﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (04) سافر معي في المشارق والغارب :: (24) أثر الترية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (03) سافر معي في المشارق والمغارب :: (023) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(043)الجهاد في سبيل الله-الأدلة الخاصة على وجوب أداء كل فريضة

(043)الجهاد في سبيل الله-الأدلة الخاصة على وجوب أداء كل فريضة


أما النوع الثاني- وهو النصوص الواردة في كل فريضة على حدة، دالة على وجوب أدائها، ومبينة لآثار امتثالها، في تربية النفوس وتزكيتها، أو الأضرار المترتبة على التهاون بها، في قسوة القلوب وتدسية النفوس، فإن في حصرها وشرحها صعوبة ومشقة، وبسطا وتطويلا، لأن منها ما هو فرض عين على كل مسلم ومسلمة، ومنها ما هو فرض كفاية، إذا قام به بعض المسلمين قياما كافيا، سقط عمن عداهم، ومنها ما يوجبه المكلف على نفسه، كالنذر...



قال الحافظ في شرح الحديث الآنف الذكر: {وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه}: "يدخل تحت هذا اللفظ جميع فرائض العين والكفاية، وظاهره الاختصاص بما ابتدأ الله فريضته، وفي دخول ما أوجبه المكلف على نفسه نظر، للتقييد بقوله: {افترضته عليه} إلا إن أخذ من جهة المعنى الأعم." [فتح الباري (11/343)]



ولكثرة تلك الفرائض ونصوصها، يكفي ذكر بعضها، لمعرفة مدى أثرها في التربية والتزكية.



فريضة الصلاة:


الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام، كما في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: (بني الإسلام على خمس: شهادة ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان) [اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان: (1/3)].

وفي حديث عمر بن الخطاب - المشهور بحديث جبريل - قال: "يا محمد أخبرني عن الإسلام؟" فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: (الإسلام أن تشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا) قال: "صدقت…". [مسلم: (1/37)] وقد وردت نصوص القرآن التي توجب الصلاة بأساليب متنوعة:



منها الأمر بإقامتها، مثل قوله تعالى: {وأن أقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي إليه تحشرون} [الأنعام: 72].



ومنها الأمر بالمحافظة عليها، مثل قوله تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} [البقرة: 238].



ومنها ذم ووعيد من أضاعها وفرط في أدائها، كما قال تعالى: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا} [مريم: 59]



ومنها جعلها قرينة لبعض أصول الإيمان التي لا فلاح لمن لم يتصف بها، كما قال تعالى: {الم، ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين. الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون. والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون. أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون} البقرة: 1-5] وغير ذلك من الآيات التي لا يقصد هنا استقصاؤها.



أثر الصلاة في تزكية النفس


أما أثر الصلاة في تزكية المسلم وتربيته، فهو من الأمور التي يمكن معرفته من النصوص الكثيرة، من الكتاب والسنة، ولكن العلم الحق بذلك الأثر، لا يؤتاه إلا من ذاقه حقا في نفسه، بإقامتها، كما كان يقيمها رسول الله صلّى الله عليه وسلم، ويحافظ عليها كما كان يحافظ عليها، مع الإقبال على إليه وخشيته والخشوع له والإنابة إليه، وتدبر آياته وذكره فيها، فهي ركن من أركان فلاح المسلم، ولا فلاح له بدونها،كما مضى في الآيات الأولى من سورة البقرة قريبا.



وكذلك قوله تعال: {قد أفلح من تزكى. وذكر اسم ربه فصلى} [سورة الأعلى: 14-15] فقد علق سبحانه الفلاح بتزكية النفس، وذكر ما يتزكى به المؤمن، وهما ذكر الله والصلاة.



كما ذكر الله تعالى الصلاة، على رأس صفات المؤمنين المفلحين، في الدنيا والآخرة، بذكر بعض صفاتها، وهو الخشوع فيها، وختم بها كذلك تلك الصفات، بذكر بعض صفاتها الأخرى، وهو المحافظة عليها، مبينا سبحانه آثارها في المقيم لها، ومنها الفلاح الذي تترتب عليه وراثة الفردوس والخلود فيه.



