﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (04) سافر معي في المشارق والغارب :: (24) أثر الترية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (03) سافر معي في المشارق والمغارب :: (023) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(062)الجهاد في سبيل الله-المبحث الثاني: الجهاد بالأنفس والأموال

(062)الجهاد في سبيل الله-المبحث الثاني: الجهاد بالأنفس والأموال


وفيه فرعان:



الفرع الأول: الحض على الجهاد بالأنفس والأموال.



الفرع الثاني: ضرورة إيجاد المال الكافي للجهاد



الفرع الأول: الحض على الجهاد بالأنفس والأموال.

الأموال والأنفس قرينان في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عّليه وسلم ، في سياق الجهاد في سبيل الله، فهما ركنان لا يغني أحدهما عن الآخر، إذ لو وجد المجاهد المسلم المدرب على جميع وسائل الحرب بدون مال، لا يستطيع أن يخوض معارك الجهاد ضد الأعداء، لأنه يحتاج إلى نفقات لأكله وشربه ولباسه وسلاحه، وما يحمله ويحمل عدته ونفقات أهله الذين يخلفهم.



فكيف يكون مجاهدا بدون مال؟ ولو وجد المال الوفير الذي به توجد الأسلحة والكفاية وغيرها، بدون نفوس مسلمة معدة للقتال تواقة إلى الجهاد في سبيل الله لنيل إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة، فماذا عسى أن يفعل ذلك المال بدون رجال؟.



لذلك كثر في كتاب الله وفي سنة رسوله صلّى الله عليه وسلم الجمع بين المال والأنفس، لأن الجهاد في سبيل الله لا يقوم إلا بهما. والنفس خلق الله وملكه، والمال خلق الله ورزقه وملكه، والخالق المالك يتصرف في خلقه وملكه كما يشاء، وعلى العبد المخلوق المملوك أن ينفذ أمر الخالق المالك، وبذلك يكون محققاً عبوديته لربه وتقواه له، وقد خلقه ليبتليه أيشكر أم يكفر.



قال تعالى: {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا. إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيرا. إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا} [الإنسان: 1ـ3].



وقال تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالاً كثيرا ونساءا، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا} [النساء:1].



والذي يرزق عبده ما يشاء من المال تفضلا منه وكرما ومناً، له أن يأمر عبده بإنفاق ذلك المال أو بعضه فيما يراه، وقد ابتلى الله عبده بماله كما ابتلاه بخلقه، ولا نجاح له في الدنيا والآخرة إلا بالفوز في ذلك الابتلاء.



ومن رحمته تعالى بهذا العبد وإحسانه إليه، أنه لم يأمره بإنفاق ماله كله، وإنما أمره بإنفاق بعضه. قال تعالى: {الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين. الذين يؤمنون بالغيب، ويقيمون الصلاة، ومما رزقناهم ينفقون} [البقرة: 1ـ3].



وقال سبحانه وتعالى: {إنما الحياة الدنيا لعب ولهو، وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم، ولا يسألكم أموالكم. إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم}. [محمد: 36ـ37].



ومن فضله سبحانه على عباده المؤمنين أنه – وهو خالقهم ومالكهم وخالق أموالهم ومالكها ورازقهم إياها – قد عقد صفقة معهم هم فيها البائعون وهو سبحانه المشتري، والمبيع هو نفوسهم وأموالهم، والثمن هو الجنة التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ينالونها ببذل نفوسهم وأموالهم تلك في سبيل الله، مقاتلين أعداء الله يقتلونهم تارة ويقتلون أخرى.



وهذه الصفقة ثابتة بين الله وبين عباده المؤمنين في كل جيل، وفي عهد كل رسول، سجلها الله في كتبه المنزلة التي ختمها بالقرآن العظيم، وهو سبحانه أصدق قيلا، وأوفى عهدا، لأنه على كل شيء قدير، فمن يرضى لنفسه أن تشذ عن هذه الصفقة وهذا العقد وهذا الثمن الذي بشر الله به البائعين في محكم كتابه؟



{إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون، وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن، ومن أوفى بعهده من الله، فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به، وذلك هو الفوز العظيم} [التوبة: 111].



والأمة التي تبذل أنفس أبنائها وأموالهم في سبيل الله، أمة ناجحة لأنها تملك - مع إيمانها وقوة صلتها بربها - ركني البقاء في الأرض بقاء يحقق السعادة لها ولغيرها، ويمكنها من قيادة البشرية التي تفقد ذلك.



