﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (04) سافر معي في المشارق والغارب :: (24) أثر الترية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (03) سافر معي في المشارق والمغارب :: (023) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(023)الجهاد في سبيل الله - هجرة الرسول وأصحابه بعد اشتداد الفتنة

(023)الجهاد في سبيل الله - هجرة الرسول وأصحابه بعد اشتداد الفتنة



واشتد العذاب والاعتداء عليه صلّى الله عليه وسلم، وعلى أصحابه فيأتيه بعضهم شاكياً فيأمرهم بالصبر، وينزل القرآن منكراً على من يظن أنه يكفيه أن يقول إنه مؤمن وتخلو طريقه من الفتنة والابتلاء، مبيِّناً لهم أن المؤمنين قبلهم قد فتنوا فالطريق واحد، وأن هذه الفتنة تميز الصادق من الكاذب. وهنا يسمَّى الثبات على دين الله والصبر على الفتنة جهاداً يعود نفعه لصاحبه.



{ألم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنَّا الذين من قبلهم فلَيعلمنَّ الله الذين صدقوا وليعلمنَّ الكاذبين }– إلى قوله: - {ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين} [العنكبوت: 1،2،3،6].



وتتنوع الفتنة على المؤمنين فتقف الأسرة كلها – وعلى رأسها الأم وما أدراك ما الأم – ضد المؤمن، فتقسم الأم ألاّ تأكل ولا تشرب ولا تستظل حتى يكفر ابنها بمحمد صلى الله عليه وسلم، فيقول لها: لو كانت لك مائة نفس فخرجت الواحدة تلوا الأخرى ما رجعت عن ديني، ويُنزل الله في ذلك: {ووصينا الإنسان بوالديه حُسْناً، وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما، إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون} [العنكبوت: 8، وراجع القصة في تفسير ابن كثير (3/445].



ويضطر عليه الصلاة والسلام أن يترك مكة وهي أحب البقاع إليه، فيولي وجهه شطر المدينة وهو يلتفت إلى البلد الأمين، فيسلِّيه ربه، ويَعدُه بالعودة إلى بلده الحبيب.

{إن الذي فرض عليك القرآن لرادّك إلى معاد، قُل ربّي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين} [القصص: 85].



ويخرج أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم من مكة مضطرين وهي حبيبة إلى نفوسهم، خائفين مما ينتظرهم بعد تركهم بلادهم، تاركين منازلهم التي ألفوا الراحة فيها، وأموالهم التي كانوا يتنعمون بها، فيسلِّيهم ربهم أن الأرض أرض الله، والمهم أن يقوموا بعبادته في أي أرض كانت، وأن الموت آت لا محالة لا يؤخره البقاء في المنزل ولا يقدمه الخروج من البلد، وأن المنازل الحقيقية هي منازل الجنة التي أعدها الله لعباده العاملين الصابرين، وأن الرزق مضمون لدواب الأرض كلها حتى التي لا قدرة لها على حمل رزقها.



{يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون، كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون، والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنّهم من الجنة غُرَفاً، تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نِعْم أجر العاملين، الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون، وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم(60}) [العنكبوت: 56-60].



ويؤكد الله للمجاهدين في سبيله – وكان الجهاد آنئذ: جهاد الدعوة والصبر على الأذى والمحنة – ليهديَّنهم السُّبُل الموصلة إلى مرضاته، وهو معهم لأنهم محسنون، ومن كان الله معه فالعاقبة المحمودة له: {والذين جاهدوا فينا لنهدينَّهم سُبُلنا وإنّ الله لَمَعَ المحسنين} [العنكبوت: 69].



الفرع الثاني: المرحلة المدنية



يتضح من سيرة الرسول صلّى الله عليه وسلم في المرحلة المكية أنها كلها كانت جهاد تربية وتزكية للرسول صلّى الله عليه وسلم وأصحابه، على إخلاص العبادة لله وحده والطاعة الكاملة لأوامر الله سبحانه وتعالى، وترك كل أوضار الجاهلية وعاداتها.



