﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (04) سافر معي في المشارق والغارب :: (24) أثر الترية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (03) سافر معي في المشارق والمغارب :: (023) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(039)الجهاد في سبيل الله -الأمر الرابع: جهاد الشهوات

(039)الجهاد في سبيل الله -الأمر الرابع: جهاد الشهوات



"أصل الشهوة نزوع النفس إلى ما تريده... وقد يسمى المُشْتَهى شهوة" [المفردات ص:271].



والنفس نزاعة دائماً إلى الملذات المعنوية - كالحسد والكبرياء وحب الظلم-والحسية وهي معروفة، وإذا لم تكن هذه النفس مراقبة محكومة بحكم الله عند صاحبها، فإنها لا تترك شيئاً مما تشتهيه سواء أكان نافعاً أم ضاراً – لها أم لغيرها – والشهوات مع كونها مطلوبة للنفس، فإن الشيطان يزينها لها ويلح عليها في أن تطلبها وتتمكن منها، بل إنه ليظهر الشهوات المحظورة الضارة في صورة أجمل من الشهوات المباحة النافعة.



والشهوة تتحد مع الغفلة فتكونان أصلاً لكل شر. [راجع مجموع الفتاوى لابن تيمية (14/287)]، وهي من أشد جنود النفس الأمارة بالسوء قهراً لصاحبها وأسراً له [المرجع السابق (10/587، 548)].



والشهوة والهوى تقودان صاحبهما إلى المهالك فيسلس لهما قياده فيصوران له المعروف منكراً والمنكر معروفاً، فيتصورهما كذلك [المرجع السابق (10 /28،147].





أنواع من شهوات النفس


وشهوات النفس كثيرة، ويكفي أن يذكر منها على سبيل المثال الأنواع الآتية:



النوع الأول: العلو في الأرض:



المراد بالعلو في الأرض التجبر والطغيان والإفساد "والنفس مشحونة بحب العلو والرياسة بحسب إمكانها" [الفتاوى (14/324)].



وهذه الصفة من صفات أعداء الله، وعلى رأسهم إمامهم إبليس لعنه الله. كما قال تعالى: {وإذْ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين} [البقرة: 34]



وقال: {إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين، فسجد الملائكة كلهم أجمعون، إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين، قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين، قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} [ص: 71-76].



وقال تعالى عن فرعون: {إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين} [القصص: 4] وقال: {وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين} [يونس: 83]. وقال: {إنه كان عالياً من المسرفين} [الدخان: 31] وقال: {ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين، إلى فرعون وملئه فاستكبروا وكانوا قوما عالين}[المؤمنون: 45-46].



وخص الله جنته بمن لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً فقال: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين} [القصص: 83].



وذلك أن مريدي العلو في الأرض يجحدون بآيات الله مع وضوحها، ومع علمهم بأنها حق، ولذلك فإن عاقبتهم شر عاقبة، كما أن عاقبة المتقين خير عاقبة: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين} [النمل: 14].



قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: {إن فرعون علا في الأرض}: "أي استكبر وتجبر، قال ابن عباس والسدي: علا في نفسه عن عبادة ربه بكفره، وادعى الربوبية، وقيل بملكه وسلطانه، فصار عالياً على من تحت يده" [الجامع لأحكام القرآن (13/248)].



والمتصف بهذه الصفة يجتهد في أن يحافظ عليها بإنكار الحق وجحده، وجمع غوغاء الناس وضلالهم -ممن يطلبون الزلفى عنده- حوله ليدلوا بأصواتهم معه شاهدين له بأنه جدير بالعلو، وأن استعلاءه على غيره من أهل الحق دليل فلاحه، كما قال قوم فرعون: {قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى، فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى} [طه: 63-64].



قال ابن تيمية: "وطالب الرئاسة – ولو بالباطل – ترضيه الكلمة التي فيها تعظيمه وإن كانت باطلاً، وتغضبه الكلمة التي بها ذمه وإن كانت حقاً" [الفتاوى (10/599)].



وقال رحمه الله – بعد أن ذكر أن الناس في إرادة العلو والفساد أربعة أقسام-:

"القسم الأول: يريدون العلو على الناس والفساد في الأرض، وهو معصية الله، وهؤلاء الملوك والرؤساء والمفسدون، كفرعون وحزبه. وهؤلاء هم شرار الخلق، قال تعالى: {إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين} [القصص: 4].



وروى مسلم في صحيحه عن ابن مسعود رَضي الله عنهقال: قال رسول الله صلّ الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر، ولا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان) فقال رجل: يا رسول الله إني أحب أن يكون ثوبي حسناً ونعلي حسناً فمن الكبر ذاك؟ قال: (لا، إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس) فبطر الحق دفعه وجحده وغمط الناس احتقارهم وازدراؤهم. وهذا حال من يريد العلو والفساد" [الفتاوى (28/392) والحديث في صحيح مسلم (1/93)].



