﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (04) سافر معي في المشارق والغارب :: (24) أثر الترية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (03) سافر معي في المشارق والمغارب :: (023) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(067)الجهاد في سبيل الله-المبحث الثالث: التصنيع الحربي.

(067)الجهاد في سبيل الله-المبحث الثالث: التصنيع الحربي.



قال الله تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس، وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب، إن الله قويٌ عزيز}. [الحديد:25].



جمع الله سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة بين إرسال الرسل وإنزال الكتب هداية للناس، وبين إيجاد الحديد وخَلْقه الذي يُقَوِّم به أهلُ الهدى أعداءَ الله الذين يطغون في الأرض ويعيثون فيها فساداً ويعتدون على الإسلام وأهله، فمن استجاب لهدى الله الذي تضمنه كتابه، كان من عباده المؤمنين المتقين: {هدى للمتقين} [البقرة:2]. ومن صد عن هداه وحاد الله ورسوله واعتدى على من يدعون إلى الله، ففي الحديد له رادع ومؤدب.



وقد ثبت من استقراء سنن الله في هذا الكون وفي تاريخ الأمم، أن المبادئ وقوة السلاح، لا يفترقان إذا أريد للمبادئ أن تثبت وتسيطر على غيرها وتنتشر في الأرض، سواء كانت مبادئ هدى أم مبادئ ضلال، وأن الصراع بين تلك المبادئ: مبادئ الإسلام ومبادئ الكفر لا ينقطع، وفي تاريخ الرسل وأتباعهم مع أمم الكفر والطغيان شاهد.



وأن من تأخر عن الأخذ بأسباب القوة المادية المستطاعة، معرض للذلة والمهانة، وإن كان صاحب حق، وهذا ابتلاء من الله لعباده المؤمنين ليبذلوا جهدهم ومقدرتهم في سبيل نصر دينه وإعلاء كلمته، ولهذا كان لابد أن يكون السيف بجانب المصحف، لإرهاب أعداء الحق المعتدين، وإلا استهانت البشرية الضالة بالدعوة إلى الله وأهلها، ومن لم يرهب عدوَّه، أرهبه عدوُّه، وقد سبق إيضاح هذا المعنى في بعض مباحث هذا الفصل.



قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فالمقصود أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الله اسم جامع لكلماته التي تضمنها كتابه، وهكذا قال الله تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط}. فالمقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب أن يقوم الناس بالقسط في حقوق الله وحقوق خلقه، ثم قال تعالى: {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب} فمن عدل عن الكتاب قوم بالحديد، ولهذا كان قوام الدين بالمصحف والسيف.



وقد روي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: "أمرنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن نضرب بهذا - يعني السيف - من عدل عن هذا يعني المصحف". [الفتاوى (28/263)



والحديث رواه الحاكم في المستدرك، برقم (5842) عن جابر بن عبد الله الأنصاري، يقول: "بعثني عثمان رضِي الله عنه في خمسين فارسا إلى ذي خشب، وأميرنا محمد بن مسلمة الأنصاري، فجاء رجل في عنقه مصحف وفي يده سيف وعيناه تذرفان، فقال: إن هذا يأمرنا أن نضرب بهذا على ما في هذا، فقال له محمد بن مسلمة: اجلس فقد ضربنا بهذا على ما في هذا قبل أن تولد، فلم يزل يكلمه حتى رجع) قال الحاكم: "صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه"





وآية الحديد هذه مع قوله تعالى في سورة الأنفال: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم} وقد مضى الكلام عليها قريباً - وغيرها من النصوص كما سيأتي ذكر بعضها - توجب على المسلمين أن ينشئوا المصانع اللازمة التي تمدهم بالسلاح المرهب لأعداء الله وغيره من لوازم الجهاد في سبيل الله.



وذلك يشمل كل أنواع الأسلحة في جميع العصور، فإذا كان في العصور السابقة، كعصر الرسول صلّى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين ومن بعدهم، إذا كان السيف وما شابهه، والخيل وما شابهها، هي السلاح الذي يرهب أعداء الله، وكانت هي المستطاعة في ذلك الوقت، وقد أمر الله عباده المؤمنين بها، لا على أنها القوة المأمور بها في كل وقت، بل لأنها الجزء البارز من تلك القوة في ذلك الوقت، إذا كان الأمر كذلك، فإن القوة المأمور بها في كل عصر هي القوة البارزة التي يظهر أنها الفيصل في المعارك الحربية.



