﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (04) سافر معي في المشارق والغارب :: (24) أثر الترية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (03) سافر معي في المشارق والمغارب :: (023) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(047)الجهاد في سبيل الله-تزكية النفس بتطوع الحج والعمرة:

(047)الجهاد في سبيل الله-تزكية النفس بتطوع الحج والعمرة:



فُرِض الحج على المسلم بشروطه المبينة في كتب الفقه مرة واحدة في العمر، أما العمرة فاختلف في وجوبها، وليس البحث الآن بصدد بيان حكمها، ولكن على القول بوجوبها فإنها كذلك واجبة مرة واحدة في العمر، ويبقى باب التطوع مفتوحاً بالحج كل عام، وبالعمرة في أي وقت من الأوقات ـ وإن كره بعضهم تكرارها في العام، وكره بعضهم فعلها في بعض الأوقات، كأيام التشريق مثلاً.



والحديث الصحيح يدل على أن الإكثار من العمرة مُزَكٍّ للنفس ومطهر لها، وسُلَّمٌ إلى ثواب الله. ففي حديث أبي هريرة رضيَ الله عنه: أن رسول الله }صلّى الله عليه وسلم قال: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) [البخاري رقم 1773 فتح الباري (3/597) ومسلم (2/983)].



وفي حديثه أيضاً قال: "قال رسول الله }صلّى الله عليه وسلم: (من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه). [البخاري رقم 1819 فتح الباري (4/20) ومسلم (2/983)].



هذا مع ما يشتمل عليه الحج والعمرة من مشاق السفر ومفارقة الأهل والوطن، وما يتضمنه كل منهما من أذكار وطاعات كثيرة.



والحديثان شاملان لحج الفرض وحج التطوع لعموم لفظهما، وإذا كانت العمرة إلى العمرة تكفران ما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، والحاج الذي يؤدي حجه كما يرضي ربه يرجع كيوم ولدته أمه، فإن ذلك يظهر ما للحج والعمرة من التزكية والتطهير للنفس البشرية.



أثر ذكر الله تعالى في تزكية النفس



وذكر الله تعالى من أعظم الطاعات التي تجعل العبد متصلاً بربه في كل أوقاته، وليس المقصود به تحريك اللسان بالأذكار الواردة شرعاً فقط، بل ذلك مع تأمل الأذكار بالقلب وتفهم معانيها والاستفادة منها، بامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، وامتلاء القلب من خوف الله ومحبته سبحانه.



وقد لا يتحرك اللسان بالذكر، ولكن القلب لا يغفل عن الله، وعلامة ذلك أن يتقيد المسلم في كل أعماله بما شرع الله، فإذا حدثته نفسه بترك واجب ذكر الله فأدى ذلك الواجب، وإذا حدثته نفسه بارتكاب محرم ذكر الله، فأقلع عن ذلك المحرم، وهكذا تجده ذاكراً لله في كل أحيانه.



ولعل هذا من معاني قوله تعالى: {واذكر ربك إذا نسيت..} [الكهف: 24].

ولهذا أمر الله تعالى المؤمنين بالإكثار من الذكر، كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً وسبحوه بكرة وأصيلاً. هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور، وكان بالمؤمنين رحيماً} [الأحزاب: 41ـ43].



وتأمل كيف ينقلب مَن يذكر ربه من حالةِ مرتكبٍ للفاحشة، إلى حالةِ مطيعٍ عامل مستغفر مغفور له، مثابٍ عند ربه.



قال تعالى: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين. الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين، والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون، أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين} [آل عمران: 133-136].



وكلما ذكر المؤمن ربَّه ذكره ربُّه، وأين ذكر العبد المخلوق الفقير إلى الله ربه، من ذكر الله الخالق الغني عبدَه؟



قال تعالى: {كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم، ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون، فاذكروني أذكركم، واشكروا لي ولا تكفرون} [البقرة: 152].