وهذا القسم هو المقصود هنا.



وغالب ما يشاهد الآن من فساد في الأرض وظلم وطغيان وقلق واضطراب، فإن منشأه من الطغاة – أمثال فرعون – الذين يريدون في الأرض العلو والإفساد، من أولئك الرؤساء والملوك الذين لا يرضون بإقامة حكم الله في الأرض، خشية على عروشهم، لأنهم بالمحافظة على علوهم وإفسادهم ينشرون الفساد في الأرض في كل مجال: في الأعراض والأموال والدماء، ويحطمون بقوتهم ونظمهم الكافرة كل قوة تتصدى لعلوهم وإفسادهم.



وبهذا يظهر أن شهوة العلو في الأرض من أخطر جنود النفس الأمارة بالسوء، لأنها لا تدمر صاحبها فحسب، بل تنشر الدمار في الأرض كلها، وتحطم البشرية كلها، والسبب في ذلك أن كل شيء يشتهيه، ذو العلو في الأرض يفرضه على الناس فرضاً، ولو أزهق بذلك الأرواح وسفك الدماء وانتهك الأعراض، واغتصب الأموال، يفرضه بالقوة التي بيده، كما فعل فرعون وما أكثر الفراعنة في الأرض.!!!



النوع الثاني: شهوة النساء.


ميل الرجال إلى النساء، وميل النساء إلى الرجال، من الأمور الفطرية التي فطر الله الصنفين عليها، إبقاء لاستمرار النسل، وعمارة الكون عمارة ترضي الخالق جل وعلا.



وجعل لتحقيق ذلك وسائل شرعية كافية، فصلها القرآن والسنة، ووسعها –استنباطا منهما - علماء الإسلام المجتهدون، فلا يستنكر ذلك إلا من جهل. ولكن هذا الميل وهذه الشهوة، من أشد جنود النفس الأمارة بالسوء، إذا لم يضبطا بما شرع الله، ولهذا لجأ يوسف عليه السلام –وهو نبي كريم- إلى ربه سبحانه، ليصرف عنه كيد النساء، فقال: {وإلاَّ تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين} [يوسف 33].



ولبشاعة ما يترتب على الاستجابة - غير المشروعة - لهذه الشهوة نهى الله تعالى عن قرب الزنا، فضلا عن إتيانه، مبينا سبحانه وتعالى أنه من أقبح الذنوب وأكثرها فحشا، وأنه سبيل قبيح مذموم، لا يسلكه إلا من استحق الذم والتقبيح، فقال تعالى: {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا} [الإسراء 32].



قال ابن كثير رحمه الله: "يقول تعالى: ناهيا عن الزنا وعن مقاربته ومخالطة أسبابه ودواعيه: {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة} أي ذنباً عظيماً {وساء سبيلا} أي وبئس طريقاً ومسلكاً" [تفسير القرآن العظيم (3/38)]


الأسباب المقربة إلى الزنا:


وأسباب الزنا ودواعيه المقربة إليه كثيرة، منها ما يكون من قبل الأفراد - رجالاً ونساء - ومنها ما يكون من قبل الأسر والمجتمع، ومنها ما يكون من قبل الحكومات. ولنذكر شيئا من ذلك:



(أ) النظر المتعمد – إلى المرأة ومفاتنها، وتعمد المرأة النظر بريبة إلى الرجل.



فالنظر سهم من سهام إبليس، وبه ترتسم الصورة الفاتنة في القلب، فتفتنه وتهيجه، إذا لم يتوقها بالإقبال إلى الله وطلب العون منه على إزالتها. قال ابن القيم رحمه الله: "فأما اللحظات فهي رائد الشهوة ورسولها، وحفظها أصل حفظ الفرج، فمن أطلق نظره أورد نفسه موارد الهلاك، وقد قال النبي صلّ الله عليه وسلم: (يا علي لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى وليست لك الثانية) [قال في الحاشية: "وليست لك الآخرة" الحديث في سنن الترمذي (5/101) وقال: " هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث شريك" ورواه الحاكم في المستدرك (2/212) وقال: " هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه" ].



وفي المسند عنه صلّ الله عليه وسلم: (والنظر سهم مسموم من سهام إبليس). والنظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان، فإن النظرة تولد الخطرة، ثم تولد الخطرة فكرة، ثم تولد الفكرة شهوة، ثم تولد الشهوة إرادة، ثم تقوى فتصير عزيمة، فيقع الفعل، ما لم يمنع منه مانع" [كتاب الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي ص 129-130].



قلت: وأعظم الموانع من دواعي الزنا وأقواها، خوف الله تعالى ومراقبته كما سيأتي.



وقال ابن تيمية رحمه الله: "وأما النظر والمباشرة، فاللمم منها مغفور باجتناب الكبائر، فإن أصر على النظر، أو على المباشرة، صار كبيرة، وقد يكون الإصرار على ذلك أعظم من قليل الفواحش، فإن دوام النظر بالشهوة، وما يتصل به من العشق والمعاشرة والمباشرة، قد يكون أعظم بكثير من فساد زنا لا إصرار عليه، ولهذا قد ينتهي النظر والمباشرة بالرجل إلى الشرك.



