﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (04) سافر معي في المشارق والغارب :: (24) أثر الترية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (03) سافر معي في المشارق والمغارب :: (023) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(063)الجهاد في سبيل الله-الفرع الثاني: ضرورة إيجاد المال الكافي للجهاد

(063)الجهاد في سبيل الله-الفرع الثاني: ضرورة إيجاد المال الكافي للجهاد


سبق ذكر بعض النصوص التي تحث على الجهاد في سبيل الله بالأموال والأنفس، وسبق ما يثبت تسابق الصحابة رضي الله عنْهم إلى ساحات الوغى، لرفع كلمة الله في الكون، وتحطيم قوى الطاغوت في الأرض، ونيل الشهادة التي كانوا أشد شوقاً إليها من العمر الطويل والحياة الرغدة في الدنيا، ليقينهم بما وعدهم به رسول الله صلّى الله عليه وسلم، من الفضل الكبير لمن لقي ربه وهو يقاتل في سبيله.



وهنا لا بد من تجلية كون المال ضرورة من ضرورات قيام الأمة بالخلافة التي كلفها الله إياها، في حالة السلم بعمارة الأرض، والقيام بنشر الدعوة إلى الله، والاستعداد للجهاد في سبيل الله، وإعداد المصانع، وفي حالة الحرب لخوض المعارك ضد أعداء الله.



وينقسم هذا الفرع إلى ثلاثة مطالب:


المطلب الأول: الحث على إيجاد المال الكافي للجهاد


المطلب الثاني: استجابة الصحابة لداعي الإنفاق في سبيل الله.



المطلب الثالث: الأمة الإسلامية بين البخل بالمال والتبذير فيه .





المطلب الأول

الحث على إيجاد المال الكافي للجهاد في سبيل الله


إن وجود مال وفير للمسلمين يصرف في مصالحهم الخاصة والعامة أمر ضروري، لأنه لا حياة - عزيزة - للفرد وللأمة بدون مال، فالمطعم والمشرب والمسكن والملبس والمركب والمنكح - الحياة الزوجية - أمور لا يستغني عنها أي فرد - في الحالة العادية - وهي لا يمكن الحصول عليها بدون مال.



وإقامة المدن والقرى، وشق الطرق، وبناء المساجد والمدارس والمعاهد والجامعات، وحفر الآبار وإنشاء الجسور وإيجاد المواصلات البرية والبحرية والجوية، وإقامة المصانع والشركات، ونقل المؤن والذخائر وشراء ما يُحتاج إليه من البضائع من البلدان الأخرى، وزراعة الأرض وتصريف المياه وضخها وغير ذلك مما لا يحصيه العد، لا يمكن وجوده بدون مال.



فكيف تقدر أمة من الأمم أن تدافع عن نفسها أو تنشر فكرها، عن طريق الدعوة التي لا يأذن أعداؤها لها بالانتشار، أو تعلن حربا ضد أولئك الأعداء بدون مال؟ هذا دليل الواقع يثبت بأنه لا بد من المال. لذلك وردت نصوص كثيرة في القرآن والسنة، تدل على ضرورة إيجاد المال وحفظه، وعدم تبذيره، ووجوب إنفاقه فيما هو مشروع، بخلاف المحرمات.



قال تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل، ترهبون به عدو الله وعدوكم، وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم، وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون} [الأنفال:60].



تأمل هذه الآية الكريمة تجدها دالة على ضرورة وجود المال الكافي للجهاد في سبيل الله، فهي تأمر بإعداد القوة المستطاعة - التي منها أرقى السلاح الموجود كالخيل في حينها - التي ترهب العدو الظاهر والعدو الخفي، وإعداد هذه القوة بدون مال متعذر وهي - كذلك - تصرح بالإنفاق في سبيل الله إشارة إلى هذا المعنى. فكيف يعد المسلمون العدة المأمور بها؟ ومن أين ينفقون؟ إن كانوا كلهم فقراء يستجدون لقمة العيش؟. قال تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} [التوبة:111].



فإذا كان المسلمون لا مال لهم، ولا يقدرون على التحرك لقتال الأعداء، بسبب عدم وجود المال – وهم قادرون على جمعه ولكنهم لم يجمعوه – فكيف تتم هذه الصفقة؟ وهل ينام طالب الجنة عن السعي في إيجاد المبيع بهذا الثمن الغالي؟



نعم إذا كان الفرد لا يجد المال وهو قادر على الجهاد بنفسه، والفرد الآخر عنده المال، ولا يقدر على الجهاد بنفسه، فجهز الغني الفقير ليجاهد في سبيل الله، فإنهما يستحقان هذه الصفقة مع الله، ولكن كيف يكون ذلك إذا كان الفقر على مستوى الأمة؟ وقال تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً} [النساء:5]. فقد نهى سبحانه وتعالى المؤمنين أن يؤتوا السفهاء أموالهم، لأن قيام معاشهم ومصالحهم لا يكون إلا على هذه الأموال. قال ابن كثير: "أي تقوم بها معايشهم من التجارات وغيرها" [تفسير القرآن العظيم (1/452)].