ففي هذا العصر- مثلا - القوة البارزة: الطائرات الحربية المقاتلة والناقلة والشاحنة، والصواريخ والدبابات والمصفحات، والمدافع والرشاشات والقنابل والبندقيات والمسدسات، وأجهزة الاتصال على اختلاف أنواعها، وأجهزة كشف قوة العدو الجوية والبرية والبحرية، والسفن الحربية والغواصات وحاملات الطائرات، وكلما يخطر بالبال مما يوجد بيد العدو أولا يوجد، وهو مستطاع عند المسلمين. كل ذلك يجب أن يقيم له المسلمون المصانع وأن يتفوقوا في صناعته كماً وكيفاً على أعدائهم ما داموا قادرين على ذلك وأن يكون تدريبهم على كل أنواع السلاح أرقى وأتقن من تدريبات عدوهم.



ويدخل في ذلك الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل، التي يملكها أعداء الإسلام، فإنها داخلة دخولا أوليا في وجوب الإعداد الذي أمرت بها نصوص القرآن والسنة، وقد ملك هذه القوة أعداء المسلمين، وأرادوا الاستئثار بها، وحظروا على غيرهم حيازتها، ليرهبوا بها أهل الإسلام، وينجو هم من الإرهاب بها، والله تعالى قد أمر المسلمين بإعداد العدة التي يرهبون بها عدوهم، فإذا ملك عدوهم تلك القوة، أصبح فرضا عليهم صناعتها وحيازتها، ليقابلوا الإرهاب بإرهاب أشد، وإذا فرطوا في ذلك وهم قادرون على الحصول عليها بأي وسيلة من الوسائل الممكنة، فهم آثمون لا يرتفع عنهم الإثم إلا بالسعي الجاد واتخاذ كل حيلة متاحة لذلك، إضافة إلى تعذيب الله لهم بعدوان عدوهم الذي يذلهم ويسيطر عليهم وعلى ضرورات حياتهم.



وبهذا يظهر أن المسلمين - في هذا الزمان - آثمون كلهم لعدم، قيامهم بإنشاء مصانع الجهاد، التي تكفي لإمدادهم بما يتطلبه الجهاد في سبيل الله لأعداء الله، وإن الذين يثبطون المسلمين عن إنشاء المصانع النافعة - ولا سيما الحربية منها - خونة لا يجوز للمسلمين الركون إليهم ولا استشارتهم، لأن في ذلك تركاً للقيام بأمر الله وطاعةً لأعدائه، الذين لا يمكن أن ينصحوا المسلمين بما ينفعهم إلا إذا كان ذلك النفع غير مضر بمصالحهم.



وفي أنبياء الله قدوة


ألا ترى أن الله سبحانه أمر نبيه نوحاً عليه السلام أن يصنع لنفسه ولأتباعه ممن آمن به سفينة تكون سبباً مادياً في نجاتهم؟، مع أن الله تعالى كان قادراً على أن ينجيه وقومه بدونها، وما قيمة سفينة أمام قدرة الله لولا أن الله تعالى أراد نجاة أهلها باتخاذها سببا لتلك النجاة؟:



{قال رب انصرني بما كذبون. فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا، فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم، ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون. فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين. وقل رب أنزلني منزلاً مباركاً وأنت خير المنزلين}. [المؤمنون: 26ـ29].



وعلَّم الله سبحانه نبيه داود صناعة الأسلحة فصنعها، قال تعالى: {وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم، فهل أنتم شاكرون}. [الأنبياء:80].



قال القرطبي رحمه الله: "هذه الآية أصل في اتخاذ الصنائع والأسباب، وهو قول أهل العقول والألباب، لا قول الجهلة الأغبياء القائلين بأن ذلك إنما شرع للضعفاء، فالسبب سنة الله في خلقه، فمن طعن في ذلك فقد طعن في الكتاب والسنة ونسب مَن ذكرنا إلى الضعف وعدم المنة، وقد أخبر الله عن نبيه داود عليه السلام أنه كان يصنع الدروع، وكان أيضاً يصنع الخوص، وكان يأكل من عمل يده، وكان آدم حراثاً ونوح نجاراً ولقمان خياطاً}. [الجامع لأحكام القرآن (11/321)].



