﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (04) سافر معي في المشارق والغارب :: (24) أثر الترية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (03) سافر معي في المشارق والمغارب :: (023) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(048)الجهاد في سبيل الله-جهاد النفس المطلب الثاني: محاسبتها ومخالفتها.

(048)الجهاد في سبيل الله-جهاد النفس المطلب الثاني: محاسبتها ومخالفتها.


وذلك بالأمور الثمانية الآتية:



الأمر الأول: محاسبتها على ما منحها الله تعالى من النعم العظيمة التي توجب عليها شكره والبعد عن معصيته.



إن نعم الله سبحانه وتعالى على عبده، لا يحصيها إلا هو سبحانه. فمنه تعالى كانت نعمة خلق هذا الإنسان وإيجاده، بعد أن لم يكن شيئاً يذكر، كما بين له طريق الخير والشر، وحثه على سلوك الأولى وحذره من الثانية. قال تعالى: {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً، إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً، إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً} [الدهر: 1ـ3].



ومنه سبحانه نعمة الرزق حيث سخر له السموات والأرض والنباتات والحيوانات في البر والبحر، ومنحه الأدوات التي تعينه على تناول ذلك الرزق، المنفصلة عنه كالآلات الزراعية وآلات الصيد وآلات الطهي، وغيرها مما لا يمكن حصره، والمتصلة به، وهي جوارحه وأجهزة جسمه كاليدين والرجلين والجهاز الهضمي والجهاز الدموي والجهاز التنفسي والجهاز الإخراجي وغيرها. كما قال تعالى: {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم، الذي خلقك فسواك فعدلك، في أي صورة ما شاء ركبك} [الانفطار: 6-8].



وقال تعالى: {أأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها، رفع سمكها فسواها، وأغطش ليلها وأخرج ضحاهاً، والأرض بعد ذلك دحاها، أخرج منها ماءها ومرعاها، والجبال أرساها، متاعاً لكم ولإنعامكم} [النازعات: 27-33].



وقد شمل ذلك وغيره من نعم الله التي لا تحصى قوله تعالى: {وما بكم من نعمة فمن الله..} [النحل: 53]. وقوله: {وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار} [إبراهيم: 34]



وأعظم نعمة على الإنسان إنزال الكتب وإرسال الرسل، لهدايته وبيان الهدى والضلال له ودعوته إلى الهدى وتحذيره من الضلال. كما قال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتبوا الطاغوت} [النحل: 36].



الأمر الثاني: تذكير النفس بأن الله تعالى لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وأن كل شيء يعمله العبد فإنه محصًى عليه مكتوبٌ، يحاسب عليه يوم القيامة. كما قال تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد. إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد. ما يلفظ من قول إلى لديه رقيب عتيد} [ق: 16 ـ 18] وقال: {وإن عليكم لحافظين، كراماً كاتبين، يعلمون ما تفعلون} [الانفطار من 10 ـ 12]. وقال تعالى: {يوم يبعثهم الله جميعاً فينبئهم بما عملوا، أحصاه الله ونسوه، والله على كل شيء شهيد} [المجادلة: 6] وقال تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره} [الزلزلة 7 ـ 8].



وفي حديث جبريل المشهور: (الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) [البخاري رقم 50، فتح الباري (1/114) ومسلم (1/36)].



ولهذا أمر الرسول صلّى الله عليه وسلم بتقوى الله في كل مكان وزمان، لأنه تعالى لا يغيب عن الإنسان في كل أحواله: (اتق الله حيثما كنت) [الترمذي (4/355 ـ356) وقال: "هذا حديث حسن صحيح" وراجع جامع العلوم والحكم لابن رجب ص 136)].



الأمر الثالث: تذكير النفس بالموت، وبأهوال يوم القيامة الذي يجمع الله فيه الأولين والآخرين، وفيه تكشف الأسرار وتوزن الأعمال، فمن غلبت حسناته فاز ونجا، ومن غلبت سيئاته خسر وندم، ولات ساعة مندم. قال تعالى: {إذا السماء انفطرت، وإذا الكواكب انتثرت، وإذا البحار فجرت، وإذا القبور بعثرت، علمت نفس ما قدمت وأخرت} [الانفطار: 1 ـ 5]



وقال تعالى: {فأما من ثقلت موازينه، فهو في عيشة راضية، وأما من خفت موازينه، فأمه هاوية، وما أدراك ما هي، نار حامية} [القارعة: 6 ـ 11]. وقال: {فإذا جاءت الطامة الكبرى، يوم يتذكر الإنسان ما سعى، وبرزت الجحيم لمن يرى، فأما من طغى، وآثر الحياة الدنيا، فإن الجحيم هي المأوى، وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة هي المأوى} [النازعات: 34 ـ 41].



