﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (04) سافر معي في المشارق والغارب :: (24) أثر الترية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (03) سافر معي في المشارق والمغارب :: (023) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(032)الجهاد في سبيل الله - الرفق بالأسير، والمن عليه لمصلحة:

(032)الجهاد في سبيل الله - الرفق بالأسير، والمن عليه لمصلحة:





عندما يواجه المسلم الكافر في المعركة، يجب عليه أن لا تأخذه فيه رأفة بل عليه أن ينزل به العذاب الذي أمره الله به والذل ليتحقق بالنصر عليه، النصر لعباد الله المؤمنين.

كما قال تعالى: {قاتلوهم يُعَذِبْهم الله بأيديكم، ويُخْزِهم ويَنْصرْكم عليهم، ويَشْفِ صدور قوم مؤمنين} [التوبة: 14].



وقال: {فاضربوا فوق الأعناق، واضربوا منهم كل بنان} [الأنفال: 12] سواء كان الخطاب للملائكة أو للمؤمنين [راجع تفسير ابن جرير (9/197)]. وقال تعالى: {فإذا لقيتُم الذين كفروا فَضَرْبَ الرقاب} [محمد: 4].



فإذا وقع العدو في أيدي المسلمين أسيراً، فإن الأمر حينئذ يختلف عما كان عليه الحال في وقت المعركة:



فقد يكون الأسير يستحق الرفق به والمن عليه، وإطلاق سراحه، وتكون المصلحة في ذلك، والإمام الحريص على المصلحة، المجتهد في ذلك بدون شهوة واتباع هوى أولى بأن يقدر ذلك وينفذه [المغني (9/222)] بعد أن يتشاور مع جنده، كما فعل الرسول صلّى الله عليه وسلممع هوازن [البخاري 4321، فتح الباري (7/34)] إذا كان السبي كثيراً أو المسلمون قد حازوا حظوظهم منه أو جمعوه ليقتسموه. وقد يكون الأسير واحداً وتظهر للإمام بوادر الخير عليه، فيبدوا له أن يطلق سراحه بدون فداء فله ذلك.



وفي رسول الله قدوة حسنة

ولقد تجلّى رفق رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وحسن معاملته للأسير، ثم المن عليه، لما رأى فيه من بوادر الخير، في قصة ثُمامة بن أُثال.



كما في حديث أبي هريرة رَضي الله عنه قال: "بعث النبي صلّى الله عليه وسلم خيلاً قِبَل نجد، فجاءت برجل من بني حَنِيفة يقال له: ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي صلّى الله عليه وسلم، فقال: (ما عندك يا ثمامة)؟ فقال: عندي خير يا محمد، إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تُنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت، حتى كان الغد، ثم قال له: (ما عندك يا ثمامة)؟ قال: ما قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر، فتركه حتى كان بعد الغد، فقال: (ما عندك يا ثمامة)؟ فقال: عندي ما قلت لك، فقال: (أطلقوا ثمامة).



فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد، فقال: أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، يا محمد والله ما كان على الأرض وجه أبغض إليّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إليّ، والله ما كان دين أبغض إليّ من دينك، فأصبح دينك أحب الدين إليّ، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى، فبشره رسول الله صلّى الله عليه وسلموأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة، قال له قائل: صبوت، قال: لا، ولكن أسلمت مع محمد رسول الله صلّى الله عليه وسلم، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة، حتى يأذن بها النبي صلّى الله عليه وسلم". [البخاري رقم 4372، فتح الباري (8/87) ومسلم (3/1386)].



لقد وضع الرسول صلّى الله عليه وسلمالأسير في المسجد،ً ليرى بنفسه ويسمع بأذنه محاسن دين الإسلام، في نبي الإسلام وحَمَلته الأولين أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وكان مسجده صلّى الله عليه وسلممثابة للمصلين والمتعلمين، والمؤتمرين والمتشاورين في أمور الإسلام العامة، ومقراً للوفود الذين يقدمون على رسول الله صلّى الله عليه وسلم، لتعلم الدين الإسلامي أو تلقي الأوامر القرآنية والنبوية، لتبليغها إلى الآخرين، كما كان ملجأ للضعفاء والمساكين والطارقين، ومنطلقاً لأولياء الله المجاهدين، الذين يعقد لهم الرسول صلّى الله عليه وسلمالألوية ويبعثهم لجهاد أعداء الله من المشركين.

