﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (04) سافر معي في المشارق والغارب :: (24) أثر الترية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (03) سافر معي في المشارق والمغارب :: (023) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي





(050)الجهاد في سبيل الله-المبحث الثاني : جهاد الشيطان


وفيه فرعان:



الفرع الأول: بيان خطر الشيطان على النفس.



الفرع الثاني: وسائل مجاهدة الشيطان.





الفرع الأول: بيان خطر الشيطان على النفس:



خطر الشيطان له جوانب كثيرة عني بها القرآن الكريم عناية فائقة، وكذلك السنة النبوية، وعلماء المسلمين والفقهاء في دين الله من الكتاب والسنة، وعداؤه للإنسان قديم، إذ لم يوجد الإنسان إلا كان الشيطان بجانبه، يحسده على الخير الذي آتاه الله، ويدبر له المؤامرات، ويكيد له المكائد ويغريه بالمعاصي، ويزين له الابتعاد عن طاعة الله ورضاه.



والشيطان يزهو بعنصره الذي خلقه الله منه على عنصر الإنسان، وهو مُصِرٌّ على مواصلة العداء والإضلال، وهو ملازم للإنسان ملازمة مستمرة، في كل مكان وزمان، وله أساليب متنوعة في الإضلال، الإغراء وقلب الحقائق حتى يُرِىَ الإنسانَ الحقَّ باطلا والباطلَ حقاً، ويتخذ أنواعا من التهديد والتخويف التي يرعب بها الإنسان، ليثنيه عن طاعة الله، ويوقعه في معصيته. إنه الشيطان!



وهذه أمثلة من النصوص التي توضح خطر الشيطان على الإنسان:



قال تعالى: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى (116) فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى (117) إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى (118) وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى (119) فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى (120) فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى ءادم ربه فغوى (121) ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى (122) قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى (123) ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى (124) قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا (125) قال كذلك أتتك ءاياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى} (126) [طه]



فأنت ترى أن إبليس عصى أمر ربه، وأن الله حذر آدم وزوجه منه، لأنه عدوٌ لهما، ولا يريد لهما البقاء في رحاب الله ولزوم طاعته، والنعيم الذي منحهما الله إياه، ويصعب عليه أن يبقى مطروداً من رحمة الله، وآدم وزوجه في رضوان الله ونعيمه، وأن الشيطان على الرغم من ذلك التحذير الذي حصل لآدم وزوجه، استطاع أن يغويهما ويوقعهما في معصية الله، ولولا رحمة الله بهما، وتوبته عليهما لكانا - وكذلك ذريتهما - مطرودين مثله من رحمة الله..



وقال تعالى: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين (11) قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين (12) قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين (13) قال أنظرني إلى يوم يبعثون (14) قال إنك من المنظرين (15) قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم (16) ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين (17) قال اخرج منها مذءوما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين (18) ويا ءادم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين (19) فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين (20) وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين (21) فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين (22) قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} (23) [الأعراف:]



فانظر كيف يطلب أن يطيل الله عمره إلى أن يموت الناس كلهم ويبعثوا، ليضمن ملازمته لهم وإضلالهم، حتى لا يفلت منه أحد إذا مات قبل ذلك!. ثم تأمّل كيف يقسم على أن لا يدع أحداً يستقيم على أمر الله تعالى، لأنه سيبقى على صراط الله صاداً عنه، وأنهم أينما ذهبوا سيجدونه أمامهم وخلفهم، وعن أيمانهم وعن شمائلهم، ليحول بينهم وبين شكر الله مولاهم.



ثم انظر كيف يحذر الله تعالى آدم وحواء منه، وكيف يتسلل إليهما بوسوسته وتزيين طاعته، ومعصية الله تعالى، ويقلب لهما الحقائق، بأن الله لا يريد لهما الملك والخلود، ويقسم لهما الأيمان على نصحه لهما! حتى يقعا فيما دعاهما إليه، فإذا هما نادمان على ما حصل، ولولا رحمة الله لكانا مطرودين مثله.



وقال تعالى: {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً، ولا تتبعوا خطوات الشيطان، إنه لكم عدوٌ مبين، إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} [البقرة: 169].