وقال القرطبي: "{التي جعل الله لكم قياماً} أي لمعاشكم وصلاح دينكم. [الجامع لأحكام القرآن (5/31)].



وكثيرا ما يمتن الله بالمال على عباده كقوله تعالى: {فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا. يرسل السماء عليكم مدرارا. ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا} [نوح: 10ـ12]. وقوله تعالى عن اليهود: {ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا} [الإسراء:6].



ولما كانت الأموال سببا في قيام الأمم، فالأمة المهتدية تنفقها في رضا الله سبحانه، لتثبيت الحق وتحطيم الباطل، والأمة الضالة تنفقها في سخط الله، لتثبيت الباطل ومحاربة الحق، لجأ نبي الله موسى إلى ربه - بعد أن بدا له موقف فرعون المعاند وقومه من دعوته - لجأ إلى ربه أن يذهب أموالهم التي أبطرتهم وأضلتهم عن سبيل الله، فقال الله عنه: {وقال موسى: ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم} [يونس:88].



ولهذا ربى رسول الله عليه وسلم أصحابه، على اكتساب المال بجهدهم، وحذرهم من الكسل والسؤال، حتى يكون كل فرد من أفرادهم مستغنيا بكسبه عن سؤال الناس، وحتى ينفق الفائض عن حاجاتهم على المصالح العامة عن طواعية منهم واختيار، لا عن مصادرة وإكراه. ففي حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنْهما قال: "قال النبي صلّى الله عليه وسلم: (ما يزال الرجل يسأل الناس، حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم) [البخاري رقم1474، فتح الباري (3/338) ومسلم (2/720)].



وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنْه قال: "قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: (لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير من أن يسأل أحدا فيعطيه أو يمنعه) [البخاري رقم 2074، فتح الباري (4/304) ومسلم (2/721)].



وعندما آخى رسول الله صلّى الله عليه وسلم – عند مقدمه المدينة - بين المهاجرين والأنصار، ليتعاونوا ويتكافلوا، أظهر الأنصار من الإيثار، ما لا يظن أن أمة في الأرض تصل إليه غير الأمة الإسلامية، وأظهر المهاجرون من القناعة والعفة، والسعي في طلب الرزق كذلك، ما تشرئب إليه الأمم في كل جيل:



"لما قدموا المدينة آخى رسول الله صلّى الله عليه وسلم بين عبد الرحمن وسعد بن الربيع، قال هذا لعبد الرحمن: "إني أكثر الأنصار مالا فأقسم مالي نصفين، ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك، فسمها لي أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها، قال: بارك الله لك في أهلك ومالك، أين سوقكم؟ فدلوه على سوق بني قينقاع، فما انقلب إلا ومعه فضل من أقط وسمن، ثم تابع الغدو، ثم جاء يوماً وبه أثر صفرة، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم: (مهيم)؟ قال: تزوجت، قال: (كم سقت إليها)؟ قال: نواة من ذهب – أو وزن نواة من ذهب" [البخاري رقم 3780ـ فتح الباري (7/112)].



الأنصاري يتنازل عن نصف ماله وعن إحدى زوجتيه، والمهاجري ينافس أعداء الله اليهود في التجارة، حتى لا يسيطروا على رؤوس الأموال للضغط بها على الناس - لا سيما أشباههم من المنافقين، ليكون ضد الدعوة الإسلامية - فيصبح عبد الرحمن بن عوف من كبار تجار الصحابة الذين يمدون الدعوة والجهاد بالمال الوفير [الإصابة (2/408)].



هذا وقد يوجد الرجال المؤمنون المجاهدون الذين يحبون لقاء العدو، للقاء الله وإعلاء كلمته، فيحول عدم وجود المال بينهم وبين أداء واجبهم، فيقل بذلك عدد المسلمين، ويكثر عدد الكافرين، ويحرم المسلمون من خيرة المجاهدين في الاشتراك معهم في ساح القتال، ويصابون كلهم بالندم والأسف على ذلك.



وها هي ذي القصة التي حصلت في عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم وسجلها القرآن الكريم، يجب أن تكون درسا وعبرة للأجيال المسلمة في سائر الأزمان، قال تعالى: {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون} [التوبة:92].



قال ابن كثير رحمه الله: "وقال ابن إسحاق في سياق غزوة تبوك: إن رجالاً من المسلمين أتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وهم البكاؤون وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم من بني عمرو بن عوف... فاستحملوا رسول الله صلّى الله عليه وسلم وكانوا أهل حاجة فقال: {لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون} [تفسير القرآن العظيم (2/381)].



