﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (04) سافر معي في المشارق والغارب :: (24) أثر الترية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (03) سافر معي في المشارق والمغارب :: (023) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(065)الجهاد في سبيل الله تابع للمطلب الثالث-: العدوان اليهودي الصليبي على فلسطين

(065)الجهاد في سبيل الله تابع للمطلب الثالث-: العدوان اليهودي الصليبي على فلسطين


فقد قام أعداء الله من اليهود باحتلال أرض الإسراء فلسطين، وتوطدت فيها أقدامهم، وكثر دعمهم من قبل اليهود في العالم، والصليبيين من النصارى، والشيوعيين والوثنيين، وبعض حكام الشعوب الإسلامية. [من أمثال شاه إيران محمد رضا بهلوي وأشباهه].



والفلسطينيون مشردون في الآفاق، لم يجدوا من يؤويهم ولا من يربي أبناءهم من المسلمين إلا ما ندر، وبعد مشاقَّ تكبدوها من قتل وسجن واعتقال وتشريد، وتفرق في الأرض، صحا بعض شباب فلسطين أو بلغ رشده، فرأى تلك المآسي فأخذوا يلمون شعثهم، وتلقوا بعض المساعدات المالية وحصلوا على القليل من الأسلحة الخفيفة، التي لا نسبة بينها وبين أسلحة العدو الفتاكة، فأخذوا يقاومون على قلة إمكاناتهم، وعدم أرض آمنة يقفون عليها، وينطلقون منها.



ولو أن حكام الشعوب الإسلامية صدقوا الله مع الفلسطينيين من سنة 1948م، لما كان اليهود تمكنوا من السيطرة الكاملة على شعب فلسطين، وأخذوا يهددون الدول العربية كلها.



وليصغ القارئ لصوت أحد الشباب الفلسطينيين المجاهد: "واجباتنا تجاه معركة المصير، وهكذا يتصاعد العمل الفدائي ويتضح أن العون للفدائيين ولكل مجهود حربي عربي، هو ليس فرض كفاية يمكن أن يقوم به البعض دون البعض، بل هو واجب حتمي على كل فرد وفي كل قطر وصقع من عالمنا العربي الكبير، ولا أعتقد أن الموضوع في حاجة إلى إقناع، فإن إسرائيل تهدف إلى تفتيت الوطن العربي وتمزيقه، وهي تعمل إلى إخضاع جزء من مصر، يضم الإسكندرية والدلتا إلى سيناء تحت علمها، وإلى احتلال الأجزاء الهامة من العراق وسوريا، ثم احتلال الجزيرة العربية حيث تريد أن تقع المدينة المنورة وأطلال بني النضير وبني القينقاع القديمة (نسى الكاتب بني قريظة) تحت علم إسرائيل.



وقد صرح موشى ديان يوم دخوله القدس في السابع من يونيو الكارثة: لقد وصلنا أورشليم وما زال أمامنا يثرب وأملاك قومنا فيها.



ولسنا ندري لو تم هذا ماذا بقي للعالم العربي من كيان أو كرامة أو وجود؟ ولا نتصور أن هذا احتمال يجب ألا يشغل الناس الآن، فإن إسرائيل نفسها كانت احتمالا قبل عشرين عاماً، وأن احتلالها القدس كان احتمالاً قبل عام من الآن. [أي عام1967م وهو يوافق 1387هـ ويظهر أن المؤلف كتب هذا الكلام بعد الاحتلال بسنة أي في عام 1968م].



ولا نتصور أن يكون الأمر خاصاً بالعرب المجاورين لفلسطين، فإن الموضوع خاص بالجميع (يعني يعم الجميع) وخطر على الجميع، ولنأخذها من أولها إن السعودية يجب أن تقدم كل إمكاناتها للمعركة، فإن هدف إسرائيل في أجزائها وفي مدينة الإسلام التي تعتبر السعودية حفيظة عليها، لم يعد سراً يحتاج إلى إعلان، دول الخليج العربي يجب أن تقدم كل إمكاناتها، فإنه لا ينتظر أن يكون لها مكان ولا كيان إذا استطاع الأعداء قهر السعودية ومدينة الإسلام فيها، إن العراق يجب أن تقدم كل إمكاناتها، فإن المعنى المرسوم على باب البرلمان اليهودي: "من النيل إلى الفرات وطنكم الموعود" ولسنا في حاجة للحديث عن واجبات الجمهورية العربية المتحدة [وعلم اليهود قد ارتفع فوق سماء القاهرة معترفاً به]. والجمهورية العربية السورية والمملكة الأردنية، فإن سيف إسرائيل قد استطاع أن يعمل في أجسامهم جميعاً". [جهاد شعب فلسطين خلال نصف قرن لمؤلفه: صالح مسعود أبي بصير ص571]



فأين ذهبت هذه الصرخة ومثيلاتها؟!.


ولو أن المسلمين احتضنوا الثورة الفلسطينية من أول يوم وقع فيه العدوان باسم الإسلام، وبذلوا نفوسهم وأموالهم في إنجاحها، ما كان الفلسطينيون بوضعهم الحالي جماعات متفرقة: منهم الشيوعي، ومنهم القومي، ومنهم العلماني ومنهم ... وإن كان توجد فيهم فئة صالحة تؤمن بالله وبدينه وتجاهد في سبيله.

العدوان الأثيوبي الصليبي على إريتريا


وهذه أريتريا المسلمة التي سطا عليها النصراني المتعصب هيلاسلاسي الأسود، بدعم قوي من بني جنسه النصارى الغربيين البيض، أشعل أبناؤها الثورة منذ عشرين عاماً وأخذوا يجوبون البلدان الإسلامية - ولا سيما الشعوب العربية منها، يطلبون العون المادي، فأغلقت دون أصواتهم الآذان وأغمضت دون رؤيتهم الأعين.