فالله عـز وجل يأمر عباده بأن يختاروا الحلال الطيب، ويفهم منه أنهم لا يجوز لهم أن يختاروا الحرام الخبيث لأكلهم، لأن ذلك مما يدعو له العدو لعنه الله، ولذلك حذر الله تعالى منه ومن اتباعه وطرقه وأساليبه، وذكر تعالى أنه لا يأمرهم إلا بما يسخط الله من الإثم والفواحش، والقول على الله بلا علم، ففي الآية تحذير من الوقوع في الشهوات التي حرمها الله، ومن التشريع الذي لم يأذن به سبحانه، والشيطان يدعو لكل ذلك ويزينه.



وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة، ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدوٌ مبين} [البقرة: 208]. وقال تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبيٍ عدواً شياطين الإنس والجن، يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً، ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون} [الأنعام: 112].



وإذا كان الشياطين - شياطين الإنس والجن - يتعاونون على الأنبياء بتزيين الباطل والاغترار به، فما بالك بغير الأنبياء؟! إن ما يشاهد الآن من تزيين الباطل والاغترار بشتى الوسائل وفي كل المجالات، وما نتج عنه من آثار سيئة، في العالم كله، ولا سيما العالم الإسلامي، ليعتبر نذيراً من الواقع الذي تعيشه البشرية، ومن الانصياع للشياطين وزخرفهم وغرورهم.



قال الأستاذ سعيد حوا رحمه الله: "إن كل دعوة تعارض دعوة الأنبياء بردها أو بنقضها أو برفضها، عندما تحقق في مجموع أقوالها تجدها تتصف بهاتين الصفتين الرئيستين: الزخرفة والغرور، فهي تنميق من القول لا طائل تحته، وإن كل دعوة تقطع الطريق على دعوة الأنبياء بتبنيها لبعض مضمونات دعوة الأنبياء ورفضها للبعض الآخر، أو بخلط الحق والباطل، لا تخرج كذلك عن هاتين الصفتين". [من أجل خطوة إلى الأمام على طريق الجهاد المبارك ص 84].



وقال تعالى: {ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم، فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم} [النحل: 63]. فوقوف الأمم الطاغية ضد دعوة الأنبياء، من أعظم أسبابها تزيين الشيطان لتلك الأمم، مواقفهم من الأنبياء ودعوتهم.



وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان، ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر} [النور: 31].



وقال تعالى: {يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا، ولا يغرنكم بالله الغرور، إن الشيطان لكم عدوٌ فاتخذوه عدوا، إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير} [فاطر: 5ـ6].



وقال تعالى: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدوٌ مبين، وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم، ولقد أضل منكم جبلاً كثيراً أفلم تكونوا تعقلون} [يس: 60 – 62].



وهل بعد هذا الخطر من خطر على النفس البشرية من الشيطان، هذه النفس التي لم يخلقها الله في هذه الحياة الدنيا إلا لعبادته، فيأتي الشيطان العدو المبين، فيحرفها عن الهدف الذي خلقت لتحقيقه، وهو عبادة الله إلى ما يضاد ذلك الهدف، ويباينه، وهو عبادة الشيطان نفسه، ومع ذلك فإن أكثر الناس يطيعونه فينحرفون من عبادة الله إلى عبادته هو، كأنهم لا عقول لهم.



وقال تعالى: {ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدوٌ مبين} [الزخرف: 62]. وقال تعالى: {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينـزغ بينهم، إن الشيطان كان للإنسان عدواً مبيناً} [الإسراء: 53].



فالشيطان هو الذي يسعى بشتى الوسائل والأساليب للإفساد بين الناس، وإحداث الخلاف والفرقة بينهم، وجعل المبطل يقف من المحق موقف المعاند المكابر، وبذلك يصبح الناس في خلاف دائم وشقاق مستمر.



قال ابن جرير رحمه الله: "{ينـزغ بينهم} يقول: يفسد بينهم ويهيج بينهم الشر". [جامع البيان: (15/102)].



وهاهو الشيطان يفرق بين أقرباء صفوة المجتمع، وينزغ بينهم، ويوقعهم في ظلم بعضهم لبعض، قال تعالى: {إذ قال يوسف لأبيه يا أبتِ إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين، قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكدوا لك كيداً، إن الشيطان للإنسان عدوٌ مبين} [يوسف: 4ـ5].



فالشيطان حريص على اتصاف بني آدم بصفاته، وكل صفاته ذميمة، ومنها الحسد الذي يحب أن يتصف به كل إنسان لما فيه من إرواء غليله، وهاهو قد تحقق ما خافه يعقوب من الشيطان من النـزغ بين أولاده.



قال تعالى: {ورفع أبويه على العرش وخروا له سجداً وقال: يا أبتِ هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً، وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نـزغ الشيطان بيني وبين إخوتي، إن ربي لطيف لما يشاء، إنه هو العليم الحكيم} [يوسف: 100].



