﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(028) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (09) سافر معي في المشارق والمغارب :: (08) سافر معي في المشارق والمغارب :: (027) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(054)الجهاد في سبيل الله-المبحث الخامس: جهاد الأسرة

(054)الجهاد في سبيل الله-المبحث الخامس: جهاد الأسرة




ومن أعظم أنواع الجهاد جهاد الأسرة بتعليم أفرادها أمور دينهم، وحثهم على العمل الصالح وحسن الخلق وطاعة الله ورسوله، والبعد عن المعاصي، كل ذلك بالحكمة واللين والوعظ الحسن والقدوة الحسنة، وتأديب من يستحق التأديب على مخالفته لشرع الله وآدابه، مع الاستمرار في ذلك وعدم التهاون وهذا النوع من أنواع الجهاد شاق وطويل.



لأن المجاهد مسؤول عن هذه الأسرة في جميع الأوقات، وهي – في الغالب -معه في منزله، فكل شيء وجب على أي فرد من أفرادها، وجب على المجاهد أن يعلم ذلك الفرد بما يجب عليه، كما أنه كذلك يجب عليه أن يدعو ذلك الفرد إلى عمل ذلك الواجب، وأن يتابعه حتى يطمئن أنه فعله واستمر على فعله.



وإذا لم يفعله، فإن عليه أن يزجره ويأمره ويؤدبه بما يليق به، وقد يجب عليه أن يهجره إذا كان الهجر نافعاً، وإذا قصر في شيء من ذلك، فإنه مسؤول عن تقصيره معاقب عليه عند ربه سبحانه، ولذلك أمر الله المؤمن أن يقي نفسه نار جهنم ويقي أهله كذلك.



فقال سبحانه وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة، عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} [التحريم: 6].



قال ابن كثير رحمه الله: "وقال مجاهد: {قوا أنفسكم وأهليكم نارا} قال: اتقوا الله وأوصوا أهليكم بتقوى الله، وقال قتادة: تأمرهم بطاعة الله وتنهاهم عن معصية الله، وأن تقوم عليهم بأمر الله وتأمرهم به وتساعدهم عليه، فإذا رأيت لله معصية قذعتهم عنها وزجرتهم عنها، وهكذا قال الضحاك ومقاتل: حق على المسلم أن يعلم أهله من قرابته وإمائه وعبيده، ما فرض الله عليهم وما نهاهم الله عنه.



وفي معنى هذه الآية، الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود والترمذي من حديث عبد الملك بن الربيع بن سبرة، عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: (مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، فإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها) [تفسير القرآن العظيم (4/391) وصحح الحديث شيخنا الألباني رحمه الله في صحيج الجامع وذكره في صحيح أبي داود. ].



وإذا لم يقم المسلم بجهاد أسرته بحملها على الطاعة، وعلى ترك المعصية، فإنه قد يتعرض لقيام الأسرة أو بعض أفرادها بفتنته، إما بوقوعهم في المعصية وسكوته عنهم، ثم رضاه بها بعد ذلك، فيكون عاصياً مثلهم، ولو لم يقارف المعصية، وإما بحمله على الاستجابة لمطالبهم كلها التي قد يكون منها المحرم الذي لا يجوز له فعله. ولذلك حذر الله سبحانه المسلم من فتنة الأسرة، ونهاه أن يتلهى بها عن طاعة الله، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله، ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون} [المنافقون: 9].



وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم، وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم، إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم} [التغابن (14/15].



قال ابن كثير رحمه الله في تفسير آية: المنافقين: "يقول تعالى آمرا لعباده المؤمنين بكثرة ذكره، وناهياً لهم عن أن يشغلهم الأموال والأولاد عن ذلك، ومخبراً لهم بأنه من التلهي بمتاع الحياة الدنيا وزينتها عما خلق له من طاعة ربه وذكره، فإنه من الخاسرين الذين يخسرون أنفسهم وأهليهم يوم القيامة". [تفسير القرآن العظيم (4/373)].



وقال في تفسير آية التغابن: "يقول تعالى مخبراً عن الأزواج والأولاد: إن منهم من هو عدو للزوج والوالد، بمعنى أنه يتلهى به عن العمل الصالح، كقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله، ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون}. ولهذا قال تعالى هنا: {فاحذروهم} قال ابن زيد: يعني على دينكم، وقال مجاهد: {إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم} قال: يحمل الرجل على قطيعة الرحم أو معصية ربه، فلا يستطيع الرجل مع حبه إلا أن يطيعه". [تفسير القرآن العظيم(4/377)]



ومن المشقات التي تصيب المجاهد في هذا الباب، أنه يجب عليه أداء حق الله الذي قد يعاديه عليه بعض أفراد أسرته، وحق أسرته الذي أوجبه الله تعالى عليه، وعليه أن يؤدي هذا وذاك في اعتدال وطاعة لله سبحانه وتعالى، وكثير من الناس إما أن يبالغ في حق الله تعالى ويترك حق الأسرة أو بعض أفرادها، وإما أن يبالغ في إرضاء الأسرة أو بعض أفرادها ويضيع حق الله، والواجب هو اتباع أمر الله، وهو قد أمر بطاعته وعدم اتباع غيره فيما يخالف أمره.





وأُمِر كذلك بأداء الحقوق، وألا يحمله شنآن الأسرة على عدم إعطائها حقها، قال تعالى: {ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلى المصير، وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً، واتبع سبيل من أناب إلي، ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون} [لقمان: 14ـ15].



