﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (04) سافر معي في المشارق والغارب :: (24) أثر الترية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (03) سافر معي في المشارق والمغارب :: (023) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(058)الجهاد في سبيل الله-الفرع الثالث: التدريب و في تدريب الرسول أصحابه قدوة

(058)الجهاد في سبيل الله-الفرع الثالث: التدريب و في تدريب الرسول أصحابه قدوة


إن إعداد الرجال يقتضي تدريبهم المستمر في وقت السلم والحرب معاً، حتى يكونوا دائماً في حالة استعداد تام لأي معركة مع أي عدو في أي وقت.



ولهذا التدريب درجتان:



الدرجة الأولى: ما يتحقق به الحد الأدنى من الاستعداد لكل فرد من أفراد المسلمين، ليستطيع - على الأقل - أن يدافع عن نفسه ووطنه وعرضه، عند اللزوم، وأن يلبي نداء النفير العام عندما يناديه الأمير الشرعي للحرب. وهذا التدريب يجب أن يقوم به كل فرد أو يتولى الأمير الإرشاد إليه، بحيث تتخذ الأسباب المؤدية إلى القيام به، لأن الضرورة تقتضيه، وهي حفظ النفس..



الدرجة الثانية: درجة عليا، وهي التدريب المتخصص للجيش الإسلامي المعد للجهاد في سبيل الله، إذ يجب أن يدرب تدريباً يفوق به أعداءه ما استطاع إلى ذلك سبيلا، يتحمل به الأتعاب والمشقات ويحمل السلاح ويستعمله بكل أنواعه.



وهذا يستلزم تنوع التدريب وتقسيم الجيش الإسلامي المقاتل إلى فرق، بحيث تتقن كل فرقة منه نوعاً من أنواع التدريب أكثر من غيرها، وتجيد استعمال نوع من أنواع السلاح كذلك أكثر من الفرق الأخرى.



فرقة تدرب على اكتساب الخبرة في البحث عن المعادن – مثلاً - لاستغلال المعادن والطاقات الموجودة في أرض المسلمين.



وفرقة تدرب على كيفية استغلال تلك المعادن والطاقات، لإقامة المصانع بأنواعها ولكل صنعة فيها مختصون.



وفرقة تدرب على ركوب الطائرات وقيادتها، وكل أسلحة الحرب الجوية.



وفرقة تدرب على قيادة الدبابات والمصفحات وعربات النقل، وكل الأسلحة البرية.



وفرقة تدرب على قيادة السفن الحربية والغواصات، وكل الأسلحة البحرية.



وفرقة تدرب على حرب الغابات والجبال والصحراء، وأخرى تدرب على الحرب في داخل المدن في الشوارع الواسعة والضيقة، ووضع الحواجز أمام العدو وإزالة الحواجز التي يضعها العدو، لعرقلة المجاهدين المسلمين.



وفرقة تدرب على الإنقاذ: إنقاذ الجرحى في المعركة، أو الغرقى إن كانوا في البحر أو من أحاطت بهم النيران، وكذلك على نقل الموتى ودفنهم وإسعاف المجاهدين بالطعام والشراب والدواء، وإمدادهم بالمؤن والذخائر.



وفرقة تدرب على استعمال أجهزة الاتصال السلكي وغير السلكي، وأخرى تدرب على العدْو السريع لمسافات طويلة، للاستعانة بأفرادها عند الحاجة، كأن تنقطع الاتصالات الصناعية لسبب من الأسباب، فيقومون بنقل المعلومات والأوامر والخطط من القيادة إلى فرق الجيش، أو نقل المعلومات إلى القيادة، أو نقل بعض الأسلحة، أو بعض الأغذية والأدوية وما شابهها.



وفرقة تدرب على كل أنواع الطب، ولا سيما إجراء العمليات المستعجلة، ويجب أن يدربوا جميعاً على المشي واحتمال الحر والبرد والجوع والعطش، وحمل الأثقال وغير ذلك مما تدعو له الضرورة في ساحات القتال، لأن ذلك كله ونظائره مما يتوقف عليه أداء واجب الجهاد.


