﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (04) سافر معي في المشارق والغارب :: (24) أثر الترية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (03) سافر معي في المشارق والمغارب :: (023) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(0130)الجهاد في سبيل الله-الفصل الثاني: وجوب السعي إلى إقامة الخلافة الإسلامية

(0130)الجهاد في سبيل الله-الفصل الثاني: وجوب السعي إلى إقامة الخلافة الإسلامية


إن المسلمين بدون خلافة كالأطفال! الذين فقدوا آباءهم في الصغر، ولم يجدوا من يعطف عليهم ويرعاهم ويحسن تربيتهم، بل وجدوا من يقسو عليهم ويجيعهم ويذلهم، إن هؤلاء الأطفال يكبرون وقلوبهم قد ملئت حقداً وكراهية ورعباً من كل شيء، ألفت نفوسهم الذلة والمهانة والتشرد وعدم المبالاة.


الخلافة الإسلامية لا غنى للأمة الإسلامية عنها، لأنها من أعظم وسائل تحقيق الوحدة الكاملة للمسلمين وجمع طاقاتهم كلها في اتجاه واحد.. تشعر جميع الشعوب والأفراد في ظل الخلافة الإسلامية، بأنهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، مهما تباعدت الأوطان واختلفت الأجناس وتعددت اللغات وتباينت الألوان.. لأنهم كلهم يعيشون في ظل علم واحد شعاره : لا إله إلا الله محمد رسول الله، ومنهجهم واحد وهو كتاب الله وسنة رسوله صَلى الله عليه وسلم..



وإمامهم واحد وهو الخليفة المسلم المستكمل للشروط الشرعية، أو ما أمكن منها، يشتركون كلهم في السراء والضراء، يقتسمون الخيرات التي أنعم الله بها عليهم أينما كانت من بلادهم، ويتعاونون على البر والتقوى، لا يشعر أحد منهم بغربة إذا انتقل من بلد إلى آخر لأنه بلده أيضاً، عدوهم واحد وجيشهم واحد، وهم يد على من سواهم.



وإذا كانت الأمم كلها لا تستغني عن راع يرعاها ويدبر شؤونها، ويفصل في نزاعها بالعدل والنظام اللذين تتعارف عليهما أي أمة، وإلا كانت بدون ذلك الراعي همجية فوضوية، يعتدي كل فرد على الآخر أو كل مجموعة منها على مجموعة أخرى بلا رادع ولا زاجر.. إذا كانت أمم الأرض كلها لا تستغني عن ذلك، فكيف يستغني المسلمون عن راع عام يرعى مصالحهم ويدبر شؤونهم، على منهج الله الذي أنزله ليطاع وينفذ، وتساس الأمة الإسلامية به في سلمها وحربها، وفي سلوكها واقتصادها، وسياستها وصلات بعضها ببعض.. لذلك كان السعي لإيجاد منصب الخلافة فرض على هذه الأمة، لا يستقيم أمرها بدونه. قال ابن تيمية رحمه الله: "وكل بني آدم لا تتم مصلحتهم، لا في الدنيا ولا في الآخرة، إلا بالاجتماع والتعاون والتناصر، فالتعاون على جلب منافعهم والتناصر لدفع مضارهم.. ولهذا يقال : الإنسان مدني بالطبع، فإذا اجتمعوا، فلا بد لهم من أمور يفعلونها يجتلبون بها المصلحة، وأمور يجتنبونها لما فيها من المفسدة، ويكونون مطيعين للآمر بتلك المقاصد والناهي عن تلك المفاسد، فجميع بني آدم لا بد لهم من طاعة آمر وناه..." إلى أن قال: "وإذا كان لا بد من طاعة آمر وناه فمعلوم أن دخول المرء في طاعة الله ورسوله خير له". [الفتاوى (28/62)].