وفي الحديث القدسي عن أبي هريرة رضيَ الله عنه قال: "قال النبي }صلّى الله عليه وسلم: يقول الله تعالى: {أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خير منهم. وإن تقرب إليّ شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إليّ ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة}. [البخاري رقم 7405، فتح الباري (13/384) ومسلم (4/2061)].



وذكر الله تعالى تلين به قلوبُ المؤمنين وتكون ساكنة مطمئنة إلى ربها، كما أنه يذكرها عظمته فتخافه، ويترتب على ذلك المسارعة بطاعته والبعد عن معصيته. قال تعالى: {الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله، ذلك هدى الله يهدي به من يشاء، ومن يضلل فما له من هادٍ} [الزمر: 23].



وقال تعالى: {فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين، الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} [الحج: 34 ـ 35].



وقال تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون} [الأنفال: 2].



وقال تعالى: {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب} [الرعد: 28]



وكما حث الله تعالى على ذكره عموماً في الآيات السابقة وأمثالها، مثل قوله: {إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب، الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم، ويتفكرون في خلق السموات والأرض: ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك..} [آل عمران: 190 ـ191].



فإنه سبحانه قد حث على ذكره في عبادات معينة كثيرة، مثل الحج كما قال تعالى: {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فجٍ عميق، ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} [الحج/ 27 ـ 28].



وقال تعالى: {فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام، واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين} [البقرة: 198].



وقال: {فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذركم آبائكم أو أشد ذكراً} [البقرة: 200]



ومثل الجهاد في سبيل الله كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون} [الأنفال: 45].



وذكر الله تعالى من أهم أسباب طلب مرضاة الله ومغفرته، ومن أعظم ما يدفع العبد إلى الإكثار من طاعة الله والبعد عن معصيته، ولذلك كان الذكر من أعظم العبادات تزكيةً للنفس وتطهيراً لها وعوناً عليها وعلى أعوانها. فعن أبي هريرة رضيَ الله عنه قال: "قال رسول الله }صلّى الله عليه وسلم: (إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإن وجدوا قوماً يذكرون الله تنادوا هلموا إلى حاجتكم، قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا.



قال: فيسألهم ربهم وهو أعلم منهم: (ما يقول عبادي)؟ قالوا: يقولون يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك، قال: فيقول: (هل رأوني)؟ قال: فيقولون: لا والله ما رأوك، قال: فيقول: (وكيف لو رأوني)؟ قال: يقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة وأشد لك تمجيداً وأكثر لك تسبيحاً. قال: يقول: (فما يسألوني)؟ قال: يسألونك الجنة، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يا رب ما رأوها، قال: يقول: (فكيف لو أنهم رأوها)؟ قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصاً وأشد لها طلباً وأعظم فيها رغبة. قال: (فمم يتعوذون)؟ قال: يقولون: من النار، قال: يقول: (وهل رأوها)؟ قال: يقولون: لا والله ما رأوها، قال: يقول: (فكيف لو رأوها)؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فراراً وأشد لها مخافة.



قال: فيقول: (فأشهدكم أني قد غفرت لهم) قال: يقول: ملك من الملائكة فيهم فلان ليس منهم، إنما جاء لحاجة، قال: (هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم) [البخاري رقم 6408 فتح الباري (11/208) ومسلم (4/2069)]



والذكر رافع للدرجات محَّاءٌ للخطايا، والذي ترفع درجاته وتمحى خطاياه باستمرار مفلح مزكٍ نفسه ومطهرها.



ففي حديث أبي هريرة رضيَ الله عنه: "أن رسول الله }
صلّى الله عليه وسلم قال: (من قال سبحان الله وبحمده مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر)" [البخاري رقم 6405 فتح الباري (11/206) ومسلم (4/2071)].



وفي حديثه أيضاً:"أن رسول الله }صلّى الله عليه وسلم قال: (من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، في كل يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك) [البخاري 3293 فتح الباري (6/338) ومسلم (4/2071)].



