﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (04) سافر معي في المشارق والغارب :: (24) أثر الترية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (03) سافر معي في المشارق والمغارب :: (023) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(0131)الجهاد في سبيل الله-الفرع الثاني: إنزال الرعب في قلوب الأعداء

(0131)الجهاد في سبيل الله-الفرع الثاني: إنزال الرعب في قلوب الأعداء


لا عزة للمسلمين مع وجود عزة الكافرين في الأرض، لأن الإسلام الذي هو الحق وما عداه الباطل، لا يقبل أن يرى الكفر قوياً عزيز الجانب..، وهو ضعيف يستهين به أعداؤه، والكفر الذي هو باطل لا يقبل كذلك أن يتخلى عن قوته للإسلام، بل إنه يعد العدة ويبذل جهده للقضاء على الإسلام والمسلمين..يدل على هذا واقع أهل الحق مع أهل الباطل في كل العصور، وإن حاول ناس طمس الحقائق، وتضليل المسلمين.



والمسلمون لا ينالون العزة لأنفسهم إلا بإضعاف عدوهم، وإضعافه لا يكون إلا بالجهاد في سبيل الله.. لذلك كان من ثمرات الجهاد في سبيل الله القضاء على شوكة الكفار وإضعافهم وإنزال الرعب في قلوبهم وتطهير الأرض من سيطرتهم، وليس من وجودهم في الأرض، فالحق والباطل موجودان من أول الخليقة، وسيبقيان كذلك إلى أن تقوم الساعة.



وشواهد التاريخ على هذه القاعدة لا تحصى كثرة، ويكفي من أراد الوقوف عليها أن يطالع أوثق مصدر بقي على وجه الأرض، وهو القرآن الكريم فيما قصه الله سبحانه من قصص الأنبياء وأتباعهم مع أعداء الله الكافرين، من عهد نوح عليه السلام إلى محمد صَلى الله عليهم وسلم، وذلة المسلمين اليوم بسبب ضعفهم لأعدائهم الأقوياء من أعظم الأدلة، على ذلك.



فإن الكافرين لا يرضون أن يهادنوا المسلمين، ولو أراد المسلمون أن يهادنوهم فترة من الفترات، إلا إذا ألجأت أولئك الكفارَ الضرورةُ التي إذا زالت نكثوا عهودهم ومواثيقهم، ولم يراعوا في المسلمين إذا قدروا على إيذائهم عهداً ولا قرابة..كما قال تعالي: {كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاً وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ} [التوبة:8]. وقال: {لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاً وَلا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ} [التوبة:10]. وقال: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ} [البقرة:120].


لهذا كان الجهاد في سبيل الله هو الفيصل بين المسلمين وأعدائهم، لأنه يثمر- بإذن الله - القضاء على قوة الكفر وإذلال طغاته وخزيهم وإلقاء الرعب في قلوبهم، وتطهير أرض الإسلام من رجسهم وجعل أرضهم وأموالهم ورقابهم غنيمة للمسلمين المجاهدين.. كما قال تعالى: {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَأُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً} [الأحزاب:25-27].


ورتب سبحانه على أمره المؤمنين بقتال الكافرين، تعذيبَ أعداء الله وخزيَهم، ونصرَ المجاهدين عليهم وشفاءَ صدور المؤمنين الذين أوغر أعداءُ الله صدورَهم، وإذهابَ غيظ قلوبهم بما يدخل عليها من السرور بكسر شوكة أعداء الله والقضاء على قوتهم..كما قال تعالى: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة:14-15].



ولولا الجهاد في سبيل الله لكان خلفاء أبي جهل يسيطرون على بيت الله الحرام إلى الآن، ولولا الجهاد في سبيل الله ما أنزل ذلك الذل بصناديد الكفر في بدر التي ذلت فيها رقاب الكفرة الطغاة المتجبرين، للذين كانوا يُستَضعَفون في مكة، من أمثال بلال وابن مسعود.



