﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (04) سافر معي في المشارق والغارب :: (24) أثر الترية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (03) سافر معي في المشارق والمغارب :: (023) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(013) الجهاد في سبيل الله - الأعذار المبيحة للتخلف عن الجهاد.

(013) الجهاد في سبيل الله - الأعذار المبيحة للتخلف عن الجهاد.



أما الأعذار المبيحة للتخلف عن الجهاد إجمالا، فهي: الجنون، والصبا، والضعف، والمرض، وعدم سلامة الأعضاء، كالعمى والعرج الشديد، وعدم إذن الوالدين أو أحدهما، والدَّينُ الذي لم يأذن صاحبه للمدين بالجهاد، وعدم الراحلة والمال، أو أحدهما، والرق.



وأما تفصيلا فكما يأتي:



أولا: الجنون.



المجنون ليس أهلا للتكليف، لأن من شرط التكليف قدرة المكلف على العلم بما يُكَلَّف أداءَه، والخطاب إنما يوجه إلى العاقل، فالمجنون معذور في أصول الإسلام وفروعه، والقلم مرفوع عنه.



قال الآمدي رحمه الله:"اتفق العقلاء على أن شرط المكلف أن يكون عاقلا فاهما للتكليف، لأن التكليف خطاب، وخطاب من لا عقل له ولا فهم محال، كالجماد والبهيمة". [الأحكام في أصول الأحكام (1/138)].



وقال صدر الشريعة الحنفي: "باب المحكوم عليه، وهو المكلف ن ولا بد من أهليته للحكم ن وهي لا تثبت إلا بالعقل …". [شرح التوضيح على التنقيح.].



ثانيا: الصبا:



والصبي – أيضاً – غير مكلف بجميع العبادات، وإن كان مشروعا تمرينه على بعضها، كالصلاة والصوم، بعد أن يميز. قال في الهداية: " ولا يجب الجهاد على صبي". [فتح القدير لابن الهمام (5/442)]. وقال الكاساني: "ولا جهاد على صبي". [بدائع الصنائع (9/4301)].



وقال النووي: "ولا جهاد على صبي ومجنون". [حواشي تحفة المحتاج (9/231)]. وقال في المهذب: "ولا يجب على الصبي والمجنون". [تكملة المجموع (18/52)].



ومن أدلة ذلك حديث عائشة رَضي الله عنها، أن رسول الله صَلى الله عليه وسلم، قال: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يكبر) وفي حديث ابن عباس عن علي رضي الله عنهم: (عن المجنون حتى يبرأ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يعقل). [الحديثان في سنن أبي داود (4/558)، وراجع التمهيد لابن عبد البر (1/107-110) ورمز السيوطي للحديثين في الجامع الصغير بالصحة. وقال الحاكم: "على شرطهما " (4/35) وأوردهما شيخنا الألباني رحمه الله في صحيح الجامع الصغير (3/179)].



رابعا: عدم إذن الوالدين.



من الأعذار الشرعية المبيحة للتأخر عن الجهاد، أن يكون للرجل والدان أو أحدهما، ولم يأذنا له بالخروج، لأنه غير قادر شرعا على الخروج - وإن كان قادرا في نفسه - لوجوب طاعته لوالديه في غير معصية الله.



وقد اعتبر الرسول صَلى الله عليه وسلم قيام الولد بحق والديه، جهاداً مقدماً على الجهاد في سبيل الله، فلا يجوز له الخروج إلا بإذنهما.



كما في حديث عبد الله بن عمر و رضي الله عنهما، قال: جاء رجل إلى النبي صَلى الله عليه وسلم ، فاستأذنه في الجهاد، فقال: (أحي والداك)؟ قال: نعم. قال: (ففيهما فجاهد). سمى صَلى الله عليه وسلم القيام بمصالح الوالدين، جهاداً، ولم يأذن لابنهما في تركهما، من أجل الخروج للجهاد في سبيل الله، فلو تركهما وخرج للجهاد، كان عاصياً، وهذا يدل على أنه غير قادر على الجهاد شرعاً، وإن كان قادراً طبعاً وعادة.



ويحتمل أن الرسول صَلى الله عليه وسلم ، لم يأذن له بالجهاد، لأنه لم يكن فرض عين – أي ليس النفير عاماً – وإذا لم يكن فرض عين، بل فرض كفاية، فهو في حقه مندوب، بخلاف حق الوالدين، فإنه فرض عين عليه، وفرض العين مقدم على فرض الكفاية وعلى المندوب.



ويحتمل أنه صَلى الله عليه وسلم خشي من أن يضيع والداه، إذا خرج للجهاد وتركهما، ودفع الضرر عنهما فرض عليه لا يقوم به غيره، بخلاف الجهاد فإن غيره سيقوم به، وإن كان فرض عين.



وهذا الحديث من النصوص الدالة على أن الجهاد في الشرع أعم من قتال الكفار، لأنه سمى بر الوالدين جهاداً.



ويظهر من أقوال العلماء أن الجهاد إذا كان فرض عين، فإنه يجب على الولد أن يخرج للجهاد، أذن له الوالدان أم لم يأذنا.