هذان الركنان، هما صفة الشجاعة والكرم، الشجاعة التي من أهم علاماتها تقديم النفس التي عقد مع الله بيعها له سبحانه لإعلاء كلمته في الكون، والكرم الذي من أبرز علاماته بذل المال في سبيل الله.



والأمة التي تفقد هذين الركنين الأساسين، أمة لا تستحق البقاء في الأرض، بل تستحق الفناء والاضمحلال، وأن يستبدل الله غيرها بها، لأن فقد هذين الركنين سببه وجود ضدهما، وهما البخل والجبن، وهما الداءان القاتلان للأفراد والأمم، وقتلهما للأمم أشد من قتلهما للأفراد، لأن الفرد أو الأفراد الذين يتصفون بهما في أمة يغلب فيها الكرم والشجاعة، يمكن علاج الداء القليل الموجود فيهم بالدواء الكثير الموجود في أمتهم، بخلاف ما إذا كان الداء غالبا في الأمة فإن علاجه عسير.



قال ابن تيمية رحمه الله: "والبخل جنس تحته أنواع: كبائر وغير كبائر قال تعالى: {ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم، بل هو شر لهم، سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة}" [آل عمران: 180]. وقال: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وبالوالدين إحسانا} إلى قوله: {إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا، الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل…} [النساء:37] وقال: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم، يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم} [التوبة:34]. وما في القرآن من الأمر بالإيتاء والإعطاء، وذم من ترك ذلك كله ذم للبخل.



وكذلك ذمه للجبن كثير مثل قوله: {ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفاً لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير} [الأنفال:16]. وقوله عن المنافقين: {ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون} [التوبة:56ـ57].



وما في القرآن من الحض على الجهاد والترغيب فيه وذم الناكلين عنه والتاركين له كله ذم للجبن. ولما كان صلاح بني آدم لا يتم في دينهم ودنياهم إلا بالشجاعة والكرم، بين سبحانه أن من تولى عن الجهاد بنفسه، أبدل الله به من يقوم بذلك فقال: {يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوماً غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير} [التوبة: 38ـ39].



وقال تعالى: {ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} [محمد:38].



وبالشجاعة والكرم في سبيل الله فضل السابقين فقال: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى} [الحديد:10].



وقد ذكر الله الجهاد بالنفس والمال في سبيله ومدحه في غير آية من كتابه، وذلك هو الشجاعة والسماحة في طاعته سبحانه، فقال: {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين} [البقرة: 249].



وقال: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فأثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين} [الأنفال: 45ـ46، انتهى كلامه من كتاب مجموع الفتاوى (28/158].



والنصوص الواردة في الجهاد بالمال والنفس كثيرة جدا، مع ذم من بخل أو جبن، قال تعالى: {وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطول منهم وقالوا: ذرنا نكن مع القاعدين، رضوا بأن يكونوا مع الخوالف، وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون. لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون، أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم} [التوبة:86ـ89]. وقال تعالى: {انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} [التوبة: 41].



وليس من صفات المؤمنين الصادقين أن ينتحلوا المعاذير للتأخر عن الجهاد في سبيل الله بالأموال والأنفس، وإنما يفعل ذلك من فقدوا الإيمان بالله أو ضعف في نفوسهم، فزالت خشيته من قلوبهم، وفقدوا الإيمان باليوم الأخر أو ضعف في قلوبهم، فلم يطمعوا في ثواب الله ورضوانه، ولم يخافوا من جهنم التي أعدها الله لأمثالهم.



قال تعالى: {لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين، إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون} [التوبة: 44ـ45].



وفي حديث أبي سعيد الخدري رَضي الله عنه قال: "قيل يا رسول الله أي الناس أفضل فقال رسول الله صلى الله عّليه وسلم : (مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله) قالوا: ثم من؟ قال: (مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله ويدع الناس من شره) [البخاري رقم2786، فتح الباري (6/6) ومسلم (3/1503)].



ويكفي المنفق ماله في سبيل الله، أن الملأ الأعلى يدعون له بالمزيد من الخير كلما أنفق، بخلاف البخيل الممسك فإنهم يدعون عليه بالهلاك، كما في حديث أبي هريرة رَضي الله عنه، أن النبي صلى الله عّليه وسلم قال: (ما من يوم يصبح العبد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً) [البخاري رقم1442ـ فتح الباري (3/304) ومسلم (2/700)].



وحذر رسول الله صلى الله عّليه وسلم من الجبن والبخل أشد التحذير، كما في حديث أبي هريرة رَضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عّليه وسلم يقول: (شر ما في الرجل شح هالع وجبن خالع). [أبو داود (3/26)].