وإذا كان الله سبحانه قد أمد بعض أنبيائه بأسباب مادية بلا صنع منهم، كما جعل الريح طوع أمر سليمان عليه السلام – مثلاً - فإن الله تعالى قد أمد البشرية في هذا العصر بما أدهش العقول، وهو مسخَّر لكل عامل، مسلما كان أم كافرا.





من جد وجد ومن عـزَّ بـزَّ.


وها هم أعداء الله الكفار قد استغلوا كل ما بلغته طاقتهم، ووصل إليه جهدهم، ولا زالوا في نشاط متواصل لاستغلال ما سخره الله. وفضل الله الدنيوي مفتوح لكل مُجِدٍّ في تحصيله لا فرق بين مسلم وكافر. ولما لم يطلب المسلمون ذلك بجد صاروا من سقط المتاع، وذيلاً للأعداء مع قدرتهم المعطلة التي لو استغلوها، لكانوا على غير هذا الوضع المزري.



قال سيد قطب رحمه الله: "ويحسن أن تعرف حدود التكليف بإعداد القوة فالنص يقول: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} فهي حدود الطاقة إلى أقصاها، بحيث لا تقعد العصبة المسلمة عن سبب من أسباب القوة يدخل في طاقتها، كذلك يشير النص الى الغرض الأول من إعداد القوة: {ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم} فهو إلقاء الرعب والرهبة في قلوب أعداء الله، الذين هم أعداء العصبة المسلمة في الأرض، الظاهرين منهم الذين يعلمهم المسلمون ومن وراءهم ممن لا يعرفونهم، والمسلمون مكلفون أن يكونوا أقوياء، وأن يحشدوا ما يستطيعون من أسباب القوة، ليكونوا مرهوبين في الأرض، ولتكون كلمة الله هي العليا وليكون الدين كله لله.



ولما كان إعداد القوة يقتضي أموالاً، وكان النظام الإسلامي يقوم على التكافل، فقد اقترنت الدعوة الى الجهاد بالدعوة إلى إنفاق المال في سبيل الله: {وما تنفقوا من شيء يوف إليكم وأنتم لاتظلمون}. [في ظلال القرآن الكريم (10/1544)].



وقيام المسلمين بإنشاء مصانع جهادية، هو فرض عليهم، ما كانوا قادرين على ذلك، لأنهم به يستغنون عن عدوهم، ويحفظون أسرارهم وأموالهم والخيرات التي أنعم الله بها عليهم في بلادهم، ويطورون صناعاتهم على حسب الحاجة والمصلحة، ويأمنون من خيانة عدوهم الذي يشترون السلاح منه، لأنه غالباً لا يبيعهم إلا السلاح الذي لا يصلح لدفع عدوانه عنهم، إذ يصنع لنفسه أسلحة متفوقة في الهجوم والدفاع، ويحظر على المسلمين الاطلاع عليها، مع أنه - أي العدو - يعلم خفايا أسلحة المسلمين التي بأيديهم، لأنه هو الذي صنعها لهم، فيكون بذلك قادراً على حرب المفاجأة، والمسلمون غير قادرين على الدفاع عن أنفسهم بالأسلحة التي بين أيديهم، إضافة إلى احتكاره قطع الغيار التي يستطيع حظرها على المسلمين وقت ما يشاء، فيبقى سلاحهم شبيها بقمامات مكدسة، لا يستفيدون منها شيئا عند الحاجة.



وليس معنى هذا أن المسلمين لا يشترون السلاح من أعداء الله الكافرين، قبل أن يستغنوا بمصانعهم التي يقيمونها هم، بل يجب أن يشتروا منهم الأسلحة، عندما لا يكونون قادرين على صنعها بأنفسهم، أو لا يجدونها عند بعضهم من المسلمين، ولكن يجب عليهم – أيضاً - أن يسعوا لإنشاء المصانع المستطاعة.



