﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (04) سافر معي في المشارق والغارب :: (24) أثر الترية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (03) سافر معي في المشارق والمغارب :: (023) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(025) المبحث الخامس آداب الجهاد في سبيل الله

(025) المبحث الخامس آداب الجهاد في سبيل الله


وفيه تمهيد و أربعة فروع:



الفرع الأول : آداب الجهاد قبل خوض المعركة.



الفرع الثاني : آداب الجهاد أثناء المعركة.



الفرع الثالث : آداب الجهاد بعد المعركة.



الفرع الرابع : بعض آداب الجهاد العامة.



تمهيد



يمتاز الجهاد في سبيل الله كغيره من فرائض الإسلام وتشريعاته، عن الحروب الجاهلية ونظمها وقوانينها في الأهداف والوسائل وغيرها، لأن فرائض الإسلام ومنها الجهاد في سبيل الله، من عند الله تعالى، ونظم الجاهلية ومنها الحروب، من عند البشر، والفرق بين شريعة الله، وقوانين البشر كالفرق بين الخالق والمخلوق.



وآداب الجهاد في الإسلام، يعني بها ما يطلب فعله وما يطلب تركه، فمنها ما هو فرض يجب فعله، ومنها ما هو محرم يجب تركه، ومنها ما هو مندوب يسنّ الإتيان به.

ثم منها ما يكون قبل المعركة، ومنها ما يكون في أثنائها، ومنها ما يكون بعدها، وقد يكون يعض الآداب مشروعا على أي حال – مثل أن إخلاص المجاهد جهاده لله تعالى. وعلى هذا الأساس الأخير يُرَتَّب هذا المبحث.



الفرع الأول: آداب الجهاد المشروعة قبل خوض المعركة الإخلاص لله تعالى في أداء هذه الفريضة:



الإخلاص معناه تصفية العمل من شوائب الشرك كبيره وصغيره، وهو مطلوب من المسلم في كل أعماله.كما قال تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} [البينة: 5]. وقال تعالى: {قل إنما أنا بشر مثلكم يُوحى إليّ إنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً} [الكهف: 110]. وقال تعالى في الحديث القدسي: {من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه} [مسلم (4/2289) من حديث أبي هريرة].



وقال النبي صلّى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيّة ولكل امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) [البخاري رقم 53، فتح الباري (1/135)، ومسلم (3/1515)].



قال الفُضَيل بن عياض: "في قوله تعالى: {ليبلوكم أيّكم أحسن عملاً} أخلصه وأصوبه، قيل: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إنّ العمل لا يُقْبَل حتى يكون خالصاً صواباً، والخالص ما ابتغى به وجه الله، والصواب ما كان موافقاً لسنة رسول الله صلّى الله عليه وسلم " [مجموع الفتاوى لابن تيمية (10/173). والآية في هود: 7، والملك: 2].



والنصوص في هذا المعنى كثيرة من كتاب الله وسنة رسوله صلّى الله عليه وسلم وأقوال السلف الصالح. وهي شاملة لكل عمل يتقرب به الإنسان إلى ربه تعالى. وقد خُصّت فريضةُ الجهاد بالتأكيد على الحرص على إخلاص المجاهد نيته لله تعالى، لأن تسرب الرياء إلى المجاهد أسرع منه إلى غيره، ولهذا عنيت النصوص بذلك غاية العناية. فالجهاد نفسه يرد في كتاب الله وسنّة رسوله مقيّداً بهذا القيد: (في سبيل الله) وسيأتي ذلك مفصلاً إن شاء الله في مبحث: "أهداف الجهاد في سبيل الله" مقارناً بأهداف الحروب الجاهلية.