الفرع الرابع: في تدريب الرسول أصحابه قدوة


لقد درب الرسول صلّى الله عليه وسلم أصحابه على كل ما كانوا في حاجة إليه في عصرهم، مما كان متيسراً الحصول عليه.



تقوية الأجسام:



فقد عني صلّى الله عليه وسلم بتقوية الأجسام وحث عليها قولا وفعلاً وتقريراً، وقبل ذكر ما ورد عنه صلّى الله عليه وسلم في ذلك ينبغي التنبيه على أن الآية الكريمة شاملة لذلك ولغيره كما مضى، وهو قوله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة...} فإن هزيل الجسم خامله ليس له من القوة في شيء.



قال صلّى الله عليه وسلم -كما في حديث أبي هريرة: (احرص على ما ينفعك واستعن بالله) [مسلم (4/2052)] وتقوية البدن مما ينفع ويجب الحرص عليه، ويشمل ذلك تقويته بالغذاء، أو تمرينه على الفتوة بأنواعها، وعلى الصبر عن الطعام والشراب لمدة معقولة، كصوم التطوع الذي كثر الحث عليه، إما مطلقا أو في أوقات محددة، كصوم يوم الاثنين ويوم الخميس من كل أسبوع، وصوم الأيام الثلاثة البيض من كل شهر، وصوم يوم عاشوراء مع يوم قبله أو يوم بعده [مسلم (2/818)] وهكذا صوم ستة أيام من شوال [نفس المصدر (2/822)].



أعمال الحج



ومن العبادات التي تدرب المسلم على الصبر وتحمل الأتعاب والمشاق، الحج لما فيه من مفارقة الأهل والمنزل، بما يشتمل عليه من وسائل الراحة، وإنفاق أموال، وللأسفار التي هي قطعة من عذاب، حيث لا يجد أغلب الناس فيه وسائل الراحة في المنام والمطعم والمشرب، وحيث يسير المسلم وفق تعليمات معينة، ينتقل فيها من مكان إلى آخر مع عامة الناس في وقت واحد، يحصل به من الزحام والمضايقة ما لا يحصل مثله إلا في الجهاد في سبيل الله.



ولهذا سماه الرسول صلّى الله عليه وسلم جهاداً لغير الأقوياء كالنساء، والذي يبذل ماله ويترك منزله وأهله ويخاطر بنفسه في أسفار الحج الشاقة ويؤدي ما شرعه الله فيه على الوجه المطلوب، وهو راض محتسب غير ساخط ولا مخاصم، جدير أن يكون من الذين هيئت نفوسهم ودربت أبدانهم على تحمل مشاق الجهاد في سبيل الله.



المشي إلى المساجد وإن بعدت



ولقد كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم، يحرص على أن يتحرك أصحابه لعبادة الله، ويحثهم على الصبر على المشي وإن بعد عنهم المسجد الذي يصلون فيه صلاة الجماعة خمس مرات في اليوم والليلة.



قال جابر بن عبد الله رضي الله عنْه، كانت ديارنا نائية عن المسجد فأردنا أن نبيع بيوتنا فنقترب من المسجد، فنهانا رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقال: (إن لكم بكل خطوة درجة). [مسلم (1/461)].



ووقع ذلك موقعه في نفوس أصحابه، فكان أحدهم يفضل بعد داره عن المسجد على قربها من بيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم، ويأبى أن يركب دابة توصله إلى المسجد بل يحرص على المشي مهما كلفه ذلك. كما في حديث أبي ابن كعب رضي الله عنْه قال: "كان رجل من الأنصار بيته أقصى بيت في المدينة، فكان لا تخطئه الصلاة مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال فتوجعنا له، فقلت له: يا فلان لو أنك اشتريت حماراً يقيك من الرمضاء ويقيك من هوام الأرض. قال: أما والله ما أحب أن بيتي مُطَنَّب ببيت محمد صلّى الله عليه وسلم، قال: فحملت به حملاً حتى أتيت نبي الله صلّى الله عليه وسلم فأخبرته، قال فدعاه فقال له مثل ذلك، وذكر له أنه يرجو في أثره الأجر، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلم: (لك ما احتسبت). [مسلم (1/461].