فتفرقوا وانقسموا منهم من أخذ يستجدي الشرق الشيوعي، ومنهم من أخذ بجمع التبرعات من أفراد الشعب المسلم ويكافح، وما يتلقوه من المساعدات المادية شيء لا يذكر بجانب التكليفات الباهظة أمام دولة نصرانية متعصبة تدعمها دول الغرب كلها، وكذلك اليهود.



ثم ذهب هيلاسلاسي النصراني، فجاء الحاكم الماركسي الشيوعي، ولا زال الدعم اليهودي الصليبي مستمراً على الرغم من العداء الذي تحاول دولة اليهود أن تظهره للروس وأذنابهم، وكذا الدول والمؤسسات المسيحية لا تزال تدعم سلطات أثيوبيا الشيوعية ضد المسلمين.



وتأمل هذه المقتطفات عن بعض قادة الشعب الإريتري المسلم المجاهد: "مشكلة أريتريا تعود بعيداً في أغوار التاريخ، فمنذ أن وطئت أقدام صحابة رسول الله صلّى الله عليه وسلم مرسى "هرر" في الشاطئ الإريتري، في السنة الخامسة من البعثة النبوية الشريفة، وهم في طريقهم إلى الحبشة فارين بدينهم من أذى كفار قريش، والإسلام بدأ ينتشر في هذه المنطقة، حتى تعزز وجوده بإقامة الدولة الأموية القلاع والحصون في جزر دهلك وميناء باضع التي هي الآن مصوع، حماية للمسلمين في المنطقة وتأميناً لطرق التجارة في البحر الأحمر.



وخلال الثلاثة عشر قرناً التي تلت، لم تحكم أريتريا قوة غير إسلامية، حتى جاء الاحتلال الإيطالي في عام 1885 م منهيا الحكم العثماني...



وكانت الحبشة طيلة هذه القرون، تحاول احتلال الشاطئ الإريتري والصومالي، دون أن تحقق نجاحا يذكر، بسبب مقاومة أهلها من جهة، وبسبب وجود الدعم من الدولة الإسلامية الكبرى.



ولم تتمكن الحبشة من السيطرة على الشاطئ، إلا في عام 1952 عن طريق مؤامرات الدول الغربية وعلى رأسها أمريكا وبريطانيا... ومن ذلك يتضح أن جوهر الصراع الإريتري الأثيوبي كان دينياً، وأن الثورة الإريترية، إنما أنشأها المسلمون عندما حرمتهم الحبشة (952 1 - 962 1 سنوات الاتحاد الفيدرالي) من أبسط حقوقهم السياسية والثقافية والدينية ومارست ضدهم كافة أنواع الاضطهاد من قتل وتشريد وتجويع...



وعلى الرغم من المساعي التي بذلت لإعطاء الصراع الإريتري الأثيوبي طابعه الوطني، تحت شعار: "الدين لله والوطن للجميع" إلا أن ذلك لم ينف عن الصراع صفته الأساسية، وهو الجانب الديني، إذ أنه وفي إطار الخلافات الإريترية، تبدو هذه النزعة ظاهرة قوية، فنجد الجبهة الشعبية لتحرير أريتريا تجمعا طائفياً نصرانيا رغم إعلانها الماركسية، ونجد الكنائس العالمية تتعاطف معها وتمدها بمختلف المعونات... كما يتجلى هذا الصراع الديني في موقف الدول الغربية النصرانية، التي لا تزال تؤازر الحبشة ضدنا وضد الصوماليين، منطلقة من مبدأ الحفاظ على إمبراطورية الحبشة النصرانية التي يسمونها جزيرة مسيحية، مع أن هذه الإمبراطورية 60% من المسلمين من مجموع سكانها البالغ تعدادهم نحو 30 مليونا... كما تساند إسرائيل والصهيونية الدولة الحبشية، بالسلاح والخبرة والمساعي السياسية.



وفي عام 1978 صرح وزير خارجية العدو موشى ديان أمام الجالية اليهودية في جنيف، بأن إسرائيل تقدم العتاد الحربي والأجهزة اللاسلكية وقطع غيار للأسلحة، من منطلق عدو عدوي صديقي، وهو يعني بذلك أن أريتريا المستقلة ستنضم حتما إلى الركب العربي الإسلامي...



ومن المؤسف حقا إزاء هذا الموقف المعقد، أن نجد معظم الدول العربية والإسلامية، تقف موقف عدم المبالاة حيال هذا الصراع الدامي الذي يخوضه هذا الشعب منذ عشرين عاما (دون مساندة مادية فعالة إلا القليل منها) باذلاً في سبيل عقيدته ووجوده أكثر من 100 ألف شهيد، ونصف مليون لاجئ، في السودان يعيشون شظف العيش، وتملأ سهول السودان بمقابر أطفالهم، حتى إننا نجد أحد معسكرات اللاجئين في السودان، مقبرة تضم نحو خمسة آلاف من الأطفال ماتوا، بسبب سوء التغذية، وانعدام الدواء، في وقت يموت فيه إخوان لهم في الأراضي الإسلامية، يموتون شبعا فأين الإسلام من ذلك؟!". [مجلة المجتمع الكويتية، العدد 477 في 7جمادى الآخرة 1400هـ والكاتب هو رئيس جبهة تحرير أرتريا عثمان صالح سبا].



