﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (04) سافر معي في المشارق والغارب :: (24) أثر الترية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (03) سافر معي في المشارق والمغارب :: (023) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(019)الجهاد في سبيل الله - الفرع الثاني: في فضل الجهاد في السنة

(019)الجهاد في سبيل الله - الفرع الثاني: في فضل الجهاد في السنة


حِرْصُ الصحابة على معرفة أفضل الأعمال وممارستها:



لقد كان أصحاب رسول الله – لشدة حرصهم على الإكثار من طاعة الله والاستزادة منها – يسألون رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن أفضل الأعمال التي تُرضي ربهم عنهم، فيجيب على أسئلتهم، وقد تختلف إجابته من شخص لآخر، أو من حالة لأخرى، إذ أن السائل قد ينقصه أداء عمل من الأعمال الصالحة، فيذكره الرسول صلّى الله عليه وسلم حثاًّ على أدائه، وقد يكون المقام يقتضي أداء عمل آخر من الأعمال الصالحة لحاجة المسلمين إليه، فيذكره صلّى الله عليه وسلم حثاً على أدائه، وقد يكون المقام يقتضي أداء عمل آخر من الأعمال الصالحة لحاجة المسلمين إليه، فيذكره صلّى الله عليه وسلم في إجابته حضاً على القيام به.. وهكذا.



سأل ابن مسعود رضي الله عنْه الرسول صلّى الله عليه وسلم، قال: "سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلم: قلت: يا رسول الله أي العمل أفضل؟ قال: (الصلاة على ميقاتها) قلت: ثم أي؟ قال: (ثم بر الوالدين) قلت ثم أي؟ قال: (الجهاد في سبيل الله) فسكت رسول الله صلّى الله عليه وسلم، ولو استزدته لزادني" [البخاري مع فتح الباري (6/3)، ومسلم (1/89)].



فقد جعل الرسول صلّى الله عليه وسلم الجهاد في هذا الحديث في الدرجة الثالثة بعد حق الله، وحق الوالدين.





وفي حديث أبي هريرة رَضي الله عنه، قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: دُلني على عمل يعدل الجهاد، قال: (لا أجده)، قال: (هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك، فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر)؟ قال: ومن يستطيع ذلك؟ قال أبو هريرة: "إن فرس المجاهد ليستنُّ في طِوَله [أي يذهب ويجيء في مَرَحٍ ونشاط وهو مربوط في حبله، الفتح (6/5)]، فيكتب له حسنات" [البخاري رقم الحديث 2785، فتح الباري (6/4)، ومسلم (3/1498)].



هذا الصحابي السائل كان يعلم فضل الجهاد، فأراد – والله أعلم – أن يدله الرسول صلّى الله عليه وسلم على عمل يساويه يستطيع المداومة عليه في غير وقت الحرب. أو أنه إذا عجز عن مباشرة الجهاد الذي علم فضله يأتي بالعمل الذي يعدله وهو يقدر عليه، وفي كلتا الحالتين هو يدلُّ على حرص الصحابة رضِي الله عنهم على زيادة العلم بالأعمال التي لها فضل كبير، ليزاولوها وينالوا من الله ثوابها.



وقد أجابه الرسول صلّى الله عليه وسلم بجوابين، كل منهما يدل على فضل الجهاد العظيم: الجواب الأول قوله: (لا أجده) أي لا أجد عملاً يعدل الجهاد وهو واضح في أفضلية الجهاد على ما سواه من الأعمال.



الجواب الثاني: جواب في صيغة سؤال يؤكد قوله في الجواب الأول: (لا أجده) وهو قوله: (هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك، فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر)؟، وهذا الجواب كذلك يدل على أفضلية الجهاد على ما سواه من الأعمال، لأن القيام المستمر الذي لا فتور معه، والصيام المتواصل الذي لا إفطار معه غير مستطاعَيْن، كما أجاب بذلك السائل رسولَ الله صلّى الله عليه وسلم: (ومن يستطيع ذلك)؟ وأقره الرسول صلّى الله عليه وسلم على هذا الجواب.