وعلى الدعوة إلى وحدانية الله تعالى وتسفيه أحلام المشركين والصمود أمام الأذى والمحنة، والتضحية في سبيل الله تعالى بالنفس والمال والأهل والولد، والانضباط الكامل تحت قيادة الرسول صلّى الله عليه وسلم ، فتحقق في أصحابه الركنان الأساسيان في دعوة الرُسل عليهم الصلاة والسلام، وهما التقوى والطاعة، إذ ما من نبي إلا دعا قومه إلى تحقيقهما: {فاتقوا الله وأطيعون} [الشعراء: 108]، فكوَّن بذلك صلّى الله عليه وسلم القاعدة الصلبة التي أرسيت عليها دولة الإسلام العظيمة في كل أقطار الدنيا بعد ذلك.



اجتماع الرسول بالأنصار الممهد للهجرة



وبعد أن أبلى المؤمنون في مكة بلاءً حسناً، وضُيِّق عليهم الخناق، وعلم الله تعالى أنهم ثبتوا على دينه الحق ثبوت الجبال الرواسي؛ قيض الله لهم نواة كتيبة الأنصار في السنة الحادية عشرة من البعثة المحمدية، إذ كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يعرض نفسه على الناس في المواسم ليقبلوا دعوته ويحموه ليبلِّغ رسالة ربه، فوجد رهطاً من الخزرج، فطلب منهم أن يجلسوا إليه ليسمعوا منه، فشرح لهم الإسلام ودعاهم إليه فأجابوه، وقالوا له: "إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه في هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعزّ منك" [السيرة النبوية (1/429)، الطبعة الثانية-الحلبية].



ودعوا قومهم بعد رجوعهم فأجابهم كثير منهم، حتى فشا فيهم الإسلام، فلم تبقَ دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله صلّى الله عليه وسلم.



بيعة العقبة المباركة الأولى



وفي العام المقبل، وفد اثنا عشر رجلاً من الأنصار، فلقيهم الرسول صلّى الله عليه وسلم عند العقبة فبايعوه.

قال عبادة بن الصامت: "فبايعناه على أن لا نشرك بالله شيئاً، ولا نسرق ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف". وقال لهم: (فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك شيئاً فأمركم إلى الله عزّ وجلّ، إن شاء عذّب وإن شاء غفر) [السيرة النبوية (1/433)].



مبعوث الدعوة الأول إلى المدينة



وبعث صلّى الله عليه وسلم مصعب بن عمير يقرؤهم القرآن ويصلي بهم، ويظهر من هذه البيعة تعميق معاني المرحلة المكية في نفوس المسلمين، وهي الإخلاص لله وحده، وتزكية النفوس وصقلها من الأخلاق السيئة التي اعتادها المشركون.



بيعة العقبة الثانية أساس المرحلة المدنية



وفي العام المقبل وفدت كتيبة الله من أنصاره إلى مكة في موسم الحج، فواعدهم الرسول صلّى الله عليه وسلم عند العقبة من أوسط أيام التشريق ليلاً، حيث تسللوا إليه بعد مضي ثلث الليل حتى اجتمعوا عند العقبة، وكان عددهم ثلاثة وسبعين رجلاً وامرأتين، فتكلم رسول الله صلّى الله عليه وسلم ودعا إلى الله ورغَّب في الإسلام.



ثم قال: (أُبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم) فبايعوه على ذلك، ودار بينهم حوار واستيثاق، وكان مما قاله أبو الهيثم بن التيِّهان: يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال حبالاً وإنا قاطعوها – يعني اليهود - فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟



فتبسم رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، ثم قال: (بل الدم بالدم، والهدم بالهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم) [نفس المصدر (1/442)].

وأمرهم الرسول صلّى الله عليه وسلم أن يُخرِجوا منهم اثني عشر نقيباً، ففعلوا، وكان تسعة منهم من الخزرج وثلاثة من الأوس، وكانت شروط هذه البَيْعة تختلف عن شروط بيعة العقبة الأولى، وهي كما قال عبادة بن الصامت رضِضي الله عنه: "بايعنا رسول الله ص صلّى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في عُسرنا ويُسرنا، ومنشطنا ومكرهنا، وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله، وأن نقول بالحق أينما كنّا لا نخاف في الله لومة لائم" [السيرة النبوية (1/454)].



ويظهر في هذه البيعة العظيمة معانٍ جديدة، تعتبر منطلقاً للمرحلة المدنية الجديدة:



(1) فالرسول صلّى الله عليه وسلم بايعهم على أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأولادهم، ومعنى هذا أنه تارك مكة ومهاجر إلى المدينة، وقد فهم ذلك الأنصار: "فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا"؟.