وها هم أعداء الله في هذا العصر يبذلون أموالهم فيما بينهم، متعاونين ضد المسلمين، الشيوعيون واليهود والنصارى والوثنيون، فيغزون المسلمين في عقر دارهم، ولا يجد هؤلاء المسلمون ما يدفعون به عن أنفسهم وأعراضهم وأموالهم وأوطانهم، لا بل إنهم ليموتون من شدة البرد أو الحر، والجوع أو العطش، والقذائف تمزق لحومهم وتهشم عظامهم، وهم يبكون كما بكى أولئك السبعة فلا يجدون من يخاف الله من أغنياء الدول والشعوب الإسلامية فيعطيهم ما يكفيهم للدفاع عن أنفسهم.



وينبغي أن يسرع المسلمون بصدقاتهم، فيسلموها لقائدهم الذي يعتاد المجاهدون طلب العون على الغزو منه، أو من يثقون به من علماء المسلمين، إن لم يكن لهم قائد، فقد كان الرسول صلّى الله عليه وسلم يقصده أصحابه ليحملهم، فإنلم يجد شيئا اعتذر كما في هذه القصة، وإن كان عنده شيء أعطى من استحمله.



كما في قصة أبي موسى الأشعري رضي الله عنْه قال: "أرسلني أصحابي إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم، أسأله الحملان لهم، إذ هم معه في جيش العسرة، وهي غزوة تبوك، فقلت يا نبي الله إن أصحابي أرسلوني إليك لتحملهم فقال: (والله لا أحملكم على شيء) ووافقته وهو غضبان، ولا أشعر ورجعت حزينا من منع النبي صلّى الله عليه وسلم، ومن مخافة أن يكون قد وجد في نفسه عليَّ، فرجعت إلى أصحابي فأخبرتهم الذي قال النبي صلّى الله عليه وسلم.



فلم ألبث إلا سويعة، إذ سمعت بلالاً ينادي: أي عبد الله بن قيس فأجبته فقال: أجب رسول الله صلّى الله عليه وسلم يدعوك فلما أتيته قال: (خذ هذين القرينين - لستة أبعرة - ابتاعهن حينئذٍ - من سعد، فانطلق بهن إلى أصحابك، فقل: إن الله يحملكم على هؤلاء فأركبوهن)، فانطلقت إليهم بهن فقلت: إن النبي صلّى الله عليه وسلم يحملكم على هؤلاء. [البخاري رقم 4415، فتح الباري (8/110) ومسلم (3/1269)].



قال سيد قطب رحمه الله: "والجهاد كما يحتاج للرجال يحتاج للمال، ولقد كان المجاهد المسلم يجهز نفسه بعدة للقتال وزاد القتال، لم تكن هناك رواتب يتناولها القادة والجند، إنما كان هناك تطوع بالنفس وتطوع بالمال، وهذا ما تصنعه العقيدة حين تقوم عليها النظم، إنها لا تحتاج حينئذ أن تنفق لتحمي نفسها من أهلها أو من أعدائها، إنما يتقدم الجند ويتقدم القادة متطوعين، ينفقون هم عليها، ولكن كثيراً من فقراء المسلمين الراغبين في الجهاد والذود عن منهج الله وراية العقيدة، لم يكونوا يجدون ما يزودون به أنفسهم، ولا ما يتجهزون به من عدة الحرب ومركب الحرب، وكانوا يجيئون إلى النبي صلّى الله عليه وسلم يطلبون أن يحملهم إلى ميدان المعركة البعيد الذي لا يُبلَغ على الأقدام، فإذا لم يجد ما يحملهم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون، كما حكى عنهم القرآن الكريم. من أجل هذا كثرت التوجيهات القرآنية والنبوية، إلى الإنفاق في سبيل الله، الإنفاق لتجهيز الغزاة، وصاحبت الدعوة إلى الجهاد الدعوة إلى الإنفاق في معظم المواضع، وهنا يعد عدم الإنفاق تهلكة ينهى عنها المسلمين: {وأنفقوا في سبيل الله...} والإمساك عن الإنفاق في سبيل الله تهلكة للنفس بالشح، وتهلكة للجماعة بالعجز والضعف، وبخاصة في نظام يقوم على التطوع، كما كان يقوم الإسلام". [في ظلال القرآن (1/103ـ154) الطبعة الرابعة].





المطلب الثاني: استجابة الصحابة لداعي الإنفاق في سبيل الله


لقد كان أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم، يتسابقون إلى تنفيذ أوامره كلها، ويتنافسون في ذلك ما كانوا قادرين، لا فرق بين بذل النفس أو المال أو غيرهما.