كما قال تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبهم كحب الله} [البقرة 165]. ولهذا لا يكون عشق الصور إلا من ضعف محبة الله وضعف الإيمان. والله تعالى إنما ذكره في القرآن عن امرأة العزيز المشركة، وعن قوم لوط المشركين. والعاشق المتيم يصير عبداً لمعشوقه، منقاداً له، أسير القلب له" [مجموع الفتاوى (15/293].



وقال أبو حامد الغزالي رحمه الله: في كتابه الإحياء: "فإن العين مبدأ الزنا، فحفظها مهم، وهو عسر من حيث إنه يستهان به، ولا يعظم الخوف منه، والآفات كلها منه تنشأ، والنظرة الأولى إذا لم تقصد لا يؤاخذ بها، والمعاودة يؤاخذ بها... وقال العلاء بن زياد: لا تتبع بصرك رداء المرأة، فإن النظر يزرع في القلب شهوة، وقلما يخلو الإنسان في تردده عن وقوع البصر على النساء." [إحياء علوم الدين (3/106].



(ب) مخاطبة المرأة لغير حاجة:



ومن الوسائل والدواعي المقربة إلى الزنا وتعاطي الفاحشة، محادثة الرجل والأجنبي المرأة لغير حاجة، فإن الكلمة تجر كلاما، والمخاطبة من الطرفين تفتح بابا لطمع مريض القلب من الجانبين، ولهذا أباح الله تعالى مخاطبة الرجل المرأة للحاجة-من وراء حجاب-وأمر المرأة إذا تكلمت مع الرجل، ألا يكون في كلامها رقة تجعل مريض القلب بالشهوة يطمع فيها، وهذا هو صوت المرأة الذي يكون عورة، صوت الرقة والتميع والخضوع، وليس كل صوت للمرأة عورة.



قال تعالى: {وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب، ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن} [الأحزاب 53]. وقال تعالى: {يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن، فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض، وقلن قولاً معروفاً} [الأحزاب 32].



وهذا الحكم غير مختص بنساء النبي صلّ الله عليه وسلم، وإن كان السياق ورد فيهن، وتخصيصهن بالخطاب لبيان فضلهن على غيرهن في تقوى الله، حيث يضاعف الله لهن الأجر على من سواهن، كما يضاعف عليهن العقاب، إن أتين بفاحشة مبينة. كما نص على ذلك في الآيتين: {يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين، وكان ذلك على الله يسيرا. ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها كرتين، وأعتدنا لها رزقاً كريماً} [الأحزاب 30-31].



قال ابن كثير رحمه الله في قوله تعالى: {فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض}: "هذه آداب أمر الله تعالى بها نساء النبي صلّ الله عليه وسلم، ونساء الأمة تبع لهن في ذلك" [تفسير القرآن العظيم (3/482)].



وقال سيد قطب رحمه الله: "ينهاهن حين يخاطبن الأغراب من الرجال، أن يكون في نبراتهن ذلك الخضوع اللين الذي يثير شهوات الرجال، ويحرك غرائزهم، ويطمع مرضى القلوب ويهيج رغباتهم.



ومن هن اللواتي يحذرهن الله هذا التحذير؟ إنهن أزواج النبي صلّ الله عليه وسلم وأمهات المؤمنين اللواتي لا يطمع فيهن طامع، ولا يرف عليهن خاطر مريض فيما يبدو للعقل أول مرة. وفي أي عهد يكون هذا التحذير؟ في عهد النبي صلّ الله عليه وسلم، وعهد الصفوة المختارة من البشرية في جميع الأعصار، ولكن الله الذي خلق الرجال والنساء، يعلم أن في صوت المرأة حين تخضع بالقول، وتترقق في اللفظ، ما يثير الطمع في قلوب، ويهيج الفتنة في قلوب. وأن القلوب المريضة التي تثار وتطمع، موجودة في كل عهد وفي كل بيئة، وتجاه كل امرأة، ولو كانت هي زوج النبي الكريم – صلّ الله عليه وسلم – وأم المؤمنين، وأنه لا طهارة من الدنس، ولا تخلص من الرجس، حتى تمنع الأسباب المثيرة من الأساس". [في ظلال القرآن 22/2859].



(جـ) الخلو بالمرأة الأجنبية:



ومن أعظم الوسائل والدواعي المؤدية إلى تعاطي الفاحشة، أن يخلو الرجل الأجنبي بالمرأة الأجنبية، ولهذا حذر الرسول صلّ الله عليه وسلم من هذه الوسيلة. كما في حديث عقبة بن عامر، وفيه: (إياكم والدخول على النساء) فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أفرأيت الحمو؟ قال: (الحمو الموت) [البخاري رقم: 5232، وهو في فتح الباري (9/330) و في صحيح مسلم (4/1711)] والحمو يطلق على وأقارب الزوجين من غير المحارم.