ويكفي أن يُساق هنا ما كان يوصي به النبي صلّى الله عليه وسلم أمراءه وجيوشه، إذا جهزهم للجهاد في سبيل الله. ففي حديث بريدة رضِي الله عنهه قال: "كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا أمَّر أميراً على جيش أو سرية، أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيراً" ثم قال: (اغزوا باسم الله …) [رواه مسلم (3/1356) وانظر جامع الأصول (2/589)] فالغزو ابتداءً يُراد به وجه الله تعالى، لأنه يغزو باسمه لا باسم غيره. وقوله: جيش أو سرية "الجيش هو الجمع العظيم الذي يجيش بعضهم في بعض، والسرية عدد قليل يسيرون بالليل ويكمنون بالنهار" إهـ من المبسوط (10/4)



وكذلك جوابه صلّى الله عليه وسلم عندما سُئل عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء: أيُّ ذلك في سبيل الله؟ فقال صلّى الله عليه وسلم: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا: فهو في سبيل الله) [البخاري رقم الحديث 2910، فتح الباري (6/27) ومسلم (3/ 1512، (2/589)].) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه]



لذلك يجب على المجاهدين في سبيل الله أن يتذكروا هذا الأمر العظيم، عند خروجهم حتى تكون جميع أعمالهم وحركاتهم في سبيل الله، كما قال تعالى: {ما كان لأهل المدينة ومن حَوْلهم من الأعراب أن يتخلَّفوا عن رسول الله ولا يَرْغبون بأنفسهم عن نفسه، ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نَصَب ولا مَخْمصة في سبيل الله، ولا يطئون مَوْطئاً يَغِيض الكفار، ولا ينالون من عدو نَيْلاً إلا كتب لهم به عمل صالح، إن الله لا يضيع أجرَ المحسنين، ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون وادياً إلا كتب لهم، ليجزيَهم الله أحسن ما كانوا يعملون} [التوبة: 120، 121، وانظر المبسوط للسرخسي (10/5)].



ومن آداب الجهاد الحرص على تقوى الله والازدياد منها:



وقد أمر الله بتقواه عموماً في نصوص كثيرة، من كتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، بل مدح التقوى وأثنى على أهلها، وجعلهم أهلاً للاهتداء بكتابه وسنة رسوله صلّى الله عليه وسلم دون غيرهم من الناس.



فأمر بها رسوله صلّى الله عليه وسلم {يا أيها النبي اتَّقِ الله ولا تُطِع الكافرين والمنافقين، إن الله كان عليماً حكيماً} [الأحزاب: 1].



بل إن الله تعالى جعلها وصيته للأولين والآخرين، فأمرهم بها جميعاً، كما قال تعالى: {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله} [النساء: 131].

وكل رسول أمر بها قومه: {فاتقوا الله وأطيعون} [الشعراء: 108 وما بعدها].



ومدح التقوى، فقال: {ولباس التقوى ذلك خير} [الأعراف: 26]. وقال: {وتزوّدوا فأن خير الزاد التقوى واتَّقون يا أُولي الألباب} [البقرة: 197]. وأثنى على أهلها وجعلهم أحقّ بها وأهلها، فقال: {فأنزل الله سكينتَه على رسوله والمؤمنين، وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحقَّ بها وأهلها} [الفتح: 26]. وقال تعالى: {ألم ذلك الكتاب لا رَيْب فيه هُدَىً للمتقين} [البقرة: 201].



وأمر بها النبي صلّى الله عليه وسلم أمراً عاماً، فقال: (اتِّقِ الله حيثما كنت) [الترمذي وقال: حديث حسن (4/335) وهو في جامع العلوم والحكم لابن رجب ص:136].



وأوصى بها المجاهدين عند تشييعهم كما سبق من حديث بريدة قال: "كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا أمر أميراً على جيش أو سرية، أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله …" [مسلم (3/1356) وهو في جامع الأصول (2/589)].



والحد الأدنى من تقوى الله، أن يأتي الإنسان بالفرائض التي فرضها الله، وأن يجتنب المعاصي التي حرّمها الله تعالى، وذلك موجب للجنة، كما ثبت في صحيح مسلم في حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما، أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "أرأيت إذا صليت المكتوبات، وصمت رمضان، وأحللت الحلال، وحرّمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئاً أدخل الجنة؟" قال: (نعم) [مسلم (1/44) من حديث جابر وانظر جامع العلوم والحكم لابن رجب ص:179)].