وقال في موضع آخر محتجاً على وجوب الإمارة صغرت أم كبرت، بل على أن الولاية كلما كانت أعظم كانت أوجب، وأعظم إمارة في الإسلام هي الخلافة أو الإمامة العظمى.. قال: "يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس، حتى قال النبي صَلى الله عليه وسلم: (إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم) [رواه أبو داود، من حديث أبي سعيد الخدري، برقم (2608) والحديث صحيح، راجع نيل الأوطار للشوكاني (9/157)]. وروى الإمام أحمد في المسند: عن عبد الله بن عمرو أن النبي صَلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا عليهم أحدهم). [مجموع الفتاوى (2/177) مسند أحمد برقم (6647)].



فأوجب صَلى الله عليه وسلم تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر تنبيهاً بذلك على سائر أنواع الاجتماع، ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة.. وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد ونصر المظلوم وإقامة الحدود لا تتم إلا بالقوة والإمارة.. ولهذا روى: (إن السلطان ظل الله في الأرض) ويقال: (ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة بلا سلطان)... إلى أن قال: (فالواجب اتخاذ الإمارة دينا وقربة يتقرب بها إلى الله، فإن التقرب إليه فيها بطاعته، وطاعة رسوله من أفضل القربات) [مجموع الفتاوى (28/390-391)].



ولما كانت الخلافة الإسلامية لا غنى عنها، ولا حياة مستقيمة للأمة الإسلامية إلا بها، أجمع المسلمون على وجوب القيام بها وتأثيم كل قادر على القيام بها من أهل الاختيار ومن أهل الخلافة إذا لم يسعوا لإقامتها..قال الماوردي رحمه الله: "الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وعقدها لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع، وإن شذ عنهم الأصم. - إلى أن قال-: "فإذا ثبت وجوب الإمامة ففرضها على الكفاية كالجهاد وطلب العلم، فإذا قام بها من هو من أهلها سقط فرضها عن الكافة، وإن لم يقم بها أحد خرج من الناس فريقان: أحدهما أهل الاختيار حتى يختاروا إماماً للأمة، والثاني أهل الإمامة حتى ينتصب أحدهم للإمامة. وليس على من عدا هذين الفريقين من الأمة في تأخر الإمامة حرج ولا مأثم". [الأحكام السلطانية ص5-6].



ومن هنا كان اهتمام أصحاب رسول الله صَلى الله عليه وسلم الأمر، إذ تركوا تجهيز رسول الله صَلى الله عليه وسلم وهو مسجى على سريره وقد فارق الحياة الدنيا، ولم يدفنوه إلا بعد أن بايع المسلمون أبا بكر رضَي الله عنه خليفة له صَلى الله عليه وسلم.. [راجع البداية والنهاية لابن كثير (5/244) فيما بعدها، والكامل لابن الأثير (2/325)].وقد اشتمل حديث ابن عباس على ما دار بين الصحابة في هذا الأمر في سقيفة بني ساعدة.. [راجع جامع الأصول (4/90-96)].



وليس المراد مجرد إقامة الخلافة فحسب، بل يجب كذلك أن يكون خليفة المسلمين واحداً فقط، ولذلك أمر الرسول صَلى الله عليه وسلم المسلمين أن يقتلوا من طلب الخلافة بعد أن بويع غيره بها، حرصاً على وحدة الجماعة بوحدة القيادة..كما في حديث أبي سعيد الخدري رضَي الله عنه قال: "قال رسول الله صَلى الله عليه وسلم: (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما)". [مسلم (3/1480)]. وفي حديث عرفجة قال: "سمعت رسول الله صَلى الله عليه وسلم يقول: (من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه) [نفس المصدر (3/1480)].

وفي رواية: (إنه ستكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائناً من كان). [نفس المصدر (3/1479)].



وفي حديث أبي هريرة رضَي الله عنه: عن النبي صَلى الله عليه وسلم قال: (كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي وستكون خلفاء …..) قالوا: فما تأمرنا؟ قال: (…… ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم). [نفس المصدر 1471]. وفي هذا الحديث أمر بحق الأول وهو الوفاء ببيعته، وفي الحديثين الذين قبله أمر بما يجب في حق الآخر وهو قتله. وفي ذلك غاية الحرص على وحدة الأمة بوحدة الراعي العام.