وقد نهى هو صلّى الله عليه وسلم عن إجهاد النفس في القيام والوصال في الصيام، وإنما أراد صلّى الله عليه وسلم أن يبين للسائل أن الاستمرار في القيام بالأعمال الصالحة مجتمعة – لو كانت مستطاعة – قد تعدل الجهاد، وفي هذا ما فيه من بيان فضل الجهاد في سبيل الله.



قال الحافظ: "وهذه فضيلة ظاهرة للمجاهد في سبيل الله تقتضي ألاَّ يعدل الجهادَ شيء من الأعمال"، وقال أيضاً: "قال القاضي عياض: اشتمل حديث الباب على تعظيم أمر الجهاد، لأن الصيام وغيره مما ذكر من فضائل الأعمال قد عدلها كلها الجهاد، حتى صارت جميع حالات المجاهد وتصرفاته المباحة معادلة لأجر المواظب على الصلاة وغيرها، ولهذا قال صلّى الله عليه وسلم: (لا تستطيع ذلك)" [الفتح (6/5)].



يضاف إلى ذلك تعقيب أبي هريرة رَضي الله عنه: "إن فرس المجاهد ليستن في طوله فيكتب له حسنات"، والظاهر أن القاضي عياض يشير إلى هذا بحالات المجاهد وتصرفاته المباحة.



وفي حديث أبي سعيد الخدري رَضي الله عنه، قال: قيل يا رسول الله أي الناس أفضل؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: (مؤمن يجاهد بنفسه وماله) قالوا: ثم من؟ قال: (مؤمن في شِعْب من الشِعاب، يتقي الله ويَدَع الناس من شره) [البخاري، مع فتح الباري (6/6)، ومسلم (3/1503)].



في هذا الحديث – كذلك – يبدو حرص الصحابة على التنافس في الأعمال الصالحة التي هي أحب إلى الله، والسؤال هنا عن أفضل الناس، ولا يكون أفضل الناس إلا إذا أتى بأفضل ما يحبه الله ورسوله، وإجابة الرسول صلّى الله عليه وسلم واضحة في تعظيم الجهاد في سبيل الله حيث جعل المؤمن المجاهد هو أفضل الناس.



بخلاف المؤمن المتقي الذي قَصَر نفسه على نفسه – أي إن أعماله الصالحة لا تتعداه إلى غيره – فإنه جاء في الدرجة الثانية، ثم إن هذا المؤمن المتقي الذي انزوى في شِعْب من الشِّعاب لا يكون له هذه الدرجة الثانية إلا إذا كان لابد من الانزواء مثل أن يكون الزمن زمن فتنة بين المسلمين [راجع فتح الباري (6/84)] وإلا فإن الاختلاط بالناس ونصحهم مع تقوى الشخص في نفسه أفضل من المتقي المنزوي بدون سبب.



وفي حديث عائشة رَضي الله عنها، قالت: "يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟" قال: (لَكُنَّ أفضل الجهاد، حج مبرور) [صحيح البخاري، مع فتح الباري (6/4)].



وفي الحديث دلالة واضحة على فضل الجهاد وتعظيمه من وجوه:



الوجه الأول: تطلُّع النساء إلى ما سبقهن به الرجال من هذا الفضل.



الوجه الثاني: قول عائشة رَضي الله عنها: نرى الجهاد أفضل العمل وإقرار الرسول صلّى الله عليه وسلم لقولها.



الوجه الثالث: قوله صلّى الله عليه وسلم: (لَكُنَّ أفضل الجهاد، حج مبرور) قيَّد كَوْن الحج أفضل الجهاد بكونه للنساء: (لَكُنَّ) وفي هذه زيادة تأكيد لكون الجهاد أفضل الأعمال لغير النساء.