كما قال تعالى: {قد أفلح المؤمنون (1) الذين هم في صلاتهم خاشعون (2) والذين هم عن اللغو معرضون (3) والذين هم للزكاة فاعلون (4) والذين هم لفروجهم حافظون (5) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين (6) فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون (7) والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون (8) والذين هم على صلواتهم يحافظون (9) أولئك هم الوارثون (10) الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون (11}) [المؤمنون].



ويظهر من اكتناف ذكر الخشوع في الصلاة، وذكر المحافظة عليها، أن الصفات الحميدة التي ذكرت بينهما لا تصدر إلا من مقيم الصلاة.



و من آثار تزكية الصلاة للنفس، أنها تنهي عن الفحشاء والمنكر، كما قال تعالى: {اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر. والله يعلم ما تصنعون} [العنكبوت: 45] وهذه من أعظم علامات إقامة الصلاة كما أمر الله، ومن أهم ثمارها وأثرها في تزكية نفس المسلم وتربيتها.

ومن آثارها أنها قرينة الصبر في استعانة المؤمن بها على طاعة الله واجتناب معصيته.

كما قال تعالى: {واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين} [البقرة: 45]. وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين} [البقرة: 153].



ومن آثار إقامة الصلاة أنها من أسباب الإحسان إلى الناس ولذلك تجد الإنفاق وإيتاء الزكاة مقترنين بها في أغلب آي القرآن، كقوله: {ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} [البقرة: 3]. وقوله: {وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة} [الأنبياء: 73].



ولقد أوضح رسول الله صلّى الله عليه وسلم، أثر الصلاة في تزكية النفس البشرية وتطهيرها من أدناس الشهوات والمعاصي فشبهها، في تكفير السيئات ومحو الخطايا، بنهر جارٍ بباب المسلم ـ وفي قرب النهر منه إغراء على كثرة الاغتسال والتطهر ـ وهو يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، فلا يبقى على جسمه شيء من الأوساخ.



كما في حديث عن أبي هريرة وأبي بكر أنه صلّى الله عليه وسلم قال: (أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم، يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء)؟ قالوا لا يبقى من درنه شيء. قال: (فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا). [البخاري: رقم 528، فتح الباري: (2/11) ومسلم (1 /462 واللفظ له].



ولا يزال المؤمن يزكي نفسه بالصلاة حتى تصبح ملجأ له، يستريح بها من الهموم والأتعاب كما في الحديث: (يا بلال أقم الصلاة أرحنا بها) [أبو داود: 5/263، قال في عون المعبود: والحديث سكت عنه المنذري ـ 13/231، وذكر الحديث صاحب كشف الخفاء (1/108) ولم يزل عنه الإلباس].



وتتوق نفس المؤمن إلى الطيبات التي أحلها الله له فيحبها، ولكن عينه لا تقر إلا عندما يقف أمام ربه مستقبلاً القبلة مكبراً خاشعاً في صلاته.



كما قال صلّى الله عليه وسلم: (حبب إليَّ من ديناكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة). [الجامع الصغير ورمز لمن أخرجه بـ(ح م، ن، ك، هـ ق) ولدرجته بـ"ح" أي حسن، وذكره الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته (3/87] وقال: "صحيح".



والنفس البشرية التي يجاهدها صاحبها حتى تصل إلى هذه الدرجة، فلا ترتاح إلا بطاعة الله تعالى ولا تقر عينه، إلا في مناجاة ربه والتقرب إليه، جديرة أن يكون صاحبها من المجاهدين في سبيل الله لرفع راية دينه في الأرض، جعلنا الله ممن يصل إلى تلك الدرجة أو يقرب منها.



ولقد كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم ينفذ أمر الله سبحانه بالاستعانة بالصلاة، فكان إذا نزل به ما يهمه لجأ إليها مستعيناً بها، كما في حديث حذيفة الذي رواه أبو داود: (كان إذا حزبه أمر صلى) [أبو داود (2/78) صحيح الجامع الصغير للألباني (4/215) وقال: (حسن)]. وهذا أمر زائد على الصلاة المفروضة، لكنه يظهر تعلق المؤمن بها تعلقاً يجعله جديراً بأن يكون من المجاهدين في سبيل الله.



أثر الزكاة في تزكية النفس



سبق ذكر بعض النصوص الدالة على أن الزكاة ركن الإسلام الثالث، ويكفي ذلك في إثبات وجوب أدائها.



