرين على مناصرتهم، أن يولوا عنايتهم هذا الأمر، وأن يعيدوا المسلمين إلى العقيدة الصافية التي جاء بها رسول الله صَلى الله عليه وسلم، وكان عليها السلف الصالح في كل الجوانب. وإلا فإنه لا أمل مطلقاً في وحدة المسلمين، والذي يدعو إلى وحدتهم وهم مختلفون في العقيدة مثل الذي يتعب نفسه بالرقم على الماء.

ولو أن المسلمين متحدون في تصور العقيدة الإسلامية الصحيحة، لما وفدت على أبنائهم عقائد أجنبية عن دينهم، فاتبعها كثير منهم ولازال يزعم أنه مسلم، فتجد الشيوعي يزعم أنه مسلم، والقبوري الذي يدعو غير الله ويستغيث به، فيما لا يقدر عليه إلا الله، يزعم أنه مسلم، والمحارب لحكم الله الذي يجيز لنفسه أن يشرع للبشر فيما لم يأذن به الله، يزعم أنه مسلم..

وقد يصلي بعض هؤلاء ويصوم ويحج، ويقرأ القرآن ويؤدي كثيراً من شعائر الإسلام، ولكنه فاسد العقيدة فلم يُجدِ أداءُ تلك الشعائر من هذه الفرق في وحدتهم شيئاً، لتفرقهم في تصور العقيدة وتطبيق مقتضاها.

والعقيدة الإسلامية عقيدة سهلة لا تعقيد فيها، يجب أن تؤخذ مباشرة من كتاب الله وسنة رسوله صَلى الله عليه وسلم، سواء منها ما يتعلق بالله سبحانه في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، أو ما يتعلق بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر..كل ذلك يجب الإيمان به إيمان بقين، بلا فلسفات أجنبية ولا تأويلات تعسفية، بل الواجب الاقتداء بالسلف الصالح في الإيمان بذلك.. ولا مانع بل يجب إذا وردت شبهة في أي باب من هذه الأبواب، أن تقام الحجج العقلية والنقلية والكونية على صحة الإيمان بذلك الباب ودحض الشبه الواردة عليه.

المطلب الثاني: وحدة المنهج:

المقصود بالمنهج النظام الذي يكفل للبشر رسم السبيل التي يجب أن يسلكوها في تصرفاتهم ونشاطهم، ليحققوا بذلك السعادة المنشودة في الدنيا والآخرة. ولا يمكن ذلك إلا إذا كان ذلك النظام صادراً عن عالم حكيم عادل قادر على مجازاة من خالفه، ولا يتحقق هذا إلا في منهج الله الذي أنزله على رسوله صَلى الله عليه وسلم وبعثه به رحمة للعالمين. ويمتاز هذا المنهج على سواه من المناهج بما مضى من كونه صادراً عن علم وحكمة وعدل.

ويتبع ذلك أنه صالح لكل زمان ومكان، وصالح لكل البشر كما أنه غير قابل للتحريف والتبديل، لأن الله تعالى حفظه بنفسه، كما قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9]. والذكر يشمل كتاب الله وسنة رسوله صَلى الله عليه وسلم ومعانيهما كذلك، وقد قيض الله لهما من يتوارثهما جيلاً عن جيل ويذب عنهما ويدفع الشبه التي يكيد بها أعداء الله لهما.

والمسلمون كلهم فرض عليهم الالتزام بهذا المنهج في حياة الأفراد والأسر والجماعات، في حياة الحاكم والمحكوم، لا يجوز لأحد العدول عنه أو الاحتكام إلى غيره، لأنه هو الصراط المستقيم الذي من سلك غيره ضل..{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام:153]. ولا يكون الإنسان في عداد المؤمنين، إلا إذا آمن بهذا المنهج ورضي حكمه واحتكم إليه ولم يجد في نفسه حرجاً مما قضاه الله تعالى..{فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} [النساء:65].

والمسلم ملزم بذلك بمجرد قوله لا إله إلا الله محمد رسول الله صَلى الله عليه وسلم. وهو بذلك منهج واحد ثابت صالح ملزم على طول الزمن ولا يوجد منهج في الأرض له تلك الصفات والسمات. ولو أن المسلمين التزموا هذا المنهج، لتمكنوا من قيام وحدة بينهم يستحيل أن تدانيها وحدة في أي أمة من الأمم..

وقد قامت تلك الوحدة في زمن طويل، من وقت قيام دولة الإسلام في المدينة المنورة التي ارتفعت رايتها بعد ذلك في شرق الأرض وغربها إلى أن سقط آخر رمز للخلافة الإسلامية في أوائل القرن الرابع عشر من الهجرة.. وكانت تلك الوحدة تقوى وتضعف بحسب الالتزام بذلك المنهج، كلما كان الالتزام به أكثر كانت الوحدة أقوى، وكلما كان الالتزام به أقل كانت الوحدة أضعف وهكذا. ولقد كان ترك شيء من منهج الله سبباً في إلقاء العداوة والبغضاء بين أمم سبقت أمة محمد صَلى الله عليه وسلم..كما قال تعالى: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [المائدة:14].