والذي يكون مشيه إلى الصلاة عبادة ومشيه إلى الجهاد في سبيل الله عبادة، يحرص كل الحرص على تدريب نفسه على المشي والسعي اللذين لا يستغني عنهما في المعركة.



الصبر على مشقة قيام الليل



وهكذا حرص رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن يدرب أصحابه على قيام الليل، والصبر على ما فيه من مشقة مفارقة الفراش وقت اشتداد الحاجة إليه، ومغالبة النوم وقت شدته - وإن أمر أن يستجم إذا غلبه - وشرع لهم فيه تطويل القراءة والقيام والركوع والسجود، وكان يمرن على ذلك صغار السن من صحابته.



كما في حديث ابن عباس رضي الله عنْه قال: "بت ليلة عند خالتي ميمونة، فقام النبي صلّى الله عليه وسلم من الليل فأتى حاجته، ثم غسل وجهه ويديه، ثم نام، ثم قام، فأتى القربة فأطلق شناقها، ثم توضأ وضوءاً بين الوضوءين، ولم يكثر وقد أبلغ، ثم قام فصلى فقمت فتمطيت كراهية أن يرى أني كنت أنتبه له، فتوضأت فقمت عن يساره، فأخذ بيدي فأدارني عن يمينه، فتتامت صلاة رسول الله صلّى الله عليه وسلم ثلاث عشرة ركعة…". [مسلم (1/525)].



وفي هذا تدريب للجسم على تحمل المشقة، وعلى السهر الذي هو ضروري للمجاهد في سبيل الله للحراسة وغيرها من أغراض الجهاد، وهو عبادة في كلتا الحالتين.



المسابقة على الأقدام



ودربهم صلّى الله عليه وسلم على المسابقة على الأقدام وكان هو قدوتهم في ذلك.

قال ابن القيم رحمه الله: "فأما مسابقته بالأقدام، ففي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود من حديث عائشة، قالت: سابقني النبي صلّى الله عليه وسلم فسبقته، فلبثنا حتى إذا أرهقني اللحم سابقني فسبقني، فقال: (هذه بتلك). وفي رواية أخرى أنهم كانوا في سفر، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم لأصحابه: (تقدموا) ثم قال: (سابقيني فسبقته ثم سابقني وسبقني)، فقال: (هذه بتلك).



وفي صحيح مسلم عن سلمة بن الأكوع قال: بينما نحن نسير وكان رجل من الأنصار لا يسبق أبداً، فجعل يقول: ألا مسابق إلى المدينة؟ هل من مسابق؟ فقلت: أما تكرم كريماً وتهاب شريفاً؟ قال: لا، إلا أن يكون رسول الله صلّى الله عليه وسلم، قال: قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي ذرني أسابق الرجل، فقال: (إن شئت)، فسبقته. [الفروسية ص3].



وفائدة التدريب على المسابقة بالأقدام والعدو، ظهرت جلية عندما أخذت غطفان لقاح رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فأدركهم سلمة بن الأكوع العداء الذي أكرمه رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فأردفه على ناقته.



قال سلمة: "خرجت قبل أن يؤذَّن بالأولى، وكانت لقاح رسول الله صلّى الله عليه وسلم ترعى بذي قرد، قال فلقيني غلام لعبد الرحمن بن عوف، فقال: أُخِذت لقاح رسول الله صلّى الله عليه وسلم، قلت من أخذها، قال غطفان قال فصرخت ثلاث صرخات يا صباحاه، فأسمعت ما بين لابتي المدينة، ثم اندفعت على وجهي حتى أدركتهم، وقد أخذوا يستقون من الماء، فجعلت أرميهم بنبلي وكنت رامياً وأقول:



أنا ابن الأكوع،،،،،،،،،،،،اليوم يوم الرضع



وأرتجز حتى استنقذت اللقاح منهم واستلبت، منهم ثلاثين بردة. قال: وجاء النبي صلّى الله عليه وسلم والناس فقلت: يا نبي الله قد حميت القوم الماء وهم عطاش، فابعث إليهم الساعة فقال: (يا بن الأكوع ملكت فأسجح) قال: ثم رجعنا ويردفني رسول الله صلّى الله عليه وسلم على ناقته، حتى دخلنا المدينة". [البخاري رقم 4194، فتح الباري (7/460) ومسلم (3/1432) ومعنى "فأسجح" قال النووي في شرحه لمسلم {12/174)
: "معناه فأحسن وارفق والسجاحة السهولة، أي لا تأخذ بالشدة، بل ارفق، فقد حصلت النكابة في العدو].



التدريب على المصارعة



ودربهم صلّى الله عليه وسلم على المصارعة، كما صارع صلّى الله عليه وسلم ركانة بن عبد يزيد. [سنن الترمذي، برقم (1784) وسنن أبي داود، برقم (4078) والمستدرك على الصحيحين برقم (5902) وذكره ابن القيم في الفروسية ص3].



وجعل صلّى الله عليه وسلم، السبق في المصارعة مسوغاً للإذن بالانخراط في الجيش الإسلامي لصغار السن. قال ابن هشام: "وأجاز رسول الله صلّى الله عليه وسلم يومئذ - أي يوم أحد - سمرة بن جندب.. ورافع بن خديج.. وهما ابنا خمس عشرة سنة، وكان قد ردَّهما، فقيل له: يا رسول الله: إن رافعا رامٍ، فأجازه، فلما أجاز رافعاً قيل له يا رسول الله فإن سمرة يصرع رافعاً، فأجازه". [السيرة النبوية (2/66)].



التدرب على جميع المركوبات.



وركب صلّى الله عليه وسلم جميع المركوبات، وركبها أصحابه كذلك، ودربهم على المسابقة عليها - لا سيما الخيل والإبل. اقتنوا الخيل وتدربوا على ركوبها، ودربوها على تحمل المشاق وحثوا على استدامة اقتنائها والمحافظة على قدرتها القتالية، ففي حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنْهما أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم، سابق بين الخيل التي أضمرت من الحفياء، وأمَدُها ثنية الوداع، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق، وإن عبد الله بن عمر كان فيمن سابق "بها". [البخاري رقم 418، فتح الباري (1/513) ومسلم (3/1491)].



وفي حديثه أيضا: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة). [البخاري رقم2849، فتح الباري (6/54) ومسلم (3/1492)]. قال الحافظ ابن حجر: "وفي الحديث مشروعية المسابقة، وأنه ليس من العبث، بل من الرياضة المحمودة الموصلة إلى تحصيل المقاصد في الغزو والانتفاع بها عند الحاجة، وهي دائرة بين الاستحباب والإباحة، بحسب الباعث على ذلك.



قال القرطبي: "لا خلاف في جواز المسابقة على الخيل وغيرها من الدواب، وعلى الأقدام، وكذا الترامي بالسهام، واستعمال الأسلحة، لما في ذلك من التدرب على الحرب. وفيه جواز إضمار الخيل، ولا يخفى اختصاص استحبابها بالخيل المعدة للغزو". [فتح الباري (6/72)].



وركبوا الإبل وسابقوا بها، وسابق رسول الله صلّى الله عليه وسلم بناقته "العضباء". [البخاري رقم الحديث 2871 ورقم 2872، فتح الباري (6/73)].



وركبوا البغال، كما قاتل رسول الله صلّى الله عليه وسلم يوم حنين على بغلته العضباء، [البخاري رقم 2874، فتح الباري (6/75)].



وكذلك ركبوا الحمر وركبها الرسول صلّى الله عليه وسلم. [البخاري رقم5967، فتح الباري (10/397)، ومسلم (1/58)].