وقد استدل ابن حجر على هذا بالحديث الذي أخرجه ابن حبان، عن عبد الله بن عمرو، من طريق أخرى، قال: جاء رجل إلى رسول الله صَلى الله عليه وسلم ، فسأله عن أفضل الأعمال؟ قال: (الصلاة) قال: ثم مه؟ قال: (الجهاد) قال: فإن لي والدين، فقال: (آمرك بوالديك خيراً) فقال: والذي بعثك بالحق نبيا لأجاهدنَّ ولأتركنهما، قال: (أنت أعلم) قال الحافظ – بعد ذكر الحديث -: وهو محمول على جهاد فرض العين، توفيقا بين الحديثين" [فتح الباري (6/140)].



قال الكاساني: "وكذا الولد لا يخرج إلا بإذن والديه أو أحدهما، إذا كان الآخر ميتا، لأن بر الوالدين فرض عين، فكان مقدما على فرض الكفاية " إلى أن قال: "هذا إذا لم يكن النفير عاما، فأما إذا عم النفير، بأن هجم العدو على بلد، فهو فرض عيني، يفترض على كل أحد من آحاد المسلمين" [بدائع الصنائع (9م4300) وراجع المجموع (18/57) وحاشية الدسوقي (2/75)].



قال ابن قدامة رحمه الله: "إذا وجب عليه الجهاد لم يعتبر إذن والديه، لأنه صار فرض عين، وتركه معصية، ولا طاعة لأحد في معصية الله". [المغني (9/209)].



ويرى ابن حزم رحمه الله، أنه لا يجوز للولد أن يخرج للجهاد، ولو كان فرض عين، إذا كان في ذلك ضياع والديه أو أحدهما، لأنه تعارض واجبان فقدم حق الوالدين، قال: "ولا يجوز الجهاد إلا بإذن الأبوين، إلا أن ينزل العدو بقوم من المسلمين، ففرض على كل من يمكنه إعانتهم أن يقصدهم مغيثا لهم، أذن الأبوان أم لم يأذنا، إلا أن يُضَيَّعا أو أحدهما، فلا يحل له ترك من يضيع منهما". [المحلى (7/292)].



والذي يظهر أن خروج الولد للجهاد المفروض عينا، هو الراجح، لأن مصلحته عامة راجحة، إذ تشمل المصلحة فيه المسلمين كلهم، ولو رجح جانب حق الوالدين الذين يخشى أن يضيعا، لكان ذلك سببا في تأخر كثير من المسلمين الذين لهم آباء بهذه الصفة، ووجود الفرد المجاهد في صف المدافعين عن البلد أشد ضرورة من بقائه عند والديه.



ومع هذا أرى أن يجتهد الولد الذي يتعرض لمثل هذه المسألة الخاصة، في ترجيح ما تطمئن نفسه إليه ويدين الله به.



خامسا: الرق.



العبد المملوك مأمور بطاعة سيده، ولا يجوز له أن يعصيه، ما لم يأمره بمعصية، وطاعة العبدِ سيدَه شبيهة بطاعة الولد أبويه أو أحدهما، وقد ثبت للعبد المملوك الذي يجمع بين طاعة ربه وطاعة سيده أجران. كما في حديث أبي موسى رضِي الله عنه، عن النبي صَلى الله عليه وسلم ، قال: (للمملوك الذي يحسن عبادة ربه ويؤدي إلى سيده الذي له عليه من الحق والطاعة أجران) [(البخاري بفتح الباري(5/177)]



وقد حفز هذا الأجرُ المضاعفُ أبا هريرة رَضي الله عنه على التطلع إليه، حتى كان يود أن يكون عبدا لولا أن ذلك يحول بينه وبين حريته الكاملة في أداء طاعة الله وطاعة أمه، فقد قال: قال رسول الله صَلى الله عليه وسلم: (وللعبد المملوك الصالح أجران) والذي نفسي بيده لولا الجهاد في سبيل الله، والحج، وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك. [البخاري بفتح الباري (5/175) ومسلم (3/1284) قوله: "والذي نفسي بيده …" من كلام أبي هريرة، كما ذكر الحافظ في الفتح].



وفي كلامه هذا دليل على أن العبد لا يجوز له أن يجاهد إلا بإذن سيده. قال الحافظ: "وإنما استثنى أبو هريرة هذه الأشياء، لأن الجهاد والحج يشترط فيهما إذن السيد.. " ولو لم يكن إذن استئذان العبدِ سيدَه في حضور الجهاد واجبا، لما قال أبو هريرة ذلك، ما دام الرق لا يمنعه من الجهاد متى شاء.



ومما يستدل به على استئذان العبد سيده، حديث عمير مولى آبي اللحم، قال: "شهدت خيبر مع سادتي، فكلموا فيَّ رسول الله صَلى الله عليه وسلم، فأمر بي فقُلِّدت سيفاً، فإذا أنا أجره، فأخبر أني مملوك، فأمر لي بشيء من خرثِيِّ المتاع" [رواه أبو داود (3/171) قال ابن الأثير في النهاية: "والخرثيِّ أثاث البيت ومتاعه. وقال المحشي على سنن أبي داود: وأخرجه الترمذي والحاكم وصححه. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وراجع: فتح القدير (5/442) لابن الهمام، وحاشية ابن عابدين (4/125)، وحواشي تحفة المحتاج (9/231)، والمغني (9/197) لابن قدامة].



