﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (04) سافر معي في المشارق والغارب :: (24) أثر الترية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (03) سافر معي في المشارق والمغارب :: (023) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(0129)الجهاد في سبيل الله-المطلب الثالث: وحدة القيادة

(0129)الجهاد في سبيل الله-المطلب الثالث: وحدة القيادة



لقد كانت قيادة المسلمين عندما جاء الإسلام واحدة- كعقيدتهم الواحدة، ومنهجهم الواحد - وكان الرسول صَلى الله عليه وسلم هو قائدهم فينزل عليه الوحي، فيبلغهم إياه ويوجههم به في أمور دينهم ودنياهم..كان إمامهم في الصلاة ومعلمهم في المسجد، وقائدهم الأعلى في الغزوات وعاقد ألويتهم في السرايا والبعوث، وباعثهم للدعوة وموليهم في الإمارات يأمرهم بالوحي فيأتمرون، وينهاهم فينتهون..



فإذا كان في أمور اجتهادية للرأي فيها مجال، جعل الأمر شورى بينهم بأمر من ربه، يقنعهم بالحجة فيقتنعون أو يرون الرأي - وليس فيه نص من ربه يخالف رأيهم - فينزل عن رأيه لرأي أصحابه.. وقد يشير عليهم بأمر من أمور الدنيا - كترك تأبير النخل - فيشكون إليه عدم تمامه فيقول لهم: (أنتم أعلم بأمر دنياكم) كما روى ذلك عنه أنس رَضي الله عنه. [صحيح مسلم(2363)]



وهكذا كان صَلى الله عليه وسلم هو القاضي والمفتي وقاسم المال قيادة واحدة لأمة واحدة، وعندما توفي صَلى الله عليه وسلم انتقلت القيادة إلى خلفائه الراشدين، فكانوا مثله في كل شيء ما عدا الرسالة التي انقطعت بموته صَلى الله عليه وسلم.. وليس معنى هذا أن يكون قائد الأمة الإسلامية، متفردا بوظائف أمته، قائما بها وحده، وإنما المراد أن يكون قائما فيهم بأمر الله، حاكما بكتابه، سائرا على منهجه، له أعوانه ووزراؤه وقضاته وجباته، ولكنهم جميعا لا يخرجون عن أمر الله ورسوله صَلى الله عليه وسلم.



وقد أكمل الله دينه بذلك، فكان الخليفة كذلك القائد في الحرب أو عاقد ألويتها وباعث غزاتها ومولي أمراءها أو أمراء الجهات، وكان القاضي والمفتي - وإن استعان بغيره في كل ذلك، ولكن جهة الأمر والنهي واحدة مقيدة بما في كتاب الله وسنة رسوله.. ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.. فكان الخليفة ينفذ حكم الله الذي فيه نص ويعقد مجالس شورى فيما لا نص فيه ولم تظهر المصلحة في الأخذ بأحد وجوهه فهو كبير ولاة الأمر، وولاة الأمر هم الخلفاء وذوو الرأي والعلم من الأمة، وكان الخلفاء قمة في العلم والرأي فيهم



ولم يكونوا محيطين بما عند الأمة كلها، ولذلك كانوا يستفتون من يظنون أن عنده ما ليس عندهم من كتاب الله وسنة رسوله نصاً أو فقهاً فيه، ويستشيرون ذوي الرأي فيما لا نص فيه، أو فيه نص ولكن لا يظهرمنه صفة تطبيق الحكم أو تنفيذه، هكذا كان الخلفاء رَضي الله عنهم.



وكانت وحدة الأمة في هذا الوقت أرقى وحدة شهدتها البشرية على وجه الأرض تحت قيادة غير معصومة - عصمة الرسل عليهم السلام - وغير متعددة، على الرغم من سعة رقعة الأرض التي رفرفت عليها راية الإسلام وتعدد الأجناس البشرية التي كانت مختلفة العادات والتقاليد والأنظمة قبل الإسلام. وما ذلك إلا لوحدة القيادة، ثم وحدة التوجيه تبعاً لذلك، وصدور توجيهات تلك القيادة عن المنهج الرباني الذي جعل تلك الأجناس البشرية ترضى بتلك القيادة وتجتمع تحت راية الخلافة الإسلامية الراشدة.



وعندما بدأت القيادة تتعدد في أول العهد الملكي - بعد الخلافة الراشدة - حيث وجدت قيادة سياسية عسكرية يدير دفتها الملوك والأمراء، وهي السلطة التنفيذية التي بيدها القوة، وقيادة دينية روحية يتولاها علماء المسلمين.. من هنا اختلفت التوجيهات: توجيهات تصدر من الملوك والأمراء، وأخرى تصدر من العلماء..