قال ابن جرير رحمه الله: "يقول عز ذكره: وأخذنا من النصارى الميثاق على طاعتي واتباع رسلي والتصديق بهم، فسلكوا في ميثاقي الذي أخذته عليهم منهاج الأمة الضالة من اليهود، فبدلوا كذلك دينهم ونقضوا نقضهم وتركوا حظهم من ميثاقي الذي أخذته عليهم بالوفاء بعهدي، وضيعوا أمري، إلى أن قال: يعني تعالى ذكره بقوله: {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ} حرشنا بينهم وألقينا، كما تغري الشيء بالشيء، يقول جل ثناؤه: لما ترك هؤلاء النصارى الذين أخذت ميثاقهم بالوفاء بعهدي حظهم، مما عهدت إليهم من أمري ونهيي، أغريت بينهم العداوة والبغضاء..[جامع البيان عن تأويل آي القرآن (6/158)].

وقال ابن كثير رحمه الله: "وقوله تعالى: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ…} كذلك أخذنا عليهم العهود والمواثيق على متابعة الرسول صَلى الله عليه وسلم ومناصرته ومؤازرته واقتفاء آثاره وعلى الإيمان بكل نبي يرسله الله إلى أهل الأرض، ففعلوا كما فعل اليهود خالفوا المواثيق ونقضوا العهود.. ولهذا قال تعالى: {..فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ..} أي فألقينا بينهم العداوة والبغضاء لبعضهم بعضاً ولا يزالون كذلك إلى قيام الساعة، وكذلك طوائف النصارى على اختلاف أجناسهم لا يزالون متباغضين متعادين يكفر بعضهم بعضاً ويلعن بعضهم بعضاً". [تفسير القرآن العظيم (2/33)].

ولا يزال الواقع يشهد بتلك العداوة، والبغضاء في هذا العصر وسيستمركما قال الله إلى يوم القيامة.. قال سيد قطب رحمه الله: "ولقد وقع بين الذين قالوا: إنا نصارى من الخلاف والشقاق والعداوة والبغضاء في التاريخ القديم والحديث مصداق ما قصه الله – سبحانه - في كتابه الصادق الكريم، وسال من دمائهم على أيدي بعضهم مع بعض ما لم يسل من حروبهم مع غيرهم في التاريخ كله، سواء كان ذلك بسبب الخلافات الدينية حول العقيدة أو بسبب الخلافات على الرياسة الدينية أو بسبب الخلافات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وفي خلال القرون الطويلة لم تسكن هذه العداوات والخلافات ولم تخمد هذه الحروب والجراحات وهي ماضية إلى يوم القيامة كما قال أصدق القائلين جزاء على نقضهم ميثاقهم ونسيانهم حظاً مما ذكروا به من عهد الله، وأول بند فيه هو بند التوحيد الذي انحرفوا عنه بعد فترة من وفاة المسيح عليه السلام". [في ظلال القرآن (6/860)].

ولقد أمر الله عباده المؤمنين بالاعتصام بحبله - الذي هو كتابه وسنة رسوله صَلى الله عليه وسلم - ونهاهم عن التفرق والاختلاف، وذلك لا يكون إلا بتركهم أو ترك بعضهم منهجه سبحانه، وذكرهم بما امتن به عليهم من جمعهم بعد التفرق بذلك المنهج الرباني، ونهاهم أن يقعوا فيما وقع فيه غيرهم من الأمم الماضية الذين اختلفوا بعدما جاءتهم البينات فتركوها.. قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران:103-105].

فسنته تعالى في أمة محمد صَلى الله عليه وسلم، كسنته في غيرها من الأمم لا فرق بينها وبين تلك الأمم، إن اعتصمت بحبله والتزمت منهجه، جمع شتاتها ووقاها الفرقة والعداوة والاختلاف، وإن زاغت عن منهجه إلى مناهج أخرى شتت الله شملها وألقى بينها العداوة والبغضاء حتى تعود إلى منهج الله تعالى..

وقد أنكر الله على من ظن أن الكفار من هذه الأمة خير من الكفار الذين سبقوا في الأمم الماضية أو أن يكون لهم براءة تحول بينهم وبين ما أصاب كفار الأمم الماضية:
كما قال تعالى: {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ} [القمر:43] وهذا ما يشهد به واقع المنتسبين إلى الإسلام، فقد فرق الله شملهم وشتت جمعهم، وجعل بعضهم يقاتل بعضاً، كما يلعن بعضهم بعضاً، على الرغم من كثرة المحاولات التي قصد بها إيجاد نوع من التقارب بينهم باسم الإسلام - ولكن بدون تطبيق - وباسم غيره من قومية، ومذاهب أخرى كالشيوعية والرأسمالية وما تفرع عنهما، وسيبقى المنتسبون إلى الإسلام متفرقين متعادين متباغضين حتى يعودوا إلى منهج الله ويتركوا منهج غيره.




السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13467781

عداد الصفحات العام

1009

عداد الصفحات اليومي