سادسا: الدَّين



والمدين الذي ليس عنده ما يتركه لقضاء دينه الحال، ليس له أن يخرج إلى الجهاد في بسبيل الله بدون إذن دائنه، بل عليه أن يبقى ليعمل ويقضي دينه، ما لم يأذن له صاحب الدين، لأن خطايا المجاهد الذي يقتل في سبيل الله تكفر ما عدا الدين. كما في حديث قتادة عن رسول الله صَلى الله عليه وسلم، أنه قام فيهم، فذكر لهم أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال، فقام رجل، فقال: يا رسول الله: أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفر عني خطاياي؟ فقال: رسول الله صَلى الله عليه وسلم: (إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر) ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كيف قلت)؟ قال: أريت إن قتلت في سبيل الله تكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله صَلى الله عليه وسلم: (نعم وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر، إلا الدين، فإن جبريل عليه السلام قال لي ذلك) [رواه مسلم (3/1501)].



أما إذا كان عنده ما يتركه لقضاء دينه، فلا يدخل في ذوي الأعذار الذين يجوز لهم التخلف عن الجهاد، أو يجب عليهم التخلف. ومما يدل على ذلك ما ورد عن أبي الدرداء رضِي الله عنه، أنه كان يقف حين ينتهي إلى الدرب، وفي ممر الناس إلى الجهاد، فينادي نداءً يُسمِع الناس: أيها الناس، من كان عليه دين، ويظن أنه إن أصيب في وجهه هذا لم يدَعْ له قضاء، ولا يتعنىَّ، فإنه لا يعود كفافا " [جامع الأصول (2/580)].



ومثل الدين في عدم التكفير للخطايا جميع حقوق الآدميين، فإن الجهاد وغيره من الطاعات لا تكفرها، وإنما تكفر حقوق الله تعالى. [يراجع شرح النووي على مسلم (13/29)].



هذا، ولا يلزم من عدم تكفير الجهاد في سبيل الله الدين ونحوه، أنه لا يكتب للمجاهد أجر جهاده وشهادته، فذاك شيء وهذا شيء آخر، بل يرى بعض العلماء جواز خروج المدين بدون استئذان صاحب الدين، إذا كان رضي ببقاء ذنب الدين عليه. قال الشوكاني رحمه الله: "وغاية ما اشتملت عليه أحاديث الباب هو أن الشهيد يغفر له جميع ذنوبه إلا ذنب الدين، وذلك لا يستلزم عدم جواز الخروج إلى الجهاد إلا بإذن من له الدين، بل إن أحب المجاهد أن يكون جهاده سببا لمغفرة كل ذنب، استأذن صاحب الدين في الخروج، وإن رضي بأن يبقى عليه ذنب واحد جاز له الخروج بدون استئذان" [نيل الأوطار (7/251) ويراجع تكملة المجموع (18/56) وحواشي تحفة المحتاج (9/232) وروضة الطالبين (10/210) وحاشية ابن عابدين (4/126)].



سابعا: الضعف البدني والعجز المالي



مما عذر الله تعالى به عبده المؤمن عن الخروج للجهاد في سبيل الله، فقدُه القدرة على ذلك، بسبب ضعف في بدنه، من مرض، وعمى، وعرج، وشلل، وقطع يد أو رجل، وشيخوخة، ونحوها، مما لا يقدر معه على مباشرة الجهاد.



وكذلك الفقر الذي لا يتمكن معه على الإنفاق على نفسه، ذهابا وإيابا، وأثناء المعركة، أو شراء ركوب وسلاح، أو النفقة على العيال، فإن في ذلك عذرا له في تخلفه عن الجهاد.



ويشترط في ذلك – أي في كون الضعف البدني والعجز المالي عذرا له – أن يكون المتخلف ناصحا لله ولرسوله وللمؤمنين، نادما أشد الندم على تخلفه، عازما على الخروج لو زال عذره، طالبا من الله تعالى نصر إخوانه المجاهدين وهزيمة أعدائهم من الفار والمشركين، فإن لم يكن كذلك، بأن كان مسروراً بعدم خروجه للجهاد، متخذا عذره الظاهر ذريعة لذلك، مرجفا وراء المجاهدين، غر مبال بنصر المؤمنين، أو متمنيا نصر أعداء الله الكافرين على أوليائه المؤمنين، فإنه يكون آثما بذلك.



قال تعالى: {ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون} [التوبة 91-92].



قال ابن كثير رحمه الله: " ثم بين تعالى الأعذار التي لا حرج على من قعد معها عن القتال، فذكر منها ما هو لازم للشخص لا ينفك عنه، وهو الضعف في التركيب الذي لا يستطيع معه الجلاد في الجهاد، ومنه العمى والعرج ونحوهما، ولهذا بدأ به.