وفي حديث أبي ثعلبة الخُشني رضيَ الله عنه: عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: (إن الله فرض فرائض فلا تضيّعوها، وحدّ حدوداً فلا تعتدوها، وحرّم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها) قال النووي: "حديث حسن، رواه الدار قطني وغيره" [جامع العلوم والحكم لابن رجب 242].



والحدّ الأعلى للتقوى أن يصل المسلم في تقواه وَرَعه، إلى ملازمة نوافل الطاعات واجتناب المكروهات، بل أن يصل إلى ترك بعض المباحات، خشية من الوقوع في المكروهات أو المحرمات.



كما في الحديث القدسي الذي رواه البخاري عن أبي هريرة قال: "قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: إن الله تعالى قال: (من عادَى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّب إلي عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه}. [البخاري رقم 6502 فتح الباري (11/340)].



وفي حديث عطية السعدي، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: (لا يبلغ العبد أن يكون من المتَّقين، حتى يدع ما لا بأس به حَذَراً مما به بأس)، قال ابن كثير بعد أن ساق إسناد الحديث ومتنه: قال الترمذي: حسن غريب [تفسير القرآن العظيم لابن كثير (1/40)].



وفي المبسوط للسرخسي: "وإنما يوصيه يتقوى الله تعالى، لأنه بالتقوى ينال النصرة والمدد من السماء، قال تعالى: {بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم} [آل عمران: 125]، وبالتقوى يجتمع للمرء مصالح المعاش والمعاد" [المبسوط (10/4)، وبدائع الصنائع (9/430)].



وسيأتي مزيد من الكلام على التقوى في بعض الفصول القادمة إنشاء الله، ولا سيما فصل عوامل النصر والهزيمة. والمقصود هنا بيان تذكير المجاهد بما يشرع له قبل بدئه في قتال عدوه، بهذا الأمر العظيم الذي لا يصلح للجهاد من فقده.



تشاور القائد مع جيشه في الأمور المهمة:



ومن الآداب التي يجب مراعاتها قبل لقاء العدو، اجتماع القائد بالمجاهدين، للتشاور في الأمور التي تهمهم قبل لقاء العدو، كتعيين ميدان المعركة، والموضع الذي يصلح مركزاً للقيادة، والوسائل التي يجب اتخاذها للقضاء على العدو، أو ردّ عدوانه، ومصطلحات المعركة وأهدافها، كما حصل ذلك في غزوة بدر وأحد والخندق وغيرها من الغزوات [انظر سيرة ابن هشام (2/188)، (3/16،27) وكذلك المغني لابن قدامة (9/215)]. وسيأتي مزيد بيان لهذا الأدب العظيم في فصل: صفات المجاهدين إنشاء الله، إذ المقصود هنا التذكير به قبل خوض المعركة مع الإعداد.



تشييع الغزاة عند خروجهم للجهاد في سبيل الله:



ومن آداب الجهاد: تشييع المقيمين – وعلى رأسهم الأمير إن مقيما – الغزاة في سبيل الله، وتشجيعهم بذكر فضل الجهاد والمجاهدين، وإظهار إكرامهم لحفز هممهم وهمم المقيمين على الاستعداد، لقتال العدو عاجلاً أم آجلاً [انظر سيرة ابن هشام (4/8،9) وكذلك زاد المعاد (2/173)].



وفي ترتيب المسند: (باب تشييع الغازي، واستقباله، ووصية الإمام له) عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه رضيَ الله عنه، عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أنه قال: (لأن أشيع مجاهداً في سبيل الله، فأكفه على راحلة غدوة أو روحة أحب إلي من الدنيا وما فيها) [الحديث رواه أحمد. انظر ترتيب مسند الإمام أحمد، المسمّى "بالفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني" لأحمد عبد الرحمن البنا والد الإمام حسن البنا "الساعاتي (14/51) وقال في الحاشية: "تخريجه: وفي إسناده ابن لهيعة وشيخه زبان بن فايد، وكلاهما فيه كلام. ورواه ابن ماجه وغيره" وأخرجه الحاكم في مستدركه، وقال: " هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه".]