وكان ثمامة الأسير يشاهد ذلك: فيرى أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلمحين يصطفون للصلاة، كأنهم بنيان مرصوص، كما يراهم وهم يتكاتفون ويتعاونون ويتآخون فيما بينهم ويؤثر بعضهم بعضاً، ويتأمل في سرعة تنفيذهم أمر الله وأمر رسوله والطاعة الكاملة التي لا خيرة لهم فيها. فيلبون النفير إلى الجهاد، كما يلبون الأذان للصلاة.



ويسمع كتاب الله وهو يُتلَى ويُفَسَّر بتلك المعاني الربّانية، في كل جانب من جوانب الحياة.



ثم فوق ذلك يرى في سول الله صلّى الله عليه وسلم، القدوة الحسنة الذي يسبق أصحابه إلى تنفيذ ما يأمرهم به، ويبتعد كل البعد عما ينهاهم عنه، ويشاهده وهو رسول الله ينزل عليه جبريل صباح مساء، يشاهده يتفقد عدوه الكافر المأسور فضلاً عن أصحابه المؤمنين.



ويسأله عما عنده كل يوم ويسمع منه، ثم في آخر الأمر يطلق سراحه، فيؤثر كل ذلك في نفسه، فما يكون بينه وبين الدخول في الإسلام فعلاً، إلا أن يغتسل ثم يعود فيبوح بكل المعاني التي كانت تجيش في نفسه، وهو مربوط إلى سارية المسجد فيخبر بها رسول الله صلّى الله عليه وسلم، ويختلف عنده المقياس لما يحب ويكره فيصبح أبغض الناس إليه أحبهم إليه، وأبغض الأديان إليه أحبها إليه.



وهكذا الإسلام يحول الولاء في لحظة من الولاء للقبيلة أو الأرض أو الجنس أو غير ذلك، إلى الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، وإن الكلمات التي صدرت من ثمامة وهو مربوط مثل قوله: "عندي خير" جواباً على قول الرسول صلّى الله عليه وسلمله: (ما عندك يا ثمامة)؟ وقوله: "وإن تنعم تنعم على شاكر".



إن تلك الكلمات لتبشر بالخير الذي كان في قلبه، وكأن رسول الله صلّى الله عليه وسلملحظ فيها معنى قوله تعالى: {يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيراً يؤتكم خيراً مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم} [الأنفال: 70].



وقد يرى الإمام أن المصلحة تقتضي أخذ الفداء على الأسير، وإن ادعى الإسلام بعد الأسر، بأن يفدي به بعض أسرى المسلمين، وهو إذا كان صادقاً في إسلامه سيجعل الله له مخرجاً وسيعود إلى المسلمين، ولكنه مع ذلك يظهر العطف عليه ويتفقده ويعطيه حاجته من الطعام والشراب وغير ذلك.



كما ثبت ذلك عن الرسول صلّى الله عليه وسلم، من حديث عمران بن الحصين رَضي الله عنهه، قال: "كانت ثقيف حلفاء لبني عقيل، فأسرت ثقيف رجلين من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وأسر أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلمرجلاً من بني عقيل، وأصابوا معه العضباء، فأتى عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلموهو في الوثاق، قال: يا محمد، فأتاه فقال: (ما شأنك)؟ فقال: بم أخذتني، وبم أخذت سابقة الحاج؟ فقال: - إعظاماً لذلك – (أخذتك بجريرة حلفائك ثقيف)، ثم انصرف عنه، فناداه: يا محمد يا محمد، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلمرحيماً رفيقاً فرجع إليه فقال: (ما شأنك)؟ قال: إني مسلم، قال: (لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح) ثم انصرف، فناداه فقال: يا محمد، فأتاه فقال: (ما شأنك)؟ قال: إني جائع فأطعمني، وظمآن فاسقني، قال: (هذه حاجتك) ففدي بالرجلين" [صحيح مسلم (3/1262) ، ورقم الحديث ( 1641) وأراد بسابقة الحاج، الناقة التي أخذها الصحابة معه، وهي ناقة نجيبة كانت لرجل من بني عقيل ثم انتقلت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلمتسمى العضباء، راجع حاشية محمد فؤاد عبد الباقي على صحيح مسلم في الجزء والصفحة السابقتين].