ومنها ما هو عارض بسبب مرض عنّ له في بدنه شغله عن الخروج في سبيل الله، أو بسبب فقر لا يقدر على التجهيز للحرب، فليس على هؤلاء حرج إذا قعدوا ونصحوا في حال قعودهم، ولم يرجفوا بالناس، ولم يثبطوهم" [تفسير القرآن العظيم (2 / 381)].



وقال الكاساني: "وأما بيان من يفترض عليه فنقول: إنه لا يفترض إلا على القادر عليه، فمن لا قدرة له لا جهاد عليه، لأن الجهاد بذل الجهد وهو الوسع والطاقة بالقتال أو المبالغة في عمل القتال، ومن لا وسع له كيف يبذل الوسع والعمل؟! فلا يفترض على: الأعمى، والأعرج، والزَّمِن، والمقعد، والشيخ الهرم، والمريض، والضعيف، والذي لا يجد ما ينفق، قال سبحانه وتعالى: {ليس على الأعمى حرج} [النور: 61]

وقال سبحانه: {ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله} [التوبة: 91]. فقد عذر الله جل شأنه هؤلاء بالتخلف عن الجهاد ورفع الحرج عنهم" [بدائع الصنائع (9 / 4301)].



وقال في المهذب: "ولا يجب على الأعمى لقوله عز وجل: {ليس على الأعمى حرج، ولا على الأعرج حرج، ولا على المريض حرج} [الفتح: 17] ولا يختلف أهل التفسير أنه في سورة الفتح أنزلت في الجهاد، ولأنه لا يصلح للقتال فلم يجب عليه. ولا يجب على الأعرج الذي يعجز عن الركوب والمشي، لأنه لا يقدر على القتال، ولا يجب على الأقطع والأشل، لأنه يحتاج في القتال إلى يد يضرب بها ويد يتقي بها. ولا يجب على المريض الثقيل للآية، ولأنه لا يقدر على القتال.



ولا يجب على الفقير الذي لا يجد ما ينفق في طريقه فاضلا عن نفقة عياله، لقوله عز وجل: {ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج} [المجموع (18/53) والآية من سورة التوبة 91].



وآية النور التي استدل بها الكاساني رحمه الله، استدل بها كثير من العلماء على نفي الحرج عمن ذكر فيها، لكن منهم من رأى أنها عنت التخلف عن الجهاد.



ومنهم من رجح أن المراد بها ما هو الظاهر من سياقها، وهو نفي الحرج عن هؤلاء في أكلهم في بيوتهم ومن بيوت من سمّى الله في الآية، قال ابن جرير رحمه الله بعد أن ذكر أقوال العلماء في تفسير الآية: " أظهر معاني قوله: {ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج} أنه لا حرج على هؤلاء الذين سموا في هذه الآية، أن يأكلوا من بيوت من ذكره الله فيها، على ما أباح لهم من الأكل منها" [راجع تفسير ابن جرير الطبري (18/167) وما بعدها].





وقال القرطبي رحمه الله: "قوله تعالى: {ليس على الضعفاء} الآية، أصل في سقوط التكليف عن العاجز، فكل من عجز عن الشيء سقط عنه، ولا فرق بين العجز من جهة القوة، أو العجز من جهة المال. ونظري هذه الآية قوله تعالى: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} [البقرة: 268] وقوله: {ليس على الأعمى حرج ولا على المريض حرج} [الجامع لأحكام القرآن (8/226) والآية من سورة النور: 61].



ولاختلاف المفسرين في تفسير آية النور: أعني التخلف عن الجهاد بذاته أم يستدل بعموم نفيها؟، وعدم اختلافهم في آية الفتح، قال في المهذب: "ولا يختلف أهل التفسير أنها في سورة الفتح أنزلت في الجهاد" كما مضى قريباً.



هذا وقد جَمَعَتْ بعضُ النصوص الفقهية تلك الأعذارَ كلَّها، بعبارات وجيزة، منها ما قاله أبو الضياء خليل بن إسحاق المالكي في مختصره:



"وسقط بمرض، وصبا، وجنون، وعمى، وعرج، وأنوثة، وعجز عن محتاج له، ورِقٍّ، ودين حلّ، كوالدين في فرض كفاية.." [حاشية الدسوقي (2/175) وراجع الكتب الفقهية الآتية: فتح القدير لابن الهمام الحنفي (5 / 442) حواشي تحفة المحتاج في الفقه الشافعي (9/231) وروضة الطالبين للنووي (190/208 وما بعدها)]. هذا سرد للأعذار بدون ذكر أدلتها، كما هو الغالب في المتون الفقهية.



أما ذكرها مع أدلتها من الكتاب والسنة فقد عُنِي بها ابنُ قدامة رحمه الله، فقال: "ويشترط لوجوب الجهاد سبعة شروط: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والذكورية، والسلامة من الضرر، ووجود النفقة ".



فأما الإسلام والبلوغ والعقل فهي شرط لوجوب سائر الفروع، ولأن الكافر غير مأمون في الجهاد، والمجنون لا يتأتى منه الجهاد، وقد روى ابن عمر قال: عرضت على رسول الله صَلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربعة عشرة فلم يجزني [البخاري رقم الحديث 4097، فتح الباري (7/492) ومسلم (3/1490)].