وقد تحررت إريتريا من حكم الإثيوبيين، ولكنها أصبحت تحت حكم النصراني "أفورقي" الذي ساعدته الدول الغربية، وبخاصة أمريكا، والدولة اليهودية، فأذاق المسلمين، وهم الأغلبية، سوء العذاب، فشرد من شرد، وسجن من سجن، وقتل من قتل، وأصبحت إريتريا موئلا للقواعد اليهودية الصليبية، التي تهدد دول الجوار، في السودان واليمن، وحتى الحبشة، وتسيطر على جنوب البحر الأحمر، وبخاصة مضيق باب المندب، وهكذا دأب اليهود والصليبيون، على ظلم المسلمين وتشريدهم وحرمانهم حقوقهم في بلدانهم، ودعم أهل دينهم أو عملائهم، وإن قل عددهم عن عدد المسلمين...



وبجانب أريتريا منطقة الأوغادين الصومالية، التي لا تزال هدفا للغزو الحبشي الخبيث، تسانده دول الشرق والغرب على السواء، وإن اختلفت الأساليب، تجمعت الجيوش الشيوعية الماركسية والنصرانية لضربها وقتل كثير من أبنائها وتشريد آخرين.



وها هي بعض صحف الغرب تتحدث عن الوحشية التي لاقتها هذه المنطقة: "بدأت أعداد إضافية من القوات الكوبية تتدفق إلى صحراء أو جادين في أثيوببا، للقيام بهجوم موسع شامل عبر حرب سرية ضد الفدائيين التابعين لجبهة تحرير الصومال الغربي. ومن المعروف أن هذه الحرب شردت ما يقرب من مليونين من المدن والقرى، وقد انتهت بانسحاب القوات الصومالية، إلا أن قوات الفدائيين استمرت في شن حرب العصابات ضد القوات الأثيوبية، ولقد تم إعداد حاميات مزودة بما يقرب من ستين ألف جندي أثيوبي، وجنود الميليشيا الشعبية بصورة سريعة خلال الأسابيع الأخيرة، ويقدر المراقبون عدد القوات الكوبية التي ستساعدهم بحوالي سبعة عشر ألفا، وقد تحرك العديد من هؤلاء من منطقة النزاع الأثيوبي مع أريتريا.



وقد بدأت الطائرات الميج 21 والتي يقودها كوبيون، والمحملة بقنابل النابالم بالقيام بطلعات يومية، عبر مناطق أوجادين، في محاولة لدفع الثوار التابعين لجبهة تحرير الصومال الغربي والذين يسيطرون الآن على معظم المناطق الريفية... وتقوم الطائرات السوفيتية من طراز انتينوف، بنقل المعدات والمؤن والجنود إلى أوجادين.. ومن المعروف أن القوات الأثيوبية والكوبية تعمل تحت إشراف الجنرال بتروف الخبير السوفيتي الموجود حاليا في مدينة جيجا...". [ديلي تلغراف نقلاً عن جريدة الرياض في عددها 4220 الصادر في 26/5/1399هـ ص5]. ومرة أخرى لو كان الكاتب مسلماً لقال: فأين الإسلام من ذلك؟.



وبعد انتهاء الحكم الشيوعي في أثيوبيا، تولى دعم أثيوبيا ضد الصوماليين في الأوغادين، إلى الدولة اليهودية والإدارة الأمريكية الصليبية وغيرهما من دول أوربا.


العدوان الصليبي على المسلمين في الفلبين


وهذا رئيس تحرير جبهة مورو يتحدث عن عدد ضحايا المجاهدين الذين يتساقطون، أمام ضربات الصليبي ماركوس في الفلبين، ودعم جميع دول الغرب له ضدهم وكذلك اليهود يقول:



"والإحصاءات الرسمية – فقط – تؤكد أن عشرة آلاف مسلم مدني – فقط – ذبحوا وقتلوا على أيدي القوات الحكومية منذ انهيار اتفاق طرابلس ومفاوضات السلام بين الحكومة وجبهة مورو في سبتمبر 1977م. وبذلك يصل عدد الضحايا المسلمين إلى تسعين ألف شهيد، منذ اندلاع الحرب في جنوب الفلبين عام 1968م". [جريدة المدينة المنورة في عددها 4520 الصادر في 22ربيع الأول 1399هـ ص13].



وقد رفع أحد أبناء الفلبين – وهو طالب آنذاك بالجامعة الإسلامية – رفع صوته مهيباً بالمسلمين أن يتيقظوا للخطر الذي يهدد إخوانه في الفلبين فقال: "وعلى كل فلا شك أن حالة مسلمي الفلبين في الوقت الحاضر، هي أخطر وأكبر مما تنشره الجرائد الرسمية وتذيعه الإذاعات، ولا ريب أنه أشد خطراً من حالة إخواننا الفلسطينيين، ذلك لأن فلسطين تحيط بها الأقطار العربية والإسلامية.

أما مسلمو الفلبين، فإنهم يقطنون في جزيرة بعيدة معزولة وسط المحيط الهادي، ومع هذا فإن عدد أعدائهم أكثر بكثير من عددهم، وعدتهم أقوى من عدتهم، ويكون مصيرهم الهلاك الجماعي، إن لم تهتم بهم الدول الإسلامية والعربية بعد الله تعالى…". [مجلة الجامعة الإسلامية العدد الثالث من السنة الخامسة 1393هـ ص120].