ومن كان يظن أن ابن مسعود "الأكار" الذي كان مستضعفاً في مكة يمسك بلحية زعيم كبير زعماء الكفر، كأبي جهل، وهو يتمرغ في التراب ويتشحط في دمائه، ويقول له يا عدو الله يا أبا جهل! ويضربه بسيفه فلم يغن شيئاً فيناوله أبو جهل سيفه ليجتز به رأسه حتى لا يبقى معذباً؟



ومن كان يظن أن أمية بن خلف – أحد قادة الكفر والفتنة والتعذيب الذي آذى بلال الحبشي الضعيف إيذاءً شديداً في مكة - سيبرك تحت من يجيره من بلال وينال حتفه وهو صاغر مهين؟



عن أنس رضَي الله عنه قال: "قال رسول الله صَلى الله عليه وسلم يوم بدر: (من ينظر لنا ما صنع أبو جهل) فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد، قال فأخذ بلحيته، فقال: أنت أبو جهل...؟ فقال: وهل فوق رجل قتلتموه.. وفي رواية: فلو غير أكار قتلني. [البخاري، برقم (3795) ومسلم، برقم (1800) الأكار هو الفلاح.. قال عدو الله ذلك استصغاراً لابن مسعود واستعظاماً لنفسه التي ما كان يتوقع أن فلاحاً يقضي عليها.. راجع تعليق ابن كثير على قتل أبي جهل وما فعله به عبد الله بن مسعود في البداية والنهاية (3/296)].



وعن عبد الرحمن بن عوف رضَي الله عنه قال: "كاتبت أمية بن خلف كتاباً أن يحفظني في صاغيتي بمكة، واحفظه في صاغيته بالمدينة… فلما كان يوم بدر خرجت إلى جبل لأحرزه من القتل، فأبصره بلال فخرج حتى وقف على مجلس من مجالس الأنصار، فقال: يا معشر الأنصار.. أمية بن خلف لا نجوت إن نجا أمية..فخرج معه فريق من الأنصار في آثارنا، فلما خشيت أن يلحقونا خلفت لهم ابنه لأشغلهم به فقتلوه، ثم أتونا حتى يتبعونا وكان أمية رجلاً ثقيلاً، فلما أدركونا قلت له: ابرك فبرك فألقيت عليه نفسي لأمنعه، فتخللوه بالسيوف من تحتي حتى قتلوه فأصاب أحدهم رجلي بسيفه".. وكان عبد الرحمن يرينا ذلك الأثر في ظهر قدمه، وفي رواية: فلما كان يوم بدر حصل لي درعان فلقيني أمية فقال: خذني وابني، فأنا أخير لك من الدرعين أفتدي منك فرآه بلال فقال: أمية رأس الكفر! لا نجوت إن نجا أمية فقتلهما، فكان ابن عوف يقول: يرحم الله بلالاً، فلا درعي ولا أسيري". [صحيح البخاري، برقم (2179) قال الحافظ: "الصاغية بصاد مهملة وغين معجمة خاصة بالرجل، مأخوذ من صغى إليه إذا مال. قال الأصمعي: صاغية الرجل كل من يميل إليه ويطلق على الأهل والمال. الفتح (4/480)].



ومن كان يظن لولا الجهاد في سبيل الله، أن يخزي الله صناديد قريش ذلك الخزي الذي نزل بهم في بدر، حيث قتلوا وسحبوا جيفاً مثل الكلاب، ليلقوا في بئر من آبار بدر خبيث مخبث.. ثم يقف عليهم رسول الله صَلى الله عليه وسلم فيناديهم بأسمائهم مبكتاً لهم على ما جنوا على أنفسهم؟. كما في حديث أبي طلحة رضَي الله عنه قال: "لما كان يوم بدر وظهر عليهم نبي الله صَلى الله عليه وسلم، أمر ببضعة وعشرين رجلاً... من صناديد قريش، فألقوا في طوي من أطواء بدر خبيث مخبث، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال. فلما كان ببدر اليوم الثالث، أمر براحلته فشد عليها رحلها، ثم مشى واتبعه أصحابه، قالوا: ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته حتى قام على شفة الركي فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم : (يا فلان بن فلان ويا فلان بن فلان أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله، فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً ؟)..



فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟ فقال النبي صَلى الله عليه وسلم: (والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم). قال قتادة: "أحياهم الله حتى أسمعهم قوله، توبيخاً وتصغيراً ونقمة وحسرة وندماً". [صحيح البخاري، برقم (3757)]



ولولا الجهاد في سبيل الله لما رجع الرسول - صَلى الله عليه وسلم إلى بلده مكة التي أوذي فيها هو وأصحابه، وهاجروا منها مكرهين لإقامة دينهم..لولا الجهاد ما رجع إليها صَلى الله عليه وسلم منصوراً مظفراً مهاباً، في جيش لجب من أولياء الله المجاهدين من المهاجرين والأنصار، وأعداؤه في أشد الرعب والوجل، مطأطئين رؤوسهم هاربين إلى بيوتهم مستجيرين ببيت الله الحرام..فدخل صَلى الله عليه وسلم مكة وأقام فيها دين الله وطهرها من أرجاس الشرك والمعاصي.



وفي قراءة قصة فتح مكة التي رواها عروة بن الزبير رضي الله عنهما ما يكفي لإظهار هذه الثمرة الطيبة الناتجة عن الجهاد في سبيل الله.. وهي القضاء على شوكة الكفار وإذلالهم وإنزال الرعب في قلوبهم التي لا ينالها المسلمون الا بالجهاد في سبيل الله.



قال عروة بن الزبير رضي الله عنهما: "لما سار رسول الله - صَلى الله عليه وسلم عام الفتح، فبلغ ذلك قريشاً، خرج أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يلتمسون الخبر عن رسول الله صَلى الله عليه وسلم.. فأقبلوا يسيرون حتى أتوا مرَّ الظهران، فإذا هم بنيران كأنها نيران عرفة، فقال أبو سفيان: ما هذه؟ لكأنها نيران عرفة، فقال بديل بن ورقاء: نيران بني عمرو، فقال أبو سفيان: عمرو أقل من ذلك، فرآهم ناس من حرس رسول الله صَلى الله عليه وسلم مروا فأدركوهم فأخذوهم..



فأتوا بهم رسول الله صَلى الله عليه وسلم، فأسلم أبو سفيان، فلما سار قال للعباس: (احبس أبا سفيان عند خطم الجبل حتى ينظر إلى المسلمين، فحبسه العباس، فجعلت القبائل تمر مع النبي صَلى الله عليه وسلم، تمر كَتيبة كتيبة على أبي سفيان.. فمرت كتيبة فقال: يا عباس من هذه؟ قال: هذه غفار، قال: ما لي ولغفار، ثم مرت جهينة فقال مثل ذلك، ثم مرت سعد ابن هذيم، فقال مثل ذلك، ثم مرت سليم فقال مثل ذلك.. حتى أقبلت كتيبة لم ير مثلها، قال: من هذه؟ قال: هؤلاء الأنصار عليهم سعد بن عبادة معه الراية، فقال سعد بن عبادة: يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة، فقال أبو سفيان: يا عباس حبذا يوم الذمار.



ثم جاءت كتيبة وهي أجل الكتائب، فيهم رسول الله صَلى الله عليه وسلم وأصحابه، وراية النبي صَلى الله عليه وسلم مع الزبير.. ولما مر رسول الله صَلى الله عليه وسلم بأبي سفيان قال: (ألم تعلم ما قال سعد بن عبادة؟) قال: ما قال؟ قال: قال: كذا وكذا، فقال: كذب سعد، ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة.. ويوم تكسى فيه الكعبة)
قال: وأمر رسول الله صَلى الله عليه وسلم أن تركز رايته بالحجون..



قال عروة: فأخبرني نافع بن جبير بن مطعم، قال: سمعت العباس يقول للزبير بن العوام: يا أبا عبد الله أههنا أمرك رسول الله صَلى الله عليه وسلم أن تركز الراية؟ قال: نعم، وأمر رسول الله صَلى الله عليه وسلم يومئذ خالد بن الوليد أن يدخل من أعلى مكة من كداء ودخل النبي صَلى الله عليه وسلم من كدي، فقتل من خيل خالد بن الوليد يومئذ رجلان.. [صحيح البخاري، برقم (4030)]. وكان هذا مصداقاً لقول الرسول صَلى الله عليه وسلم في غزوة الخندق: (الآن نغزوهم ولا يغزونا). [صحيح البخاري، برقم (3884)].