ولم يكن في أول الأمر الخطر واضحاً في هذا التعدد، لأن الملوك والأمراء لم يكونوا يقفون في وجه حكم الله ومبادىء دينه، بل كانوا يتولون شؤون السياسة والحرب بما لا يتصادم مع توجيهات العلماء - في الجملة - ولكن الهوة بعد ذلك اتسعت عندما لم يلق الملوك والأمراء لتوجيهات العلماء وللفقهاء بالاً..



بل أخذوا ينفذون ما يرون ولو خالفوا العلماء، فانصدع صف المسلمين إلى ملوك وأمراء ومن وازرهم وسار في ركابهم، منفذاً رغباتهم ومرضياً أهواءهم، وعلماء وفقهاء معهم طلبة العلم الذين يتلقون عنهم ويعملون بتوجيهاتهم، فحصل بذلك ضرر عظيم ازداد اتساعاً على مر الزمن، حتى انفرط عقد المسلمين بسقوط آخر ملك واحد كان يسمى الخليفة – تجاوزاً - في أول القرن الرابع عشر الهجري..



وبذلك فقد المسلمون القيادة السياسية الواحدة أيضاً، فكانت ظلمات بعضها فوق بعض إذ أصبح لكل شعب قائد، وفي كل شعب عدد من الأحزاب، وفي كل حزب عدة خلايا مختلفة، كما هو مشاهد اليوم في بلاد المسلمين. وإذا أراد المسلمون - ولا سيما دعاة الإصلاح والجهاد - أن يعيدوا للمسلمين وحدتهم السليبة، فعليهم أن يسعوا سعياً حثيثا إلى إعادة وحدة القيادة تدريجياً حتى تعاد الخلافة الإسلامية، وإلا فإن الفرقة والخلاف يزدادان اتساعاً.



قال المودودي رحمه الله: "إن أول ضرر من الأضرار الرئيسية التي نكبت بها الأمة الإسلامية من جراء النظام الملكي، هو أن انقسمت قيادة الأمة المسلمة إلى قسمين بعد أن كانت هذه القيادة في عهد النبي صَلى الله عليه وسلم وعهد خلفائه الراشدين رضي الله عنهم، موحدة تستقطب جميع نواحي الحياة.. الروحية والعلمية والفكرية والسياسية حول محور واحد.. بحيث كانت التوجيهات السياسية والتدابير القضائية والتعليمات الإدارية والتنظيمات العسكرية وشؤون الحرب أو الصلح تنطلق من مصدر بعينه.. ونفس القادة الذين كانوا يوجهون هذه النواحي، هم الذين كانوا في الوقت نفسه قادة المسلمين في إصلاح الاختلاف، وقادتهم في الفكر والعلم وقادتهم في التربية الروحية.



إن هذه القيادة بجميع نواحيها كانت تدور حول محور بعينه، إلا أنه لما نجم قرن الملكية اعترى القيادة الانقسام وانشقت إلى شقين، ففيما يتعلق بالشؤون السياسية استأثر به الحكام، وفيما يرجع إلى النواحي الخلقية والفكرية والروحية انتقلت القيادة إلى رجال العلم والفقه والتصوف، أصبح الفقهاء المسلمين وعلماؤهم روادهم في الشؤون الروحية والخلقية والدينية، وأصبح الملوك والأمراء قادتهم في الشؤون السياسية، وكان هذا الانقسام في حد ذاته فتنة مدمرة كان من المحتوم أن تعكس آثارها السيئة في المجتمع..



ثم زادت الطين بلة طبيعة القيادة السياسية، إذ من مقتضاها الطبيعي أن تقحم نفسها في كل شيء من شؤون الحياة، وتدس أنفها في كل أمر من أمورها.



وانطلاقاً من هذه الطبيعة هبت القيادة السياسية تفرض سلطانها على كلتا الناحيتين من الناحية الدينية والخلقية، في الوقت الذي كان فيه أصحاب العلم والفقه والتصوف لم يكونوا ليرضوا - وما كان ينبغي لهم أن يرضوا بحال من الأحوال - تدخل القيادة السياسية في شؤون الدين والأخلاق، كيلا يشوه وجه الدين ولا يغير الفكر الإسلامي ولا يمسخ المبادئ الخلقية، فنجم عن كل ذلك التباعد في هاتين القيادتين، واتسع الصدع بينهما ثم شرع التناحر والتصارع بينهما بدلاً من التعاون والتلاحم، ولا نزال نشاهد هذه الظاهرة الغريبة على قدم وساق في تاريخ الإسلام المعاصر". [الإسلام اليوم ص29-30 من مطبوعات الجماعة الإسلامية بباكستان].