ولقد فهم أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم ن الهلاك محقق في هاتين الصفتين اللتين تقعدان من اتصف بهما عن الجهاد في سبيل الله، كما جاء عن أسلم بن أبي عمران قال: غزونا من المدينة والروم قد لصقوا ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجل على العدو فقال الناس: مه مه لا إله إلا الله، يلقي بيديه إلى التهلكة، فقال: أبو أيوب: "إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما نصر الله نبيه وأظهر الإسلام، قلنا: هلم نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل الله تعالى: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}



فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة، أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد "قال أبو عمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية". [أبو داود (3/27) الآية من سورة البقرة: 195].



وبين رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، الجهاد بالمال والنفس الذي يقتل صاحبه في سبيل الله، لا يفضله النبيون إلا بدرجة النبوة، وإذا كان كثير الخطايا محا الله بجهاده خطاياه ما لم يكن منافقاً.



كما في حديث عتبة بن عبد السلمي أن رسول الله صلى الله عّليه وسلم قال: (القتلى ثلاثة رجال:



رجل مؤمن جاهد بنفسه وماله في سبيل الله حتى إذا لقي العدو قاتلهم حتى يقتل، ذلك الشهيد الممتحن في خيمة الله تحت عرشه لا يفضله النبيون إلا بدرجة النبوة.



ورجل مؤمن قرف على نفسه من الذنوب والخطايا جاهد بنفسه وماله في سبيل الله حتى إذا لقي العدو قاتل حتى يقتل، فتلك مصمصة [مطهرة من دنس الخطايا] محت ذنوبه وخطاياه، إن السيف محاء للخطايا، وأدخل من أي أبواب الجنة شاء، فإن لها ثمانية أبواب ولجهنم سبعة أبواب، وبعضها أسفل من بعض.



ورجل منافق جاهد بنفسه وماله في سبيل الله ـ أي في ظاهر الأمر ـ حتى إذا لقي العدو قاتل حتى يقتل، فذلك في النار إن السيف لا يمحو النفاق)
[الجهاد لابن المبارك ـ قال المحقق: وأخرجه الدارمي (2/206) والطيالسي (1/234) وابن حبان (موارد الظمآن ص 388) والبيهقي (9/164) ومن طريق المصنف.. وأخرجه أحمد والطبراني عن عتبة بن عبد السلمي مرفوعاً. قال الهيثمي (5/291): "ورجال أحمد رجال الصحيح إلا أبا المثنى الأملوكي وهو ثقة].



ولقد أكثر صلى الله عّليه وسلم من ترغيب أصحابه - وأمته - في بذل نفوسهم وأموالهم في سبيل الله، موضحا لهم جزيل ثواب الله لهم، الذي لا يحرمه إلا الجبناء البخلاء، وفي ذلك أعظم خسارة لهم في الدنيا والآخرة.



ففي حديث أبي هريرة رَضي الله عنه، عن النبي صلى الله عّليه وسلم قال: (انتدب الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا إيمان بي وتصديق برسلي، أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة، أو أدخله الجنة، ولولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سرية، ولوددت أني أقتل في سبيل الله، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل) [البخاري رقم 36، فتح الباري (1/92) ومسلم (3/1495)].



وحض صلّى الله عليه وسلم أمته على المشاركة في الجهاد في سبيل الله - إن لم يكن بالخروج المباشر بالنفس والمال وبتجهيز الغزاة بما يملك من مال- فبأن يخلفهم في أهلهم بخير، حتى لا يبقى مؤمن بعيداً عن الإسهام في هذا الفضل العظيم.



كما في حديث زيد ابن خالد رَضي الله عنه: "أن رسول الله صلى الله عّليه وسلم قال: (من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيا في سبيل الله بخير فقد غزا). [البخاري رقم2843، فتح الباري (6/49) ومسلم (3/1507)].



ولقد أثرت تلك التوجيهات النبوية في أصحابه رضوان الله عليهم، فما كانوا يتحملون البقاء في بيوتهم وقت الغزو بين العجائز والمعذورين عذرا مقعدا، أو المنافقين.

قال سلمة بن الأكوع رَضي الله عنه: "كان علي رَضي الله عنه تخلف عن النبي صلى الله عّليه وسلم في خيبر، وكان به رمد فقال: أنا أتخلف عن رسول الله صلى الله عّليه وسلم ، فخرج علي فلحق بالنبي صلى الله عّليه وسلم .