أما أثر أدائها في تزكية المسلم وتطهيره من الذنوب والمعاصي، لتسمو نفسه حتى يصبح أهلاً للانخراط في سلك المجاهدين في سبيل الله، فمنها ما يأتي:



قوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصلِّ عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم} [التوبة: 103].



وتظهر آثار الزكاة في النفس البشرية من هذه الآية، حيث جعل الله تعالى الزكاة، سبباً في التزكية والتطهير لتلك النفس، التي كان من أهداف بعث الله تعالى رسوله إلى الناس تزكيته نفوسهم وتطهيرها، من كل دنس في حياتهم كلها.



كما قال تعالى: {هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} [الجمعة: 2].



قال سيد قطب في قوله: {ويزكيهم}: "وإنها لتزكية، وإنه لتطهير، ذلك الذي كان يأخذهم به رسول الله صلّى الله عليه وسلم، تطهير للضمير والشعور، وتطهير للعمل والسلوك، وتطهير للحياة الزوجية، وتطهير للحياة الاجتماعية، تطهير ترتفع به النفس من عقائد الشرك إلى عقيدة التوحيد، ومن التصورات الباطلة إلى الاعتقاد الصحيح، ومن الأساطير الغامضة إلى اليقين الواضح، ويرتفع به من رجس الفوضى الأخلاقية إلى نظافة الخلق الإيماني، ومن دنس الربا والسحت إلى طهارة الكسب الحلال.. إنها تزكية شاملة للفرد والجماعة، ولحياة السريرة وحياة الواقع، تزكية ترتفع بالإنسان وتصوراته عن الحياة كلها، وعن نفسه ونشأته، إلى آفاق النور التي يتصل فيها بربه، ويتعامل مع الملأ الأعلى، ويحسب في شعوره وعمله حساب ذلك الملأ العلوي الكريم" [في ظلال القرآن: (28/3565)].



وإنما كانت الزكاة سبباً في التزكية والتطهير؛ لأنها دليل على صدق إيمان العبد الذي يتغلب على شح نفسه، فيخرج من ماله الذي تعب في جمعه ما أمره الله تعالى به، ولأنها دليل على أن المؤمن الذي أداها، قد فاز في المعركة مع عدوه الذي يخوفه من الفقر ويأمره بالفحشاء، لنجاحه في طاعة ربه الذي أمره بالإنفاق ووعده بالفضل الجزيل من عنده.كما قال تعالى: {الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً والله واسع عليم} [البقرة:268].



وفي حديث أبي هريرة رضيَ الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلّى الله عليه وسلم فقال: أي الصدقة أعظم أجراً؟ قال: (أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم) قلت: (لفلان كذا ولفلان كذا، وقد كان لفلان) [البخاري: رقم1419 فتح الباري (3/284) ومسلم (2/716)].



ويظهر من هذا الحديث أن بذل المال وإخراجه طاعة لله تعال، أمر شاق على النفس يحتاج إلى جهادها حتى تسمح به.



قال النووي رحمه الله: "فمعنى الحديث أن الشح غالب في حال الصحة، فإذا سمح فيها وتصدق، كان أصدق في نيته وأعظم لأجره، بخلاف من أشرف على الموت وأيس من الحياة ورأى مصير المال لغيره" [شرح النووي على صحيح مسلم (7/123)].



وقال الحافظ ابن حجر: "ولما كانت مجاهدة النفس على إخراج المال مع قيام مانع الشح، دالاً على صحة القصد وقوة الرغبة في القربة، كان ذلك أفضل من غيره" [فتح الباري: (3/285)].



وفي صحيح مسلم [(1/203)]: (والصدقة برهان) وفي رواية للنسائي[(5/5)] (والزكاة برهان)



وقال النووي: "معناه: الصدقة حجة على إيمان فاعلها، فإن المنافق يمتنع منها لكونه لا يعتقدها، فمن تصدق استدل بصدقته على صدق إيمانه. والله أعلم [شرح النووي على مسلم (3/101)].



وقال ابن رجب: "فكذلك الصدقة برهان على صحة الإيمان، وطيب النفس بها، علامة على حلاوة الإيمان وطعمه". [جامع العلوم والحكم (ص19)].