وقد ذكر عمر بن الخطاب رضَي الله عنه أصحاب رسول الله صَلى الله عليه وسلم في اليوم التالي لوفاة رسول الله صَلى الله عليه وسلم بما يعصمهم من الزلل ويجمع كلمتهم.. وهما أمران:



الأول: التمسك بمنهج الله الذي هو باق إلى قيام الساعة، وإن كان رسول الله صَلى الله عليه وسلم انتقل إلى الرفيق الأعلى..



والثاني: الخليفة الواحد (وحدة القيادة).. فقال رضَي الله عنه: "وإن يكن رسول الله صَلى الله عليه وسلم قد مات، فإن الله جعل بين أظهركم نوراً تهتدون به، به هدى الله محمد صَلى الله عليه وسلم فاعتصموا به تهتدوا بما هدى الله به محمداً.. وإن أبا بكر صاحب رسول الله صَلى الله عليه وسلم وثاني اثنين، وإنه أولى الناس بأموركم فقوموا إليه فبايعوه، وكانت طائفة منهم قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة، وكانت بيعة العامة عند المنبر". [البخاري رقم الحديث 7219، فتح الباري (13/206)]..



وفي فعل عمر هذا - أي دعوة عامة الصحابة لمبايعة أبي بكر رضَي الله عنه بعد أن بايعه بعضهم في السقيفة - تدارك لما حصل من بيعة أبي بكر على غير مشورة كاملة، وقد صرح عمر رضَي الله عنه بذلك..كما في حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وفيه: "قال عمر: وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمرنا أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلاً منهم بعدنا، فإما تابعناهم على ما لا نرضى، وإما أن نخالفهم فيكون فساد، فمن بايع رجلاً على غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا". [البخاري رقم6830، فتح الباري (12/144)].



أراد عمر رضَي الله عنه أن يظهر السبب في الإسراع ببيعة أبي بكر، وعدم التريث إلى أن يجتمع أهل الحل والعقد كلهم لمبايعته، كما هو الأصل وقد تداركه بالدعوة إلى البيعة العامة في اليوم الثاني.. وأن ما فعله هو وبعض الصحابة من المبايعة في السقيفة، لا يجوز اتخاذه أصلاً وقدوة، لأنه كان لضرورة رأوها رضَي الله عنه. واستمر اهتمام الصحابة رضي الله عنهم بهذا الأمر العظيم لفقههم مضمون نتائجه..فقد استخلف أبو بكر عند وفاته عمر.. بعد أن شاور بعض الصحابة، وسألهم: هل هم راضون باختياره؟ فأجابوه: نعم وعهد عمر عند وفاته إلى ستة من كبار أصحاب رسول الله صَلى الله عليه وسلم، وهم علي وعثمان والزبير وطلحة وسعد وعبد الرحمن، وانتهت مشورتهم إلى بيعة عثمان ر رضَي الله عنه قال الحافظ ابن حجر: "فعينهم ومكنهم من المشاورة في ذلك والمناظرة فيه، لتقع ولاية من يتولى بعده عن اتفاق من معظم الموجودين حينئذ ببلده التي هي دار الهجرة وبها معظم الصحابة، وكل من كان ساكناً غيرهم في بلد غيرها كان تبعاً لهم فيما يتفقون عليه". [فتح الباري (7/69)].



ولا يظنن ظان أن المشورة اقتصرت على هؤلاء الستة فقط، بل كانت المشورة عامة استمرت ليالي وعبد الرحمن الذي تنازل هو عن الأمر، يشاور الناس والناس يشاورونه..

كما قال المسور بن مخرمة: "طرقني عبد الرحمن بعد هجع من الليل، فضرب الباب حتى استيقظت فقال: أراك نائماً، فوالله ما اكتحلت هذه الثلاث بكثير نوم، انطلق فادع الزبير وسعدا فدعوتهما له، فشاورهما ثم دعاني فقال: ادع لي علياً فدعوته فناجاه حتى ابهارَّ الليل ثم قام علي من عنده...