فهل اهتمت بهم الدول الإسلامية؟



لقد أحسن الظن الكاتب الفليبيني، بالدول العربية التي تحيط بالأرض المباركة، عندما ظن أن الفلسطينيين أحسن حالا من إخوانه الفليبينيين، لوجودهم بجوار الدول العربية، وانعزال بلده في المحيط الهادي، فهاهم الفلسطينيون يسامون اليوم سوء العذاب، من قبل اليهود، بدعم أمريكي صليبي، فتهدم منازلهم، ويقتل أطفالهم وشيوخهم ونساؤهم، وتقلع أشجارهم وتفسد مزارعهم، والدول العربية المحيطة بهم، ترى ذلك صباحا ومساء، و قد اعترفت بعضها بالدولة اليهودية، اعترافا رسميا ظاهرا، ورفعت على سماء عواصمها الأعلام اليهودية.



وبعضها الآخر اعترف بها واقعا، وهي في طريقها إلى الاعتراف الرسمي الكامل بها، وجميعها تستجدي من الدولة اليهودية، الموافقة على إقامة ولاية تحكمها سلطة، تسمى في وسائل الإعلام دولة فلسطينية، وهي في الواقع دولة وهمية، ليس لها حدود مع أي دولة عربية، ولا سماء مستقلة لنشاطها الجوي، ولا وزارة دفاع تملك سلاحا للدفاع عن نفسها، وإذا استجابت الدولة اليهودية لهذا الاستجداء، فإن علمها سيصبح مرفرفا على سماء جميع العواصم العربية.



وإن حالة إخواننا المسلمين في الفيليبين، لأحسن حالا من إخوتنا في فلسطين، لأن المجاهدين في الفيليبين، مع ما يعانون من الشدة والقسوة من الحكومة الفليبينية، يستطيعون التحرك في الغابات والبحار والجبال، ويتمكنون من إدخال السلاح وحيازته، بخلاف الفلسطينيين الذين اشتد عليهم حصار اليهود، في مدنهم وقراهم وأحيائهم، ومنازلهم. وزاد الأمر سوءا عليهم، أن الجيوش العربية في البلدان العربية المحيطة بفلسطين، تحرس اليهود، وتحول بين المجاهدين وبين إدخال السلاح إلى بلدهم، حيث توجه ذخائر هذه الجيوش إلى صدور المجاهدين، في أي شبر من الحدود العربية الفلسطينية، إضافة إلى مضايقة الدول العربية لشباب الجهاد، بتعاون مخابراتهم، مع المخابرات اليهودية والأمريكية، وأجهزة أمن ما يسمى بالسلطة الفلسطينية، حيث يطاردون زعماء الحكة الجهادية الذين يوجدون في خارج فلسطين، ويعتقلونهم، بل ويجردونهم من وثائقهم الرسمية التي تتيح لهم البقاء في أوطانهم، وتمكنهم من التنقل والأسفار...



العدوان الشيوعي على المسلمين في أفغانستان


وهذا أحد زعماء المجاهدين في أفغانستان ينادي بأعلى صوته العالم الإسلامي، ليقف مع المجاهدين، وشرح ما يعانيه المجاهدون من قلة المال والسلاح وما يتحملون من متاعب وصمود في سبيل الله: "كثير من الإخوان المجاهدين اضطروا في الأسابيع الأخيرة، نتيجة لانعدام الأغذية إلى أكل أوراق الشجر لمدة ثلاثة أيام متوالية نظراً لانعدام الغذاء في بعض المناطق". وذكر قبل ذلك الدمار الذي تخلفه القوات الحكومية المدعمة من قبل الروس، وما تقوم به الحكومة من اعتقالات وسجن وتعذيب وتشريد. ثم صرخ مناديا العالم الإسلامي ليقف الوقفة اللائقة به فيقول: "إننا نناشد العالم الإسلامي، أن يقف من المقاومة الإسلامية في أفغانستان، الموقف الذي يمليه عليه دينه وعقيدته وانتماؤه من الموقف الذي يفرضه عليه تضامنه الإسلامي، نريده أن يتذكر أن الحرب في أفغانستان هي معركة بين الإسلام والشيوعية أولا وأخيرا، ولقد حملنا السلاح، لأننا نريد أن يعبد الله سبحانه وتعالى في أفغانستان ولا يعلو النظام الماركسي الذي بدأ في فرض القيود على العبادة" [جريدة المدينة المنورة عدد 4715 في 17/7/1399هـ ص15].



وعلى الرغم من المساعدات المادية التي كان الشيوعيون الروس يقدمونها لحكام كابل في عهد تراقي، وعلى الرغم من وجود خبرائهم في تلك الفترة وعلى الرغم من حاجة المجاهدين إلى المساعدات المادية، التي بخل بها المسلمون عليهم آنذاك، فإنهم كانوا يواصلون انتصاراتهم على الحكومة الماركسية حيث أخذ رئيسها يشكو ويرغى ويزبد.



وتأمل هذه المقتطفات: "وأكد المجاهدون المسلمون في جماعة إسلامي وحزب إسلامي، أن المجاهدين المسلمين قد بدأوا النضال في مقاطعة لوجار التي تقع جنوب العاصمة... وأشار الرئيس نور محمد تراقي لأول مرة منذ ثلاثة أيام إلى احتمال القيام بمغامرة عسكرية على الحدود الشرقية لأفغانستان، وهو يعلن أن كابول لن تتحمل أكثر من ذلك مما سماه بالتدخلات ا لخارجية". [جريدة المدينة المنورة عدد4590 في18/6/1399هـ ص1].



وكاد المجاهدون ينتصرون: "تفجرت الاشتباكات العنيفة صباح أمس، وانتشرت إلى أجزاء أخرى في العاصمة الأفغانية... وتضيف المصادر أن مطار كابول قد أغلق..." [جريدة المدينة المنورة عدد 4662 في 13/9/1399هـ ص1 وانظر مجلة المجتمع الكويتية العدد 454 السنة العاشرة 29/9/1399هـ].