(2) كانت البيعة – أيضاً – على السمع والطاعة، في العسر واليسر والمنشط والمكره، والإيثار على أنفسهم، وعدم منازعة الأمر أهله، وقول الحق أينما كانوا، وألا يخافوا في الله لومة لائم.



(3) كان فيها أيضاً توحيد الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، ومقاطعة أعداء الله: "إن بيننا وبين الرجال حبلاً وإنا لقاطعوها". هذه المعاني مشبعة بالروح الجهادية والتحفز لبذل النفوس والأموال في سبيل نصرة الرسول صلّى الله عليه وسلم ، وإنها كذلك.



وظهرت فيها الدقة في التنظيم حيث جعل على كل طائفة منهم نقيباً يسمعون له ويطيعون، وجعل الموعد بينه وبينهم في ساعة غفلة عن أعين المشركين، تمكن فيها صلى الله عليه وسلم من تحقيق هدفه، دون مضايقة أو أذى له أو لأنصاره المبايعين.

كما كان ترتيب لقائهم بالرسول صلّى الله عليه وسلم دليلاً على الانضباط وكتم السر مع كثرة عددهم وإحاطة المشركين بهم.



ظهرت آثار ذلك كله عندما علمت قريش، فأُسقط في أيديها وقد فات الأوان: "فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا عليها حتى إذا أصبحنا غَدَت علينا جلّة من قريش فقالوا: يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما من حيّ من العرب أبغض إلينا أن تنشب بيننا وبينهم منكم، فانبعث مَنْ هناك من مشركي قومنا يحلفون بالله ما كان منا هذا الشيء وما عملناه، وقد صدقوا لم يعملوه، قال: وبعضنا ينظر إلى بعض" [السيرة النبوية (1/440-448)].



فكان إسلام الأنصار ومبايعتهم الرسول صلّى الله عليه وسلم ، على حمايته ومقاطعة أعدائه، منطلقاً لإقامة أول مجتمع إسلامي متميز على وجه الأرض بعد البعثة النبوية.



إذن الرسول لأصحابه بالهجرة إلى المدينة



وأذن الرسول صلّى الله عليه وسلم لأصحابه في الهجرة من مكة إلى المدينة، فخرجوا جماعات وأفراداً، تاركين أشرف بقعة على وجه الأرض، بها ديارهم وأموالهم وأهلوهم، طمعاً فيما عند الله تعالى من إعزاز دينه وإعلاء كلمته وإذلال أعدائه ورضاه عن أوليائه المؤمنين.



واستقبلهم إخوانهم الأنصار فآواهم ووفوا ببيعة نبيهم صلّى الله عليه وسلم ، والتحمت الكتيبتان: كتيبة المهاجرين وكتيبة الأنصار، وأخذ دين الله ينتشر في أهل المدينة حتى أصبح ذكر الله وتوحيده والإقرار برسالة نبيه محمد صلّى الله عليه وسلم ، يتردد في كل بيت وفي كل مكان، وبلغ الأنصار القمة في الإيثار وتحقيق الأخوة الإسلامية.



رعب قريش من التجمع المدني ومؤامرتها وفشلها



وبقي رسول الله صلّى الله عليه وسلم في مكة إلا أن أذن الله له في الهجرة، وفي أثناء مدة انتظاره ، اشتد صلّى الله عليه وسلم خوف مشركي قرش من قاعدة تجمُّع المسلمين الجديدة، وأخذوا يتشاورون في أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فمنهم من رأى حبسه حتى يموت، ومنهم من رأى إخراجه من البلاد ونفيه، واستقر أمرهم بعد ذلك على قتله.



كما قال تعالى لنبيه – بعد ذلك مذكِّراً له وللمسلمين بنعمته تعالى عليهم حيث أنجاه من مؤامراتهم -: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك، أو يقتلوك، أو يخرجوك، ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} [الأنفال: 30].



وخطَّط رسول الله صلّى الله عليه وسلم لهجرته التي رافقه فيها أبو بكر الذي كان يتلهَّف للَّحاق بإخوانه المهاجرين، ولكن الرسول صلّى الله عليه وسلم ل صلّى الله عليه وسلم م يأذن له بالهجرة ليكون معه في أحرج المواقف المكية وآخرها، وهي هجرته صلى الله عليه وسلم، وأمر الرسول علياً رضِي الله عنه بالنوم على سريره ليلة الهجرة، وخرج هو وأبو بكر رضي الله عنْه، فاختفيا في "غار ثور" ثلاثة أيام والمشركون يبحثون عنهما، وقد خصَّصوا مكافآت ثمينة لمن يقبض على رسول الله صلّى الله عليه وسلم ورفيقه.