وإذا عرف هذا علم أن من لم يجاهد نفسه حتى تسمح بإخراج جزء من ماله لله تعالى، فإنه لا يقدر على بذل نفسه في سبيل الله، لأن بذل النفس أشق من بذل المال، فكيف ترضى نفس أن تتقدم لأسنة رماح الأعداء، انتصاراً لدين الله ورفعاً لكلمته، وهي لا ترضى ببذل جزء من المال؟.

أثر صيام رمضان في تزكية النفس:


صيام رمضان وهو الركن الثالث من أركان الإسلام، وقد مضى دليله. والمقصود هنا بيان أثر الصيام في تزكية النفس وتطهيرها، وكونها أهلا لطاعة الله والبذل في سبيله، لقد بين الله سبحانه وتعالى أن القرآن العظيم، لا ينتفع به ويهتدي بهداه إلا المتقون.



فهو - وإن نزل للدعوة الناس كلهم إلى طاعة الله وتقواه - لا يهتدي به في الواقع إلا أهل التقوى. كما قال تعالى: {ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين} [البقرة: -2].



ومن أهم الأسباب التي تكسب المؤمن تقوى الله الصيام، وبخاصة صيام شهر رمضان، كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} [البقرة: 183].



وإنما يؤدي الصوم إلى التقوى، لما فيه من إلزام الإنسان نفسه بطاعة ربه، في اجتناب المباحات التي أصبحت محرمة عليه، بعد شروعه في الصيام. وحقيقة التقوى، امتثال أمر الله بفعله، وامتثال نهيه باجتنابه.



والإنسان عندما يدع ما تشتهيه نفسه من المباحات والطيبات، طاعة لربه سبحانه، يكون أكثر بعدا عما هو محرم عليه في الأصل، وأشد حرصا على فعل ما أمره الله به.


حكمة فرض الصوم وأثره في حياة المسلم:


قال ابن كثير رحمه الله: "يقول تعالى مخاطبا للمؤمنين، من هذه الأمة، وآمرا لهم بالصيام، وهو الإمساك عن الطعام والشراب والوقاع، بنية خالصة لله عز وجل، لما فيه من زكاة النفوس وطهارتها وتنقيتها من الأخلاط الرديئة والأخلاق الرذيلة - إلى أن قال - في قوله تعالى {لعلكم تتقون}: لأن الصوم فيه تزكية للبدن، وتضييق لمسالك الشيطان، ولهذا ثبت في الصحيحين: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة، فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء)" [تفسير القرآن العظيم01/213)
]



وقال في تفسير المنار على قوله تعالى: {لعلكم تتقون}: "هذا تعليل لكتابة الصيام، ببيان فائدته الكبرى وحكمته العليا، وهو أنه يعد نفس الصائم لتقوى الله تعالى، بترك شهواته الطبيعية المباحة الميسورة، امتثالا لأمره، واحتسابا للأجر عنده، فتتربى بذلك إرادتُه على مَلَكة ترك الشهوات المحرمة والصبر عنها، فيكون اجتنابها أيسر عليه، وتقوى على النهوض بالطاعات والمصالح والاصطبار عليها، فيكون الثبات عليها أهون عليه، ولذلك قال صلّى الله عليه وسلم: (الصيام نصف الصبر) رواه ابن ماجه، وصححه في الجامع الصغير)
[تفسير المنار: (2/145)].



وقال سيد قطب، رحمه الله في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}: "وهكذا تبرز الغاية الكبيرة من الصوم... إنها التقوى، فالتقوى هي التي تستيقظ في القلوب، وهي تؤدي هذه الفريضة، طاعة لله وإيثارا لرضاه، والتقوى هي التي تحرس هذه القلوب، من إفساد الصوم بالمعصية، ولو تلك التي تهجس بالبال، والمخاطبون بهذا القرآن يعلمون مقام التقوى عند الله ووزنها في ميزانه، فهي غاية تتطلع إليها أرواحهم، وهذا الصوم أداة من أداتها وطريق موصل إليها، ومن ثم يرفعها السياق أمام عيونهم، هدفا وضيئا يتجهون إليه عن طريق الصيام" [في ظلال القرآن: (2/168)].