هذه أهم أصول وحدة المسلمين التي إذا حافظ عليها المسلمون وسعوا إلى إعادتها، اتحدوا واستقامت وحدتهم على ساقها، وإن فرطوا فيها أو في بعضها كان التفرق والخلاف والشقاق حليفهم. وهي تمثل القاعدة الإسلامية التي تنطلق منها جميع النظم الإسلامية من أصول الدين وفروعه، وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وإذا كان محمد صَلى الله عليه وسلم قائداً برسالة، فإن خلفاءه قادة بشريعته فقط، وإلا فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.


الفرع الثاني: بعض من فروع وحدة المسلمين



وبجانب تلك الأصول فروع وضعها الله لعباده وشرعها للأمة الإسلامية، وهي تمد تلك الأصول بالبقاء والنماء في توحيد الأمة ورأب صدعها..



منها ما لا يؤدى - وهو عبادة - إلا بعمل جماعي، كصلاة الجماعة اليومية، وهي خمس صلوات يلزم الرجال من المسلمين [ويشرع كذلك للنساء] عند كثير من العلماء، أن يدعوا بيوتهم أو أسواقهم، أو مزارعهم، أو مصانعهم [إلا وجدت جماعة في هذه الأماكن] أو أي عمل آخر ليسيروا كلهم إلى المساجد ليصلي بهم في كل مسجد إمام واحد..



ويقفون صفوفاً متراصة يلصق أحدهم كتفه بكتف جاره الذي عن يمينه والآخر الذي عن يساره، وكعبه بكعب كل منهما، لا يكون بينهما خلل يدخل الشيطان منه، ولا تفصل بينهما سارية، تحقيقاً للإخاء الكامل والوحدة الكاملة، يتبعون كلهم إمامهم في حركاته وسكناته وتكبيراته، لا يسبقونه ولا يسبقه بعضهم ولا يتأخرون عنه أكثر من الاطمئنان اليسير.



ومثل صلاة الجماعة صلاة الجمعة، وهي تؤدى مرة كل أسبوع، يجب على كل قادر غير معذور من الرجال حضور الخطبتين والصلاة..



وصلاة العيدين: عيد الفطر في أول يوم من شوال كل عام، وعيد الأضحى، في اليوم العاشر من شهر ذي الحجة كل عام أيضاً، مع ما فيهما من سماع الخطبة كذلك..

وصلاة الكسوف التي ينادى لها كلما كسفت الشمس أو خسف القمر، وصلاة الاستسقاء كلما أجدبت الأرض ومنع الله القطر من السماء، وسماع خطبة الإمام في كل منهما.



وأوجب الله على كل مسلم حج بيت الله الحرام ما دام قادراً بالغاً ولم يحج، وكذا العمرة على القول بوجوبها، وحث على نفلهما.. والحج لا يكون إلا في وقت واحد يجتمع فيه الجمع الغفير من المسلمين من كل فج عميق، وهو ذو نظام معين يؤدون شعائره في زمان واحد ومكان واحد بلباس واحد للرجال، وذكر واحد للجميع.



وفرض سبحانه على جميع المسلمين رجالاً ونساء قادرين غير معذورين، صيام شهر واحد في السنة هو شهر رمضان، مع ما فيه من قيام وتهجد واعتكاف وأغراهم بليلة فيه جعلهم يتنافسون كلهم لمصادفتها..



وأوجب سبحانه على كل غني إخراج جزء من ماله للفقراء، تختلف مقاديره باختلاف المال أو الكسب ولا تختلف بحسب الغنى نفسه. كما شرع سبحانه كل ما يحقق الألفة والمواساة من البدء بالتحية وردها وعيادة المريض وتشييع الجنازة، وتعزية المصاب وإعداد الطعام لأهل الميت..وكذا تشميت العاطس وغير ذلك من إعانة المحتاج والابتسامة في وجه المسلم والكلمة الطيبة، وكلها تتحقق بها الألفة والمحبة والوئام ويعين على وحدة الكلمة.



التحذير من أسباب الفرقة والنزاع



وهناك أسباب تدعو إلى الاختلاف والفرقة والبغضاء، حذر الشارع منها وشرع ما يقي المسلمين وقوعها أو التخفيف منها، فحرم الاعتداء على النفوس، وشرع للوقاية منه القصاص.. وحرم الاعتداء على الأعراض والعقول والأموال، وشرع للوقاية منها الحدود، وكذلك التعزير وحرم البغي وشرع قتال الباغي وفرض له حدا.