ولكن الله كان معهما، ومن كان الله معه فلا غالب له: {إلا تنصروه فقد نصره الله، إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار، إذ يقول لصاحبه: لا تَحزنْ إن الله معنا، فأنزل الله سكينته عليه وأيَّده بجنود لم تروها، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، والله عزيز حكيم} [التوبة: 40].



هجرة الرسول وتكوين أسس الدولة في المدينة



وهاجر رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى المدينة، فاستقبله جند الله من المهاجرين والأنصار، وأحاطوا به إحاطة الهالة بالقمر، يأمرهم فيستبقون لتنفيذ أمره، وينهاهم فيجتنبون ما نهاهم عنه.



وبدأ صلّى الله عليه وسلم يُرسي دعائم الدولة الجديدة التي لا يدري الناس في الجزيرة العربية، فَضْلاً عن بلاد فارس والروم وغيرهما من ممالك الدنيا، ما كانوا يدرون ماذا يكمن وراء تلك الدولة الناشئة من عواصف قصف لمعاقلهم وحصونهم، وسيوف حتف لرقاب طغاتهم وجبابرتهم، وأنوار هداية لشعوبهم.



الأساس الأول: بناء المسجد



وبدأ الرسول صلّى الله عليه وسلم في تأسيس دولة الإسلام، فبدأ ببناء مسجده الشريف في عاصمة الإسلام الأولى، شارك في بنائه بنفسه مع أصحابه، وفي مشاركة القائد أصحابه حافز لهم على العمل الجاد، كيف والذي يعمل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يتلقّى الوحي من ربه كل يوم، والسفير بينه وبين ربه جبريل عليه السلام؟ لذلك كان الصحابة رضِي الله غنهم يردّدون في سرور واعتزاز ونشاط:



لئن قعدنا والنبي يعملُ،،،،،،،،،،،،،،لذاك منّا العمل المضلِّلُ



وكان المسجد – في مظهره – في غاية التواضع، فأعمدته من جذوع النخل، وسقفه من سَعَفه وجريده، وفرشه من الرمل والحصباء.



ولكنه كان مثابة لجبريل ينزل على الرسول صلّى الله عليه وسلم فيه بالوحي، وكان محلاً لرفع كلمة التوحيد التي كان ينادي بها بلال خمس مرات في اليوم والليلة.



وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يؤم فيه أصحابه في الصلاة، ويقرئهم القرآن، ويعلمهم أحكام دينهم التي بدأت تتنزل من السماء، ليطهرهم الله ويزكيهم، فيعود كل واحد منهم إلى منزله كل يوم بعلم جديد، يتلقاه مباشرة من في رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من عمله، فيعلمه أهله وجيرانه، والرسول صلّى الله عليه وسلم يتلقاه من جبريل، وجبريل يتلقاه من ربه.



وكان المسجد مكاناً لاجتماع أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم لمُدارسة القرآن الكريم والسنة النبوية وتطبيقهما.



كما كان مقراً للفتوى والسؤال عمّا يُشْكِل على الصحابة رضِي الله عنهم، وكان منطلقاً لبعث الدعاة إلى الله، وساحة للتدريب على الفروسية، ومؤتمراً لمدارسة أمور الحرب والحراسة وبث السرايا وعقد الألوية للغزاة المجاهدين في سبيل الله.



وكان مأوى لمن لا منزل له من أصحاب رسول الله صَلى الله عليه وسلم، ينامون فيه ويتناولون طعامهم، كما كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقبض فيه الأموال من المتصدقين بها على المحتاجين، وأموال الغنيمة والفيء، ويقسمها على الناس فيه.



هكذا كان مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلم مجمعاً لكل أجهزة الدولة الإسلامية الجديدة، وكل ما يفعل فيه كان يعتبر عبادة يقصد بها وجه الله. الصلاة، والتعليم، والنوم.



كما قال معاذ بن جبل رضي الله عنْه: "أما أنا فأنام وأقوم، وأرجو في نومتي ما أرجو في قَوْمَتي" [مسلم (3/1456)].