فلما كان مساء الليلة التي فتحها [يعني خيبر] في صباحها، فقال رسول الله صلى الله عّليه وسلم : (لأعطين الراية -أو قال-: ليأخذن الراية غدا، رجل يحبه الله ورسوله - أو قال يحب الله ورسوله- يفتح الله عليه)، فإذا نحن بعلي، وما نرجوه، فقالوا هذا علي، فأعطاه رسول الله صلى الله عّليه وسلم ففتح الله عليه" [البخاري رقم2975، فتح الباري (6/126) ومسلم (4/1882)].



وكان الذي يصاب بالضعف البشري، فيتأخر عن رسول الله صلى الله عّليه وسلم في الغزو، يشعر بأن عمله غير لائق بالمؤمنين - غير العاجزين - وأن ذلك إنما هو من صفات المنافقين، فيندم ويتوب ثم لا يعود.



كما في قصة كعب بن مالك رَضي الله عنه عندما تخلف عن غزوة تبوك حيث قال: "فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عّليه وسلم ، يحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلاً مغموصاً عليه في النفاق، أو رجلاً ممن عذر الله تعالى من الضعفاء" [البخاري رقم 4418، فتح الباري (8/113) ومسلم (4/2120) ومعنى قوله: "مغموصا عليه بالنفاق" أي متهما به. شرح النووي على مسلم (17/89) قال الحافظ: "مغموصا بالغين المعجمة والصاد المهملة، أي مطعونا عليه في دينه متهما بالنفاق، وقيل معناه مستحقرا تقول: غمصت فلانا إذا استحقرته" فتح الباري (8/118].



ولقد كانوا رَضي الله عنهم إذا غلبهم العدو في معركة من المعارك التي لا طاقة لهم بها، لكثرة عدد عدوهم وعدده وقلتهم، كما حصل في غزوة مؤتة، لا يسقط منهم قائد إلا تسلم الراية منه من يليه حتى ينصرهم الله. ففي حديث أنس رَضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عّليه وسلم نعى زيداً وجعفراً وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: (أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب وعيناه تذرفان، حتى أخذها سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم)". [البخاري رقم3757، فتح الباري (7/100)].



وتتابعت قوافلهم رَضي الله عنهم نحو الشهادة لرفع راية الإسلام، وأصغ لما قاله قتادة وأنس رَضي الله عنهما في الأنصار. قال قتادة: "ما نعلم حيا من أحياء العرب أكثر شهيداً أغر يوم القيامة من الأنصار، قال قتادة وحدثنا أنس ابن مالك أنه قتل منهم يوم أحد سبعون، ويوم بئر معونة سبعون، ويوم اليمامة سبعون". [البخاري رقم4078، فتح الباري (7/374)].



وكان تيار الإيمان والتربية النبوية، تسريان في عروق غلمان المسلمين الأحداث، فلا يقنع الواحد منهم في المعركة بما دون رأس قائد الكفر، الذي يحيط به جنده من كل مكان، دون أن يهاب ذلك الغلامُ أو يتردد، حتى ليعجب من شجاعته وإقدامه كبار الصحابة رَضي الله عنهم.



كما في حديث عبد الرحمن بن عوف رَضي الله عنه قال: "إني لواقف في الصف يوم بدر، فنظرت عن يميني وعن شمالي، فإذا أنا بغلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، فتمنيت أن أكون بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما، فقال: أي عم هل تعرف أبا جهل؟ قلت: نعم، فما حاجتك إليه يا ابن أخي؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عّليه وسلم ، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا، قال: فتعجبت لذلك، قال: وغمزني الآخر فقال لي مثلها، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس فقلت: ألا تريان صاحبكما الذي تسألاني عنه قال: فابتدراه بسيفيهما، فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عّليه وسلم ، فأخبراه فقال: (أيكما قتله)؟، فقال: كل واحد منهما أنا قتلته، فقال: (هل مسحتما سيفيكما)؟ قالا: لا، فنظر رسول الله صلى الله عّليه وسلم في السيفين فقال: (كلاكما قتله). وقضى رسول الله صلى الله عّليه وسلم بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح، والرجلان معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء [البخاري رقم 3141، فتح الباري (6/246) ومسلم (3/1372)].



وكان أشداء أصحابه رَضي الله عنهم في وقت الشدة، يقدمون نحورهم للموت دون نحره صلى الله عّليه وسلم ، وكان حب الجهاد في سبيل الله يخرج النساءَ من بيوتهن ليقمن بما يقدرن عليه.