وفي قوله تعالى في سورة الأحزاب: {وإذا سألتموهن فاسألوهن من وراء حجاب ذلك أطهر لقلوبكم وقلوبهن} دليل واضح على عدم جواز الخلوة بالمرأة من غير أزواج النبي صلى الله علليه وسلم، من باب أولى، لأنه نهى تعالى عن مخاطبتهن دون حجاب، ولا فرق بين أن يكون الذي يخاطبهن منفرداً أو معه غيره، فإن الحجاب واجب، والسفور محرم، فكيف بالخلوة؟



قال ابن جرير رحمه الله {ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن} يقول تعالى ذكره:

"سؤالكم إياهن إذا سألتموهن ذلك من وراء حجاب، أطهر لقلوبكم وقلوبهن، من عوارض العين فيها التي تعرض في صدور الرجال من أمر النساء، وفي صدور النساء من أمر الرجال، وأحرى من ألاَّ يكون للشيطان عليكم وعليهن سبيل" [جامع البيان عن تأويل آي القرآن (22/39)]



وقال سيد قطب رحمه الله في قوله تعالى: {ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن}: "فلا يقل أحد غير ما قال الله. لا يقل أحد: إن الاختلاط وإزالة الحجب والترخص في الحجب، واللقاء والجلوس والمشاركة بين الجنسين، أطهر للقلوب وأعف للضمائر، وأعون على تصريف الغريزة المكبوتة، وعلى إشعار الجنسين بالأدب وترقيق المشاعر والسلوك، إلى آخر ما يقوله نفر من خلق الله الضعاف المهازيل الجهال المحجوبين. لا يقل أحد شيئا من هذا، والله يقول: {وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن} يقول هذا عن نساء النبي الطاهرات وأمهات المؤمنين، وعن رجال الصدر الأول من صحابة رسول الله صلّ الله عليه وسلم، ممن لا تتطاول إليهن وإليهم الأعناق. وحين يقول الله قولاً، ويقول خلق من خلقه قولاً، فالقول لله سبحانه، وكل قول آخر هراء، لا يردده إلا من يجرؤ على القول بأن العبيد الفانين، أعلم بالنفس البشرية من الخالق الباقي الذي خلق هؤلاء العبيد. والواقع الملموس يهتف بصدق الله وكذب المدعين غير ما يقول الله، والتجارب المعروضة اليوم مصدق لما يقول. وهي في البلاد التي بلغ الاختلاط فيها أقصاه أظهر في هذا وأقطع من كل دليل" [في ظلال القرآن (22/2878].





(د) اختلاط الرجال بالنساء لغير حاجة مشروعة:



ومن دواعي الفتنة بين الرجال والنساء، الاختلاط بين الجنسين، بدون حاجة شرعية أو معاشية، تقرها الشريعة.



الاختلاط المشروع



فالاختلاط المأذون به شرعاً على صفة لا تكون سببا في الفتنة، مثل الحج الذي لا يمكن أداؤه بدون اختلاط بين الرجال والنساء، لأنهم يؤدون عبادة واحدة، في وقت واحد ومكان واحد، كالطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفات، والمبيت بمزدلفة، والمبيت بمنى، ورمي الجمرات.



وكذلك اختلاطهما في أرض المعركة، إذا دعت الحاجة أو الضرورة إلى ذلك، فإن المرأة مدعوة للقيام بالتمريض، وسقي المجاهدين، ونقل جرحاهم مع العناية بهم، ونقل موتاهم كذلك من المناطق التي يخشى عليهم من عدوان العدو عليهم بالتمثيل، بل هي مأمورة بالدفاع عن نفسها، إذا دعت حاجتها إلى ذلك.



وكذلك مشاركتها في صلوات الجمع والجماعات والأعياد، فإنها تختلط بالرجال في ذهابها وإيابها، وإن كانت مأمورة بالتحرز والبعد عن الرجال حتى في صفوف الصلاة، وكذلك الرجال مأمورون بذلك. ففي حديث أبي هريرة رَضي الله عنه: قال: قال رسول الله صلّ الله عليه وسلم: (خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها) [رواه مسلم برقم 977].



وقد تحتاج المرأة إلى المشاركة في الأسواق، لبيع أو شراء، عندما لا تجد من يكفيها المؤنة في ذلك، فتضطر إلى مبايعة الرجال ومماكستهم، وذلك كله مشروع، وقد حصل في عصور إسلامية متعددة، من عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، إلى عصرنا هذا، وستبقى حاجتها على ذلك مستمرة.



والواجب في هذه الحالات أن يحترز الرجال والنساء، وأن يبتعدوا عن مواطن الريبة، وأن يعملوا بما شرعه الله في حقهم جميعا، من غض البصر، وعدم قرب بعضهم من بعض، ما وسعهم ذلك، ولا عاصم لهم جميعا، إلا خوف الله وتقواه.