عن المنذر بن جرير عن أبيه قال: "كنا عند رسول الله صلّى الله عليه وسلم في صدر النهار، قال فجاءه قوم حفاة عراة، مجتابي النمار أو العباء، متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتمعَّر وجه رسول الله صلّى الله عليه وسلم، لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالاً فأذن وأقام فصلى، ثم خطب فقال: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة} إلى آخر الآية: {إن الله كان عليكم رقيبا} والآية التي في الحشر: {اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله} تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه من صاع بره، من صاع تمرة) حتى قال: (ولو بشق تمرة) قال فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، قال: ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله صلّى الله عليه وسلم يتهلل كأنه مذهبة.



فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: (من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها بعده، من غيره أن ينقص من أوزارهم شيء). [مسلم (2/704)].



قال الإمام النووي رحمه الله: "النمار بكسر النون جمع نمرة بفتحها، وهي ثياب صوف، فيها تنمير، والعباء بالمد وبفتح العين جمع عباءة، وعباية لغتان، وقوله مجتابى النمار، أي خرقوها، وقوروا وسطها... وأما سبب سروره صلّى الله عليه وسلم ففرحاً بمبادرة المسلمين إلى طاعة الله تعالى، وبذل أموالهم لله، وامتثال أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلم". [شرح النووي على مسلم (7/103)].



وتأمل هذا التنافس في بذل المال في سبيل الله، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنْه: "أمرنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن نتصدق ووافق ذلك مني مالاً، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته، فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: (ما أبقيت لأهلك)؟ قلت: مثله، وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال: (يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك)؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله. قلت: لا أسبقه إلى شيء أبداً". [أخرجه أبو داود والترمذي، وهو في جامع الأصول (8/591) قال المحشي وإسناده حسن صحيح، وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح].



وتصدق عثمان بن عفان رضي الله عنْه في غزوة تبوك – المسماة بغزوة العسرة - بثلاثمائة بعير مجهزة تجهيزا كاملاً. كما قال عبد الرحمن بن خباب رضي الله عنْه: "شهدت رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وهو يحث على تجهيز جيش العسرة، فقام عثمان بن عفان، فقال: يا رسول الله: عليَّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حض على الجيش فقام عثمان فقال: يا رسول الله عليَّ مائتا بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حض على الجيش، فقام عثمان بن عفان فقال: عليَّ ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله.



فأنا رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم، ينزل عن المنبر وهو يقول: (ما على عثمان ما فعل بعد هذه.. ما على عثمان ما عمل بعد هذه). [الترمذي، برقم (3699) وقال: "هذا حديث غريب من هذا الوجه، ... وفي الباب عن عبد الرحمن بن سمرة" وال حديث في جامع الأصول (7/636) وحسنه المحشي بغيره].



وبهذا تظهر أهمية الإنفاق في سبيل الله وأنه أحد ركنيه حتى عده بعض العلماء آكد من الجهاد بالنفس. قال ابن القيم رحمه الله: "ومنها - أي من فقه غزوة تبوك وفوائدها - وجوب الجهاد بالمال كما يجب بالنفس، وهذه إحدى الروايتين عن أحمد، وهي الصواب الذي لا ريب فيه، فإن الأمر بالجهاد بالمال شقيق الأمر بالجهاد بالنفس في القرآن وقرينه، بل جاء مقدماً على الجهاد بالنفس في كل موضع، إلا موضعاً واحداً، هو قوله تعالى: {إن الله أشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} [التوبة:111].



وهذا هو الذي يدل على أن الجهاد به أهم وآكد من الجهاد بالنفس، ولا ريب أنه أحد الجهادين، كما قال النبي صلّى الله عليه وسلم: (من جهز غازيا فقد غزا) فيجب على القادر عليه كما يجب على القادر بالبدن، ولم يتم الجهاد بالبدن إلا ببذله، ولا ينتصر إلا بالعُدد والعَدد، فإن لم يقدر أن يكثر العدد، وجب عليه أن يمد بالمال والعدة، وإذا وجب الحج على العاجز بالبدن، فوجوب الجهاد بالمال أولى وأحرى". [زاد المعاد (3/16)].





وقال سيد قطب رحمه الله: "والإنفاق في سبيل الله هو صنو الجهاد الذي فرضه الله على الأمة المسلمة، وهو يكلفها النهوض بأمانة الدعوة إليه وحماية المؤمنين به، ودفع الشر والفساد والطغيان، وتجريده من القوة التي يسطو بها على المؤمنين، ويفسد بها في الأرض، ويصد بها عن سبيل الله، ويحرم البشرية ذلك الخير العظيم الذي يحمله إليها نظام الإسلام، والذي يعد حرمانها منه جريمة فوق كل جريمة، واعتداء أشد من الاعتداء على الأرواح والأموال" [في ظلال القرآن (3/45) الطبعة الرابعة].





السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13467661

عداد الصفحات العام

889

عداد الصفحات اليومي