وفي الموطأ عن مالك عن يحيى بن سعيد أنّ أبا بكر الصديق، بعث جيوشاً إلى الشام، فخرج يمشي مع يزيد بن أبي سفيان، وكان أمير رَبْع في تلك الأرباع، فزعموا أن يزيد قال لأبي بكر، إما أن تركب وإما أن أنزل، فقال أبو بكر: "ما أنت بنازل وما أنا براكب إني أحتسب خطاي هذه في سبيل الله…" [الموطأ (2/448) رقم 10].



مبايعة الجيش على الثبات وعدم الفرار:



ومن آداب الجهاد أن يبايع أمير الجيش جنده على الثبات، قببل الشروع في القتال، تذكيراً لهم بحق الله تعالى عليهم من بذل النفس في سبيله، وحضاً لهم على عدوه بعزم وتصميم وعدم تردد أو تهيّب. فقد كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يبايع أصحابه على أمور كثيرة من أمور الإسلام، ومن ذلك البيعة على عدم الفرار من العدو، كما في حديث جابر رضيَ الله عنه قال: "كنّا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة، فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة"، وقال: "بايعناه على ألاّ نفر، ولم نبايعه على الموت" [حديث جابر في صحيح مسلم (3/1483) وما بعدها].



قال النووي رحمه الله: "وفي رواية سلمة أنهم بايعوه يومئذ على الموت" [البخاري رقم الحديث 2960/ فتح الباري (6/117)] وهو معنى رواية عبد الله بن زيد بن عاصم، وفي رواية مجاشع بن مسعود: "البيعة على الهجرة، والبيعة على الإسلام والجهاد" [البخاري رقم الحديث 2962، فتح الباري نفس الجزء والصفحة]. وفي حديث ابن عمر وعبادة: "بايعناه على السمع والطاعة وألاّ ننازع الأمر أهله – كل هذه الروايات في صحيح مسلم – قال: وفي رواية عن ابن عمر في صحيح مسلم "البيعة على الصبر" [البخاري رقم الحديث 2958، فتح الباري (6/117)].



قال العلماء: "هذه الرواية تجمع بين المعاني كلها، وتبين مقصود كل الروايات: فالبيعة على الموت على ألا نفر معناه الصبر حتى نظفر بعدونا أو نقتل، وهو معنى البيعة على الموت، أي الصبر وإن آل بنا ذلك إلى الموت، لا أن الموت مقصود في نفسه، وكذلك البيعة على الجهاد، أي والصبر فيه" [شرح النووي على صحيح مسلم (13/2-6) وانظر حواشي تحفة المحتاج على المنهاج (9/238)].



اتفاق المجاهدين على شعار يميّز المسلمين من غيرهم:



ومن آداب الجهاد أن يتفق المجاهدون على كلمة سر لا يعلمها غيرهم، تكون شعاراً لهم ليميز بعضهم بعضاً، عندما تلتقي صفوفهم بصفوف عدوهم،حتى لا يختلطوا بالمشركين، ويختلط المشركون بهم، لأن تمييز المسلمين عن المشركين فيه فوائد عظيمة منها: عدم استطاعة المشركين الاختلاط بهم للتجسس عليهم، أو الغدر بهم، ومنها عدم قتل المسلم أخاه المسلم خطأ، ظنا منه أنه من أفراد العدو. وغير ذلك من الفوائد، ولهذا كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يُعَلِّم أصحابه قبل أن يلتقي بهم العدو، شعاراً خاصاً بهم، كما في حديث المهلَّب بن أبي صُفْرة رحمه الله عمّن سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن بيَّتكم العدو، فقولوا حم لا ينصرون) وروي عن المهلب مرسلاً عن النبي صلّى الله عليه وسلم ، أخرجه الترمذي [جامع الأصول (2/573) رقم الحديث 1053، وقال المحشي: الترمذي، رقم 1682، في الجهاد، باب ما جاء في الشعار وأبو داود رقم2597 في الجهاد، باب في الرجل ينادي بالشعار، وأخرجه أحمد في مسنده 45/65 و 5/377، وذكره ابن كثير في تفسيره عن أبي داود والترمذي، وقال: هذا إسناد صحيح] وكان أصحابه رضيَ الله عنهم يطبقون ذلك في غزوهم.