ثم قال: ادع لي عثمان فدعوته فناجاه حتى فرق بينهما المؤذن بالصبح، فلما صلى الناس الصبح واجتمع أولئك الرهط عند المنبر، فأرسل إلى من كان حاضراً من المهاجرين والأنصار وأرسل إلى أمراء الأجناد - وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر -.



فلما اجتمعوا.. تشهد عبد الرحمن ثم قال: أما بعد يا علي إني قد نظرت في أمر الناس، فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعلن على نفسك سبيلاً فقال: أبايعك على سنة الله وسنة رسوله والخليفتين من بعده فبايعه عبد الرحمن وبايعه الناس: المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون". وقبل ذلك قال المسور: "ومال الناس على عبد الرحمن يشاورونه تلك الليالي…". [البخاري رقم7207 فتح الباري (13/193)].

قال الحافظ: "وفيه أن من أسند إليه ذلك يبذل وسعه في الاختيار ويهجر أهله وليله اهتماماً بما هو فيه حتى يكمله.." [فتح الباري (13/199)].



وإن الخلافة الإسلامية لهي قمة الوحدة الإسلامية التي تعيد للمسلمين الروح الجهادية الحقة، التي فقدوها بفقد محافظتهم على أصول وحدتهم وفروعها، وقد نوه الرسول صَلى الله عليه وسلم بهذا المعنى.. وهو أن الخلافة تحافظ - على روح الجهاد في نفوس المسلمين..كما في حديث أبي هريرة رضَي الله عنه: "عن النبي صَلى الله عليه وسلم قال: (إنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به، فإن أمر بتقوى الله عز وجل وعدل كان له بذلك أجر، وإن يأمر بغيره كان عليه منه)". [مسلم (3/1471)].



ولما كانت الخلافة قمة الوحدة الإسلامية التي تكسب المسلمين في جميع أنحاء الأرض القوة والمنعة والعزة، وتجعل الفرد المسلم الضعيف بنفسه قوياً بأمته..وتجعل الأمة الإسلامية ذات مهابة ورعب في قلوب أعداء الله، تغزوهم في عقر دارهم ولا يجرؤون هم على غزوها، وتخضعهم لكلمة الله وسلطانه وتردعهم عن استعباد رعاياهم وظلمهم - لما كانت الخلافة كذلك - كبر على أهل الكفر وجودها واستمرارها، وقد رأوا عظمتها ومنعة المسلمين به، منذ بدأت رايتها ترتفع على وجه الأرض.. لأن الإسلام ينتشر كل يوم ويقوى والكفر يتقلص ويضعف، والناس يدخلون في دين الله أفواجاً، لما يرون من محاسن الإسلام التي تطبق في واقع الحياة من أمة قوية الجانب، تخرج الناس من الظلمات إلى النور، وترفع عنهم ظلم الطغاة وتمتعهم بعدل الإسلام..



إذا استصرخ الضعيف في شرق الدنيا من ظلم نزل به.. أجابته سيوف المجاهدين من غربها، إذا دعا داعي الخليفة إلى النفير العام، تسابق الرجال والنساء والشيوخ والصبيان الى ساح الوغى كل فيما يقدر عليه. يحمي أطراف أرض الخلافة المرابطون، ويفتح أرض الكفر الغزاة المجاهدون، تجبى خيرات الأرض كلها إلى الأمة الإسلامية زكاة وغنيمة وخراجاً وجزية..



لما كانت الخلافة الإسلامية تعطي المسلمين هذا العطاء وتكسبهم هذه القوة، وتذل لهم جبابرة الكفر وطغاة الأرض، لم يخف أعداء الإسلام خطرها على عروشهم ومعاقل ظلمهم، فكانت أشد أعمدة الإسلام غيظاً لهم هي وما يمت إليها بصلة تزداد بها قوة من وسائل وحدتهم، كالحج فأخذوا يكيدون لها ويدبرون التدابير الماكرة للقضاء عليها وهدمها..