الاختلاط غير المشروع



أما الاختلاط غير المشروع الذي لا يمكن التحرز منه، فهو الذي يقصد الداعون إليه الفتنة، وجعله ذريعة إلى الفواحش والمنكرات، كاختلاط الجنسين في الفصول الدراسية، الطالب بجانب الطالبة، وفي أماكن اللهو كالسينما والمسرح، وأماكن الرقص، وفي الشواطئ، والمخيمات الصيفية الثقافية والرياضية والاجتماعية، التي تحصل فيها المنكرات وأسباب الرذيلة.



وقد عرف ذلك القاصي والداني، وهو يجري بترتيب وإعداد، من قبل بعض الدول التي تحارب الإسلام وما يدعو إليه من الأخلاق الفاضلة والخلال الطاهرة، وقد ذاق وبالَه المسلمون في غالب الشعوب الإسلامية، في كل أنحاء الأرض، حتى أصبحت الدياثة منتشرة بين كثير من أسر المسلمين ومجتمعاتهم، بل نال ذلك أسر بعض من يدعون العلم والفقه في الدين.



وإن الفساد الذي أحدثه الاختلاط الذي بقع في شباب المسلمين – فتيانا وفتيات -لكاف في تمييع هذا الشباب وتحطيم أخلاقه، وجعله في سقط المتاع، لا يغار على دين ولا خلق، ولا أرض ولا عرض.



والمؤسف أن بعض المدارس و المعاهد والجامعات التي كان واجبها أن تكون معاقل للعلم، وإشعاعا للمعرفة، وموطنا للأخلاق الفاضلة، والحث على القوة والدفاع عن الدين والمقدسات، يصمم قادتها على مستوى الدولة وعلى مستوى الإدارات، الدعوة إلى الاختلاط المنكر، حتى أصبحت بؤرا للفساد الذي حل محل الإصلاح والهدايةِ اللذين اعتاد الناس أن يتلقوهما من المعاهد والجامعات.[راجع: الحجاب للأستاذ المودودي ص: 102، وحصوننا مهددة من داخلها، للدكتور محمد محمد حسين ص 107، ومجلة المجتمع الكويتية، عدد 32، ص 3، وعدد 9 ص17، وعدد16 ص 20، وعدد 9 ص 12، وعدد 18 ص 4، وراجع الفصل الثاني من كتاب الخطر الصهيوني على العالم الإسلامي ص 47-61، لمؤلفه ماجد الكيلاني].



(هـ) إثارة الغرائز عن طريق أجهزة الإعلام:



ويأتي دور أجهزة الإعلام في إثارة غرائز الشباب – نساءً ورجالاً – ودعوتهم إلى الرذيلة بشتى الأساليب، وبجميع الوسائل: الإذاعة، والتلفاز، والسينما، والفيديو، والمسجلات، والصحف والمجلات، والقصص الغرامية، في الكتب غيرها، والتمثيليات والمسلسلات الإباحية. [واليوم في الشبكة العالمية: الإنترنت]، بالصوت والصورة والكتابة...



فقد تولى أمر هذه الوسائل في غالب الشعوب الإسلامية، من ينفذ توجيهات أعداء الإسلام من اليهود والنصارى والمنافقين بهذه الوسائل، أو أغرم بتقليدهم، محطمين بذلك إيمان المسلمين، وعبادتهم، وأخلاقهم وسلوكهم، وعاداتهم الحميدة التي توارثوها عن آبائهم جيلا بعد جيل،حتى ليراهم الرائي وقد فاقوا في حماسهم لنشر الرذيلة وأسباب الفساد، أساتذتَهم الذين يسمعون لهم ويطيعون، أكثرَ من سمعهم وطاعتهم لخالقهم ونبيهم وعلمائهم، فدمروا شباب المسلمين، حتى كادوا يفقدون رجولتهم التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم الغر الميامين، الذين بذلوا الغالي والنفيس في سبيل رفع راية الإسلام، حتى فتحوا القلوب بالهدى والرشاد، وحطموا سدود الطغيان في الأرض بالقوة والعتاد.



وما على المرء إلا أن يستعرض واقع غالب شباب المسلمين، ليرى إلى أين وصلوا من الميوعة وعبادة الشهوات، ولينظر إلى هذا الشباب الضائع كيف يتسكع في المسارح والمراقص والشوارع، وكيف يعكفون الأوقات الطوالَ في دور السينما وأمام شاشات التلفاز، لمتابعة الموضوعات السافلة، والمناهج القاتلة.



كما تراهم قد خلعوا جلباب الحياء والفضيلة في الحدائق العامة، وعلى شواطئ البحار وأماكن اللهو والفجور، قل الحياء في وجوههم، وأضحوا مثل الحيوانات السائبة، لا يبالون ما يصدر عنهم من منكر وسوء، تراهم قد تجمعوا في صفوف طويلة يتزاحمون من أجل الدخول إلى تلك الأماكن القذرة، كل منهم ينتظر دوره وراء منافسه الذي سبقه ليأخذ مكانه.