هذا كان مع صغر المسجد وتواضعه في مواد البناء، حيث كان إذا نزل المطر تقاطر على رسول الله صلّى الله عليه وسلم الذي يسجد فيه على الماء والطين. ولكنهم كانوا يتزكون فيه بالقرآن والسنة فتمتلئ قلوبهم إيماناً، ويحملون دعوة الله إلى خلقه بالتبليغ والموعظة أو بالسيف والحربة.



فأين مساجد المسلمين اليوم من ذلك المسجد؟ إن مساجد المسلمين التي أصبحوا يتباهون بتشييدها بأغلى مواد البناء، وبنقوشها وزخرفتها وفرشها وقناديل ضيائها ومراوحها ومكيفات هوائها؛ وشبابهم بل وبعض كهولهم لا يدخلها كثير منهم، وأصبح في كثير منها يمنع فيه كلمة الحق التي لا تتفق وأهواءهم.



بل إنك لتجد في بعض بلدان المسلمين صفوفاً من البشر مصطفين، في مساحة قد تصل ميلاً أو أكثر، ينتظرون دخول دور السينما أو المسرح والمرقص، في الوقت الذي يقول فيه المؤذن حيَّ على الصلاة حيَّ على الفلاح، وتجد كثيراً من الشباب في الملاعب الرياضية يتبارون كالحُمُر في أوقات الصلاة دون حياء أو خجل، وحولهم عشرات الآلاف بل مئاتها من المتفرجين تضرب لهم الطبول وهم يرقصون ويصفقون يتمايلون هاهنا وهاهنا كأنهم سكارى.



أين المسلمون اليوم في مساجدهم من أصحاب الرسول صَلى الله عليه وسلم في مسجده ذاك؟ إن المصلين في المساجد اليوم – في الأغلب الأعم – ذوو أرواح خاوية، وقلوب قاسية، ومعاملات خائبة.



قال الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: "وتم المسجد في حدود البساطة: فراشه الرمال، وسقفه الجريد، وأعمدته الجذوع، وربما أمطرت السماء فأوحلت أرضه، وقد تفلت الكلاب إليه فتغدوا وتروح. هذا البناء المتواضع الساذج هو الذي ربّى ملائكة البشر ومؤدبي الجبابرة، وملوك الدار الآخرة، في هذا المسجد أذن الرحمن لنبي يؤم بالقرآن خيرة من آمن به، يتعهدهم بأدب السماء من غبش الفجر إلى غسق الليل.



إن مكانة المسجد في المجتمع الإسلامي، تجعله مصدر التوجيه الروحي والمادي، فهو ساحة للعبادة، ومدرسة للعلم، وندوة للأدب، وقد ارتبطت بفريضة الصلاة وصفوفها أخلاق وتقاليد هي لباب الإسلام، لكن الناس لمّا أعياهم بناء النفوس على الخلائق الجليلة استعاضوا عن ذلك ببناء المساجد السامقة، تضم مصلِّين أقزاماً، أما الأسلاف الكبار فقد انصرفوا عن زخرفة المساجد وتشييدها إلى تزكية أنفسهم وتقويمها فكانوا أمثلة صحيحة للإسلام" [فقه السيرة ص: 190]. بهذا تعلم أن المسجد النبوي كان مجمع الدولة الإسلامية وأساسها الأول. [للكاتب رسالة بعنوان دور المسجد في التربية، وقد طبعت أكثر من مرة]



الأساس الثاني: المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار



كانت الأنانية طاغية على العرب في جاهليتهم: القبيلة تترفع عن القبيلة، والبطن يفخر على مثيله، والأسرة تتكبّر على الأسرة، والفرد يتعالى على الفرد، وكان من حصاد هذه الأنانية، ظلم القوي للضعيف واستئثاره عليه في كل شيء، ممّا سبَّب الإحن والعداوات والغارات والحروب الدائمة لأتفه الأسباب.



والأمة التي تصاب بالأنانية وما يتبعها أمة تافهة، مهيضة الجناح خائرة القوى، تكون دائماً محلاً لمطامع الآخرين واستعبادهم لها.



فلما جاء الإسلام أحدث انقلاباً في نفوس المسلمين، هو استسلام المسلم لربّه وطاعته لقيادته، وفي وحي الله وسنة رسوله ما يكفي لتواضع المؤمن وذلّته لله تعالى وحبه لإخوانه وإيثاره إياهم على نفسه.