وكان أول كيد ظهر ضد الخلافة الإسلامية كيد اليهودي الماكر عبد الله بن سبأ الذي أقض مضجعه ومضجع إخوانه استقرار الأمة الإسلامية وقوتها وتوسيع دائرة الدعوة إلى الله بها في أرض الله..فأخذ يدس الدسائس وينشر الفتن في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه، الذي راح ضحية ذلك الدس وتلك الفتن التي انطلت على من ضعف إيمانه وضعفت بصيرته.. وكان ذلك فتحاً لباب الفتن والتفرق والمصائب على المسلمين". [راجع البداية والنهاية لابن كثير (7/167)].



ولكن وحدة قيادة المسلمين استمرت بعد ذلك حتى بعد انتهاء الخلافة الراشدة بوفاة علي رضَي الله عنه ، وبدء الحكم الملكي من عهد معاوية رضَي الله عنه، وكانت هذه القيادة تقوى وتضعف حسب التمسك بالإسلام قوة وضعفاً..



وكادت حوادث التتار تقضي على تلك الوحدة، ولكن الله سلم فاستمرت إلى آخر ملوك الأتراك من آل عثمان السلطان عبد الحميد الثاني، الذي وَرِث دولة منهارة في الثقافة والعلم والاقتصاد والصناعة والتجارة والزراعة والنواحي الاجتماعية والسياسية، بسبب سوء تدبير من سبقه من ولاة الأمر وبعض العلماء..



وكان التفكك قد دب في الشعوب الإسلامية، وكان أعداء الإسلام من اليهود و النصارى ومن تربى في أحضانهم يخططون للقضاء على الخلافة التي لم يبق إلا اسمها.. والسلطان يقف في وجه ذلك التخطيط الماكر وينذر قومه بخطره، ولكن الحملة ضده كانت شديدة، وبث الدعاية كان واسعاً، وتحالف الكفرة من اليهود والنصارى والمنافقين في الدولة كان دقيقاً محكماً..



وسعى اليهود والنصارى معاً لإخضاع السلطان لمطالبهم، فوقف مثل الجبل الأشم لا تلين له قناة ولا يطأطأ رأس، وكان من مطالب اليهود أن يأذن لهم بالهجرة إلى فلسطين أرض ميعادهم كما يزعمون، ووعدوه بمكافأة مغرية من الذهب الذي اعتادوا شراء الذمم به..

وكان في أشد الحاجة إلى المال، بسبب الديون التي أثقلت كاهل دولته فما كان منه إلا أن أخرج المفاوض اليهودي صاغراً..



وقد قال السلطان في مذكراته السياسية في هذا الصدد: "لليهود قوة في أوربا أكثر من قوتهم في الشرق، لهذا فإن أكثر الدول الأوربية تحبذ هجرة اليهود إلى فلسطين لتتخلص من العرق السامي الذي زاد كثيراً، ولكن لدينا عدد كاف من اليهود.. فإذا كنا نريد أن نبقي العنصر العربي متفوقاً علينا أن نصرف النظر عن فكرة توطين المهاجرين في فلسطين، وإلا فإن اليهود إذا استوطنوا أرضاً تملكوا كافة قدراتها خلال وقت قصير..



وبذا نكون قد حكمنا على إخواننا في الدين بالموت المحتم، لن يستطيع رئيس الصهاينة (هرتزل) أن يقنعني بأفكاره، وقد يكون قوله: ـ ستحل المشكلة اليهودية يوم يقوى فيه اليهودي على قيادة محراثه بيده ـ صحيحاً في رأيه لكنه ينسى أن الذكاء ليس كافياً لحل جميع المشاكل. لن يكتفي الصهاينة بممارسة الأعمال الزراعية في فلسطين، بل يريدون أموراً أخرى مثل تشكيل حكومة وانتخاب ممثلين، إنني أدرك أطماعهم جيداً، لكن اليهود سطحيون في ظنهم أنني سأقبل بمحاولاتهم..وكما أني أقدر في رعايانا من اليهود خدماتهم لدى الباب العالي، فإني أعادي أمانيهم وأطماعهم في فلسطين". [السلطان عبد الحميد الثاني مذكراتي السياسية ص34-35].