وفي حديث أنس رضِي الله عنه، قال: "كُنَّا مع النبي صلّى الله عليه وسلم في سفر، فمنا الصائم ومنا المفطر، قال: فنزلنا منزلاً في يوم حار، أكثرنا ظلالاً صاحب الكِساء، ومنا من يتقي الشمس بيده، قال: فسقط الصُوَّام وقام المفطرون، فضربوا الأبنية وسقوا الركاب، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: (ذهب المفطرون اليوم بالأجر) [البخاري مع فتح الباري (6/84)، ومسلم (2/788)].



ويظهر في هذا الحديث فضل من قام بالخدمة في الغزو وهو مفطر لأن قيامه بذلك نوع من الجها فيه إعانة للمجاهدين، على من صام وعجز عن الخدمة لمشقة الصوم.



قال الحافظ رحمه الله: "بالأجر، أي الوافر، وليس المراد نقص أجر الصوم، بل المراد أن المفطرين حصل لهم أجر عملهم ومثل أجر الصوام لتعاطيهم أشغالهم وأشغال الصُوَّام" إلى أن قال: "قال ابن أبي صُفْرة: فيه أن أجر الخدمة في الغزو أعظم من أجر الصيام، قلت: وليس ذلك على العموم" [فتح الباري (6/84)].



قلت: هو كذلك في كل حالة تشبه هذه الحالة: من قام بأعمال الغزو كان أفضل ممن قام بعبادة لازمة شغلته عن عمل الغزو، لأن الجهاد أفضل العمل لا سيما في مثل هذا الوقت الذي يكون المسلمون أحوج فيه إلى التعاون في أعمال الجهاد. والله أعلم.



درجات المجاهدين


وفي حديث أبي هريرة رضي الله عَنه، قَال: "قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: (من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وصام رمضان، كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها) فقالوا: يا رسول الله أفلا نبشِّر الناس؟ قال: (إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة) [البخاري مع فتح الباري (6/11)].



بيَّن الرسول صلّى الله عليه وسلم في هذا الحديث حداً أدنى، يقف عنده من أراد دخول الجنة غير منافِسٍ في درجاتها العُلاَ، وهو أن يؤمن بالله ورسوله، ويقيم الصلاة ويصوم رمضان، ولو لم يجاهد في سبيل الله، وحداً أعلى لمن طمحت نفسه إلى الفردوس والمنافسة في الدرجات العُلا.



وعندما سمع الصحابة رضي الله عَنهم الشِّقَّ الأول من الحديث، فرحوا به وطلبوا من الرسول صلّى الله عليه وسلم أن يأذن لهم بأن يبشروا الناس بذلك، فانتقل بهم إلى ما هو أعظم وأفضل، وهو بيان درجات المجاهدين التي لا ينالها غيرهم من الصنف الأول.



وليس في الحديث تسوية بين الجهاد وعدمه، كما توهم بعض العلماء من قوله صلّى الله عليه وسلم: (جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها) بل فيه أن أصل دخول الجنة مضمون له جاهد أو لم يجاهد، وهذا هو الحدّ الأدنى كما مضى، أما الحدّ الأعلى فقد ذكره بقوله: (إن في الجنة مائة درجة) الحديث، وهذه علة لترك التبشير، أي لا تبشِّروهم بما سبق، لئلا يتركوا الأفضل وهو أن في الجنة مائة درجة.. الخ



وقد بين ذلك الحافظ مستدلاً برواية الترمذي ونصها: "قلت: يا رسول الله ألا أخبر الناس؟ قال: (ذر الناس يعملون، فإن في الجنة مائة درجة)" قال الحافظ: "فظهر أن المراد لا تبشر الناس بما ذكرته من دخول الجنة، لمن آمن وعمل الأعمال المفروضة عليه، فيقفوا عند ذلك ولا يتجاوزوه إلى ما هو أفضل منه، من الدرجات التي تحصل بالجهاد. [فتح الباري (6/12)].