ويجب كذلك أن ينبه الإنسان نفسه من غفلتها وإعراضها ولعبها ولهوها وظلمها، بأن قيام الساعة كذلك قريب وهو أمر يجب أن يعد له العدة. كما قال تعالى: {اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون، ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون، لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا…} [الأنبياء: 1 ـ 3].



وعليه أن يصف لها أهوال هذا اليوم فيطلعها على مثل قوله تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم، يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد} [الحج: 1 ـ 2].



وعليه دائماً أن يوقظها من غفلتها بأن الموت على الرقاب، فيجب أن يعد له العدة قبل أن يدهمه وهو على سخط الله تعالى، وقد أعذر الله إليها بما أعطاها من الفسحة في العمر. كما قال تعالى: {أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر، وجاءكم النذير} [فاطر: 37]. وقال تعالى: {وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفئن مت فهم الخالدون، كل نفس ذائقة الموت، ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون} [الأنبياء: 34 ـ 35].

وقال: {ألهاكم التكاثر، حتى زرتم المقابر} [التكاثر: 1ـ2].



وبقوله صلّى الله عليه وسلم، في حديث عبد الله بن عمر رضِي الله عنهما: (يوم يقوم الناس لرب العالمين، حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه) [البخاري رقم 4937، فتح الباري (8/696) ومسلم (4/2195)].



وقوله في حديث أبي هريرة: (يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعاً، ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم) [البخاري رقم 6532 فتح الباري (11/392) ومسلم (4/3196)].



وكذلك يذكر نفسه بالقبر ووحشته وعذابه، الذي لا ينجو منه إلا صاحب العمل الصالح، ويذكر لها حديث أنس بن مالك رضِي الله عنه: "أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: (إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ ـ لمحمد صلّى الله عليه وسلم ـ فأما المؤمن فيقول أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعداً من الجنة فيراهما جميعاً) [البخاري رقم 1374، فتح الباري (3/232) ومسلم (4/2200)].



وهذا يدعو المؤمن أن يذهب بنفسه إلى القبور فيزورها، ليتذكر الحياة وابتلاءه فيها والموت وما بعده، كما قال الرسول صلّى الله عليه وسلم: (نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) [مسلم (2/672)] وفي رواية في غير مسلم: (فإن زيارتها تذكرة) [أبو داود (3/557)] وفي رواية: (فزوروا القبور فإنها تذكركم بالموت) [أبو داود (3/557)].



الأمر الرابع: مجاهدة النفس للاقتداء بأهل الأسوة الحسنة:



وهم أصحاب السمو والرفعة الذين ارتفعت نفوسهم عن كل ما يخالف أمر الله، من شهوات الدنيا وسفاسفها وملذاتها، حباً لله وطمعاً في ثوابه، وخوفاً من عقابه، حتى يكون ممن تشمله رحمة الله ومغفرته، إذ يحقق بذلك محبة الله ومحبة رسوله وعباده الصالحين، والمرء مع من أحب، فإن أحب أهل الكفر والفسوق والعصيان، فهو معهم في الدنيا والآخرة، وإن أحب أنبياء الله ورسله وعباده الصالحين كان معهم في الدنيا والآخرة.



ألا ترى أن المسلم يجب أن يقرأ الفاتحة في كل ركعة يصليها لله، فرضاً كانت أو نفلاً، وهو يدعو فيها بهذا الدعاء: {اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين…} [الفاتحة: 6].



فمن هُدِيَ إلى صراط الله المستقيم مع المنعَم عليهم، كان معهم يوم القيامة، حيث يمر على الصراط مثلهم أو قريباً منهم، ومن ترك هذا السبيل واتبع سبلاً أخرى متفرقة، كان مع أهل تلك ا لسبل، وهم المغضوب عليهم والضالون.



وتذكير النفس بهذا الأمر، من أعظم الدواعي لتزكيتها وتطهيرها وإعدادها للجهاد في سبيل الله.



قال ابن تيمية رحمه الله: "ومن هذا الباب ـ أي مما تستلزمه محبة الله ورسوله ـ ما استفاض عنه صلّى الله عليه وسلم من حديث ابن مسعود وأبي موسى وأنس أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: (المرء مع من أحب) [مسلم (4/232) وما بعدها]. وفي رواية أنه سئل عن الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم ـ أي ولما يعمل بأعمالهم ـ فقال: (المرء مع من أحب).