فكانت نتيجة هذا الموقف الإسلامي الرائع، أن اشتدت المؤامرة اليهودية الصليبية، في الجمعية المعروفة بجمعية الاتحاد والترقي التي أصر رؤساؤها - بعد أن أصبحت القوة بأيديهم - فطلبوا منه الموافقة على تأسيس وطن قومي لليهود ووعدوه بتقديم خمسين ومائة مليون ليرة ذهبية.. فقال: "إنكم لو دفعتم لي ملء الدنيا ذهباً - فضلاً عن 150 مائة وخمسين مليون ليرة إنكليزية ذهباً - فلن أقبل بتكليفكم هذا بوجه قطعي، لقد خدمت الملة الإسلامية والأمة المحمدية ما يزيد على ثلاثين سنة، فلم أسود صحائف المسلمين آبائي وأجدادي من السلاطين والخلفاء العثمانيين..

لهذا لن أقبل تكليفكم بوجه قطعي أيضاً.."



قال: "وبعد جوابي القطعي اتفقوا على خلعي وأبلغوني أنهم سيعيدونني إلى سلانيك فقبلت بهذا التكليف الأخير، وهذا وقد حمدت المولى وأحمده أنني لم أقبل بأن ألطخ الدولة العثمانية والعالم الإسلامي بهذا العار الأبدي الناشئ عن تكليفهم بإقامة دولة يهودية في الأراضي المقدسة، فلسطين وقد كان بعد ذلك ما كان". [نفس المصدر السابق ص37].



نعم لم يقبل السلطان أن يستوطن اليهود في فلسطين، لأن ذلك عار على الدولة والمسلمين، وكان عبد الحميد غير عربي ولكنه مسلم..أما دعاة القوميات الذين انسلخوا من إسلامهم، مثل العصابة التي ثارت على السلطان –وتبعهم القوميون العرب - فقد سلموا اليهود أرض فلسطين بدون خجل ولا حياء بل إنهم لازالوا يتزحزحون لهم عن أراضي أخرى غير فلسطين..!!



وقد شاهدنا بأم أعيننا العواقب الوخيمة التي حذر منها السلطان عبد الحميد، من استيطان اليهود في الأرض المباركة فلسطين.ولا يُدرَى ماذا سيجري في المستقبل إن لم يهيئ الله للمسلمين من ينقذهم من هذا الذل الذي هم فيه؟ وهذه المحاولات الجادة لإسقاط أعداء الله الخلافة الإسلامية سبقها وعي كامل عندهم وتوعية شاملة بخطرها وأنها ركن وحدة المسلمين..قال لوثروب ستودارد الأمريكي: "إن الوحدة الإسلامية قائمة على ركنين هما أساساها ولا ثالث لهما: الحج إلى بيت الله الحرام في مكة المكرمة والخلافة..".. [حاضر العالم الإسلامي (1/289)].



وقد أدرك عقلاء المسلمين وعلماؤهم تدبير الكفرة لإسقاط الخلافة وسعيهم لهدمها، وقد نقل مُحمد محمد حسين عن مصطفى كامل نموذجاً لهذا الإدراك والتحذير مما يبيتونه للخلافة وسبب ذلك.. فقال: "ويقول - يعني مصطفى كامل - في سعي إنجلترا لهدم الخلافة التركية وتعضيدهم لكل خارج عليها: "وقد علمت إنجلترا أن احتلالها لمصر كان ... سبباً للعداوة بينها وبين الدولة العلية، وأن المملكة العثمانية لا تقبل مطلقاً الاتفاق مع إنجلترا على بقائها في مصر، ولذلك رأت إنجلترا أن بقاء السلطنة العثمانية يكون عقبة أبدية في طريقها ومنشأ للمشاكل والعقبات في سبيل امتلاكها مصر..