وفي حديث سلمة بن لأكوع رضيَ الله عنه قال: "أمّر علينا رسول الله صلّى الله عليه وسلم مرة أبا بكر، فبيَّتنا ناس من المشركين نقتلهم، وقتلت بيديّ تلك الليلة سبعة أهل أبيات من المشركين، وكان شعارنا: "أمِتْ" وفي رواية أخرى: يا منصور أَمِتْ، أخرجه أبو داود، وانتهت روايته عند أمت الأولى، وفي أخرى لأبي داود أيضاً قال: "غزونا مع أبي بكر زمن النبي صلّى الله عليه وسلم ، فكان شعارنا: أمِتْ … أمِتْ" [جامع الأصول (2/573) رقم الحديث: 1052، قال المحشي: أبو داود رقم 2596 في الجهاد باب ما جاء في الرجل ينادي بالشعار. ورقم 2638، في الجهاد، في البينات من حديث عكرمة بن عمار بن إياس بن سلمة عن أبيه، وسنده حسن، وأخرجه أحمد في مسنده 4/64، والدارمي في سننه 2/219 من حديث ابن عميس عن إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه قال: بارزت رجلاً فقتلته، فنفلني رسول الله صلى الله عليه وسلم سلبه، فكان شعارنا مع خالد بن الوليد: أمت، يعني اقتل، وإسناده صحيح. وانظر: الفتح الرباني في ترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني للشيخ أحمد بن عبد الرحمن الساعاتي (13/56)].

ويظهر من الحديثين: حديث المهلب، وحديث سلمة أن الشعار كان مما يداوَم عليه في الغزو.



تنشيط المجاهدين برفع صوتهم بأناشيد إسلامية



ومن آداب الجهاد مشاركةُ القائدِ جيشَه في العمل والإعداد لقتال العدو والترويح عنهم، بترديد بعض الأناشيد الإسلامية المشجعة مع رفع الصوت بذلك، لما فيه من جلب النشاط والتشجيع على العمل والتهييج على العدو، وما ورد من كراهة رفع الصوت عند القتال لا ينافي رفع الصوت عند الإعداد.



ففي حديث البراء رضِي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يوم الخندق، وهو ينقل التراب حتى وارى التراب شعر صدره، وكان رجلاً كثير الشعر وهو يرتجز برجز عبد الله:



اللهم لولا أنت ما اهتدينا،،،،،،،،،،،،،ولا تصدقنا ولا صلينا



فأنزلن سكينة علينا،،،،،،،،،،،،،،،،،،وثبِّت الأقدام أن لاقينا



أنّ العِدا قد بَغَوا علينا،،،،،،،،،،،،،،،،،وإن أرادوا فتنةً أبينا



يرفع بها صوته [الحديث في صحيح البخاري] قال الحافظ: "وجرت عادة العرب باستعماله – الرجز – في الحرب ليزيد في النشاط، ويبعث الهمم، وفيه جواز تمثل النبي صلّى الله عليه وسلم بشعر غيره- إلى أن قال: "وكان المصنف – يعني البخاري – أشار في الترجمة بقوله: رفع الصوت في حفر الخندق إلى أن كراهة رفع الصوت مختصة بحال القتال، وذلك فيما أخرجه أبو داود من طريق قيس بن عبادة قال: كان أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم يكرهون الصوت عند القتال". [يراجع مع تعليق الحافظ ابن حجر المذكور في الفتح (6/160،161)].



قال الشوكاني: " قوله: يكرهون الصوت القتال، فيه دليل على أن رفع الصوت حال القتال وكثرة اللغط والصراخ، مكروهة ولعل وجه كراهتهم لذلك أن التصويت في ذلك الوقت، ربما كان مشعرا بالفزع والفشل، بخلاف الصمت، فإنه دليل الثبات ورباط الجأش " [وانظر عون المعبود شرح سنن أبي داود (7/319) ورقم الحديث فيه 2639].