يكون ذلك كله في الوقت الذي ينادي منادي الله في مكبرات مآذن المساجد: بـ(حي على الصلاة حيى على الفلاح) فلا يجيبه إلا النزر اليسير ممن هدى الله، وقد تجد كثيراً من تلك القطعان البشرية، تتهكم بالمؤذن وتهزأ به وتسخر ممن يستجيب له! كل ذلك وغيره من أهم أسبابه ما غرسته في نفوس الناس وسائل الإعلام تلك، التي اعتلى على كراسي توجيهها أعداء الأمة الإسلامية وهم من أبناء جلدتها، ويتكلمون بلسانها، تسببوا في انحطاط أخلاق الجيل المسلم ومسخه. وحدث عن فرق المغنين والمغنيات والراقصين والراقصات، وما جروه على الشباب من وبال، ولا حرج.



قل لي بربك: هل ترى مثل هذا الجيل الذي وقع في شباك وسائل الإعلام المفسدة، فلم يستطع انتشال نفسه من حمأتها القذرة، يستطيع أن يقف أمام العدو للدفاع عن نفسه، فضلا عن قيامه بالدعوة إلى الله وإبلاغ العالم هذا الدين، والجهاد في سبيل الله، لرفع راية الإسلام؟ كلا وألف كلا!



وهؤلاء اليهود والنصارى وغيرهم من الكفرة أعداء الله، من وثنيين وشيوعيين ومنافقين وعلمانيين، يحاربون دين الله في أرضه، وغالب هذا الشباب لا زال يبتعد عن دينه، غارقا في بحر شهواته، يسوقه أعداؤه إلى مهاوي سقوطه، وفقده رجولته وميادين حتفه، من تلك الشهوات التي استعبدته، فاستبدل العزة بالذلة، والشجاعة بالجبن. [راجع كتاب حصوننا مهددة من داخلها صفحة: 81-صفحة 156]



قال ابن تيمية رحمه الله فيمن يحب شيوع الفاحشة: "وقوله تعالى {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة} الآية: [النور 19]: وهذا ذم لمن يحب ذلك، وذلك يكون بالقلب فقط، ويكون مع ذلك باللسان والجوارح، وهو ذم لمن يتكلم بالفاحشة، أو يخبر بها، محبة لوقوعها في المؤمنين، إما حسداً أو بغضاً، وإما محبة للفاحشة وإرادة لها، وكلاهما محبة للفاحشة وبغض للذين آمنوا، فكل من أحب ذِكْرها ذَكَرها" [مجموع الفتاوى (15/333]



نعم هناك شباب مسلم ملتزم بدينه، غيور على عزته، عنده استعداد للقيام بالجهاد في سبيل الله بضوابه الشرعية، دفعا للعدو، وإعزازا لدين الله، وسيكون قدوة حسنة لغيره من الشباب البعيد عن طاعة الله والالتزام بدينه، ولكن هذا الشباب الصالح قليل، وهو مع قلته يحول بينه وبين نصر دين الله، غالب من تولوا أمر المسلمين، الذين هم السبب في نشر الفاحشة والفساد في بلدان المسلمين.



(و)سفور المرأة المثير للغرائز:



ولقد حملت المرأة قسطاً كبيراً من الإثارة الداعية إلى الوقوع في الفاحشة، استجابةً لأعداء الفضيلة والأخلاق الفاضلة، حيث خرجت عن وظيفتها ومكانتها اللائقة بها، وفطرتها التي فطرها الله عليها، وهو البقاء في منزلها الذي -إلا لضرورة أوحاجة-لو قامت بواجبها فيه حق القيام، من حقوق زوجها وأولادها وأسرتها، لأسهمت في بناء جيل مثقف قوي، لا ينال منه أعداؤه إلا ما يسوؤهم، كما كان ذلك شأن المرأة المسلمة في العصور الماضية. [يراجع كتاب المؤلف: "المسئولية في الإسلام"].



ويكفي نقل هذا المقطع للأستاذ المودودي رحمه الله، لبيان بعض ما قامت به المرأة المعاصرة من الفتنة. قال رحمه الله: "فالذين قد عزموا على اتباع هذا الطريق - أي النظام الديمقراطي الغربى، الذي تسبب عنه الجهر بالفواحش - بقلب مطمئن مقتنع قد اكتمل الانقلاب أو كاد - في حياتهم الخلقية والاجتماعية، فعادت نساؤهم يخرجن من بيوتهن في ملابس شفافة، عارية، يخيل إلى الناظر كأن كل واحدة منهن ممثلة من ممثلات "هوليود" وأصبح يرى فيهن كل الجسارة والصفاقة، بل يتبين المرء من ملابسهن الفاضحة، وألوانهن البراقة، وعنايتهن بالتزين، وحركاتهن من التشفي والتغنج، أنه لا مطمع أمام أعينهن، إلا أن يكن مغنطيسا جنسيا، يجذبن الرجال إليهن جذبا، وقد قل الحياء فيهن إلى حد أن عدن لا يستحين من الغسل مع الرجال شبه عاريات، بل من عرضهن أنفسهن في تلك الحالة، لتؤخذ صورهن، وتنشر في المجلات. والحياء لم يعد له وجه عندهم حقا" [كتاب الحجاب صفحة: 129].