ففي حديث أنس رَضي الله عنه قال: "لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي صلى الله عّليه وسلم ، وأبو طلحة بين يدي النبي صلى الله عّليه وسلم مجوب عليه بحجفة، وكان أبو طلحة رجلا راميا شديد النزع، لقد كسر يومئذ قوسين أو ثلاثة.



وكان الرجل يمر معه الجعبة من النبل فيقول: (انثرها لأبي طلحة)، قال ويشرف النبي صلى الله عّليه وسلم ينظر إلى القوم، فيقول أبو طلحة: يا نبي الله بأبي وأمي لا تشرف يصيبك سهم من سهام القوم نحري دون نحرك، ولقد رأيت عائشة وأم سليم، وإنهما لمشمرتان أرى خدم سوقهما تنقلان القرب على متونهما…" [البخاري رقم 3811، فتح الباري (7/128) ومسلم (3/1443)].



كان المجاهد من أصحابه رَضي الله عنهم، عندما تذكر له الجنة، وهو في الصف يأكل من تمرات في يده، يرى انه لو بقي حتى يفرغ من أكل تلك التمرات، أن الحياة طويلة، فيسرع برمي تمراته، ليدخل باب الجنة في تلك اللحظة مع أهله من الحور العين.



كما في حديث أنس عن قصة معركة بدر وفيه: "فدنا المشركون فقال رسول الله صلى الله عّليه وسلم : (قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض)، قال: يقول عمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض؟ قال: (نعم)، قال: بخ بخ يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عّليه وسلم : (ما يحملك على قولك بخ بخ)؟ قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: (فإنك من أهلها) قال: فأخرج تمرات من قرنه، فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن حييت حتى آكل تمراتي هذه، إنها لحياة طويلة قال: فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل". [مسلم (3/1509).



وكان الواحد منهم إذا فاتته غزوة مع رسول الله صلى الله عّليه وسلم ، ندم ندما شديدا على ذلك، وأخذ يتطلع إلى يوم آخر من أيام الله بين جند الله وجحافل الكفر، ليشفي منهم غيظه وليصل إلى مبتغاه، وهو الشهادة ثم الجنة التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وكان لشدة صدقه في لقاء الله ويقينه من منازل الشهداء، يرسل الله إليه ريح الجنة من قبل أرض المعركة فيقسم عليها بربه مغرياً قومه.



كما في حديث أنس بن مالك رَضي الله عنه قال: "غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر فقال: يا رسول الله غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع…"



فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون فقال: "اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني أصحابه - وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعني المشركين - ثم تقدم، فاستقبله سعد بن معاذ، فقال يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر، إني لأجد ريحها من دون أحد، قال: سعد فما استطعت يا رسول الله ما صنع، قال أنس: فوجدنا به بضعة وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل، وقد مثل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه.



قال أنس: كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه": {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا} [البخاري رقم 2805، وفتح الباري (6/21) والترمذي وهو في جامع الأصول (8/242) والآية من سورة الأحزاب: 23].



هكذا بذل أصحاب رسول الله صلى الله عّليه وسلم نفوسهم في سبيل الله، ببسالة وشجاعة لا تكون إلا لذوي الإيمان الصادق، ممن تعمقت في قلوبهم تربية الإسلام تعمقا يجعلها خالية من أي حب غير حب الله، إلا أن يكون في مرضاته، وخالصة من أي خوف غير خوف الله عـز وجل.



كما قال تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، أولئك هم الصادقون} [الحجرات: 15].



ولقد سرت هذه الروح الجهادية العالية التي تربى عليها أصحاب رسول الله صلى الله عّليه وسلم ، فيمن ربوه عليها كذلك من أتباعهم، فكان النفر من المجاهدين يسقطون في المعركة وقد أثخنتهم الجراح واشتد عليهم العطش، فيؤتى أحدهم بالماء فيسمع أنين أخيه فيشير للساقي إليه ليشرب قبله، ثم يؤتى به للآخر فيسمع ثالثاً يئن فيشير للساقي إلى الثالث، إيثاراً من كل واحد منهم لأخيه، فيموتون قبل أن يشربوا جميعاً. [انظر الجهاد لابن المبارك ص97].



وفي هذه المسيرة الجهادية العالية قدوة لشباب المسلمين في كل زمان، وزاد يقوي خطوهم نحو ساحات الجهاد في سبيل الله، ونور يضيء لهم الدرب الذي كاد الظلام أن يطمس معالمه.



{محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما} [الفتح: 29].



{يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم} [المائدة:54].









السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13467642

عداد الصفحات العام

870

عداد الصفحات اليومي