وكان هذا المعنى ثابتاً في نفوس أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وهو الذي جعل أبا بكر رضِي الله عنه يبذل ماله في شراء المسلمين الذين كانوا عبيداً لبعض المشركين الذين عذّبوهم وحاولوا صدّهم عن دينهم، ومن أولئك المسلمين بلال رضِي الله عنه، وهو كذلك الذي جعل النفر الذي كانوا أول من لقيهم الرسول صلّى الله عليه وسلم ، وهم من الخزرج، يقولون بعد أن استجابوا لدعوته: "إنّا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك … فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعزّ منك" [السيرة النبوية 429]،



بل هو الذي جعل الأنصار يتسابقون إلى إيواء المهاجرين حتى كانوا يقترعون على المهاجرين. ولكن مع ثبات هذا المعنى في نفوسهم، أراد رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن يعمقه بجعله بيعة وعقداً بين المهاجرين الذين تركوا ديارهم وأموالهم وأهلهم في سبيل الله، والأنصار الذين آوَوْهم ونصروهم، فآخى صلّى الله عليه وسلم بينهم اثنين اثنين، أي كان يجعل رجلاً من المهاجرين أخاً لآخر من الأنصار، وهو إخاء خاص غير الإخاء العام.



الإخاء العام: كل مؤمن أخ لكل مؤمن، والإخاء الخاص: فلان أخ فلان، وفَرْقٌ بين الأمرين، فالإخاء العام لا يثمر ما يثمره الإخاء الخاص من الحب العميق، والتواضع والإيثار، إذ قام على القواعد الشرعية، فإنه يجعل الأخ يؤثر أخاه فيما لا يطرأ على الخيال، فضلاً عن التفكير فيه، فضلاً عن العزم عليه وتنفيذه.



وإليك الدليل:



في صحيح البخاري: آخى رسول الله صلّى الله عليه وسلم بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن ربيعة، فقال سعد لعبد الرحمن: إني أكثر الأنصار مالاً، فإني أقسّم مالي نصفين، ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فسمِّها لي أطلقها، فإذا انقضت عدّتها فتزوجها.



قال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، أين سوقكم؟ فدلُّوه على سوق بني قينقاع، فما انقلب إلا ومعه فضل من أقطٍ وسمن، ثم تابع الغدوَّ، ثم جاء يوماً وبه أثر صفرة، فقال صلّى الله عليه وسلم: (مهيم)؟ قال: تزوجت [البخاري رقم 3780].



ولهذا امتن الله على المؤمنين بهذا الإخاء العظيم فقال: {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألَّف بين قلوبكم، فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفى حفرة من النار فأنقذكم منها، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون} [آل عمران: 103].



ومن المهاجرين والأنصار كوَّن رسول الله صلّى الله عليه وسلم القاعدة الصلبة، التي قامت عليها دولة الإسلام في الجزيرة، ثم في شرق الدنيا وغربها، وهم الذين قال الله فيهم: {إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، والذين آوَوا ونصروا أُولئك بعضهم أولياء بعض} [الأنفال: 72].



وقال: {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله، أولئك هم الصادقون، والذين تبوَّءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم، ولا يجدون في صدورهم حاجة ممّا أوتوا، ويؤثرون على أنفسهم ولو كانوا بهم خصاصة، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} [الحشر: 8-9].



وقال تعالى فيهم: {محمد رسول الله، والذين آمنوا أشدّاء على الكفار رحماء بينهم، تراهم ركَّعاً سجَّداً، يبتغون فضلاً من الله ورضواناً، سيماهم في وجوههم من أثر السجود، ذلك مثلهم في التوراة، ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه، يعجب الزُرَّاع ليغيظَ بهم الكفار، وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً} [الفتح: 29].



ومن هنا يعلم أنه لا بدّ للدعوة الإسلامية – حتى تنطلق في الأرض – من قاعدة حصينة تنطلق منها، وهي ما تسمَّى في اصطلاح الفقهاء: "دار الإسلام" ومن قائد قدوة يتصف بكل الأخلاق الفاضلة المبنية على الإيمان العميق، ومن جنود تسود بينهم الأُخوة والمحبة ويتحقق فيهم الاقتداء بقيادتهم، وهذا ما حصل للرسول صلّى الله عليه وسلم وأصحابه في المدينة، فتوطَّدت بذلك الجبهة الداخلية للدولة الإسلامية، وأمنت التصدّع والخلل الذي يستطيع أعداء الله التسلل منهما إلى صفوف المسلمين لصدعها وتفريقها.