قال أنس: فما فرح المسلمون بشيء بعد الإسلام فرحهم بهذا الحديث، فأنا أحب النبي صلّى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر، وأرجو أن يجعلني الله معهم وإن لم أعمل عملهم. وهذا حق، فإن كون المحب مع المحبوب، أمر فطري لا يكون غير ذلك، وكونه معه هو على محبته إياه، فإن كانت المحبة متوسطة أو قريباً من ذلك كان معه بحسب ذلك، وإن كانت المحبة كاملة كان معه كذلك، والمحبة الكاملة تجب معها الموافقة للمحبوب في محابه إذا كان المحب قادراً عليها، فحيث تخلفت الموافقة مع القدرة، يكون قد نقص من المحبة بقدر ذلك، وإن كانت موجودة.



وحب النبي وإرادته يستلزم بغض ضده وكراهته، مع العلم بالمضاد، ولهذا قال تعالى: {لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله} والموادة من أعمال القلوب". [مجموع الفتاوى: (10/752) والآية في سورة المجادلة: 22].



وليذكر المسلم نفسه بقصة يوسف عليه السلام التي يتضح بها التطبيق العملي، لقول الرسول صلّى الله عليه وسلم: (المرء مع من أحب). فقد توافرت كل دواعي الإغراء والترغيب لوقوعه في معصية الله، وكل وسائل التهديد والترهيب.



ومع ذلك كان مع من أحب وهو الله سبحانه وتعالى، فلم تستهوه دواعي الإغراء والترغيب، ولم تخضعه وسائل التهديد والترهيب، بل لجأ إلى ربه مستغيثاً به فأغاثه قال: {رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه، وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين، فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن، إنه هو السميع العليم} [يوسف: 33 ـ 34].



ولا يقال إن هذه المنزلة لا يبلغها إلا الأنبياء لأنهم معصومون، فإن الذي يقتدي بالأنبياء في مجاهدة نفسه وصبره ودعاء ربه واستعانته به، يوفقه الله ويعينه، ويحول بينه وبين معصية الله وييسر له تزكية نفسه، وإن لم يبلغ في ذلك ما بلغه الأنبياء.



وفي هذا تذكر قصة الثلاثة أهل الغار الذين فرج الله عنهم بتوسلهم إليه بأحسن أعمالهم التي تقربوا بها إليه مخلصين. ومنهم ذلك الرجل الذي اجتهد في الوقوع في المعصية حتى تمكن منها، فلما ذُكِّر بالله ذَكَر وخاف وترك لله: (وقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أني كنت أحب امرأة من بنات عمي كأشد ما يحب الرجل النساء، فقالت: لا تنال ذلك منها حتى تعطيها مائة دينار، فسعيت فيها حتى جمعتها، فلما قعدت بين رجليها، قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقمت وتركتها، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا فرجة، قال ففرج عنهم الثلثين) [البخاري رقم 2215، فتح الباري (4/408) ومسلم (4/2099)]. فليقتد المؤمن في مجاهدة نفسه بعباد الله الصالحين حتى يكون في ركبهم.



الأمر الخامس: تذكير النفس بمعنى الحرية الحقة، ومعنى الرق والعبودية المذلين.



لأن النفس دائماً تحب أن تنطلق في ميادين شهواتها، وتكره أن يقيدها أحد عن تلك الشهوات، مهما كانت، وتظن أن في ذلك حريتها، وأن في تقييدها عبودية وخضوعاً لمن يقيدها عن شهواتها، وهي لا تريد الخضوع لأحد، وإنما تريد الحرية الكاملة، ولم يمر زمان من الأزمان، اشتهر فيه النداء بالحرية، كما اشتهر في هذا الزمان الذي انتشرت فيه الدعوة إلى الحرية ،بهذا اللفظ، وإن كان الناس ينطلقون في كل الأزمنة وراء شهواتهم كما يشاءون، وذلك يكثر ويقل حسب تربية الناس وتوجيه قادتهم لهم.



والسبب في ذلك أن أعداء الله ممن يحبون إشاعة الفاحشة وتدنيس النفوس وبعدها عن الله تعالى، فسروا لها الحرية بعكس معناها و فسروا العبودية -كذلك - بعكس معناها، وعندما يسوء الإدراك والتصور يسوء السلوك والتصرف.