وهنا نلفت النظر إلى الارتباط بين قوله تعالى في أول سورة البقرة: {هدى للمتقين} [الآية: 2] وبين قوله تعالى في أول آيات الصيام: {لعلكم تتقون} وقوله في آخر هذه الآيات: {ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون} [البقرة: 185]



فقوله تعالى: {هدى للمتقين} بين فيها أن هداية هذا القرآن، لا ينالها حقيقة إلا أهل التقوى. وقوله: {لعلكم تتقون} بين فيها أن الصيام طريق من الطرق الموصلة إلى التقوى. وقوله تعالى: {ولتكبروا الله على ما هداكم...} بين فيها أن الهداية قد حصلت للصائمين الذين منحهم الله بصومهم التقوى، والمتقي المهتدي جدير بأن يشكر الله على منحه التقوى والهداية: {ولعلكم تشكرون}.



قال ابن كثير رحمه الله في قوله تعالى: {لعلكم تشكرون}: "أي إذا قمتم بما أمركم الله، من طاعته بأداء فرائضه وترك محارمه، وحفظ حدوده، فلعلكم أن تكونوا من الشاكرين بذلك" [تفسير القرآن العظيم: (1/218)]



وقال سيد قطب رحمه الله في ظلال هذه الآية {ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون}: "فهذه غاية من غايات الفريضة، أن يشعر الذين آمنوا بقيمة الهدى الذي يسره الله لهم، وهم يجدون هذا في أنفسهم في فترة الصيام، أكثر من كل فترة، وهم مكفوفو القلوب عن التفكير في المعصية، ومكفوفو الجوارح عن إتيانها. وهم شاعرون بالهدى ملموسا محسوسا، ليكبروا الله على هذه الهداية، وليشكروه على هذه النعمة، ولتفيء قلوبهم إليه بهذه الطاعة، كما قال لهم في مطلع الحديث: {لعلكم تتقون}. وهكذا تبدو منة الله في هذا التكليف الذي يبدو شاقا على الأبدان والنفوس، وتتجلى الغاية التربوية منه، والإعداد من ورائه للدور العظيم الذي أخرجت هذه الأمة لتؤديه، أداء تحرسه التقوى ورقابة الله وحساسية الضمير" [في ظلال القرآن: (2/172)].



ولما كانت النفس البشرية تتوق إلى تناول ما تشتهيه، وتنفر عن ترك ذلك، فإن من أعظم ما يزكيها ويدفعها لطاعة ربه، أن تُدَرَّب على الصبر عن تناول الطيبات التي أباحها الله تعالى لها، إذا أمرها بتركها.



ومن أعظم شهوات النفس الطعام والشراب والجماع، وقد حرم الله على المؤمن هذه الأمور المهمة في حياته كلها، في نهار شهر رمضان بأكمله، فإذا تركها مخلصا لله في تلك المدة من الزمن، كان جديرا بأن يكون من المجاهدين لنفسه الأمارة بالسوء، ولهواه المردي، وللشيطان الرجيم، وهذه هي الأعداء الملازمة للإنسان في حياته



والذي ينجح في هذا الجهاد، يسهل عليه الجهاد الخاص، وهو قتال عدوه الخارجي من اليهود والنصارى والوثنيين، ومن لم ينجح في جهاد عدوه الملازم، يصعب عليه هذا الجهاد، لأن الذي لم يروض نفسه على طاعة الله بامتثال أمره واجتناب نهيه، فيما هو أخف عليه، كالصيام مثلا، فمن الصعب عليه أن يقف في الصف لمقارعة الأعداء يستقبل بصدره ونحره قذائف المدافع ورصاص البنادق، وأطراف الرماح وحد السيف.



وإن صبر من لم يجاهد نفسه بطاعة الله على قتال عدوه، فالغالب أنه لا يصبر مجاهدا الجهاد الشرعي، وهو الجهاد في سبيل الله، وإنما يقاتل رياء وسمعة، ليقال عنه: إنه شجاع، أو للحصول على مغنم، وليس هذا بالجهاد الشرعي.



وتأمل الأسلوب الذي فرض الله به القتال على المسلمين، تجده نفس الأسلوب الذي فرض الله به الصيام، بلفظ: {كتب} إلا أنه بَيَّن في الصيام أنه أداة لتقواه، وبين في فريضة القتال، انه فرضه عليهم وهو كره لهم، ومعلوم أن التقوى هي التي تعين المسلم على الصبر على ما تكرهه نفسه، وهو الجهاد في سبل الله.



قال تعالى: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم، وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون} [البقرة: 216].





السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13467565

عداد الصفحات العام

793

عداد الصفحات اليومي