الأساس الثالث: وضع ميثاق ينظم الأمة ويحمي وحدتها:



أصبح المسلمون في المدينة هم أهل الحل والعقد، وهم الأجدر بقيادة الناس في المدينة وما حولها، لأنهم أهل الحق الرباني الذي كُلِّفوا تطبيقه في أنفسهم ودعوة الناس إليه.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنهم أصبحوا يملكون أزمّة الأمور في البلاد بنظام وطاعة تحت قيادة واحدة، بخلاف غيرهم من اليهود والمشركين، فقد كانوا يعيشون في فوضى وتطاحن فيما بينهم، وكذلك اليهود لم يكن في استطاعتهم جمع كلمة الناس، بل إنهم كانوا يؤججون بينهم نار الحرب ويبثون بينهم الضغائن، وكان همهم ابتزاز الأموال والسيطرة على الناس عن طريق نشر تلك الفوضى وذلك الحقد.



وكان المشركون من قريش يتربّصون بالمسلمين للقضاء عليهم، قبل أن تتوطد دعائم قوتهم وإحكام سيطرتهم على قاعدتهم الجديدة، ولازالت الجزيرة العربية تدين بالشرك وعبادة الأوثان، وينظر سكانها إلى قريش نظر إكبار وإجلال، ويرون في الاقتداء بهم ما يؤهلهم للتقدم والظهور.



ولازال في المدينة نفسها مشركون، بل ظهر عنصر خبيث ماكر وهم المنافقون الذين أظهروا الإسلام خشية من أن تفوتهم بعض المصالح المادية، وهمم في واقع الأمر أعظم شرا من المشركين.



كما كان بالمدينة يهود الذين كانوا يتوقعون أن يكون الرسول الجديد منهم، فلما بعث من غيرهم امتلأت قلوبهم غيظاً وحقداً، خاصة بعد أن سبقهم إلى الإيمان به الأُميون من أهل يثرب: الأوس والخزرج، الذين كان يهود يهدِّدونهم بأن نبياً سيبعث، فيتبعونه – أي اليهود – ويقتلونهم قتل عادٍ وإرم [تفسير ابن كثير (1/124)].



كما قال تعالى عنهم: {ولما جاءهم كتاب من عند الله مُصدِّق لما معهم، وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين} [البقرة: 89].



وهكذا كان الشرك مُطْبِقاً على الجزيرة العربية، وكانت قريش تتربص بالمسلمين الدوائر مع وجود المشركين والمنافقين واليهود في المدينة، وفي كل ذلك خطر على المسلمين القليلي العَدَد والعُدَد، ولا يستبعد اتصال قريش بمشركي المدينة ومنافقيها ويهودها أو العكس للتآمر على المسلمين والقضاء عليهم.



لذلك كان لابد من الإسراع إلى وضع ميثاق توضِّح فيه معالم وحدة الأمة الإسلامية، وصلة غيرها من مشركين ويهود بها، على أن تكون القيادة للأمة الإسلامية لا لأعداء الله من المشركين واليهود الذين لا يؤمن جانبهم، بخلاف المسلمين فإن الوفاء بالعهد عندهم من الدين الذي أنزله الله على رسوله صلّى الله عليه وسلم.



فقد جعل الميثاقُ المسلمين أمة واحدة، من أي جنس كانوا: (هذا كتاب من محمد النبي بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم: إنهم أمة واحدة من دون الناس).



ولكنه أبقى ما كان معمولاً به في القبائل العربية من التكافل والعَقْل وفداء العاني: (يتعاقلون معاقلهم، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين).



ودعا الميثاق إلى التكافل، و إعانة من أثقله الدين وكثر عليه العيال: (وأن المؤمنين لا يتركون مَفْرحاً بينهم أن يعطوه بالمعروف والقسط بين المؤمنين).



وألزم المؤمنين الوقوف صفاً واحداً ضد البغاة الظالمين الآثمين، ولو كانوا من ألصق قراباتهم بهم: (وأن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعاً، ولو كان ولد أحدهم).



وقرر المساواة بين المؤمنين: (وأن ذمة الله واحدة يجير عليها أدناهم).