وفي هذا الحديث فوائد:



الفائدة الأولى: رحمة الرسول صلّى الله عليه وسلمورفقه كما هو ظاهر، وقد أشار إلى ذلك الصحابي، عندما قال: وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلمرحيماً رفيقاً.



الفائدة الثانية: حرصه صلّى الله عليه وسلمعلى تفقد أحوال من تحت يده، ولو كان عدوه وإعطاؤه حاجته.



الفائدة الثالثة: حلمه وصبره وقد ناداه الأسير عدة مرات باسمه: يا محمد دون صفته، يا رسول الله وهو يجيبه في كل مرة ويأتيه ويقول له: (ما شأنك)؟.



الفائدة الرابعة: أن الرجل لو أسلم قبل الأسر، ما كان عليه من سبيل وأفلح كل الفلاح، الفلاح عند الله تعالى بإسلامه مطيعاً مختاراً، والفلاح من الأسر الذي حصل له بسبب أنه لم يسلم قبل ذلك.



الفائدة الخامسة: أنه إذا تعارضت مصلحتان قدم أعلاهما، فالرجل ادعى الإسلام وهو في الأسر وقبيلته قد أسرت رجلين صحابيين مجاهدين، قد ثبتا على الإسلام وجاهدا لإعلائه، ففضَّل الرسول صلّى الله عليه وسلمأن يفتديهما به، وهو إذا كان صادقاً في إسلامه، سيلحق بالرسول صلّى الله عليه وسلم.



هذا مع العلم أنه كان من حق الرسول صلّى الله عليه وسلمأن يبقيه رقيقاً، وإن أسلم بعد الأسر، لأن الإسلام لا يُذهب الرق كما هو معلوم، وإن كان يحث عليه ويفتح أبوابه على مصراعيها، وفداء صحابيين حرين فيهما تلك الصفات، وهما ممن يخشى عليهما من غدر المشركين بهما، وهو لا يخشى عليه ذلك أمر لا بد منه.



وقد يرى الإمام أن المصلحة في تطهير الأرض من الأسير لخبثه وشدة شره وضرره على المسلمين الذي يظهر أنه من طبعه، فله أن يقتله ويريح البشرية منه، كما فعل صلّى الله عليه وسلمببني قريظة الذين حكم فيهم سعد بن معاذ رَضي الله عنه بقتل المقاتلة وسبي الذرية، وكان ذلك هو حكم الله الذي وفق له سعد رَضي الله عنه.



روى أبو سعيد الخدري رَضي الله عنه، قال: "لما نزلت بنوا قريظة على حكم سعد بن معاذ، بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وكان قريباً منه، فجاء على حمار، فلما دنى قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: (قوموا إلى سيدكم) فجاء فجلس إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقال له: (إن هؤلاء نزلوا على حكمك) قال: "فإني أحكم أن تقتل المقاتلة، وأن تسبى الذرية" قال: (لقد حكمت فيهم بحكم الملك) وفي رواية عائشة رَضي الله عنها أنه قال: "فإني أحكم فيهم أن تقتل المقاتلة وأن تسبى النساء والذرية، وأن تقسم أموالهم" [البخاري رقم 3043، فتح الباري (6/165)، ومسلم (3/1388)].



وقد أثبت واقع اليهود في تاريخهم الطويل، قبل الإسلام وبعده إلى هذه الساعة، أن خير علاج ناجح لوقاية البشرية من شرهم وفسادهم وكيدهم هو هذا الحكم، عندما يكونون جماعة متكتلة منظمة، أما عندما يكونون أفراداً مشتتين في الأرض أذلاء لا تجمعهم رابطة تجعلهم متمكنين في الأرض للإفساد فيها، فإن معاملتهم تختلف عن هذا.

وإن أي أمة تتساهل في أمر اليهود حتى يتمكنوا من جمع كلمتهم وتنظيم أنفسهم في أرضها لهي – في تساهلها ذلك – تضع نهاية لوجودها.