ولقد جاب بعض أعضاء المجاهدين، كثيراً من الأقطار الإسلامية، ورجعوا والحسرة تقطع أكبادهم من مواقف الحكومات الإسلامية من قضيتهم، فواصلوا نضالهم بإمكاناتهم المحدودة، وكاد النصر يكون حليفهم في أغلب أنحاء البلاد، ولما شعر أعداء الله بان البلاد تحت سيطرتهم، والشعب يؤمهم ليرفع راية الإسلام على سماء أفغانستان تآمر الشرق والغرب.



ودخلت الجيوش الشيوعية بسلاحها الكامل جواً وبراً، حتى زاد عدد قوات الروس عن مائة ألف، فملئوا الجبال والوديان بدباباتهم ومصفحاتههم، وملئوا الجو بطائراتهم، وأخذوا يطلقون نيران أسلحتهم على الشعب كله في المدن والقرى، ولتمت الآلاف من المدنيين من الشيوخ والأطفال والنساء، في سبيل أن يضمنوا إبادة المجاهدين مهما قل عددهم في المدينة أو القرية.



ولا زال المجاهدون صامدين إلى هذه اللحظة على رغم كل ذلك، وقد شرد الملايين من المسلمين إلى دولة باكستان المجاورة، وهم الآن يموتون جوعاً، وأجسادهم عارية من الملابس، والمجاهدون ينقلون ما يحصلون عليه من المؤن والذخائر على أكتافهم في الجبال الشاهقة، والطائرات تحصدهم حصدا من الجو والدبابات تدمر القرى التي يوجدون بها في الأرض وهكذا…



وبعد أن قام الانقلاب الماركسي الذي سبقه دخول الجيوش والقوات الروسية، وتابعت دخولها بعده، وأحس المسلمون بالخطر المحدق وبدأت دول الغرب، وعلى رأسها أميركا تحتج كذباً وزوراً، هنا أخذ المسلمون أو بعض زعمائهم يدعون إلى إنقاذ المسلمين في أفغانستان، والحول بين الماركسيين الروس والمحيط الهندي أو بحر العرب ودول الخليج.



فاجتمع وزراء خارجية الشعوب الإسلامية في إسلام أباد بباكستان، وتلا كل منهم احتجاجه، وكتبوا توصياتهم وانفضوا، وساعدت بعض الدول بما تيسر من المال والغذاء، وربما السلاح، المجاهدين الأفغانيين، ولكنها مساعدة أغرت روسيا وحليفاتها من الدول الماركسية، بالعناد وزيادة القوات والمعدات الحربية، وبدأت أجهزة إعلام الدول الإسلامية، تهدأ رويداً رويدا، حتى أصبح السامع أو القاري لا يسمع ولا يقرأ، إلا القليل النادر عما يحدث من مذابح وتشريد في الشعب الأفغاني، ويكون ذلك في الغالب نقلاً عن الأجانب ومنظماتهم.



وقد كتب في إحدى الصحف ما يلي: "الأمم المتحدة - جنيف... أصدرت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، بياناً أمس الأول الخميس في جنيف، جاء فيه أن عدد اللاجئين الأفغان إلى باكستان يصل إلى 736ألفا و707 لاجئ". [جريدة المدينة المنورة العدد 4898 السبت 18/جمادى الآخرة 1400هـ. ولكنه الآن بلغ الملايين].



ولقد كتب بعض المفكرين في إحدى المجلات الإسلامية، قبل أن تدخل القوات الروسية يستصرخ المسلمين أن يقدموا للمجاهدين عونا مالياً ضئيلاً، ذكر أنه يكفي للقضاء على الحكام الذين تزعزعت كراسي حكمهم بفضل الله ثم بفضل ضربات المجاهدين، وأنذر من التدخل الروسي فقال: "إن ما يحتاجه المجاهدون هو نصف مليون ريال يومياً، ولمدة شهر واحد أي حوالي15 مليون ريال تقريباً ما يكفي لرصف شارع من الشوارع... وأن روسيا بما تتميز به من غباء سياسي، قد تدخل المعركة بثقل كامل…". [مجلة المجتمع الكويتية 9شعبان1399هـ العدد 452 السنة العاشرة ص32].



وفي هذه الأثناء بعث أحد زعماء المجاهدين مذكرة إلى منظمة الأمم المتحدة، يناشدهم التدخل لحماية الشعب الأفغاني، من السلاح الروسي الذي يشرف عليه خبراء الروس، ويقتل به آلاف العزل. [انظر مجلة الدعوة السعودية، العدد 707، الاثنين 8شعبان1399هـ ص16].



ونشرت إحدى المجلات الإسلامية بياناً عن الحركة الإسلامية في أفغانستان وفيه: "إننا نحارب أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، لأننا جزء من الأمة الإسلامية وجزء من الوطن الإسلامي، وانتصارنا على الشيوعية هو انتصار للإسلام والمسلمين، فإننا نطالب كل المسلمين بفضح النظام العميل في كابول، وفضح الوجود الروسي الاستعماري، وتقديم شتى المساعدات للحركة الإسلامية الأفغانية". [مجلة الدعوة المصرية غرة شعبان العدد 38، 1399هـ ص46].