وقد ذكر الله سبحانه وتعالى هذه المركوبات في سياق تعداد نعمه على عباده، وأتبعها بما يدل على كونه سينعم على عباده بغيرها من المركوبات المستحدثة، مما يمكن الله عباده من استغلاله. قال تعالى: {والأنعام خلقها لكم، فيها دفء ومنافع، ومنها تأكلون، ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون، وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس، إن ربكم لرؤوف رحيم، والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون} [النحل (5ـ8)].



وإذا كان الرسول صلّى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنْهم امتطوا كل مركوب في عهدهم وأتقنوا ركوبه، وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد أشار إلى وجود مركوبات أخرى غير ما كان موجوداً، وقد وجدت فعلا في هذا العصر مركوبات مدهشة برية وبحرية وجوية، وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد أمر المؤمنين بإعداد ما يستطيعون إعداده لإرهاب عدوهم، فإنه يؤخذ من ذلك كله أنه يجب على المؤمنين السعي الجاد في إيجاد كل مركوب يوجد على ظهر الأرض، مما فيه فائدة لهم وإرهاب لعدوهم، وأن عليهم أن يتدربوا على ركوب كل مركوب كذلك، ابتداء من الدراجة العادية التي تساق بالقوة البدنية وانتهاء بالمراكب الفضائية والبحرية العملاقة، فقد يحتاجون إلى الصغير من المركوبات كما يحتاجون إلى الكبير منها.



ولم يغز الرسول صلّى الله عليه وسلم في البحر، ولكنه أوضح لأصحابه أن أمته ستغزو في البحر مع ثنائه عليهم في ذلك". [البخاري رقم 2788، فتح الباري (6/10) ومسلم (3/1518)].



استعمال جميع الأسلحة المتاحة



الرمي:



واستعمل الرسول صلّى الله عليه وسلم جميع الأسلحة الموجودة في عهده، وكذلك أصحابه رضي الله عنْهم، وحرضهم على التدرب على الخطير منها والاستمرار في ذلك مع التهديد لمن فرط فيما تعلمه حتى نسيه. فقد فسر صلّى الله عليه وسلم القوة التي أمر الله بها بالرمي، كما في حديث عقبة بن عامر سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم - وهو على المنبر - يقول: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} (ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي). [البخاري رقم 2788، فتح الباري (6/10) ومسلم (3/1518)].



وهدد صلّى الله عليه وسلم من تعلم الرمي فتركه، فكان لذلك أثره في استمرار أصحابه على التدرب على الرمي، حتى كبار السن الذين يشق عليهم التدريب والحركة.

عن عبد الرحمن بن شماسة أن فقيما اللخمي قال لعقبة بن عامر: تختلف بين هذين الغرضين وأنت كبير يشق عليك، قال عقبة: لولا كلام سمعته عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم لم أعانيه، قال الحارث فقلت لابن شماسة: وما ذاك قال: إنه قال: (من علم الرمي ثم تركه فليس منا أو قد عصى). [مسلم (3/1522)].



ويلزم من هذا تعاهد الرمي وغيره من أنواع التدريب، وهو شبيه بالأمر بتعاهد القرآن بالحفظ وذم من فرط في حفظه، ولا غرو فالكتاب والحديد هما قوام الإسلام، ولا بقاء له مهيمناً بدونهما. [يراجع كتاب اللؤلؤ والمرجان (1/151)].



وقوله صلّى الله عليه وسلم: (ألا إن القوة الرمي) تنبيه منه على خطر الرمي وكونه أهم من غيره في كل عصر، وقد ظهرت أخطاره في هذا العصر، وليس المراد حصر القوة فيه، بل هو من باب قوله صلّى الله عليه وسلم: "الحج عرفة" ونحوه، فلم يقصد حصر الحج في عرفة وإنما بيان أنه الركن الأهم. والرمي عمدة فرق الجيوش البرية والبحرية والجوية.