إن هذه الكتائب المرعبة لم توجد إلا بالجهاد في سبيل الله الذي تربت عليه خلال ثمان سنوات، وكان الذي يربيها عليه هو رسول الله صَلى الله عليه وسلم الذي باشر معها كثيراً من الغزوات، ووجهها توجيهاً يؤدي بها إلى تلك القمة السامقة من الجندية والطاعة والتضحية متجردة في ذلك كله لله وحده.



وإن تلك الهيبة التي أدخلت في قلوب أهل مكة الرعب وجعلتهم يسلمون ويستسلمون، ويطلبون العفو من رسول الله صَلى الله عليه وسلم، ويغلقون أبوابهم على أنفسهم ما كانت لتوجد لولا الجهاد في سبيل الله. وهكذا كان الجهاد في سبيل الله قاضياً على أعداء الإسلام في الجزيرة العربية كلها في عهد رسول الله صَلى الله عليه وسلم من المشركين واليهود والنصارى.



وقد كانت شوكة اليهود قوية في المدينة، حيث حاكوا المؤامرات على رسول الله صَلى الله عليه وسلم، ونقضوا العهود والمواثيق، فكان الجهاد في سبيل الله هو الفيصل بينه وبينهم، فقتل من يستحق القتل وأسر من يستحق الأسر، وأخرج من يستحق الإخراج، وملكه الله أرضهم وديارهم، ولولا الجهاد في سبيل الله لما كان من ذلك شيء.. كما قال تعالى: {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً * وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَأُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً} [الأحزاب:25-27]. وهذه الآيات نزلت في بني قريظة الذين غدروا بالرسول صَلى الله عليه وسلم وأصحابه في غزوة الأحزاب. [راجع تفسير ابن جرير الطبري (21/149/155)].



وقد نالوا جزاء غدرهم فقتل رسول الله صَلى الله عليه وسلم مقاتلتهم، وسبى ذراريهم وقسم أموالهم،كما في حديث أبي سعيد الخدري رضَي الله عنه، قال: لما نزلت بنو قريظة على حكم سعد هو بن معاذ، بعث رسول الله صَلى الله عليه وسلم وكان قريبا منه، فجاء على حمار، فلما دنا قال رسول الله صَلى الله عليه وسلم: (قوموا إلى سيدكم) فجاء إلى رسول الله صَلى الله عليه وسلم، فقال له: (إن هؤلاء نزلوا على حكمك) قال: فإني أحكم أن تقتل المقاتلة وأن تسبي الذرية. قال: (لقد حكمت فيهم بحكم الملك) [صحيح البخاري، برقم (2878) وصحيح مسلم، برقم (1768)]



و قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ} [الحشر:2]. وهذه الآيات نزلت في بني النضير الغادرين الذين أرادوا اغتيال رسول الله صَلى الله عليه وسلم..



ولولا الجهاد في سبيل الله لما طهرت منهم مدينة رسول الله صَلى الله عليه وسلم، ولما خرجوا يجرون أذيال الهزيمة وخربوا بيوتهم بأيديهم. [راجع قصتهم في تفسير ابن جرير الطبري أول سورة الحشر، وراجع كذلك صحيح البخاري، برقم (4600، وما بعده) والمستدرك للحاكم، برقم (3797) جامع الأصول (8/218) وكذا السيرة النبوية لابن هشام (2/190)].



ولولا الجهاد في سبيل الله الذي أصر عليه الصديق رضَي الله عنه، بعد وفاة رسول الله صَلى الله عليه وسلم، لما قُضِيَ على الردة التي عمت الجزيرة بعد وفاة رسول الله صَلى الله عليه وسلم، ولما أنزل الذل والرعب في قلوب المرتدين من أتباع مسيلمة الكذاب وسجاح وغيرهما". كما في حديث أبي هريرة، قال: "لما توفي رسول الله صَلى الله عليه وسلم، واستخلف أبو بكر بعده، وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صَلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم منى ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله؟ فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صَلى الله عليه وسلم، لقاتلتهم على منعه. فقال عمر بن الخطاب: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله عز وجل قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق" صحيح البخاري، برقم (1335) وصحيح مسلم، برقم (20) وراجع جامع الأصول (8/605)].