وأما الحرية فتشترط لما روي أن النبي صَلى الله عليه وسلم كان يبايع الحر على الإسلام والجهاد، ويبايع العبد على الإسلام دون الجهاد [قال المحشي على المغني: " ذكر ابن حجر في تلخيص الحبير 4/91،92 أن النسائي أخرجه، وانظر تحفة الأشراف اهـ ]، ولأن الجهاد عبادة تتعلق بقطع مسافة فلم تجب على العبد كالحج.



وأما الذكورية فتشترط لما روت عائشة، قالت: قلت: يا رسول الله، على النساء جهاد؟ فقال: (جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة) [راجع ما سبق في ص: 87]، ولأنها ليست من أهل القتال لضعفها وخورها، ولذلك لا يسهم لها.



وأما السلامة من الضرر فمعناه السلامة من العمى والعرج والمرض، وهو شرط لقول الله تعالى: {ليس على الأعمى حرج، ولا على الأعرج حرج، ولا على المريض حرج} [راجع الصفحات السابقة]، ولأن هذه الأعذار تمنعه من الجهاد.



وأما وجود النفقة فيشترط لقوله تعالى: {ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله} [سبقت في الصفحات السابقة]، ولأن الجهاد لا يمكن إلا بآلة فيعتبر القدرة عليها" [المغني (9/197ـ198)].



حبسهم العذر:



من رحمة الله بعباده المؤمنين وفضله وإحسانه عليهم، أنه يكتب للعاجز منهم عن العمل أجره إذا علم من نيته الصدق والإخلاص والنصح، كما لو كان قام بالعمل. قال تعالى: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين – غير أولي الضرر – والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم، وأنفسهم، فضّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة، وكلا وعد الله الحسنى، وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً} [النساء: 95].



نفى الله تعالى أن يستوي في القرب منه والحظوة عنده القاعدون والمجاهدون، واستثنى من القاعدين أولى الضرر، فجعلهم في عداد المجاهدين، ويفهم من نفي استواء المجاهدين والقاعدين، واستثناء أولى الضرر من هؤلاء، أن أولي الضرر يستوون هم والمجاهدون في حصول أصل الثواب والمضاعفة.



ورأى بعض العلماء أنهم يستوون في الأصل، ويزيد المباشرون للجهاد – وغيره من الطاعات – بمضاعفة الثواب.



واحتج أهل الرأي الأول بأمرين:



الأمر الأول: أن المعذورين ما منعهم إلا عجزهم، ولو لم يكن بهم عذر لكانوا مع المجاهدين، وفضل الله واسع، وقد استثناهم هو سبحانه من القاعدين الذين نفي المساواة بينهم وبين المجاهدين، فالقاعدون بعذر مستثنون من نفي المساواة.



الأمر الثاني: ما ورد في صحيح السنة مؤكداً هذا المعنى، كما في حديث أنس أن النبي صَلى الله عليه وسلم كان في غزاة فقال: (إن أقواماً بالمدينة خلفنا ما سلكنا شِعْباً ولا وادياً إلا وهم معنا، حسبهم العذر..) [البخاري رقم الحديث 2839، فتح الباري (6/46)].



وفي حديث جابر: "كنا مع النبي صَلى الله عليه وسلم في غزاة فقال: (إن بالمدينة لرجالاً ما سرتم مسيراً، ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم حسبهم المرض) [مسلم (3/1518)].

قال الحافظ ابن حجر: "قال المهلب: يشهد لهذا الحديث حديث أنس قوله تعالى: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر} الآية [النساء: 95]، فإنه فاضل بين المجاهدين والقاعدين، ثم استثنى أولى الضرر من القاعدين، فكأنه ألحقهم بالفاضلين، وفيه أن المرء يبلغ بنيته أجر العامل إذا منعه الضرر عن العمل" [فتح الباري (6/46)].



وقد ورد ما يدل على أن هذا الاستثناء نزل بعد أن شكا إلى رسول الله صَلى الله عليه وسلم بعض من منعهم الضرر عن اللحاق بالمجاهدين، ونزول نفي المساواة بين المجاهدين والقاعدين، فالذي شكا من نفي المساواة بين المجاهدين وبينه لقعوده بسبب الضرر إنما شكا راجياً أن يدخل في هذا النفي، ونزول الاستثناء بعد شكواه، يدل أنه استجيب له فأصبح مساوياً للمجاهدين. كما في حديث البراء بن عازب قال: "لما نزلت الآية: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين}، دعا رسول الله صَلى الله عليه وسلم زيداً فجاء بكتف فكتبها، وشكا ابن أم مكتوم ضرارته، فنزلت: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين – غير أولي الضرر} [البخاري رقم الحديث 2831، فتح الباري (6/45) ومسلم (3/1508)].