والمرأة عندما تخرج على تلك الهيئة المثيرة الداعية إلى الفساد، تهيج بذلك من في قلبه مرض، فيزيد طمعه في تعاطي الفاحشة، وتقوى إرادته لذلك، بخلاف المرأة المحتشمة عند خروجها، أو التي لم تخرج من بيتها إلا لحاجة، حفاظا على نفسها ووقاية لأمراض القلوب بالشهوات من فتنتها، فإنهم لا يطمعون فيها، بل قد يصيبهم اليأس الذي يضعف إرادة الفاحشة.



قال ابن تيمية رحمه الله: "ومن في قلبه مرض من الشهوة وإرادة الصور، متى خضع المطلوب، طمع المريض، والطمع الذي يقوي الإرادة والطلب، ويقوي المرض بذلك، بخلاف ما إذا كان آيسا من المطلوب، فإن اليأس يزيل الطمع، فتضعف الإرادة، فيضعف الحب، فإن الإنسان لا يريد أن يطلب ما هو آيس منه، فلا يكون مع الإرادة عمل أصلا، بل يكون حديث نفس، إلا أن يكون يقترن بذلك كلام أو نظر، ونحو ذلكن فيأثم بذلك" [مجموع الفتاوى: (10/132)].



(ز) الغناء:



هو من أعظم معاول هدم الأخلاق وإفساد القلوب، التي استطاع أعداء الله أن يقودوا بها الشباب من ذراري المسلمين، إلى طاعة الشيطان ومعصية الرحمن، وأن يقتلوا فيه الرجولة والإحساس بالمسئولية، والاعتزاز بدين الله الذي كان أجداده الميامين يعتزون به.



أقول: إن من أعظم تلك المعاول، الغناء الذي يعد الحمأة النتنة، التي تمد وسائل الإعلام بمادته التي لا يكاد يخلو منها لحظة من لحظات نشاطه المفسد للشعوب الإسلامية، وفيه يجتمع اللفظ القبيح الداعر، والمعنى الخبيث المميت للقلوب، والصوت الرخيم المفتن الصادر من النساء اللاتي أعددن إعداداً خاصا للإغراء والفتنة، وكذلك الرجال المتأنثين.



وذللت لهن كل الوسائل والأسباب التي تمكنهن من جعل أوقاتهن كلها مجالاً لهذا الداء العضال، ما بين تعلم من شياطين الفساد الذي يسمونه بالفن، وما بين تدرب على كيفية النطق بالألفاظ الملحنة، نطقا فيه من التكسر والتخنث ما لا يرضاه إلا الشيطان الرجيم وأتباعه الخاسرون، فترتب على ذلك إفساد الشبان والشابات، بل وكبار السن من الرجال والنساء.



ولهذا قال ابن القيم رحمه الله: "فلعمر الله كم حرة صارت بالغناء من البغايا، وكم حر أصبح عبدا للصبيان والصبايا، وكم من غيور تبدل به اسما قبيحا بين البرايا، وكم من ذي غنى وثروة أصبح بسببه على الأرض بعد المطارف والحشايا، وكم من معافى تعرض له فأمسى وقد حلت به أنواع البلايا، وكم أهدى للمشغوف به من أشجان وأحزان، فلم يجد بدا من قبول تلك الهدايا، وكم جرع من غصة وأزال من نعمة وجلب من نقمة، وذلك منه من إحدى العطايا، وكم خبأ لأهله من آلام منتظرة، وغموم متوقعة، وهموم مستقبلة؟!" [إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان].



وإذا كان هذا الوصف الذي سطره ابن القيم وقع في زمنه، قبل ابتكار وسائل الإعلام القديمة والحديثة التي لا يكاد يخلو منها بيت اليوم، منها المسموع، ومنها المرئي، ومنها المقروء، وقد أسست لها مدارس ومعاهد وكليات.



وقد خرَّجت جيوشاً من أبناء المسلمين، وأصبحوا سلعة غالية لدى كثير من جماهير الشعوب الإسلامية، الذين يؤثرونها على حفظة كتاب الله الكريم، ويحترمونها أكثر من احترامهم لعلماء المسلمين وقادتهم العظام، لا تتغنى وسائل الإعلام في غالب الدول إلا بتمجيدهم، وإضفاء الألقاب الفخمة عليهم، من تسميتهم بالنجوم تارة، وبالرواد تارة، وبالمناضلين مرة، وبالعمالقة ثانية، وبالملهمين حيناً، وبالقادة آنا، حتى إنك لتجد قارئ القرآن يذاع صوته من محطة، ويذاع صوت المغنية من محطة أخرى، فيقفل السامعون صوت القارئ، ليتحولوا إلى سماع المغنية.