قال ابن كثير في قصة مواجهة أبي بكر أعداءه - بني عبس، وبني مرة وذبيان بعد وفاة النبي صَلى الله عليه وسلم: "فكانت هذه الوقعة من أكبر العون على نصر الإسلام وأهله وذلك أنه عز المسلمون في كل قبيلة وذل الكفار في كل قبيلة ورجع أبو بكر إلى المدينة مؤيداً منصوراً سالماً غانماً". [البداية والنهاية (6/314)].



ولقد كانت دولتا فارس والروم مسيطرتين على العالم، لاتساع رقعتهما ولما تتمتعان به من قوة مادية وبشرية وتنظيم إداري ومعارف وعلوم وثقافة.. وكان عدد المسلمين وعدتهم ليسا شيئاً بجانب ما لدى كل واحدة من الدولتين، ولكن المسلمين بالجهاد في سبيل الله أخضعوا طغاة الدولتين وأزالوا عروشهما الظالمة وأذلوا جبابرة حكامهما وأنزلوا الرعب في قلوب أعداء الله..



وفي فترة قصيرة رفرفت راية الإسلام فوق نجودهما ووهادهما وارتفع التكبير في كل صقع من أصقاعهما.. وامتدت رقعة الإسلام من الصين شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً، وأخذت جيوش الإسلام تدك معاقل النصرانية في أوربا وبسطت نفوذهـا على بلدان كثيرة منها..



ولولا الجهاد في سبيل الله لما كان من ذلك شيء وقد كان أهل الكفر يقسمون على عدم زوال ملكهم ما داموا يعيشون، ولكن الله أزال ملكهم بالجهاد في سبيله.. قال ابن كثير: "ثم قدم سعد زهرة بين يديه من كوني إلى نهر شهر فمضى إلى المقدمة وتلقاه شيرزاد إلى ساباط بالصلح والجزية، فبعثه إلى سعد فأمضاه، ووصل سعد بالجنود إلى مكان يقال له مظلم ساباط.. فوجدوا هنالك كتائب كثيرة لكسرى يسمونها بوران، وهم يقسمون كل يوم لا يزول ملك فارس ما عشنا، ومعهم أسد كبير لكسرى، يقال له المقرط قد أرصدوه في طريق المسلمين فتقدم إليه ابن أخي سعد، وهو هاشم بن عتبة فقتل الأسد والناس ينظرون... وحمل هاشم على الفرس فأزالهم عن أماكنهم وهزمهم، وهو يتلو قوله تعالى.. {…أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ} [ابراهيم:44].


- إلى أن قال - في فتح المدائن: "ولما استقل المسلمون على وجه الأرض خرجت الخيول تنفض أعرافها [من ماء النهر الذي خاضوه بها فذلـله الله لهم فكانوا يسيرون فيه كما يسيرون على اليابسة نصراً من الله تعالى لهم..] صاهلة فساقوا وراء الأعاجم حتى دخلوا المدائن فلم يجدوا بها أحداً، بل قد أخذ كسرى أهله وما قدروا عليه من الأموال والأمتعة والحواصل وتركوا ما عجزوا عنه من الأنعام والثياب والمتاع والآنية والألطاف، والأدهان ما لا يدرى قيمته...



فلما جاء سعد بالجيش دعا أهل القصر الأبيض ثلاثة أيام على لسان سلمان الفارسي، فلما كان اليوم الثالث نزلوا منه وسكنه سعد، واتخذوا الإيوان مصلى.. وحين دخله تلا قوله تعالى: {كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ} [الدخان:25-28]. ثم أرسل السرايا في أثر كسرى يزدجرد فلحق بهم طائفة فقتلوهم وشردوهم واستلبوا منهم أموالاً عظيمة.. -إلى أن قال -: فلما جاء قدر الله زالت تلك الأيدي عن تلك الممالك والأراضي وتسلمها المسلمون من أيديهم قسراً وكسروا شوكتهم عنها وأخذوها بأمر الله صافية ضافية.. [البداية والنهاية (7/61-66-67) اختصر المقصود من هذه الصفحات].





السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13467766

عداد الصفحات العام

994

عداد الصفحات اليومي