الجنة تحت ظلالا السيوف.



عن عبد الله بن أبي أوفى رَضي الله عنه، كتب إلى عمر بن عبيد الله حين خرج إلى الحروريَّة: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم في بعض أيامه التي لقي فيها العدو انتظر حتى مالت الشمس، ثم قام في الناس، فقال: (يا أيها الناس لا تمنَّو لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف) [البخاري رقم 3024، فتح الباري (6/156) ومسلم (3/1362)].



وأي فضل أكبر من هذا الفضل؟ يصول المجاهد ويجول في حومة الوغى وهو يعلم أنه يتجوَّل في عرصات الجنة تحت ظل سيفه وسيف عدوه، وما أن يسقط في هذه الأرض حتى يرى مقعده في الجنة وتظِله الملائكة [سيأتي هذان المعنيان قريباً].



يتمنى الرجوع إلى الدنيا ليكرر الشهادة الغالية !


عن أبي هريرة رَضي الله عنه: عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: (انتدب الله لمن خرج في سبيله، لا يُخرجه إلا إيمان بي وتصديق برسلي، أن أُرجعه بما نال من أجر أو غنيمة أو أدخله الجنة، ولولا أن أشق على أمتي ما قعدت خَلْف سريَّة، ولوددت أني أُقتل في سبيل الله، ثم أحيا ثم أُقتل، ثم أحيا ثم أُقتل) [البخاري مع فتح الباري (1/92) ومسلم (3/1497)].



وعن أنس بن مالك رَضي الله عنه: عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: (ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيد، يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة) [البخاري رقم 2817، فتح الباري (6/32) ومسلم (3/1498)].



فالمجاهد – كما يظهر من حديث أبي هريرة – رابح على كل حال، انتصر على عدوه فعاد إلى بيته غانماً مأجوراً، أم استشهد فدخل الجنة، وهذه الأخيرة هي الكرامة التي ميَّز الله بها الشهيد، حيث لا يتمنى أحد غيره أن يحييه الله فيقتل مراراً، لما رأى من الخير العظيم المترتب على الشهادة في سبيل الله.



لا بل أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم صاحب المقام المحمود، الذي ما كان يقعد خَلْف سراياه إلا إشفاقاً على أمته، بأن تكلِّف نفسها الخروج في كل سرية مثله فيشق ذلك عليها، إنه صلّى الله عليه وسلم وسلم ليتمنَّى أن يقتل ثم يحيا ثم يقتل في سبيل الله حباً في كرامة الشهادة عند الله. قال الحافظ: "قال ابن بطال: هذا الحديث – حديث أنس – أجل ما جاء في فضل الشهادة" [فتح الباري (6/33)].



أي شيء نشتهي؟!


عن مسروق قال سألنا عبد الله – هو ابن مسعود – عن هذه الآية: {ولا تحسبنَّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً، بل أحياء عند ربهم يُرزقون)) [آل عمران: 169].



قال: "أما إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقال: (أرواحهم في جوف طير خُضر، لها قناديل معلّقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطَّلع إليهم ربهم اطِّلاعةً، فقال: تشتهون شيئاً؟ قالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شيءنا؟! ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا) [مسلم (3/1502)].