وبعد الانقلاب الذي قام به الجيش الروسي وقضي على تراقي وجاء بكارمل، أهاب الكاتب المسلم مرة أخرى بالمسلمين، منبها لهم على الخطر والمسؤولية الملقاة على أعناقهم، يكفي ذكر بعض العناوين البارزة في مقاله: "تحرك عسكري روسي وسكوت إسلامي، اللاجئون يموتون جوعاً، والمجاهدون يتجمدون برداً، والمسلمون يتفرجون" [مجلة الدعوة المصرية ربيع الآخر 1400هـ ص8 وانظر المجلة نفسها العدد 48جمادى الآخرة].



قد يغضب المسلمون من هذه العبارات فيقال: لمن يغضب ماذا فعلت؟ هل قدمت ما يكفي؟ هل اختصرت النفقات الكمالية؟ أو هل حفظت الأموال من إنفاقها في الحرام وأعنت بها المجاهدين؟


العدوان الصليبي على أفغانستان.


ليعلم القارئ، أن ما ذكر من المعلومات، عن العدوان الشيوعي على أفغانستان، كان في سنة 1399، 1400هـ أي قبل 24 عاما، وكانت المعلومات شحيحة، لأن وسائل الإعلام، لم تكن على الصفة التي هي عليها الآن [كتبت هذه الأسطر في 22/8/1423هـ - 26/12/2002م]



وقد تغيرت الأمور وتبدلت الأوضاع، فانتصر المجاهدون على عدوهم الشيوعي، فخرج من أفغانستان يجر أذيال الهزيمة، ولكن قادة المجاهدين، لم ينتصروا على أنفسهم، بعد أن أصبحت أفغانستان تحت قيضتهم، فنزغ الشيطان بينهم، وأغرى بعضهم ببعض، فوجه بعضهم رصاصه إلى صدور بعض، حرصا على الاستئثار بكراسي الحكم، واستجابة لأعداء الإسلام الذين سعوا في التحريش بينهم، وتوسيع شقة الخلاف، حتى لا يستقر الإسلام في هذا البلد.



وتولى كبر هذا التدبير الماكر، الولايات المتحدة الأمريكية، التي قلبت ظهر المجن للمجاهدين، الأفغان وغيرهم الذين وقفوا معهم من العالم الإسلامي كله، وبخاصة الشباب العرب الذين أبلوا في الجهاد الأفغاني بلاء حسنا. وهاهي الحكومة الأمريكية الصليبية الظالمة، قد احتلت الشعب الأفغاني، وعينت له حكومة، زفتها على دباباتها، وحمتها بجيشها البري والجوي، وأرست قواعدها العسكرية في أرض الجهاد، بعد أن أحرقت الأخضر واليابس، وسحقت القرى والمدن الأفغانية سحقا.



ولكن الشعب الأفغاني المسلم، بدأ يتحرك، ويسجل كل يوم هجومه على الجيش الصليبي الأجنبي، في وسط العاصمة الأفغانية "كابل" ويقتل من الجيش المعتدي ما أمكنه، وهو ينزل الرعب في قلوبهم، وأملنا أن يزلزل الأرض تحت أقدام الصليبيين، كما زلزلها تحت أقدام الشيوعيين، وما ذلك على الله بعزيز.



ويجب على المسلمين أن يجيبوا عن هذا السؤال؟



والسؤال بعد هذا كله هل قام المسلمون بواجبهم، فأنفقوا في سبيل الله من أموالهم للمجاهدين في أي بقعة من الأرض؟ أو بعبارة أخرى هل أنفقوا في الجهاد في سبيل الله ما يقدرون عليه محققين بذلك أمره سبحانه {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم}.؟ هل تصرف المسلمون في أموالهم على ضوء الميزان الذي تصرف عليه أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وهو صرفه في طاعة الله والجهاد في سبيله؟ أو كان الميزان هو الهوى والشهوات؟



الجواب عن هذه الأسئلة يتضح من تتبع أحوال غالب المسلمين في تصريف أموالهم، والمراجع هي المشاهدة المحسوسة التي يعلمها عامة الناس وخاصتهم، من ذلك – مثلا – الخمور التي تباع علنا في كثير من الشعوب الإسلامية، بإذن رسمي من حكومات تلك الشعوب، كم من الأموال تصرف فيها؟ وهي محرمة بنص كتاب الله وبنصوص سنة رسول الله صلّى الله عليه وسلم.



ومن ذلك المسارح والمراقص التي تشيد بملايين الملايين في الشعوب الإسلامية، من أجل إفساد أخلاق الشباب والشابات، وكذلك حفلات الغناء الفاجر التي تنفق الأموال الطائلة. ومن ذلك أجهزة السينما وأفلامها الداعرة المفسدة، التي أصبحت توجد في بيوت الأسر في كثير من الشعوب الإسلامية. كم أموالاً تنفق فيها؟



والآن جاء الفيديو ودخل كل بيت كم أموالاً تصرف فيه وفي أفلامه؟. ومناهج أجهزة الإعلام على مستوى الدول، وعلى اختلاف تلك الأجهزة كم من الأموال تصرف عليها: الإذاعية منها والتلفازية والصحفية، وغالبها مما يفسد الشعوب أخلاقاً، ويمسخها عقدياً، ويقضي على كل شرف ورجولة فيها، كم من الأموال تصرف وتنفق عليها؟ الملاعب الرياضية التي شيدت في كل مكان مع التفاخر بها كما تفاخر أولئك الذين أنكر الله عليهم: {أتبنون بكل ريع آية تعبثون}.



كم من الأموال تنفق على تشييدها؟ وكم من الوقت والجهد أضاعته في غير طاعة الله؟ وكم صرفت من الشباب عن أهدافه العليا التي ترضي الله سبحانه وتعالى؟ ومن أهمها فروسية المسلم التي يستعد بها للجهاد في سبيل الله؟.