وهنالك أذكار كثيرة شرع للمؤمن المحافظة عليها، منها المطلق ومنها المقيد بعدد أو وقت أو بهما، كالذكر عند النوم والاستيقاظ منه، وأذكار الصلاة كالتكبير والتسبيح والتحميد، والذكر بعد الصلاة، و عند دخول المسجد أو الخروج منه، و عند دخول المرحاض و عند الخروج منه، وعند السفر وعند الرجوع منه، وعند النزول بمكان في السفر، وعند تناول الطعام والشراب أو الفراغ منهما. وعند مباشرة الزوجة، وعند دخول المنزل، وركوب الدابة أو نحوها.



وفي مناسك الحج من وقت الإحرام إلى الانتهاء منه وهكذا... ولو أراد الإنسان أن يجمع تلك الأذكار ويحفظها ويعمل بها، لما وجد وقتاً يخلو من ذكر الله، مع أن ذلك ميسر وسهل لا يقتضي منه ترك عمله. وإذا شغل عن الذكر باللسان، فإنه يستطيع أن يذكر الله في كل حين بقلبه وسلوكه.



[يرجع في هذه الأذكار إلى الأمهات الست وغيرها من كتب الحديث، حيث تفرد لها أبواب خاصة، وهناك كتب عُنِيَ مؤلفوها بجمع الأذكار خاصة، مثل الأذكار للنووي، والكلم الطيب لابن تيمية، والوابل الصيب من الكلم الطيب لابن القيم وغيرها].



المجاهد هو الذاكر الصادق النية



قال ابن القيم رحمه الله: "وفي الترمذي أيضاً عن النبي }صلّى الله عليه وسلم عن الله عز وجل أنه يقول: {إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاقٍ قرنه}". [الوابل الطيب صفحة 50 والحديث في سنن الترمذي(5/570) وقال فيه: " هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ليس إسناده بالقوي"].



وقد عُنِي ابن القيم رحمه الله ببيان فوائد الذكر في كتابه المذكور، ويكفي أن تذكر منه هذه الجملة. قال: "الخامسة والثلاثون أن الذكر يُيَسَّر للعبد وهو في فراشه وفي سوقه وفي حال صحته وسقمه وفي حال نعيمه ولذته، وليس شيء يعم الأوقات والأحوال مثله، حتى أنه ييسر للعبد وهو نائم على فراشه، فيسبق القائم مع الغفلة، فيصبح هذا وقد قطع الركب وهو مستلق على فراشه، ويصبح ذلك القائم الغافل في ساقة الركب، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء". [الوابل الطيب صفحة64].



وقال رحمه الله: "ومن منازل {إياك نعبد وإياك نستعين} منزلة الذكر، وهي منزلة القوم الكبرى التي منها يتزودون، وفيها يتجرون، وإليها دائماً يترددون. والذكر منشور الولاية الذي من أُعطيَه اتصل ومن مُنَعه عُزِل، وهو قوت قلوب القوم الذي متى فارقها صارت الأجساد لها قبوراً، وعمارة ديارهم التي إذا تعطلت عنه صارت بوراً، وهو سلاحهم الذي يقاتلون به قطاع الطرق، وماءهم الذي يطفئون به التهاب الطريق، ودواء أسقامهم الذي متى فارقهم انتكست منهم القلوب، والسبب الواصل والعلاقة التي كانت بينهم وبين علام الغيوب.



وهو جلاء القلوب وصقالها، ودواءها إذا غشيها اعتلالها، به يزول الوَقْرُ عن الأسماع والبكم عن الألسن، وتقشع الظلمة عن الأبصار، وبالذكر يَصرَع العبدُ الشيطانَ، كما يصرع الشيطانُ أهلَ الغفلة والنسيان. قال بعض السلف: "إذا تمكن الذكر من القلب، فإن دنا منه الشيطان صرعه كما يصرع الإنسان إذا دنا منه الشيطان، فيجتمع عليه الشياطين يقولون ما لهذا؟ فيقال: قد مسته الإنس وهو روح الأعمال الصالحة، فإذا خلا العمل عن الذكر كان كالجسد الذي لا روح فيه" [مدارج السالكين (2/423)].





السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13467616

عداد الصفحات العام

844

عداد الصفحات اليومي