قال القرطبي في تفسير الآية الكريمة – بعد أن ذكر بعض النصوص المتقدمة: "فهذا يقتضي أن صاحب العذر يعطى أجر الغازي، فقيل يحتمل أن يكون أجره مساوياً، وفي فضل الله متسع، وثوابه فضل لا استحقاق، فيثبت على النية الصادقة ما لا يثيب على الفعل، وقيل يعطى أجره من غير تضعيف فيفضله الغازي بالتضعيف للمباشرة، والله أعلم. قلت: والقول الأول أصح إن شاء الله للحديث الصحيح في ذلك (إن بالمدينة رجالاً) الحديث [الجامع لأحكام القرآن (5/342)].



واحتج أهل الرأي الثاني، وهو أن صاحب العذر الذي أقعده عذره عن العمل، وهو حريص على مباشرته، يستوي هو والمباشر في الأصل دون المضاعفة، بحديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك، فمن همّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو همّ بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن همّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله له حسنة كاملة، فإن هو همّ بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة) [البخاري رقم 6491، فتح الباري (11 / 323) ومسلم (1/118)].



قال الحافظ: "واستدل بقوله حسنة كاملة على أنها تكتب حسنة مضاعفة، لأن ذلك هو الكمال، لكنه مشكل يلزم منه مساواة من نوى الخير بمن فعله، في أن كلاً منهما تكتب له حسنة، وأجيب بأن التضعيف في الآية يقتضي اختصاصه بالعامل، لقوله تعالى: {من جاء بالحسنة} [الأنعام: 16، والنحل: 89، والقصص: 84] والمجيء بها هو العمل.



وأما الناوي فإنما ورد أنه يكتب له حسنة، ومعناه يكتب له مثل ثواب الحسنة، والتضعيف قدر زائد على أصل الحسنة، والعلم عند الله" [فتح الباري11/ 325].



وقال ابن رجب رحمه الله: "فالمضاعفة يختص بها من عمل العمل، دون من نواه، ولم يعمله، فإنهما لو استويا من كل وجه، لكتب لمن همَّ بحسنة ولم يعملها عشر حسنات، وهو خلاف النصوص كلها" [جامع العلوم والحكم ص 309].



والذي يظهر عدم القطع بالمساواة في كل شيء، لأن المجاهد المباشر للجهاد قد يستوي هو والقاعد في النية الصادقة والحرص الشديد على مجالدة العدو وقهره، وعلى الشهادة في سبيل الله، ثم يزيد المجاهد المباشر ببذل المال، والتضحية بنفسه في ساح الوغى وتلقي الضرب والطعان بصدره، ومفارقة أهله وأولاده، والتعرض لشدة البرد والحر والجوع والعطش.



ويكفي في نفي المساواة بين القاعد بعذر والقاعد بدون عذر، أن القاعد بلا عذر لا أجر له مطلقاً، بل قد يكون آثماً إذا كان الجهاد فرض عين، وقد يكون قعوده مباحاً إذا كان الجهاد فرض كفاية، وفي كلتا الحالتين لا يستوي هو والمجاهد في سبيل الله.



أما القاعد بعذر مع النية الصادقة والحرص الشديد، فله أجر مثل أجر المجاهد، ولا يشترط أن يساويه في كل شيء، بل تكفي المساواة في الجملة، ومع ذلك فإن فضل الله واسع يؤتيه من يشاء.



ومما يدل على أن من لم يباشر العمل لا يساوي المباشر من كل وجه، حديث أبي هريرة رضِي الله عنه، أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله صَلى الله عليه وسلم ، فقالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العلا والنعيم المقيم، فقال: (وما ذاك) قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق، فقال رسول الله صَلى الله عليه وسلم: (أفلا أعلمكم شيئاً تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم)، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين مرة).



قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله صَلى الله عليه وسلم، فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلناه ففعلوا مثله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) [البخاري رقم 843، فتح الباري (2/325)، ومسلم (1/416)].



وجه الدلالة من هذا الحديث أن فقراء المهاجرين لم يذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يشكون إليه تأخرهم في الأجر عن أهل الأموال الذين يشاركونهم في الصلاة والصوم ويفضلونهم في الصدقة والعتق، إلا أنهم حريصون على أنهم لو كانوا مثلهم أغنياء، لفعلوا مثل فعلهم، ونيتهم – لا شك – مكتوبة لهم كما مضى، ولكنهم يريدون ثواباً مساوياً لثواب من باشر التصدُّق والعتق.



فدلهم الرسول صَلى الله عليه وسلم على الذكر، ولا زالوا سابقين في الإنفاق والعتق، فأجاب الرسول صَلى الله عليه وسلم بما يدل أن التفاضل في العمل أمر لا بد منه، وأن فضل الله يؤتيه من يشاء، ولو كانت نية الطاعة والحرص عليها كافية في المساواة لبيَّن لهم الرسول صَلى الله عليه وسلم ذلك.



والشخصان المستويان في صدق النية والحرص على الطاعة، ثم يزيد أحدهما بأن رزقه الله مالاً يتصدق منه ويعتق ويجهز الغزاة أو يخرج يجاهد بنفسه، والآخر لم يتمكن لفقره هما شبيهان بفقراء الصحابة وأغنيائهم الذين قال رسول الله صَلى الله عليه وسلم للفقراء: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء).