الفرق بين التمني المشروع، والتمني الممنوع



واضح من حديث أبي هريرة وحديث أنس، وحديث ابن مسعود، رضي الله عنهم، أن تمني الشهادة في سبيل الله أمر مشروع، وواضح من حديث عبد الله بن أبي أوفى، النهي عن تمني لقاء العدو، ومعلوم أن من أسباب الشهادة لقاء الأعداء، فما الجمع بينهما، وما الفرق بين التَّمَنِّيَيْنِ؟



نقل الحافظ عن ابن دقيق العيد قوله: "لما كان لقاء الموت من أشق الأشياء على النفس، وكانت الأمور الغائبة، ليست كالأمور المحققة، لم يؤمن أن يكون عند الوقوع كما ينبغي، فيكره التمني لذلك، ولما فيه لو وقع من احتمال أن يخالف الإنسان ما وعد من نفسه، ثم أمر بالصبر عند وقوع الحقيقة" [فتح الباري (6/156)، (10/190)]



فالمقصود من النهي عن التمني، ألا يغتر المرء بنفسه ويعجب بها، ويظهر للناس أنه شجاع، خشية أن يخدش ذلك في إخلاصه، والمقصود بتمني الشهادة غير ذلك وهو أن يتمناها صادقا، متوكلا على الله، غير معجب بنفسه، ولا مغترا بها، وإنما يتمناها طمعا في نصر دينه، ولقاء ربه ورضوانه، ونيل التمتع بما أعد الله للشهيد في دار النعيم من الفضل العظيم، والخير العميم.



وإنه في جنة الفردوس !


عن أنس رَضي الله عنه، قال: "أصيب حارثة يوم بدر وهو غلام، فجاءت أمه إلى النبي صلّى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، قد عرفتَ منزلة حارثة مني، فإن يكن في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تكن الأخرى تر ما أصنع، فقال: (ويحك أو هَبِلْتِ؟ أَوَ جنةٌ واحدة هي؟ إنها جنان كثيرة، وإنه في جنة الفردوس) [البخاري مع فتح الباري (6/25)].



اللون لون الدم والريح ريح المسك



عن أبي هريرة رَضي الله عنه: "عن النبي صلّى الله عليه وسلم، قال: (كل كَلْمٍ يُكْلَمُه المسلمُ في سبيل الله، يكون يوم القيامة كهيئتها إذا طعنت تفجَّر دماً، اللون لون الدم والريح ريح المسك) [البخاري مع فتح الباري (1/344) ومسلم (3/1496)].



ينطلقون في الغرف العلا من الجنة.



عن نعيم بن همار الغطفاني رَضي الله عنه، أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الشهداء أفضل؟ قال: (الذين إن يُلْقَوا في الصف لا يلفتون وجوههم حتى يقتلوا، أولئك ينطلقون في الغرف العلا في الجنة، ويضحك إليهم ربهم، وإذا ضحك ربك إلى عبد في الدنيا فلا حساب عليه) [أحمد (5/287) قال البنَّا في الفتح الرباني (13/30): وقال الهيثمي رجال أحمد وأبي يعلى ثقات].


نقد الثمن !


عن قيس الجُذامي – رجل كانت له صحبة – قال: قال النبي صلّى الله عليه وسلم: (يعطى الشهيد ست خصال عند أول قطرة من دمه: يُكفَّر عنه كل خطيئة، ويُرى مقعده في الجنة، ويُزوَّج من الحور العين، ويُؤمن من الفزع الأكبر ومن عذاب القبر، ويُحلَّى حُلة الإيمان) [أحمد (4/200) قال البنَّا في الفتح الرباني (13/30): أخرجه ابن سعد وسنده جيد].



قال الحافظ: "وروى ابن ماجة من طريق شِهْر بن حَوْشَب عن أبي هريرة قال: ذُكر الشهيد عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (لا تجف الأرض من دم الشهيد حتى تبتدره زوجاته من الحور العين، وفي يد كل واحدة منهما حُلة خير من الدنيا وما فيها). ولأحمد والطبراني من حديث عبادة بن الصامت مرفوعاً: (إن للشهيد عند الله سبع خصال) – فذكر الحديث، وفيه: - (ويُزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين) إسناده حسن، وأخرجه الترمذي من حديث المقدام بن مَعْدِ يكرب، وصححه" [فتح الباري (6/15-16)].




السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13467554

عداد الصفحات العام

782

عداد الصفحات اليومي