تعيين نقباء لفرق الجيش



من الضروري للقائد أن يكون جيشه منضبطاً منظماً، تنظيماً يمكنه من تبليغ ما يريد تبليغه إياهم بأقصى سرعة ممكنة، كما أنه قد يحتاج إلى إقناعهم بأمر ما من أمور الحرب، ويصعب إقناع كل فرد على حدة لكثرتهم، وقد يظهر بعضهم رضاه بما يأمرهم به القائد، فيظن القائد أن الجيش كله قد وافق على ذلك، مع أن بعضهم قد يكون غير راضٍ، وفي ذلك ما فيه من الخطر الذي قد يقع ممن لم يرضَ بذلك الأمر في وقت يصعب فيه تدارك الأمر، لذلك يجب أن يقسم القائد المسلم جنده إلى مجموعات، طبقاً لما تقتضيه المصلحة، ويؤمر على كل مجموعة عريفاً أو نقيبا يكون مسئولاً عنهم، وعن طريقه تكون البلاغات والأوامر والمشاورة، وغير ذلك من الأمور.



ففي غزوة حُنَيْن: جاءه هوازن يطلبون منه صلّى الله عليه وسلم أن يرد إليهم ما أخذ من أموالهم، وسبي من مواليهم ونسائهم، .فخطب في أصحابه قائلاً: (أما بعد، فإن إخوانكم قد جاءونا تائبين، وإني قد رأيت أن أردّ إليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يُطَيِّب ذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل).



فقال الناس: "قد طيبنا ذلك يا رسول الله".فقال رسول الله صلى اله عليه وسلم:

(إنا لا ندري من أذِن منكم في ذلك ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم) فرجع الناس، فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا [البخاري رقم 4321، فتح الباري (7/34)].



وقال الحافظ: "وهو – أي العريف – القائم بأمر طائفة من الناس من عَرُفتُ بالضم وبالفتح، على القوم أعرُف بالضم، فأنا عارف وعريف أي وليت أمر سياستهم وحفظ أمورهم، وسمى بذلك لكونه يتعرف أمورهم حتى يُعَرِّف بها من فوقه عند الاحتياج" [فتح الباري (13/168)]إهـ.



ووجه الدلالة من هذا الحديث وجود عرفاء في المعركة بمقتضى تنصيبهم قبل البدء فيها، بأن يكون لكل مجموعة منهم عريف يرعى شؤونهم، ويبلغهم أوامر القائد وتعليماته ويرفع إليه ما هم في حاجة إليه.



وفي هذا الحديث الشريف تربية عملية من الرسول صلّى الله عليه وسلم، لمن ولي أمور المسلمين ألا يتصرف في حقوقهم بدون إذنهم، فهو صلّى الله عليه وسلمولي أمر المسلمين، وكان أصحابه رَضي الله عنهم يقدمون طاعته على رغبات أنفسهم، ويقدمون محبته على محبة أرواحهم، يتسابقون لإنفاذ أوامره، وهو صلّى الله عليه وسلممعصوم من أن يظلم أو يجور أو يتبع هوى أو شهوة، ومع ذلك يطلب من أصحابه أن يردوا سبي هوازن فيلبون طلبه، ولكنه يخشى أن يكون بعض الأفراد غير راضين، فلا يبتُّ في الأمر حتى يرد الأمر إلى عرفاء الناس الذين يستطيعون أن يعرفوا رأي كل واحد من جماعتهم، ليستيقن صلّى الله عليه وسلمأن القوم راضون غير مكرهين ولا محرجين.



فأين هذا الأدب النبوي العظيم مما يعمله من ولاّهم الله رقاب المسلمين، من الزعماء الذين يغتصبون حقوق الناس بدون حق، ويعملون شتى أنواع الحيل للوصول إلى ذلك، إما في صورة قانون جائر، وإما عن طريق بطش ظالم، ولا يستشيرونهم في أعظم ما يعود عليه بمصلحة أو مفسدة؟






السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13467539

عداد الصفحات العام

767

عداد الصفحات اليومي