لكن بقي هنا النظر فيما قاله ابن حجر رحمه الله في شرحه هذا الحديث حديث أبي هريرة رضيَ الله عنه، فإنه قال: "ويظهر أن الجواب وقع قبل أن يعلم النبي صلى الله عليه وسلم أن متمنِّي الشيء يكون شريكاً لفاعله في الأجر، كما سبق في كتاب العلم في الكلام على حديث ابن مسعود الذي أوله: (لا حسد إلا في اثنتين) فإن في رواية الترمذي من وجه آخر التصريح بأن المنفق والمتمني إذا كان صادق النية في الأجر سواء.



وكذا قوله صَلى الله عليه وسلم: (من سنّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من يعمل بها من غير أن ينقص من أجره شيء) فإن الفقراء في هذه القصة كانوا السبب في تعلُّم الأغنياء الذكر المذكور، فإذا استووا معهم في قوله، امتاز الفقراء بأجر السبب مضافاً إلى التمني، فلعل ذلك يقاوم التقرب بالمال" [فتح الباري (2 / 331)].



واللفظ الذي في سنن الترمذي من حديث ابن كَبْشة الأنماري هكذا: (إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالاً وعلماً، فهو يتقي ربه فيه، ويصل به رحمه ويعلم لله فيه حقاً، فهذا بأفضل المنازل. وعبد رزقه الله علماً ولم يرزقه مالاً، فهو صادق النية، يقول: لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته فأجرهما سواء) [سنن الترمذي رقم الحديث 2427، تحفة الأحوذي (6 / 615)].



والذي يظهر أنه لا فرق بين المساواة في الأجر بين هذين الرجلين، وبين المساواة في الأجر بين المجاهد والقاعد المعذور، وأنهما يستويان في كلّ منهما في أن الفاعل والمتمني الصادق كليهما يؤجران، فهما سواء في أنهما أثيبا، بخلاف من لم يفعل ولم ينو نية صادقة، فإنه لا أجر له مطلقاً، فالذي لم يفعل لعذره وهو ناوٍ الفعلَ لو مُكِّن منه استوى مع من فعل في أنه أجر على نيته.



وليس شرطاً أن تكون المساواة من كل وجه، بل لعل قوله صَلى الله عليه وسلم فيمن أوتي مالاً وعلماً أنه بأفضل المنازل، وقوله فيمن أوتي علماً ولم يرزقه مالاً: فأجرهما سواء ما يشير إلى التفريق بين الفاعل المباشر، وبين الناوي الصادق، وأن هذا يكتب له أجر نيته فقط، وذاك يكتب له أجر نيته وفعله يدل عليه قوله فهو بنيته.



فلا حاجة إذا إلى القول بأن جواب النبي صَلى الله عليه وسلم لفقراء المهاجرين، كان قبل أن يعلم أن متمني الشيء يكون شريكاً لفاعله في الأجر، إذ يحمل على أن الجواب كان مراداً به عدم التساوي الكامل بين الناوي الصادق الذي لم يفعل، والناوي الصادق الفاعل، وقد اضطر ابن حجر رحمه الله بسبب عدم جزمه بذلك أن يقرب فقراء المهاجرين بأغنياء إخوانهم بشيء آخر، وهو أن فقراء المهاجرين سنُّوا سنة حسنة عمل بها الأغنياء، فهم بذلك ينالون أجراً آخر قال فيه: فلعل ذلك يقاوم التقرب بالمال.



وقد يفهم من كلام ابن تيمية رحمه الله مساواة الناوي الصادق الذي لم يفعل لعذر، وهو ما يعبِّر عنه بالمريد إرادة جازمة، بالناوي الصادق الذي فعل، حيث قال: "فالمريد إرادة جازمة مع فعل المقدور – مراده مع فعل المقدور لو قدر عليه – بمنزلة العامل الكامل".



ولكنه رحمه الله عبَّر بعد ذلك بما يدل أنه لم يرد المساواة الكاملة، أو لم يجزم بذلك، حيث قال: "فالله تعالى نفى المساواة بين المجاهد والقاعد الذي ليس بعاجز، ولم يَنْف المساواة بين المجاهد والقاعد العاجز، بل يقال: دليل الخطاب يقتضي مساواته إياه، ولفظ الآية صريح استُثنِيَ أولو الضرر من نفي المساواة، فالاستثناء هنا هو من النفي، وذلك يقتضي أن أولي الضرر قد يساوون القاعدين وإن لم يساووهم في الجميع" [الفتاوى (10 / 731)، راجع أيضاً الفتاوى (14 / 123)].



فقوله: قد يساوون القاعدين وإن لم يساووهم في الجميع، يدل أن المساواة الواردة في كلامه أولاً، ليست المساواة الكاملة وإنما هي المساواة في الجملة، والله أعلم.



إذا نصحوا الله ورسوله.