وهكذا لم يترك الخالق سبحانه أي باب من أبواب الألفة إلا شرعه وفتحه ودعا إلى الولوج فيه، ولم يدع باباً من أبواب العداء والبغضاء والخلاف إلا سده وأحكمه ونهى عن فتحه أو الولوج فيه.. وشرع الثواب لمن أطاعه والعقاب لمن عصاه، كل ذلك مما يؤلف القلوب ويجمع الشمل ويرأب الصدع ويقضي على الفرقة.



وكل هذه الأمور وغيرها امتلأ به كتاب الله وسنة رسوله وكتب الفقه وكتب الأخلاق، بحيث يصعب على المرء استقصاء نصوصه في مثل هذا البحث.. ويكفي هنا نقل بعض الأحاديث، بعضها فيه فروع تدعو إلى الألفة والوحدة، وبعضها فيه صفات تدعو إلى الفرقة والاختلاف، رغب الشارع في الأولى وحذر من الثانية.



ففي حديث أيى موسى رضِي الله عنه، عن النبي صَلى الله عليه وسلم ، قال: (إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وشبك بين أصابعه). [البخاري رقم 481 فتح الباري (1/565) ومسلم (4/1999)].



وفي حديث النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صَلى الله عليه وسلم: (ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم، كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى). [البخاري رقم 6011 فتح الباري (10/438) ومسلم (4/1999)].



وفي حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صَلى الله عليه وسلم قال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة) [البخاري رقم 2442 فتح الباري (5/97) ومسلم (4/1996)].



في هذه الأحاديث حث للمسلم على أن يتراحم مع أخيه المسلم وعلى التواد والتعاطف والعدل، وعدم خذلان بعضهم بعضاً وقت حاجته إليه.



كما نهى صَلى الله عليه وسلم عن ظن السوء والتجسس والتنافس على الدنيا والتحاسد والتباغض والتدابر، لأن هذه الأمور كلها تقضي على معنى الأخوة وتورث الاختلاف والشقاق. ففي حديث أبي هريرة رضِي الله عنه: " أن رسول الله صَلى الله عليه وسلم قال: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تحسسوا ولا تناجشوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً) [البخاري رقم 6066 فتح الباري (10/484) ومسلم (4/1985)].



ولقد ابتعد كثير من المسلمين على مر العصور عن المحافظة على أصول وحدتهم وفروعها، وابتعدوا عن دين الله فأذاقهم الله عذاب الفرقة والاختلاف فيما بينهم، حتى أصبح العدو لا يحتاج إلى مباشرة حربهم بنفسه وإنما يصنع لهم السلاح وينهب خيراتهم ثمناً له – ولغيره - ويحرش بعضهم على بعض فحصلت بينهم فرقة واختلاف وتصدع - ولا سيما في هذا العصر – وأسال بعضهم دماء بعض وسلب بعضهم حرية بعض.



وأنبه هنا أن كثيرا ممن يدعون الدعوة إلى الإسلام والجهاد في سبيل الله وإقامة الخلافة، لا يفقهون حقيقة الإسلام، بل يتصرفون تصرفات تدل على جهلهم بما يدعون إليه، وينفر الناس من هذا الدين، كإجبارهم غير المسلمين على الدخول في الإسلام أو دفع الجزية، وكسبي النساء منهم ومعاملتهن معاملة السبايا، وكذبحهم الرجال بالسكاكين ونشرهم صورهم أمام العالم!



وإن الجيل المسلم الذي سيسعى في جمع كلمة المسلمين وتوحيدهم على طاعة الله، لا بد أن يكون فقيها في دين الله، حكيما في تطبيقه على الناس، قادرا على تحبيب الناس للإسلام، متخذا الأسباب التي تؤلف بينهم وتجمعهم على الإخوة الإسلامية، محققا الاقتداء بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وَسلم، الذين أفلحوا في أخوتهم وصدقوا فيها، ويعترفون بالفضل لمن سبقهم من إخوانهم المؤمنين ويدعون، ولا ينصبون لهم العداء ويشتمونهم، كما ذكر ذلك عنهم ربهم عز وجل في كتابه الكريم: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (9) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10)} [الحشر].



ولو أن المسلمين تمسكوا بهذا الدين وحرصوا على تطبيقه والتزموا أصوله وفروعه، لكانوا أعظم أمة في هذه الأرض كما كانوا كذلك من قبل.. وأحيل القارئ إلى صرخة أحد دعاة العصر [هو الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله] من هداة الخير الذين أقضت مضاجعهم اختلافات المسلمين التي أضعفتهم وأطمعت فيهم عدوهم، وهاله سكوت المسلمين وتخاذلهم وخنوعهم لتلك الاختلافات التي أذلتهم لأعدائهم. وقد سبق إثباتها في مبحث جهاد الفرقة والتصدع.





السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13467668

عداد الصفحات العام

896

عداد الصفحات اليومي