وكان صلّى الله عليه وسلم يشجع أصحابه على الرمي، ويحضهم على مواصلة التدرب عليه والتنافس فيه، ففي صحيح البخاري من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنْه قال: مر النبي صلّى الله عليه وسلم على نفر من أسلم ينتضلون، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم: (ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان رامياً، ارموا وأنا مع بني فلان). قال فامسك أحد الفريقين بأيديهم، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: (ما لكم لا ترمون)؟ قالوا: كيف نرمي وأنت معهم، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم: (ارموا فأنا معكم كلكم)، [البخاري برقم الحديث 2899، فتح الباري (6/91)]، وسبق قريبا قول سلمة بن الأكوع العداء: وكنت رامياً.



السيوف:



واستعمل الرسول صلّى الله عليه وسلم وأصحابه السيف، كما في حديث أنس رضي الله عنْه، كان النبي صلّى الله عليه وسلم أحسن الناس وأشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ليلة، فخرجوا نحو الصوت فاستقبلهم النبي صلّى الله عليه وسلم وقد استبرأ الخبر، وهو على فرس لأبي طلحة عُرْيٍ، وفي عنقه السيف وهو يقول: (لم تراعوا لم تراعوا) ثم قال: (وجدناه بحراً، أو قال إنه لبحر). [البخاري رقم2918، فتح الباري (6/95) وقال في معنى وجدناه بحا: أي واسع الجري].



وقال أبو أمامة: "لقد فتح الفتوحَ قومٌ، ما كانت حلية سيوفهم الذهب ولا الفضة، إنما كانت حليتهم العلابي والآنك". [البخاري رقم 2909، فتح الباري (6/95) قال الحافظ:" العلابي بفتح المهملة وتخفيف اللام وكسر الموحدة، جمع علباء بسكون اللام وقد فسره الأوزاعي ... فقال العلابي الجلود الخام التي ليست بمدبوغة ... والآنك الرصاص"].



الخناجر:



واستعمل أصحابه الخناجر كما في حديث أنس قال: "جاء أبو طلحة يوم حنين، يضحك رسول الله صلّى الله عليه وسلم من أم سليم، قال: يا رسول الله ألم تر إلى أم سليم معها خنجر؟ فقال لها رسول الله صلّى الله عليه وسلم: (ما تصنعين به يا أم سليم)؟ قالت أردت إن دنا مني أحد طعنته به". [المسند للإمام أحمد (3/112)].





الحراب:



وكان أصحابه يتدربون على الحراب في مسجده صلّى الله عليه وسلم، كما في حديث عائشة رضي الله عنْها قالت: "رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يوما على باب حجرتي، والحبشة يلعبون في المسجد، ورسول الله صلّى الله عليه وسلم يسترني بردائه أنظر إلى لعبهم" وفي رواية: "يلعبون بحرابهم". [البخاري رقم 454ـ455، فتح الباري (1/549)]. ولما أراد عمر رضي الله عنْه منعهم، قال له النبي صلّى الله عليه وسلم: (دعهم يا عمر). [البخاري رقم 2901، فتح الباري (6/92)].



قال الحافظ: "واللعب بالحراب ليس لعبا مجرداً، بل فيه تدريب الشجعان على مواقع الحروب والاستعداد للعدو، وقال المهلب: المسجد موضوع لأمر جماعة المسلمين، فما كان من الأعمال يجمع منفعة الدين وأهله جاز فيه" [الفتح (1/549)].



أين هذا المعنى الذي فهمه سلفنا الصالح لوضع المسجد، وما يحاول كثير من الناس وضعه لإقامة الصلاة والذكر في أوقات معينة فقط، وكأنه أصبح لا فرق بينه وبين الكنيسة إلا أنه يفتح في اليوم والليلة خمس مرات وتقام فيه الصلوات المشروعة، أما الكنيسة فتفتح يوماً واحداً في الأسبوع والعبادات التي تقام فيها ليست مشروعة في الإسلام.