ومن أجل هذه المشقة، يجب على المجاهد أن يصبر وأن يحتسب وأن يسأل الله له العون على تربية أسرته ومجاهدتهم، ولعل شيئا من حكم الحديث الشريف تظهر في هذا السياق، وهو الحديث الذي يقول فيه صلّى الله عليه وسلم: (خَيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) [الترمذي رقم الحديث 3986، تحفة الأحوذي (10/394) قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح أ.هـ وهو من حديث عائشة عن النبي صلّى الله عليه وسلم].



فكونه صلّى الله عليه وسلم جعل التفاضل بين المسلمين، تابعاً لتفاضلهم في معاملة الأهل، يدل على أن الناجح مع أهله رجل عظيم، لأنه لا يكون كذلك إلا إذا أدى كل واجباته، من تعليم وتربية وزجر عن معصية الله وصبر وتحمل على ما يناله من مشقات في سبيل ذلك، مضافاً إلى ذلك طول الصحبة واستمرارها لأنهم في منزله أو قريبون منه.



فإذا كان المجاهد يعيش في محيط يغلب فيه الفساد والمفسدون، في المدارس والجامعات والأندية والمحافل والأسواق وفي المسكن وأماكن العمل وغير ذلك، فإن مشقته تتضاعف، لأن الأسرة لا بد أن تكون محتكة بالمحيط عالقا بها شيء من ذلك الفساد، قل أم كثر والنفوس تميل إلى التقليد والمحاكاة أو التنافس والمجاراة، فكيف إذا توافرت مع ذلك وسائل الاتصال السمعية والبصرية والسَّفَريَّة، وكانت الأرض ماخوراً للفساد والشر.



إن الأسرة عندئذ ستكثر أمامها أبواب الفساد في داخل البلاد، بل في داخل البيت، عن طريق الأفلام التلفازية والسينمائية والإذاعية والمجلات المنحطة والجرائد والهاتف والسيارات والطائرات، وهكذا في خارج البلاد لمن يتمكن من الأسفار، وسيكون المجاهد في كل ذلك كمن يسبح ضد التيار، وإن أعداء الله ليعز عليهم أن يروا أسراً نظيفة طاهرة متجهة إلى الخالق سبحانه، بعيدة عن المستنقعات الآسنة.



ولذلك تراهم يترصدون لتلك الأسر أو بعض أفرادها، بكل الوسائل ليخرجوهم من النور إلى الظلمات، إما بالعقائد الفاسدة والمذاهب الهدامة، وإما بالشهوات والمحرمات وإما بذلك كله.



وها هي الأرض الآن يرى فيها الابن الفاسق أو الكافر، والبنت الفاجرة، والأخ المستهتر المتمرد، لأب صالح وأم طاهرة وأخ ناسك، لا بل أنك لترى الأب والأم والعم والخال وقد يكون الجد والجدة، كلهم ملحدين أو فاسقين فجارا لابن صالح.



ومن الفتن التي تحيط بالمسلمين في هذا الزمان، سعي أهل الكفر، وقائدتهم أمريكا، لتغيير مناهج التعليم تغييرا يجعل أجيال المسلمين الذين يتعلمون في جميع مراحل التعليم، أميين في دينهم، لا بل منحفين في فهم حقيقته، وهذا يحمل الآباء والأمهات حملا ثقيلا في تعليم وتربية أولادهم، وقد غيرت في كثير من بلدانهم، والباقي في الطريق، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم،



وعلى المجاهد في كل ذلك ألا يكل ولا يمل ولا يفتر ولا ييأس، لأنه ناجح إما بثواب الله وهداية أسرته، وإما بثواب الله وحده، وأمرُ أسرته إلى ربه، لأنه تعالى أعلم حيث يجعل هدايته، وعليه أن يتأسى إذا فشل في هداية الأسرة أو بعض أفرادها، بنوح عليه السلام أول رسول بعثه الله إلى الناس في الأرض، حيث كان ابنه في حزب أعداء الله الكافرين، وكذلك زوجته.



ويتأسى بخليل الله إبراهيم، حيث كان أبوه ألد أعدائه عليه، وبلوط، حيث كانت زوجته من أعدائه، وبامرأة فرعون، حيث كانت صالحة وزوجها من أكبر أعداء الله الكافرين، وبمحمد صلّى الله عليه وسلم الذي كان عمه أبو لهب يسبه وينفر الناس من دعوته، بل إن عمه أبا طالب الذي أحاطه وحماه مات على كفره، وكان صلّى الله عليه وسلم يتمنى لو مات على كلمة التوحيد. {إنك لا تهدي من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء، وهو أعلم بالمهتدين} [القصص: 56].



هذا ولو أن أرباب الأسر جاهدوا في إصلاح أسرهم، لكانت مجتمعات المسلمين مجتمعات صالحة متماسكة طاهرة، لأن الأسر تتكون من الأفراد والمجتمعات تتكون من الأسر.



وكل تقصير في جهاد إصلاح الأسرة يصيب ضرره الأسر الأخرى، وإثم التقصير وإثم ضرره الذي يصيب الأسر الأخرى يتحمله المقصر، ويكون عليه وزره إلى يوم القيامة، فكيف بمن سعى في إفساد أسرته وأسر الآخرين بما يملكه من وسائل الإفساد والتدمير. {وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم، وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون} [العنكبوت: 13].





السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13474621

عداد الصفحات العام

744

عداد الصفحات اليومي