لعب القمار في الغرب والشرق، كم من الأموال تصرف وتنفق في نواديه التي يجتمع فيها من المحرمات ما يكفي للإفساد وحصول غضب الله؟المصايف الشيطانية التي يختلط فيها الجنسان في شرخ الشباب، بإشراف من بعض الحكومات التي ابتليت بها الشعوب الإسلامية، كم من الأموال تنفق من أجل مسخ ذلك الشباب فيها؟



الإعانات التي تمنح من بعض حكومات الشعوب الإسلامية لأعداء الله، من شيوعيين يحاربون الإسلام والمسلمين، وكذلك لليهود والنصارى وأذنابهم كم هي تلك الأموال؟



الرحلات الصيفية إلى بلدان الكفر للهو والمتعة الحرام، وإفساد شباب المسلمين في عقائدهم وأخلاقهم وإبعادهم عن دينهم، كم من الأموال تصرف وتنفق في هذه الرحلات؟ [انظر جريدة الجزيرة السعودية، عدد 2508 في 1/7/1399هـ ص8، وجريدة المدينة المنورة 4629 في4/8/1399هـ ص4].



ثم ارجع فتأمل كيف ينفق المسلمون أموالهم في الشؤون التي هي في الأصل مباحة؟. كم من أنواع الأطعمة تقدم على مائدة كل أسرة؟ وكم يأكلون منها وكم يرمون منها في القمامة كل يوم؟. وكم من الأموال تنفق على الألبسة ولا سيما النسائية التي قد لا تلبس المرأة بعضها إلا مرة واحدة فقط، ثم ترمي ما لبسته مدة ساعة من الزمن لتلبس غيره ساعة أخرى؟ وهكذا…وكم من الأموال تنفق في شراء أثاث المنازل الذي لا يبقى في المنزل سنة كاملة، بل يرمى ويشترى غيره وأثاث المنزل الواحد يكفي لنفقات قرية، يعيش أهلها عيشة نكدة في مأكلهم ومشربهم وملبسهم ومسكنهم ومركبهم. وكم من الأموال تنفق من أجل تشييد العمارات الشاهقة التي يتنافس فيها الحفاة العراة العالة رعاء الشاء؟ كما قال الرسول صلّى الله عليه وسلم: (ثم تقفل أبوابها فلا يسكن بها إلا الشياطين ما عدا بعض المناسبات).



وكم من الأموال تنفق في حفلات الزواج، التي أصبح كثير من الناس لا يقيمها إلا في فنادق سويسرا وباريس وغيرهما من دول الغرب، وإذا أقيمت في داخل الشعوب الإسلامية، فكم من الأموال تصرف في استقدام فرق الغناء والرقص في طائرات خاصة.



وكم من الأموال تنفق لجلب ما يغضب الله ورسوله من بلاد أوروبا؟. الدخان كم من المال ينفق في شرائه المسلمون في كل أنحاء الأرض؟ – وليس هو من المباحات بل من الخبائث – وهكذا إذا تأملت في أحوال المسلمين وجدتهم ينفقون أموالهم في المحرمات، أو يسرفون في المباحات، ويبذرون والمبذرون إخوان الشياطين.



فضلا عن ذلك كله ترى بقية أموالهم في أيدي أعداء الله من الكفار، يتصرفون فيها ويحسبون لهم قدرا من الفوائد الربوية، وإذا ساءت العلاقات معهم جمدوا تلك الأموال وقد يؤممونها يوماً من الأيام. وبهذا يظهر لك أن أغلب العالم الإسلامي، بخيل بالمال في طاعة الله ضالع في تبذيره في المحرمات أو المباحات.



عد بعد هذا إلى المقياس الذي اتخذه المسلمون في إنفاق أموالهم وتصرفاتهم كلها {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} [الأنعام:163]. {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا} {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما}



وغيرها من الآيات الدالة على أن المسلم لا يتصرف إلا وفق توجيه ربه، فهل ترى أغلب المسلمين الذين هذه حالهم في إنفاق أموالهم يأمرهم الله أن ينفقوا منها في مجالات الخير، ومن أعظمها الجهاد في سبيل الله فيبخلون بها. في عداد من يستمسك بهذا المقياس؟ كلا.



ثم عد إلى المقياس الذي اتخذه غير المسلمين في تصرفاتهم – ومنها إنفاق أموالهم، وهو اتباع الهوى وتلبية داعي الشهوات والمتع. {والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم}. {قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد}، وتأمل تصرف هؤلاء المسلمين أتراها تخرج عن هذا المقياس؟ والكفر شعب كما أن الإيمان شعب.