هذا ويجب أن يعلم – هنا – أن هؤلاء الذين يكتب الله لهم الأجر وهم في بيوتهم لعدم قدرتهم على مباشرة الجهاد، إنما هم الناصحون لله ورسوله، الذين تكاد قلوبهم تطير، من شدة رغبتهم وقوة حرصهم على الجهاد في سبيل الله، إلى أرض المعركة، والذين اشتدَّ ندمهم وظهر حزنهم، بسبب عجزهم عن القيام بأمر الجهاد مباشرة، ولهذا قيَّد الله نفي الحرج عن ذوي الأعذار بقوله: {إذا نصحوا لله ورسوله} [التوبة: 91].



وقد ضرب الله لهم مثلاً بالبكائين الذين طلبوا من الرسول صَلى الله عليه وسلم، أن يحملهم ليخرجوا معه لجهاد الأعداء، فاعتذر بأنه لا يجد ما يحملهم عليه، فخرجوا يبكون مغمومين بسبب ذلك.



كما قال تعالى عنهم: {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون} [التوبة: 92]، بخلاف من قعد وهو غير عازم، أو لم ينصح لله ورسوله.



قال ابن كثير: "فليس على هؤلاء حرج إذا قعدوا ونصحوا في حال قعودهم، ولم يرجفوا بالناس، ولم يُثبّطوهم ولهذا قال: {ما على المحسنين من سبيل، والله غفور رحيم} [تفسير القرآن العظيم (2/381)].



هتاف الشهادة وريح الجنة.



وعلى الرغم من أن الله تعالى عذر عباده المؤمنين الذين قد تحول الأعذار بينهم وبين مباشرة الجهاد إلا بمشقة، ككبار السن وصغار السن أو بعض ذوي العاهات، فإن نفوس أهل الإيمان العميق الحيّ المتحرك الصادق، لم ترض بالتخلف عن الجهاد، بل لقد كان الشيخ الكبير السن الأعرج الذي عذره الله، ينافس أبناءه الشبان الأقوياء، في الخروج للجهاد في سبيل الله، حرصاً على أن ينال الشهادة ويدخل الجنة.



كما في سيرة ابن هشام: "أن عمرو بن الجموح كان رجلاً أعرج شديد العرج، وكان له بنون أربعة مثل الأسد، يشهدون مع رسول الله صَلى الله عليه وسلم المشاهد، فلما كان يوم أحد أرادوا حبسه، وقالوا له: إن الله عـز وجل قد عذرك، فأتى رسول الله صَلى الله عليه وسلم فقال: إن بَنِيَّ يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك فيه، فوالله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة"



فقال رسول الله صَلى الله عليه وسلم: (أما أنت فقد عذرك الله، فلا جهاد عليك) وقال لبنيه: (ما عليكم ألا تمنعوه لعل الله أن يرزقه الشهادة)، فخرج معه فقتل يوم أحد [سنن البيهقي الكبرى (9/24) والسيرة النبوية (2/90)].



وكذلك كان الغلمان يتنافسون في الخروج مع رسول الله صَلى الله عليه وسلم، ويبذلون كل وسيلة يقدرون عليها، لإقناعه صَلى الله عليه وسلم، بأنهم قادرون على الجهاد معه، فإذا فاز أحدهم بصفةٍ أذن له بسببها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثب الآخر محتجاً بصفة أخرى يرى أنها تؤهله للإذن بالجهاد، اكثر من أخيه.



قال ابن هشام: "وأجاز رسول الله صَلى الله عليه وسلم يومئذٍ – أي يوم أحد – سَمُرة بن جندب الفَزَاري، ورافع بن خديج أخا بني الحارثة، وهما أبناء خمس عشرة سنة، وكان قد ردهما، فلما أجاز رافعاً، قيل له يا رسول الله فإن سمرة يصرع رافعاً فأجازه، ورد رسول الله صَلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد وعبد الله بن عمر بن الخطاب" [السيرة النبوية (2 / 66)].



وروى ابن جرير في تفسير آية: {انفروا خفافاً وثقالاً} [التوبة: 41] بسنده عن حبان بن زيد الشرعبي، قال: "نفرنا مع صفوان بن عمرو، وكان والياً على حمص قِبَل الأفسوس إلى الجراجمة، فلقيت شيخاً كبيراً هَمًّا، قد سقط حاجباه على عينيه، من أهل دمشق على راحلته فيمن أغار، فأقبلت عليه فقلت: يا عم لقد عذر الله إليك، قال: فرفع حاجبيه فقال: يا ابن أخي استنفرنا الله خفافاً وثقالاً، من يحبه الله يبتليه ثم يعيده فيبقيه، وإنما يبتلي الله من عباده من شكر وصبر وذكر ولم يعبد إلا الله" [جامع البيان عن تأويل آي القرآن (10/138)].



والخلاصة: أن غير القادر على مباشرة الجهاد شرعاً أو طبعاً لا حرج عليه، بل له ثواب نيته وهو قاعد، إذا حسنت نيته ونصح لله ورسوله، وأن قوة الإيمان تنسي صاحب العذر عذره، فيكلف نفسه الخروج والقتال طمعاً في الشهادة ونيل رضا الله ودخول جناته.





السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13467501

عداد الصفحات العام

729

عداد الصفحات اليومي