أقول: إذا كان كلام ابن القيم هذا يحكي واقع الغناء في وقته، ولم توجد بعد هذه الأدوات، وهذا التكريم العام، فكيف به لو رأى وسمع ما يحدث من الغناء اليوم، وماذا تراه سيقول لو أنه بقي إلى عصرنا هذا؟



ألا ترى أن كلام ابن القيم قد بلغ ذروته اليوم، فأصبح ما ذكره من أوصاف سامع الغناء مجسما واضحا، حتى في أبناء البوادي الذين ما كانوا في الأزمنة الماضية إلا رجال شجاعة وبأس، يرسل الملوك والرؤساء أبناءهم من المدن إليهم، ليكتسبوا منهم الشجاعة والنخوة والعزة؟ ألا ترى أنه يصدق عليهم قوله: "وكم من حر أصبح عبدا للصبيان والصبايا؟" وهل يمكن أن يكون عبيد الصبيان والصبايا قادرين على القيام بالجهاد في سبيل الله، قبل أن يتحرروا من تلك العبودية الدنسة إلى عبودية الله وحده؟



ولقد حذر الرسول صلّ الله عليه وسلم، من فتنة النساء تحذيرا شديدا، كما في صحيح مسلم، من حديث زيد بن حارثة، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، عن رسول الله صلّ الله عليه وسلم، أنه قال: (ما تركت بعدي في الناس فتنة أضر على الرجال من النساء) [صحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي 4/2098].



وفي حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلّ الله عليه وسلم، قال: (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء) [صحيح مسلم أيضا، نفس الجزء ونفس الصفحة].



هذا، ومع كون النفس أمارة بالسوء، وتواقة إلى ارتكاب المحرمات، والوقوع في دنس الشهوات، فإن كثيرا من الناس تأصل فيهم حب الشهوات، حتى أصبحوا عبيدا لها، يتبعونها، ويتخذونها إلها لهم من دون الله، يعبدونها ويحثون الناس عليها، وقد يكونون من رؤساء الناس وحكامهم، ممن بيدهم وسائل الترغيب والترهيب، فيوقعون عامة الناس في حبائل شهواتهم تلك، لأن نفوسهم لا تهدأ، إذا رأوا في الأرض من يتطهرون من المعاصي، وقد وقعوا هم في أوحال الفواحش والمنكرات. كما قال تعالى: {والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً} [النساء: 27].



قال ابن جرير رحمه الله - بعد أن ساق أقوال المفسرين للآية: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: معنى ذلك ويريد الذين يتبعون شهوات أنفسهم، من أهل الباطل وطلاب الزنا، ونكاح الأخوات من الآباء، وغير ذلك مما حرمه الله، أن تميلوا ميلا عظيما، عن الحق وعما أذن الله لكم فيه، فتجوروا عن طاعته إلى معصيته، وتكونوا أمثالهم في اتباع شهوات أنفسكم، فيما حرم الله وترك طاعته، ميلا عظيما" [جامع البيان عن تأويل آي القرآن:( 5/29)]



وقال سيد قطب رحمه الله: "وأما ما يريده الذين يتبعون الشهوات، فهو أن يطلقوا الغرائز من كل عقال، ديني أو أخلاقي أو اجتماعي، يريدون أن ينطلق السعار الجنسي المحموم، بلا حاجز ولا كابح من أي لون كان، السعار المحموم الذي لا يقر معه قلب، ولا يسكن معه عصب، ولا يطمئن معه بيت، ولا يسلم معه عرض، ولا تقوم معه أسرة، يريدون أن يعود معه الآدميون قطعانا من البهائم، ينزو فيها الذكران على الإناث، بلا ضابط إلا ضابط القوة، أو الحيلة، أو مطلق الوسيلة.



كل هذا الدمار، وكل هذا الفساد، وكل هذا الشر، باسم الحرية-وهي في هذا الوضع ليست سوى اسم آخر للشهوة والنزوة-وهذا هو الميل الذي يحذر الله المؤمنين إياه، وهو يحذرهم ما يريده لهم الذين يتبعون الشهوات، وقد كانوا يبذلون جهدهم لرد المجتمع المسلم، إلى الجاهلية في هذا المجال الأخلاقي، الذي تفوقوا فيه وتفردوا بفعل المنهج الإلهي القويم النظيف، وهو ذاته ما تريده اليوم الأقلام الهابطة، والأجهزة الموجهة، لتحطيم ما بقي من الحواجز في المجتمع، دون الانطلاق البهيمي الذي لا عاصم منه، إلا منهج الله حين تقره العصبة المؤمنة في الأرض، إن شاء الله" [في ظلال القرآن: 5/632 دار الشروق].



ولقد بلغ الأمر بفتنة المرأة أن أصبحت بعض الجرائد تنشر في صفحاتها، ما يقع في بعض البلدان من "زنا المحارم"!





السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13467622

عداد الصفحات العام

850

عداد الصفحات اليومي