ففسروا الحرية بأنها الانطلاق الكامل من كل قيد، حتى ولو كان هذا القيد صادراً من خالق السموات والأرض، وبنوا على ذلك بأن للإنسان أن يَغشَى كل ما تشتهيه نفسه وتهواه مالاً أو جنساً، أو منصباً أو غير ذلك، وله أن يدوس على حريات الناس كلهم – قانونا أو واقعا- ما دام يستطيع الوصول إلى بغيته، وكل واحد عليه أن يباري غيره، فمن عزَّ بزَّ ومن غلب استلب، وتسمية الأشياء بغير أسمائها للتضليل ليست جديدة، وإن اختلفت أساليبها ووسائلها.



ألا ترى هذه العبارة الخبيثة التي أطلقها إبليس لإغراء آدم وتحريضه على معصية الله {فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى} [طه: 120] وعلى الرغم من ترغيب الله وتحذيره لآدم فإن قلب الحقائق عمل فيه عمله: {وعصى آدم ربه فغوى} [طه: 121].



ولقد كذب عدوُّ الله - الشيطان - وكذب أتباعه الكفرة الفجرة، فليس ما زعموه حرية بحرية، بل إنه الرق لا لجهة واحدة، بل لجهات لا تحصى ولا تعد إلا إذا أحصيت شهوات النفس وملذاتها التي يشتهيها ويهواها البشر، ومن يستطيع أن يحصي ذلك غير الخالق؟

فإن الإنسان لا يهوى شيئاً من الملذات، شهوة نكاح أو مال أو جاه أو غيرها، إلا ريثما يمله ويهوى غيره من جنسه، وهكذا يظل طول عمره وهو يهوى شيئاً ويمله، ويهوى غيره ويمله، فتبقى نفسه في طمع وهلع، طمع في ما تهوى ولم تحصل عليه، وهلع من مفارقة ما حصلت عليه أن يذهب من بين يديها.



والذي يهواه الإنسان يهواه غيره فينافسه فيه، وقد يرغب في شيء ويكره الآخر حصول ذلك الراغب عليه، فيقف ضده ويحول بينه وبينه، والنفس في كل ذلك أسيرة رقيقة لتلك الأشياء كلها حصلت عليها أو لم تحصل.



والحرية الحقة إنما هي حرية من حقق عبوديته لله وحده، فأطاعه في أوامره وازدجر عن نواهيه، ولو كره الناس منه طاعة ربه وازدجاره عن معاصيه، بل ولو كرهت نفسه ذلك.



عندئذٍ فقط يكون حراً، لا تخضع نفسه لمال ولا لجنس ولا لمنصب أو جاه ولا لشيء، إلا لله الخالق الذي لا يستحق أحد غيره الخضوع المطلق والحب المطلق والطاعة المطلقة، وها هو القرآن كلام الله يصور ذ لك أبين تصوير ويوضحه أعظم توضيح.



قال تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (75)} [النحل]



فالأول مكبل بعبوديته لغير الله، يحبسه مستعبده عن كل ما يريد فعله، مما ينفعه، والآخر حر من عبودية غير الله، يتصرف في أموره بما ينفعه في الدنيا والآخرة، لا يتقيده عبودية غيره من البشر له.



ثم إن العبد المملوك لغير الله، قد يكون عبدا لمتعددين من سادته من الناس أو من شهوات نفسه، فيكون بذلك مضطربا فيما يريد فعله، لأن كل واحد من سادته، يأمره في نفس الوقت بما ينهاه عنه الآخر، كما قال تعالى: {ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلاً سلماً لرجل له يستويان مثلاً الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون} [الزمر: 29].



كما بين الرسول صلّى الله عليه وسلم، أن الرق والأسر أن تصير النفس مستعبدة للملذات والشهوات، كما قال: (تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم) [البخاري رقم 2887 فتح الباري (6/81)].



واقرأ هذه الجمل لأحد عمالقة الحرية، وهو يبين معناها ومعنى الأسر والرق بياناً شافياً وهو ابن تيمية ـ رحمه الله ـ قال: "فإن أسر القلب أعظم من أسر البدن، واستعباد القلب أعظم من استعباد البدن، فإن من استُعبِد بدنُه واسترق لا يبالي إذا كان قلبه مستريحاً من ذلك مطمئناً، بل يمكنه الاحتيال في الخلاص. وأما إذا كان القلب الذي هو الملك، رقيقاً مستعبداً متيماً لغير الله، فهذا هو الذل والأسر المحض والعبودية لما استعبد القلب. وعبودية القلب وأسره هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب.