وقال تعالى: {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا} [آل عمران: 155].



فأنت ترى أن الشيطان يغري بالانهزام في معركة النفس البشرية مع معصية الله في حالة السلم، وكذلك يغريها بالانهزام في المعركة الحربية ضد العدو الواضح في حالة الحرب.



والشيطان لا يقنع بما دون التفريق بين أقرب المقربين، كما في حديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: (إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منـزلةً أعظمهم فتنة، يجئ أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئاً، ثم يجئ أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته، قال: فيدنيه منه ويقول: نعم أنت) قال الأعمش: (فليتزمه) [مسلم (4/2167)].

فهو كما ترى في حرب دائمة مع بني آدم، ولذلك لا يفتأ ببعث جيوشه المخربة في تلك الحرب الدائمة المفتنة، ولا يحظى بالقرب منه ورضاه، إلا من حقق أقصى مبتغاه وغايته.



وفي حديث عائشة رضِي الله عنها ما يدل على أنه لا يخلو أحد من قرين يحاول إضلاله، إلا رسول الله صلّى الله عليه وسلم، الذي أعانه الله على شيطانه فأسلم، وهذا نص الحديث قالت: "إن رسول الله صلّى الله عليه وسلم خرج من عندها ليلاً، قالت: فغرت عليه، فجاء فرأى ما أصنع، فقال: (مالك يا عائشة أغرت)؟ فقلت: ومالي لا يغار مثلي على مثلك، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: (أقد جاءك شيطانك)؟ قالت: يا رسول الله أو معي شيطان؟ قال: (نعم)، قلت: ومع كل إنسان؟ قال: (نعم)، قلت: ومعك يا رسول الله؟ قال: (نعم، ولكن ربي أعانني عليه فأسلم)" [مسلم (4/2168)].



قال النووي رحمه الله: "وفي هذا الحديث إشارة إلى التحذير من فتنة القرين، وسوسته، وإغوائه فأعلمنا بأنه معنا لنحترز منه بحسب الإمكان" [شرح النووي على مسلم (17/158)].



العلماء يبينون خطر الشيطان على النفس.



قال ابن القيم رحمه الله: "قال الله تعالى إخباراً عن عدوه إبليس، لما سأله عن امتناعه عن السجود لآدم واحتجاجه بأنه خير منه وإخراجه من الجنة، أنه سأله أن ينظره فأنظره، ثم قال عدو الله {فبما أغويتني لأقعدن لكم صراطك المستقيم، ثم لآتينهم من بين إيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين} قلت: السبل التي يسلكها الإنسان أربعة لا غير، فإنه تارة يأخذ على جهة يمينه، وتارة على شماله، وتارة أمامه، وتارة يرجع خلفه، فأي سبيل سلكها من هذه وجد الشيطان عليها رصداً له، فإن سلكها في طاعة، وجده عليها يثبطه، ويقطعه أو يعوقه، ويبطئه، وإن سلكها لمعصية، وجده عليها حاملاً له وخادماً ومعيناً، ولو اتفق له الهبوط إلى أسفل لأتاه من هناك" [إغاثة اللهفان (1/121 ـ 124) وانظر الآيات من سورة الأعراف: 16ـ17].



وما كان ابن القيم رحمه الله يعلم أن الإنسان سيصعد إلى السماء ويهبط على بعض الكواكب، ويهبط من الجو بالمظلات، ويغوص في أعماق ظلمات المحيطات، والشيطان معه أيضاً في تينك الجهتين، العلو والسفل، كما كان معه من الجهات الأربع التي ذكرها الله على سبيل الشمول والاستغراق.



وبين ابن القيم رحمه الله، أن خطر الشيطان أعظم من خطر النفس فقال: "هذا الباب [وهو الباب الثاني عشر في علاج مرضى القلب بالشيطان] من أهم أبواب الكتاب وأعظمها نفعاً، والمتأخرون من أرباب السلوك لم يعتنوا به، اعتناءهم بذكر النفس وعيوبها، وآفاتها فإنهم توسعوا في ذلك وقصروا في هذا الباب.