وسدّ الباب على المشركين في المدينة على أن يتعاونوا مع مشركي قريش:(وأنه لا يجير مشرك مالاً لقريش ولا نفساً، ولا يحول دونه على مؤمن).



وقرر القصاص في القتلى حتى لا يتعدى أحد على أحد، وحتى لا تعود فوضى الغارات والعداوات والإحن التي كانت ضاربة أطنابها قبل الإسلام بين القبائل:( وأنه من اعتَبَط [أي قتل بدون حق] مؤمناً قتلاً عن بينه فإنه قَوَد به، إلا أن يرضى ولي المقتول، وإن المؤمنين عليه كافة ولا يحل لهم إلا القيام عليه).



وألزمهم ملاحقة المجرمين وعدم إيوائهم، حتى ينال كل خارج عن نظام الدولة الإسلامية جزاءه، وليرتدع الناس عن الإجرام: (وإنه لا يحل لمؤمن أقرّ بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثاً ولا يؤويه، وأن من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل).



وقرر تبعية اليهود للأمة الإسلامية مع السماح لهم بالبقاء على دينهم، وألزمهم إعانة المسلمين بالمناصرة وبالإنفاق في الحرب، أما في حالة السلم، فعلى كل فريق الإنفاق على نفسه: (وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وأن يهود … أمة مع المحاربين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ [أي يهلك، راجع النهاية لابن الأثير] إلا نفسه وأهل بيته) (وأن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة والبرّ دون الإثم).



وقرر قاعدتي النصر والمسئولية، فلم يَبْقَ ذلك العمل الجائر من نصر القبيلة كلها لأي فرد منها، سواء كان ظالماً أو مظلوماً كما قال الشاعر الجاهلي:



وهل أنا إلاّ مِنْ غزيِّة أن غوت،،،،،،،،،عويتُ وإن ترشد غزية أرشد



كما لم يبق ذلك الاعتداء على البريء بجريرة غيره، بل كل واحد مسؤول عن عمله: (وأنه لم يأثم امرؤ بحليفه، وأن النصر للمظلوم }.



وقرر حق الجار: (وأن الجار كالنفس غير مضارٍ ولا آثم).



وقرر حرية البقاء في المدينة أو الخروج منها [حرية الإقامة وحرية التنقل ما لم يصب الباقي أو الخارج ظلماً] (وأنه من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة إلا من ظلم وأثم).



وكانت أهم قواعد هذا الميثاق جعل القيادة لرسول الله صلّى الله عليه وسلم ، ورد الحكم إلى الله وإلى رسوله ص صلّى الله عليه وسلم، حيث خاطب المؤمنون بقوله: (وأنكم مهما اختلفتم فيه من شيء، فإن مرده إلى الله عزّ وجلّ وإلى محمد صلّى الله عليه وسلم).



ونصّ في أثناء المعاهدة مع اليهود على ذلك: (وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حَدَث أو اشتجار يُخاف فساده، فإن مردّه إلى الله عزّ وجلّ وإلى محمد رسول الله صلّى الله عليه وسلم) [النص الكامل لهذا الميثاق في السيرة النبوية (1/501) وما بعدها].



وبهذا الميثاق العظيم أحاط النبي صلّى الله عليه وسلم الأمة الإسلامية بسياج قوي منيع داخليّ وخارجيّ، ووطّد دعامة الحكم بما أنزل الله، وأصبحت بذلك دولة الإسلام قائمة على أقوى الدعائم الضرورية، التي يجب توافرها لقيام الدولة العالمية الشرعية الخاتمة. بقيادتها النبوية، وأمتها المطيعة المقتدية، ومنهجها الشامل الواضح.



فإذا أضيف هذا الأساس، إلى المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وبناء المسجد النبوي الشريف الذي كان منطلق الدعوة والتعليم والجهاد والمواساة، ومركز التجمع لكل ما يعنُّ من أمور الدولة الإسلامية من الشورى وغيرها، مع كونه مقراً لأداء الشعائر العبادية، فإن مقومات الدولة المطلوبة آنذاك قد اكتملت.



وأصبح المسلمون أمة تتربص بها قريش وأهل الجزيرة كلِّهم من ورائها، بل تتربص بها دول الكفر في الشرق والغرب. فماذا بعد؟





السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13467520

عداد الصفحات العام

748

عداد الصفحات اليومي