فإن المسلم لو أسره كافر واسترقه فاجر بغير حق لم يضره ذلك، إذا كان قائماً بما يقدر عليه من الواجبات، ومن استعبد بحق إذا أدى حق الله وحق مواليه له أجران، ولو أكره على التكلم بالكفر، فتكلم به وقلبه مطمئن بالإيمان لم يضره ذلك. وأما من استعبد قلبه فصار عبداً لغير الله، فهذا يضره ولو كان في الظاهر ملك الناس.



فالحرية حرية القلب والعبودية عبودية القلب، كما أن الغنى غنى النفس. قال النبي صلّى الله عليه وسلم: (ليس الغنى عن كثرة العرض، وإنما الغنى غنى النفس" [البخاري (6446) فتح الباري (11/271) ومسلم (2/726)]. وهذا لعمري إذا كان قد استعبد قلبه صورة مباحة. فأما من استَعبَد قلبَه صورةٌ محرمةٌ: امرأة أو صبي، فهذا هو العذاب الذي لا يدانَى فيه، وهؤلاء من أعظم الناس عذاباً وأقلهم ثواباً، فإن العاشق لصورة إذا بقي قلبه متعلقاً بها مستعبداً لها، اجتمع له من أنواع الشر والفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد، ولو سلم من فعل الفاحشة الكبرى، فدوام تعلق القلب بها، بلا فعل الفاحشة أشد ضرراً عليه ممن يفعل ذنباً، ثم يتوب منه ويزول أثره من قلبه" انتهى كلام ابن تيمية من[مجموع الفتاوى:(10/186)].



فالذي يسترق قلبه لغير الله، بل قل الذي لا تخلص عبوديته لله يكثر أسياده الذين يتشاكسون فيه، ويصير كل واحد منهم يأمره بتنفيذ ما ينهاه عنه الآخر، فهل تراه قادراً على تنفيذ أمر وضده في وقت واحد.



ولقد تعمق ابن تيمية - رحمه الله - في معنى الحرية والعبودية، فأبان أن قادة الشعوب الذين لا يتمتعون بالحرية الحقيقية، هم عبيد لعبيدهم وخدمهم، فقال رحمه الله: "وكذلك طالب الرياسة والعلو في الأرض، قلبه رقيق لمن يعينه عليها، ولو كان في الظاهر مقدمهم والمطاع فيهم، فهو في الحقيقة يرجوهم ويخافهم، فيبذل لهم الأموال والولايات، ويعفو عنهم ليطيعوه ويعينوه، فهو في الظاهر رئيس مطاع، وفي الحقيقة عبد مطيع لهم، والتحقيق أن كلاهما [كذا] فيه عبودية للآخر، وكلاهما تارك لحقيقة عبادة الله. وإن كان تعاونهما على العلو في الأرض بغير الحق، بمنزلة المتعاونين على الفاحشة أو قطع الطريق، فكل واحد من الشخصين لهواه الذي استَعبَده واسترقَّه يستعبده الآخر" [مجموع الفتاوى (10/189)].



وإن مجاهدة الإنسان نفسه على إدراك هذا المعنى للحرية والعبودية، لمعينة له عليها، في خضم جموع البشرية الضالة المضلة.



واقرأ هذه القطعة التالية لأحد عمالقة الحرية في هذا العصر، وهو سيد قطب - رحمه الله- قال: "ويغرق المجتمع في شهواته الهابطة، ويمضي مع نزواته الخليعة، ويلصق بالوحل والطين، حاسباً أنه يستمتع وينطلق من الأغلال والقيود، وتعز في مثل هذا المجتمع كل متعة بريئة وكل طيبة حلال، ولا يبقى إلا الْمَشْرَع الآسن وإلا الوحل والطين، وينظر المؤمن مِن علُ إلى الغارقين في الوحل اللاصقين بالطين، وهو مفرد وحيد، فلا يهم ولا يحزن ولا تراوده نفسه أن يخلع رداءه النظيف الطاهر وينغمس في الحمأة، وهو الأعلى بمتعة الإيمان ولذة اليقين" [معالم في الطريق صفحة 165].



وبين رحمه الله في كتابه القيم (في ظلال القرآن) أن الذي ينحل من عبوديته لله، يقع في أحط أنواع العبوديات المتعددة لغير الله.



فقال: "إن العبودية لله وحده، هي العاصم للعبودية من الهوى والعاصم من العبودية للعباد، وما يرتفع الإنسان إلى أعلى مقام مقدر له، إلا حين يعتصم من العبودية لهواه كما يعتصم من العبودية لسواه.