ومن تأمل القرآن والسنة وجد اعتناءهما بذكر الشيطان وكيده ومحاربته، أكثر من ذكر النفس: فإن النفس المذمومة ذكرت في قوله: {إن النفس لأمارة بالسوء} [يوسف: 53]. واللوامة في قوله: {ولا أقسم بالنفس اللوامة}. وذكرت النفس المذمومة في قوله: {ونهى النفس عن الهوى} "وأما الشيطان فذكر في عدة مواضع، وأفردت له سورة تامة، فتحذير الرب تعالى لعباده منه جاء أكثر من تحذيره من النفس، وهذا هو الذي لا ينبغي غيره، فإن شر النفس وفسادها ينشأ من وسوسته، فهي مَركَبُه وموضع شره، ومحل طاعته. وقد أمر الله سبحانه وتعالى بالاستعاذة منه عند قراءة القرآن وغير ذلك، وهذا لشدة الحاجة إلى التعوذ منه، ولم يأمر بالاستعاذة من النفس في موضع واحد، وإنما جاءت الاستعاذة من شرها في خطبة الحاجة، في قوله صلّى الله عليه وسلم: (ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا..) كما تقدم ذلك في الباب الذي قبله.



وقد جمع النبي صلّى الله عليه وسلم بين الاستعاذة من الأمرين في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنْه، قال: يا رسول الله علمني شيئاً أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت. قال: (قل: اللهم عالم الغيب والشهادة) إلى أن قال: (أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه). [انتهى كلام ابن القيم من كتاب إغاثة اللهفان (1/107ـ108)].



[تعليق: ما ذكره ابن القيم رحمه الله مسلَّم في ذكر النفس بلفظ النفس، أما إذا نُظِر إلى معنى النفس كذكر الإنسان أو الناس، أو بني آدم، أو المؤمنين، أو الكافرين، أو المنافقين، أو ذكر أي صفة مذمومة في الإنسان، فإن ذلك أكثر من ذكر الشيطان والله أعلم].



وقال سيد قطب رحمه الله: "وفي أحاديث المعركة التي تصورها القصة بين الإنسان والشيطان، مذكر دائم بطبيعة المعركة، إنها بين عهد الله وغواية الشيطان، بين الإيمان والكفر، بين الحق والباطل، بين الهدى والضلال، والإنسان هو نفسه ميدان المعركة، وهو نفسه الكاسب أو الخاسر فيها، وفي هذا الباب إيحاء دائمٌ له باليقظة، وتوجيه دائم له بأنه جندي في ميدان، وأنه هو صاحب الغنيمة أو السلب في هذا الميدان". [في ظلال القرآن: (1/72)].



ومن خبث الشيطان أنه يدرس الإنسان الذي يريد إغواءه، دراسة نفسية عميقة حتى يعرف اتجاهاته، فإن رآه مثلاً يميل إلى اللين والرحمة والرأفة، وهي صفات حميدة إذا استعملت في مكانها، حسن له هذا الجانب وتابعه فيه، وبالغ في تعميقه في نفسه، حتى يصل إلى حد الإفراط فيه، فيستعمل هذه الصفات في غير مكانها، إذ قد يكون من الحكمة الشدة في بعض المواضع، ولكن الشيطان ينفره من استعمال الشدة ويزين له ما يميل إليه طبعه، فيكون بذلك كأنه غير متصف بتلك الصفات، لأنه وضعها في غير موضعها، ووضع الشيء في غير موضعه جهل وخرق.



وقد يكون عكس ذلك، يميل إلى الشدة، فيحسن له الشدة في كل شيء، فيستعملها في موضع تكون الرحمة هي الجديرة بالاستعمال، فيكون الإنسان في كلتا الحالتين عاصياً وهو يظن أنه مصيب، بسبب تزيين الشيطان له ذلك.



قال ابن تيمية رحمه الله: "والشيطان يريد من الإنسان الإسراف في أموره كلها، فإن رآه مائلاً إلى الرحمة، زيّن له الرحمة، حتى لا يبغض ما أبغضه الله، ولا يغار لما يغار الله منه، وإن رآه مائلاً إلى الشدة، زيّن له الشدة في غير ذات الله، حتى يترك من الإحسان والبر واللين والصلة والرحمة ما يأمر به الله ورسوله ويتعدى في الشدة، فيزيد في الذم والبغض والعقاب، على ما يحبه الله ورسوله. فهذا يترك ما أمر الله به من الرحمة والإحسان، وهو مذموم مذنب في ذلك، ويسرف في ما أمر الله به ورسوله من الشدة، حتى يتعدى الحدود، وهو من إسرافه في أمره، فالأول مذنب والثاني مسرف {والله لا يحب المسرفين} فليقولا جميعاً: {ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين}" [مجموع الفتاوى (15/292)].




السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13467666

عداد الصفحات العام

894

عداد الصفحات اليومي