وهي لا تخلوا من أحد أمرين:



الأمر الأول: أن تكون متواطئة مع اليهود للقضاء على كيان الإسلام والمسلمين.



الأمر الثاني: أن تكون مغلوبة، وهذا الأمر، أخف لأن الأمة المغلوبة، يمكنها في يوم من الأيام أن تثب على جرثومة الفساد فتبيدها، وإن طال الزمان بخلاف الأمر الأول، فإنه خطر يصعب التغلب عليه، إلا إذا جاء جيل آخر فصب لعائن الله على أسلافه الذين أوقعوه في شباك هذا السرطان ثم صمم على استئصاله فاستأصله.



وقد أجاد الخرقي في مختصره، إذ جمع هذه المعاني كلها بالنسبة للأسير فقال:

"وإذا سبى الإمام، فهو مخير إن رأى قَتَلَهم، وإن رأى منَّ عليهم وأطلقهم بلا عِوض، وإن رأى أطلقهم على مال يأخذ منهم، وإن رأى فادى بهم، وإن رأى استرقهم، أيُّ ذلك رأى فيه نكاية للعدو وحظاً للمسلمين فعل" [المغني لابن قدامة (9/220) وانظر المبسوط (10/63)].



إلا أن النساء والذرية الذين لم يبلغوا، لا يجوز قتلهم والأدلة على ذلك كثيرة، ومنها حديث أبي سعيد الخدري، وحديث عائشة اللذان مر ذكرهما قريباً في قصة بني قريظة وفيهما: "وأن تسبى النساء والذرية" [المغني (9/221)].



وهل يجوز لغير الإمام قتل الأسير؟



"الراجح عدم جواز ذلك إلا لضرورة، كأن يستعصي الأسير ولم يقدر على أخذه بدون قتله، أو أنه قد أثخن بالجراحة فلا يقدر على السير ولم يقدر المسلمون على حمله، أو أنه قد بالغ في إيذاء أهل الإسلام، ويكون في قتله زجر لأمثاله" [أنظر المغني (9/225].



هل يجوز الاتفاق على عدم استرقاق الأسرى بميثاق ملزم؟



إذا كان بقاء الرق في الإسلام، معقول المعنى، وهو معاملة الأعداء الذين كانوا يسترقون الأسرى، بالمثل، فهل يجوز للمسلمين الاتفاق مع المحاربين من غيرهم، على ميثاق يلغي الرق من الجانبين؟ بحيث لا يسترق الكفار الأسرى من المسلمين، ولا يسترق المسلمون الأسرى من الكفار؟



الذي يظهر لي أن ذلك جائز، إذا كان في ذلك مصلحة راجحة للمسلمين، للأسباب الآتية:



السبب الأول: أن الاسترقاق جائز وليس بواجب، على الصحيح من أقوال العلماء، والدليل على عدم وجوب الاسترقاق، قوله تعالى: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم} [محمد (4)]



وقد رأى بعض العلماء، أن هذه الآية منسوخة، بآية السيف، وهي قوله تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وءاتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم} [التوبة(5)]



وهذا مذهب أبي حنيفة، وعنه رواية بالجواز، وعليها صاحباه محمد وأبو يوسف. قال السرخسي رحمه الله: " فأما مفاداة الأسير بالأسير، لا يجوز في أظهر الروايتين عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وفي رواية عنه أنه يجوز ذلك، وهو قولهما، لأن في هذا تخليص المسلم من عذاب المشركين والفتنة في الدين، وذلك جائز، كما تجوز المفاداة في أسارى المسلمين بمال من كراع أو سلاح..." [المبسوط (10/139) ]



وهو مذهب المالكية و الشافعية والحنابلة



قال ابن عبد البر: " للإمام قتل الأسير العاقل وله أن يمن عليه فيترك قتله وله ان يفادي به..." [الكافي (1/208)]



قال الشيرازي: "وإن أسر من أهل القتال فللإمام أن يختار ما يرى من القتل والاسترقاق والمن والفداء..." [المهذب (2/235)]



وقال ابن قدامة: " فصل ويخير الإمام في الأسرى من أهل القتال بين أربعة أشياء: القتل والفداء والمن والاسترقاق...." [الكافي (4/270)]



قال ابن القيم بعد أن ذكر أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم، قتل بعض الأسرى، واسترق بعضهم، وفدى بعضهم:



"وهذه أحكام لم ينسخ منها شيء، بل يخير الإمام فيها بحسب المصلحة، واسترق من أهل الكتاب وغيرهم، فسبايا أوطاس وبني المصطلق لم يكونوا كتابيين، وإنما كانوا عبدة من العرب، واسترق الصحابة من سبي بني حنيفة ولم يكونوا كتابيين.