إن الذين يستنكفون أن يكونوا عبيداً لله وحده، يقعون من فورهم ضحايا لأحط العبوديات الأخرى، يقعون من فورهم عبيداً لهواهم وشهواتهم ونزواتهم ودفعاتهم، فيفقدون من فورهم إرادتهم الضابطة التي خص الله بها نوع الإنسان من بين سائر الأنواع، وينحدرون في سلم الدواب، فإذا هم شر الدواب، وإذا هم كالأنعام بل هم أضل، وإذا هم أسفل سافلين، بعد أن كانوا، كما خلقهم الله، في أحسن تقويم" [في ظلال القرآن (10/1521)].



الأمر السادس: غرس حب الله وخوفه في النفس:



الذي لا يحب الله مطلقاً ليس بمؤمن، لأن المؤمن لا بد أن يحب الله، كما يحبه الله.

قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} [المائدة: 54].



والمؤمن يحب ما يحبه الله ورأسه الإيمان، ويبغض ما يبغضه الله ورأسه الكفر، كما قال تعالى: {ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم، وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان} [الحجرات: 7].



بخلاف الكافر فإنه يحب ما يبغضه الله، ويبغض ما يحبه الله، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن اسحبوا الكفر على الإيمان} [التوبة: 23]. وقال تعالى: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} [فصلت:17].

وقد يحب الكافر ربه كما يحب غير ربه، ولكنها ليست المحبة المقصودة هنا، لأن هذه المحبة محبة شركية، مثل أن يصلي إنسان لله ويصلي للوثن وهكذا..



وإنما المقصود محبة العبودية، التي تقتضي الذل الكامل والخضوع المطلق والطاعة التامة للمحبوب، والمؤمن الذي يذكر نعم الله عليه وأعظمها هدايته للإسلام الذي لا يقبل الله ديناً سواه، يجب أن يجتهد ويبذل كل ما في وسعه أن يكون الله تعالى أحب إليه من كل شيء، وإلا كان في إيمانه دخن.



ففي حديث أنس رضِي الله عنه قال: "قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار)" [البخاري رقم16 فتح الباري (1/60) ومسلم (1/66)].



وكل من يحبه الله، مثل الرسول صلّى الله عليه وسلم، وما يحبه الله، مثل الإيمان، فمحبته تابعة لمحبة الله سبحانه، ولهذا قال صلّى الله عليه وسلم كما في حديث أنس أيضاً: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين) [البخاري رقم15 فتح الباري (1/58) ومسلم (1/67)] لأن الرسول صلّى الله عليه وسلم أحب إلى الله من الناس أجمعين.



قال ابن القيم رحمه الله: مقام حب الله:"وأما المحبة الخاصة التي لا تصلح إلا لله وحده، ومتى أحب العبد بها غيره كان شركاً لا يغفره الله، فهي محبة العبودية المستلزمة للذل والخضوع، والتعظيم وكمال الطاعة وإيثاره على غيره، فهذه المحبة لا يجوز تعلقها بغير الله أصلاً، وهي التي سوى المشركون بين آلهتهم وبين الله فيها. كما قال تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله، والذين آمنوا أشد حباً لله} [البقرة: 165].



وأصح القولين أن المعنى يحبونهم كما يحبون الله. وسووا بين الله وبين أندادهم في الحب، ثم نفى ذلك عن المؤمنين فقال: {والذين آمنوا أشد حباً لله} فإن الذين آمنوا أخلصوا حبهم لله لم يشركوا به معه غيره. وأما المشركون فلم يخلصوه لله.



والمقصود من الخلق والأمر إنما هو هذه المحبة، وهي أول دعوة الرسل وآخر كلام العبد المؤمن الذي إذا مات عليه دخل الجنة، اعترافه وإقراره بهذه المحبة وإفراد الرب بها، فهو أول ما يدخل به في الإسلام وآخر ما يخرج به من الدنيا إلى الله.



وجميع الأعمال كالأدوات والآلات لها، وجميع المقامات وسائل إليها، وأسباب لتحصيلها وتكمليها، وتحصينها من الشوائب والعلل، فهي قطب رحا السعادة، وروح الإيمان وساق شجرة الإسلام، ولأجلها أنزل الله الكتاب والحديد، فالكتاب هادٍ إليها ودالٌ عليها، ومفصل لها، والحديد لمن خرج عنها وأشرك فيها، مع الله غيره، ولأجلها خلقت الجنة والنار.



فالجنة دار أهلها الذين أخلصوها لله وحده، فأخلصهم لها، والنار دار من أشرك فيها مع الله غيره، وسوى بينه وبين الله، كما أخبر تعالى عن أهلها أنهم يقولون في النار لآلهتهم {تالله إن كنا لفي ضلال مبين، إذ نسويكم برب العالمين} [الشعراء: 97ـ98، انتهى من طريق الهجرتين ص225].