الرماح:



واستعملوا الرماح، كما في حديث أبي قتادة رضي الله عنْه، أنه كان مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم، حتى إذا كان ببعض طريق مكة مع أصحاب له محرمين وهو غير محرم، فرأى حماراً وحشيا، فاستوى على فرسه، فسأل أصحابه أن يناولوه سوطه فأبوا.. فسألهم رمحه فأبوا.. فأخذه ثم شد على الحمار فقتله… [البخاري رقم 2914، فتح الباري (6/98)].



وفي حديث ابن عمر رضي الله عنْهما قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: (بعثت بالسيف حتى يعبد الله لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم). [مسند الإمام أحمد (2/50) وبوب البخاري بالحديث في صحيحه، فقال: "باب ما قيل في الرماح ويذكر عن بن عمر عن النبي صلّى الله عليه وسلم جعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري" وقال في مجمع الزوائد: "رواه أحمد وفيه عبد الرحمن ابن ثابت وثقه ابن المديني وغيره وضعفه أحمد وغيره وبقية رجاله ثقات"].



استعمال أدوات الوقاية في ميادين القتال:



واستعمل الرسول صلّى الله عليه وسلم وأصحابه كل أنواع الوقاية في المعارك المجن أو الترس، ففي حديث أنس بن مالك رضي الله عنْه قال: "كان أبو طلحة يتترس مع النبي صلّى الله عليه وسلم بترس واحد…" [البخاري رقم 2902، فتح الباري (6/93)].



وكذلك استعملوا الدرق كما في حديث عائشة رضي الله عنْها، وفيه "وكان يوم عيد يلعب السودان بالدرق والحراب". [البخاري رقم 2907، فتح الباري (6/93)].

كما استعملوا البيضة وقد هشمت على رأس رسول الله صلّى الله عليه وسلم يوم أحد. [انظر صحيح البخاري رقم 2911، فتح الباري (6/96)].



واستعملوا الدروع كما في حديث ابن عباس رضي الله عنْهما قال: قال النبي صلّى الله عليه وسلم وهو في قبة: (اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم)، فأخذ أبو بكر رضي الله عنْه بيده، فقال: حسبك يا رسول الله فقد ألححت على ربك، وهو في الدرع فخرج وهو يقول: {سيهزم الجمع ويولون الدبر، بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر}. [البخاري رقم 2915، فتح الباري (6/99)].



ولكل عصر سلاحه الذي يجب استعماله:



وإذا كان الرسول صلّى الله عليه وسلم وأصحابه، قد استعملوا كل ما وجدوه في عصرهم من السلاح، وهو داخل في قوله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم} [الأنفال:60].



فإن الواجب على المسلمين في كل عصر استعمال كل ما يوجد في عصرهم، مما يقدرون على استعماله سواء ما صنعوه بأنفسهم، أو ما غنموه من عدوهم، أو ما حصلوا عليه بالشراء: يدخل في ذلك الأسلحة الثقيلة والخفيفة، الجوية والبرية والبحرية، الهجومية والدفاعية، لا يبقى أي نوع من أنواع السلاح غير داخل في وجوب استعماله على المجاهدين المسلمين، ووجوب التدرب عليه تدرباً عالياً مستمراً، حتى لا يتفوق عليهم عدوهم.



وكل نوع من أنواع الأسلحة يتعين حيث لا يغني عنه غيره، أو يكون هو الأفضل من غيره. قال ابن تيمية رحمه الله: "وهذه الأعمال كل منها له محل يليق به هو أفضل فيه من غيره، فالسيف عند مواصلة العدو، والطعن عند مقاربته، والرمي عند بعده، أو عند الحائل كالنهر والحصن ونحو ذلك، فكل ما كان أنكى في العدو وأنفع للمسلمين فهو أفضل، وهذا يختلف باختلاف أحوال العدو وباختلاف حال المجاهدين في العدو، ومنه ما يكون الرمي فيه أنفع ومنه ما يكون الطعن فيه أنفع وهذا مما يعلمه المقاتلون" [مجموع الفتاوى (28/12)].





السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13467682

عداد الصفحات العام

910

عداد الصفحات اليومي