قال ابن عباس الله عنهما: خُيِّر رسول الله في الأسرى بين الفداء والمن والقتل والاستبعاد، ما شاء" وهذا هو الحق الذي لا قول سواه " [زاد المعاد (5/55)]



وحكى ابن كثير عن بعض العلماء العكس في نسخ الآيتين، وهو أن آية محمد هي التي نَسَخت آية التوبة فيما يتعلق بالأسرى [تفسير القرآن العظيم، لابن كثير (2/338)]



والصحيح أن كلتا الآيتين محكمتان، ولا نسخ في أي منهما، لأن الأصل عدم النسخ، ولا يلجأ إليه إلا عند عدم إمكان الجمع بين النصين، وليس بين الآيتين تعارض، لأن آية التوبة فيها الأمر بقتل المشركين، أنى وجدوا، وأخذهم، وحصرهم، وسورة محمد فيها هذا المعنى وزيادة، وهو تخيير المسلمين بعد الإثخان في العدو - بين ثلاثة أمور، وهي:





الأمر الأول: قتل الأسير إذا كانت المصلحة في قتله.



الأمر الثاني المن عليه كذلك، أي إطلاق سراحه، بدون أخذ فداء منه، وعدم استرقاقه.



الأمر الثالث: إطلاق سراحه بفداء، من مال يؤديه للمسلمين، أو عمل يقوم به، أو إطلاق سراح أسرى للمسلمين عند أعدائهم.



قال القرطبي رحمه الله: "الخامس أن الآية محكمة والإمام مخير في كل حال، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وقاله كثير من العلماء منهم ابن عمر والحسن وعطاء وهو مذهب مالك والشافعي والثوري والأوزاعي وأبي عبيد وغيرهم، وهو الاختيار لأن النبي صلّى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين فعلوا كل ذلك.



قتل النبي صلّى الله عليه وسلم عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث يوم بدر صبرا، وفادى سائر أسارى بدر، ومن على ثمامة بن أثال الحنفي وهو أسير في يده، وأخذ من سلمة بن الأكوع جارية ففدى بها أناسا من المسلمين.



وهبط عليه -عَليه السلام- قوم من أهل مكة فأخذهم النبي صلّى الله عليه وسلم ومَنَّ عليهم، وقد مَنَّ على سبى هوازن. وهذا كله ثابت في الصحيح وقد مضى جميعه في الأنفال وغيرها.



قال النحاس وهذا على أن الآيتين محكمتان معمول بهما، وهو قول حسن لأن النسخ إنما يكون لشيء قاطع، فإذا أمكن العمل بالآيتين فلا معنى للقول بالنسخ، إذا كان يجوز أن يقع التعبد إذا لقينا الذين كفروا قتلناهم، فإذا كان الأسر جاز القتل والاستراق والمفاداة والمن، على ما فيه الصلاح للمسلمين.



وهذا القول يروى عن أهل المدينة والشافعي وأبي عبيد وحكاه الطحاوي مذهبا عن أبي حنيفة، والمشهور عنه ما قدمناه وبالله عز وجل التوفيق" [الجامع لأحكام القرآن (16/228)].



ومعلوم أن خلاص أسرى المسلمين واجب، سواء كان خلاصهم بمال أو بأسرى من الأعداء، لما في ذلك من إنقاذهم من استرقاق الكفار وما ينالهم من فتنة.



وفي الاتفاق مع الأعداء على عدم الاسترقاق من الجانبين، وقاية من استرقاق المسلم ابتداء، وهو خير من تخليصه من الرق بعد وقوعه. والله تعالى أعلم.






السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13467537

عداد الصفحات العام

765

عداد الصفحات اليومي