وغرس محبة الله تعالى في القلب بهذا المفهوم الشامل الذي وضحه ابن القيم، إذ يعني العبادة بأكملها، يثمر في العبد الذي يجاهد نفسه على محبة الله، أن يستجيب لكل أوامر الله فيمتثلها، ولكل نواهي الله فيجتنبها، فلا يراه تاركاً طاعته ولا آتياً معصيته، لأن تمكن محبة الله من القلب يأبى على صاحبه أن يدع ما يحبه الله، أو يقدم على فعل ما لا يحبه الله، ولهذا كان دليل محبة الله طاعته وطاعة رسوله صلّى الله عليه وسلم. كما قال تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم} [آل عمران: 31].



قال ابن كثير:"هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أنه قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) ولهذا قال: {إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} أي يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه، وهو محبته إياكم وهو أعظم من الأول". [تفسير القرآن العظيم (1/358)].



وقال سيد قطب في ظلال هذه الآية: "إن حب الله ليس دعوى باللسان، ولا هياماً بالوجدان؛ إلا أن يُصاحبَه الاتباعُ لرسول صلّى الله عليه وسلم، والسير على هداه، وتحقيق منهجه في الحياة، وأن الإيمان ليس كلمات تقال، ولا مشاعر تجيش، ولا شعائر تقام، ولكنه طاعة الله والرسول، وعمل بمنهج الله الذي يحمله الرسول صلّى الله عليه وسلم". [في ظلال القرآن (3/378)].



فوصول العبد بنفسه إلى تقديم محبة الله على محبة غيره مهما كان ذلك الغير، من أعظم ما يطوع النفس لخالقها سبحانه، ويزكيها ويجعلها مهاجرة إليه سبحانه، في جميع أوقاتها، وعلى قدر كمال المحبة لله ونقصها تكون طاعته تعالى وموافقته في محبوباته.



قال ابن القيم: "وكلما كانت المحبة أقوى، كانت الموافقة أتم، قال الله تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} قال الحسن: قال قوم على عهد النبي صلّى الله عليه وسلم: إنا نحب ربنا فأنزل الله تعالى هذه الآية". [طريق الهجرتين: 535ـ536].



الجمع بين محبة الله و الخوف منه



ولا بد، مع محبة الله تعالى، من تمرين النفس على الخوف منه وحده، وليس المراد الخوف الطبيعي، كالخوف من السبع ونحوه، إنما المقصود خوف العبودية، خوف الخضوع الكامل، والذل المطلق، من جبار السموات والأرض، الذي إذا أراد شيئاً كان، وهذا الخوف يجلبه تأمُّلُ المسلم أسماءَ الله وصفاته، وآثارها في الكون في الدنيا، ثم في الآخرة.



فمثلاً إذا تأمل المسلم اسمه "القدير" في مثل قوله تعالى: {ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 20] وهي واردة في المنافقين يمتلئ قلبه خوفاً ورعباً من الله سبحانه وتعالى، الذي ليس قديراً فقط على إذهاب ما أنعم به على الإنسان من نعم، كالسمع والبصر، بل إنه على كل شيء قدير.



كذلك إذا تأمل نفس الاسم في سياق تهديد أعداء الله، الذين يسعون جادين في الإضرار بأوليائه، حتى إنهم ليكرسون جهودهم متمنين أن يحرموهم أعظم نعمة أنعم الله بها عليهم وهي نعمة الإسلام. كما قال تعالى: {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق، فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 109]. إذا تأمل الإنسان ذلك يرتجف قلبه من خشية الله وخوفه سبحانه.



وتأمل قوله تعالى: {ولكل وجهة هو موليها، فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعاً، إن الله على كل شيء قدير..} [البقرة: 148]. ترى من غير الله القدير يجرؤ أن يقول لخصمه، أو لمن يريد أن يهدده هذه العبارة؟ إلا إذا كان أعمى البصيرة قابلاً لأن يكون محل سخرية الناس. فكيف إذا اجتمع مع هذا الاسم العظيم اسم العليم في مثل قوله تعالى: {يخلق ما يشاء وهو العليم القدير} [الروم: 54].



كذلك إذا تأمل المسلم اسمه الملك واسمه المهيمن واسمه العزيز، واسمه الجبار واسمه المتكبر، عظم في نفسه خوف الله تعالى: {هو الله الذي لا إله إلا هو، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، سبحان الله عما يشركون} [الحشر: 23].