وإن خير وسيلة تضمن لها البقاء في مصر ووضع يدها على وادي النيل، هي هدم السلطنة العثمانية ونقل الخلافة الإسلامية إلى أيدي رجل يكون تحت وصاية الإنكليز وبمثابة آلة في أيديهم، ولذلك أخرج ساسة بريطانيا مشروع الخلافة العربية مؤملين به استمالة العرب لهم وقيامهم بالعصبيات في وجه الدولة العلية..."



إلى أن قال: "والذي يبغض الإنكليز على الخصوص في جلالة السلطان الحالي، هو ميله الشديد إلى جمع كلمة المسلمين حول راية الخلافة الإسلامية، ومن ذلك يفهم القارئ سبب اهتمام الإنكليز بالأفراد القليلين الذين قاموا من المسلمين ضد جلالة السلطان الأعظم وسبب مساعدتهم لهم بكل ما في وسعهم". [الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر (1/24)].



ولقد حقق الكفرة أكبر أمنية يحلمون بها، وهي تنحية الخلافة الإسلامية والقضاء على آخر صورة لها في الأرض، منذ أكثر من ثلاثة عشر قرناً وقفت فيه صخرة تكسرت فيها قرون أعدائها. وانقسمت الأمة الإسلامية إلى شعوب ودويلات، بل إلى قرى سميت إمارات، وأخذ الأعداء يتقاسمون التركة التي لم يصنها أهلها..وتعددت الأعلام، كل علم رفع على قطعة من الأرض، له شعاره الخاص الذي تبذل المحاولات الجادة من قبل رجال دولته لإقناع الكتلة البشرية التي رفع فوق رؤوسها بالولاء له واحترامه والذود عن حماه..



ولكن كل علم رفع فوق نظام يعادي الإسلام والحكم بالقرآن، من طبيعته أن يظلم حكامُه ويستبدوا ويستأثروا بالخيرات، ويحولوا بين غيرهم وبين التمتع بما يتمتعون.. والناس لا يرون لهم حقاً في ذلك، لأنهم إنما يحكمون بأهوائهم ويتمتعون بشهواتهم تمتعاً غير مشروع، فأخذ المحروم يدبر المؤامرات لمن حرمه ويدس له الكيد، فإذا سنحت أية فرصة وثب عليه فضربه ضربة قاصمة وفاقه في الاستبداد والظلم والاستمرار.. وهكذا دواليك حتى أصبحت الشعوب الإسلامية تتصارع، كل شعب يصارع الآخر،بل أصبح الناس في كل شعب يتحزبون كل حزب يحاول القضاء على الآخر..



والعدو يغذي فيهم نار الحقد والعداء ويصنع لهم السلاح الذي يضرب به بعضهم بعضاً، وينهب خيراتهم ويحتل أرضهم ويغزوهم في عقر دارهم.. وهم لا يزيدون على أن يشكوا بثهم وحزنهم من هذا العدو إلى عدو آخر، يمده بالسلاح والمال ويدعمه سياسياً واقتصادياً، ويأذن له بالعدوان فإذا اعتدى وشكا منه المنتسبون إلى الإسلام أعلن احتجاجه في الإذاعة أو الصحافة وانتهى الأمر عند ذلك.



فإذا أراد المسلمون أن تعود إليهم روح الجهاد الذي رفع شأنهم من قبل، فعليهم أن يسعوا إلى وحدتهم وائتلافهم وجمع كلمتهم تدريجياً إلى أن يصلوا إلى قمة الوحدة الإسلامية، المفروضة عليهم الآن كلهم فرض عين.. لعدم قيام جماعة كافية بهذا الفرض ألا وهي الخلافة الإسلامية.. وإذا لم يفعلوا فإنهم سيبقون مثل قطعان الغنم التي لا راعي له يحميه، تأكله الذئاب واحدة بعد الأخرى..



{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 102ـ105].





السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13467446

عداد الصفحات العام

674

عداد الصفحات اليومي