قال سيد قطب رحمه الله وهو يعقب على إنكار قوم شعيب على نبيهم عليه السلام: {يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء}. قال: "وقبل أن نمضي طويلا في تسفيه هذا التصور السقيم، لارتباط الشعائر بالعقيدة، وارتباطهما معا بالمعاملات، قبل أن نمضي طويلا في تسفيه هذا التصور، من أهل مدين قبل، ألوف السنين، يحسن أن نذكر أن الناس اليوم لا يفترقون في تصورهم ولا في إنكارهم لمثل هذه الدعوة عن قوم شعيب، وأن الجاهلية التي نعيش فيها اليوم ليست أفضل ولا أذكى ولا أكثر إدراكا من الجاهلية الأولى، وأن الشرك الذي كان يزاوله قوم شعيب هو ذاته الشرك الذي تزاوله اليوم البشرية، بجملتها بما فيها أولئك الذين يقولون: إنهم يهود أو نصارى أو مسلمون، فكلهم [ينبغي عدم التعميم فيما يتعلق بالمسلمين، فليس كلهم كذلك، بل الكثير منهم] يفصل بين العقيدة والشعائر والشريعة والتعامل، فيجعل العقيدة والشعائر لله، ووفق أمره ويجعل الشريعة والتعامل، لغير الله ووفق أمر غيره، وهذا هو الشرك في حقيقته وأصله... إن بيننا اليوم ممن يقولون: إنهم مسلمون، من يستنكر وجود صلة بين العقيدة والأخلاق، وبخاصة أخلاق المعاملات المادية، وحاصلون على الشهادات العليا من جامعاتنا وجامعات العالم، يتساءلون أولا في استنكار: وما للإسلام وسلوكنا الشخصي؟ وما للإسلام والعري في الشواطئ؟ وما للإسلام وزي المرأة في الطريق؟ ما للإسلام وتصريف الطاقة الجنسية بأي سبيل؟ ما للإسلام وتناول كأس من الخمر لإصلاح المزاج؟ ما للإسلام وهذا الذي يفعله المتحضرون؟ فأي فرق بين هذا وبين سؤال أهل مدين: {أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا}. وهم يتساءلون ثانيا بل ينكرون بشدة وعنف، أن يتدخل الدين في الاقتصاد وأن تتصل المعاملات بالاعتقاد، أو حتى بالأخلاق من غير اعتقاد، فما للدين والمعاملات الربوية؟ وما للدين والمهارة في الغش والسرقة، مالم يقعا تحت طائلة القانون الوضعي"؟. [في ظلال القرآن (12/1919)].



نعم والذين ينفقون أموالهم في المحرمات، ويسرفون فيها ويبذرونها في كل سبيل، إلا السبيل الذي يأمرهم الله بالإنفاق فيها، فيبخلون هؤلاء لسان حالهم يقول كما قال قوم شعيب: {أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء} [هود: 87].



وفي هذا المقام ينبغي أن يذكر المسلم قوله سبحانه وتعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما} [النساء:5]. وهي وإن كان السياق يدل على نزولها في فئة خاصة من الناس، وهم اليتامى من الأطفال الذين لم يبلغوا أشدهم، فإنها جاءت بصيغة العموم، فقد وصف الله الأموال أنه جعلها قياما للناس، وسبق أن المراد من ذلك أن أمور الناس ومعايشهم تقوم على الأموال، وإذا كان كذلك، فما الفرق بين طفل يبذر أمواله ويتصرف فيها تصرفاً غير رشيد بل تصرف سفه، وبالغ يظهر عليه أنه عاقل، ولكنه يتصرف في أمواله بل في أموال غيره من عامة الناس تصرفا أكثر سفها من الأطفال.



لهذا قال محمد رشيد رضا رحمه الله: "وقد علم من تفسير المفردات معنى جعل الأموال قياما للناس، تقوم وتثبت بها منافعهم ومرافقهم، ولا يمكن أن يوجد في الكلام ما يقوم مقام هذه الكلمة، ويبلغ ما تصل إليه من البلاغة في الحث على الاقتصاد، وبيان فائدته ومنفعته والتنفير عن الإسراف والتبذير الذي هو شأن السفهاء وبيان غائلته وسوء مغبته، فكأنه قال: إن منافعكم ومرافقكم الخاصة، ومصالحكم العامة، لا تزال قائمة ثابتة ما دامت أموالكم في أيدي الراشدين المقتصدين منكم، الذين يحسنون تثميرها وتوفيرها، ولا يتجاوزون حدود المصلحة في إنفاق ما ينفقونه منها، فإذا وقعت في أيدي السفهاء المسرفين الذين يتجاوزون الحدود المشروعة والمعقولة، يتداعى ما كان من تلك المنافع سالماً، ويسقط ما كان من تلك المصالح قائما، فهذا الدين هو دين الاقتصاد ودين الاعتدال في الأموال كالأمور كلها.



ولذلك وصف الله تعالى المؤمنين بقوله: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما...} فماذا جرى لنا نحن المسلمين بعد هذه الوصايا والحكم، حتى صرنا أشد الأمم إسرافا وتبذيرا وإضاعة للأموال، وجهلا بطرق الاقتصاد فيها وتثميرها، وإقامة مصالح الأمة بها في هذا الزمن، الذي لم يسبق له نظير في أزمنة التاريخ، حيث توقف قيام مصالح الأمم ومرافقها وعظمة شأنها على المال، حتى إن الأمم الجاهلة بطرق الاقتصاد التي ليس في أيديها مال كثير، قد صارت مستذلة ومستبعدة للأمم الغنية بالبراعة في الكسب والإحسان في الاقتصاد". [تفسير المنار (4/381)].



وهذه الآية أصل في الحجر على السفهاء الذين لا يحسنون التصرف في المال إذا وضع بأيديهم. وقد فسرها العلماء فقيل المراد الأولاد الصغار وقيل اليتامى، وقيل الجهال بالأحكام. قال القرطبي: "وقال ابن خويز منداد: وأما الحجر على السفيه، فالسفيه له أحوال، حال يحجر عليه لصغره، وحالة لعدم عقله، وحالة لسوء تصرفه لنفسه في ماله" [الجامع لأحكام القرآن (5/28)].



ويظهر من هذه العبارة أن من أساء تصرفه من أفراد المسلمين في ماله - ولو كان كبيرا - أنه يحجر عليه، وفيه خلاف، ولكن ما حكم من أساء التصرف في أموال المسلمين العامة، أوهل يجوز لهم السكوت عليه؟ الجواب في نصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد سبقت طائفة منها.





السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13467679

عداد الصفحات العام

907

عداد الصفحات اليومي