واقرأ هذه الآية بتدبر وتأمل، ثم سل قلبك عما اعتراه.. {إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد، والله عزيز ذو انتقام} [آل عمران: 4]. فإذا لم يهتز اهتزازاً شديدا، فاقرأ عليه الآية التي تليها.. وهي قوله: {إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء} [آل عمران: 5]. كذلك قوله تعالى: {ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمون منتقمون} [السجدة: 22].



وعلامة خوف الله سبحانه، أن يذكره العبد في الوقت الذي تحدثه نفسه بارتكاب ما نهى الله عنه وليس عنده غير الله تعالى، فيقلع عن ذلك خوفاً منه. قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم، ليعلم الله من يخافه بالغيب، فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم} [المائدة:94].



ولما كان الملائكة يخافون الله تعالى خوفاً تاماً لا نقص فيه، كان أثر ذلك أن يطيعوه طاعة تامة ولا يعصونه مطلقاً. قال تعالى: {ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون، يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون} [النحل: 49ـ50]. وقال: {لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} [التحريم:6].



ونهى الله تعالى المؤمنين أن يستجيبوا لتخويف أعداء الله، عندما يخوفهم الشيطان، وأمرهم بخوفه وحده، لأن ذلك هو مقتضى الإيمان. فقال تعالى: {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} [آل عمران: 175].



والذي يخاف الله في الدنيا، يأمن في الآخرة جزاءاً وفاقاً: {إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً، فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسروراً} [الدهر:10ـ11]. ومن خوف الله، خوف عذابه الذي لا يقدر على مثله المخلوقون: {فيومئذٍ لا يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد} [الفجر: 25ـ36].



قال ابن القيم رحمه الله: "وقد أمر الله سبحانه بالخوف منه في قوله: {فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} [آل عمران: 175] فجعل الخوف منه شرطاً في تحقق الإيمان - إلى أن قال - والمعنى إن كنتم مؤمنين فخافوني" [طريق الهجرتين: 502].



فخوف الله تعالى من أعظم الأمور التي تحول بين النفس ومعصية الله سبحانه، وتعين المؤمن على جهاد نفسه وتزكيتها وتطهيرها، وخشية الله وقاية للمسلم من دخول النار. كما في حديث أبي هريرة رضِي الله عنه قال: "قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: (لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم) قال الترمذي: "هذا حديث صحيح" [سنن الترمذي: رقم الحديث 2413، تحفة الأحوذي (6/600)].



وها هو هذا الرجل يسيء الظن بعمله، ويسيء الفهم في قدرة الله عليه، فيلقى ربه فيسأله عما حمله على فعله فيجيب: أن الحامل له مخافة الله، فينال مغفرته سبحانه. كما في حديث أبي هريرة رضِي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: (أسرف رجل على نفسه فلما حضره الموت، أوصى بنيه فقال: إذا مت فأحرقوني ثم اسحقوني ثم ذروني في الريح في البحر، فوالله لئن قدر عليَّ ربي ليعذبني ما عذاباً ما عذب به أحداً، قال ففعلوا ذلك، فقال للأرض: أدي ما أخذت فإذا هو قائم، فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: خشيتك يا رب، أو قال مخافتك، فغفر له بذلك) [صحيح مسلم (4/2110) النسائي (4/91) وانظر صحيح البخاري رقم الحديث 3478 فتح الباري (6/514)].



ومن دعاء رسول الله صلّى الله عليه وسلم، كما في حديث ابن عمر رضِي الله عنهما: (اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك) قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب [الترمذي: تحفة الأحوذي (9/475) وقال الشارح: وأخرجه النسائي والحاكم، وقال صحيح على شرط البخاري]. وقال الشارح: المباركفوري: "وأخرجه النسائي والحاكم وقال صحيح على شرط البخاري."



فإذا جاهد المؤمن نفسه على محبة الله المحبة الحقة، وعلى خوفه الخوف المطلق، فإنه بذلك يحول بين نفسه وبين شهواتها الموبقة، ويرغمها على طاعة الله سبحانه، وينتصر عليها وعلى أعوانها، بل ستصبح نفساً مطمئنةً بإذن الله.



ولقد نزعت هذه الصفة"خوف الله" من قلوب غالب المسلمين، لذلك تجدهم يرتكبون الفواحش والمعاصي التي نص عليها كتاب الله وسنة رسوله صَلى الله عليه وسلم، ارتكابا غير قاصر على أنفسهم، بل اعتدوا على ضرورات حياة المسلمين ومكملاتها بدون تحرج ولا خوف ولا حياء.







السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13467633

عداد الصفحات العام

861

عداد الصفحات اليومي