وعندئذ يكونون ممتثلين أمر الله سبحانه في الإعداد، وعليهم أن يجتهدوا في اختيار الدول التي يشترون منها السلاح، وأن يتثبتوا لأنفسهم من جودته، وأن يكون سعره مناسباً قدر الاستطاعة.



فقد يكون العدو الكافر الذي يبيع المسلمين أسلحته، ليس بينه وبين المسلمين حرب مباشرة، بل تكون الحرب بينهم وبين كافر آخر، ولكن هذا العدو المحارب يستمد مؤنه وذخائره من العدو الكافر الآخر الذي يبيع السلاح للمسلمين، فعلى المسلمين أن يجتهدوا في أن يكون السلاح الذي يشترونه منه، مثل السلاح الذي يبيعه لعدوهم المحارب، إذا لم يمكن أن يكون أقوى منه، وأن يستعملوا في سبيل الحصول على ذلك كل الوسائل المادية، التي تجبر البائع على الاستجابة لطلبهم، فإنه قد يكون في حاجة إلى شراء بعض المواد من المسلمين، وعليهم أن يستغلوا حاجته كما يستغل هو حاجتهم.



أما العدو المحارب فإنه من الصعب على المسلمين الحصول على أسلحته، إلا من طريقين:



الطريق الأول: وقوع أسلحته في أيدي المسلمين غنيمة في ساح القتال، وهذا ما كان يحصل للمسلمين في حروبهم ضد أعدائهم في كل العصور ولا زال ذلك ممكنا.



الطريق الثاني: الحصول عليه من قبل شركات أجنبية تبتاع منه السلاح وتبيعه، وفي هذه الحال إذا ثبت للمسلمين أن في شراء هذا السلاح مصلحة راجحة لهم ومضرة على عدوهم، فعليهم أن يبتاعوه، وأن يكونوا حذرين من أن يكون العدو أراد أن يخدعهم عن طريق تلك الشركة بهذا السلاح، حيث يظنون أنه نافع وهو في الواقع ضار لهم.



قدرة المسلمين على إقامة المصانع إذا أرادوا


ولا شك أن المسلمين قادرون على إنشاء المصانع، لجميع ما يحتاجون إليه في حياتهم السلمية والحربية - وكلها حياة جهادية - لا سيما في هذا العصر الذي أتاح الله لهم فيه من المواد التي تقوم بها المصانع ما يكفي لإقامتها، وهم ينتشرون في الأرض على مساحات واسعة غنية بالتربة الخصبة والمياه الوفيرة، والحديد والصلب والألماس والبترول، وغيرها من الخيرات التي تمكنهم من ذلك، كما هو واضح لمن تأمل خريطة العالم الإسلامي من غرب أفريقيا إلى إندونيسيا.



نعم قد تكون بعض الشعوب الإسلامية، بحدودها الجغرافية المصطنعة وحواجزها السياسية الفاسدة، وما غزاها من العصبيات الفكرية المبنية على القوميات أو المبادئ الأجنبية، قد تكون بعض هذه الشعوب يوجد بها بعض المواد والمعادن، وبعضها يوجد بها مواد ومعادن أخرى، كأن يوجد الحديد ومشتقاته في بلد، ولا يوجد فى هذا البلد مواد الطاقة كالزيت ومشتقاته، مع أن بعضهما يكمل الآخر. وقد يوجد في بعض هذه الشعوب الخبراء في صناعات بعض المواد، ولكن المواد التي يجيدون صناعتها، توجد في بلد آخر لا يوجد به خبراء، أو يوجد منهم من لا يكفي للقيام بصناعة تلك المواد.



وهذا ما يعيق تلك الشعوب في استغلال خيراتها وخبراتها معا. ولكن هذه الشعوب، لو هداها الله فتعاونت على استغلال تلك الخيرات والخبرات، لاستطاعت في فترة غير طويلة النهوض من مرقدها، واللحاق أو السبق للأمم التي جدت وتعاونت لبلوغ أهدافها المادية.



فالشعب الذي تتوافر فيه الطاقة مثل الزيت ونحوه، يمد بهذه الطاقة الشعب الذي يتوافر فيه الحديد ونحوه، للاشتراك في إقامة المصانع الممكنة، والشعب الذي يتوافر فيه الخبراء في صناعة الزيت ومشتقاته، يدفع بهؤلاء الخبراء إلى الشعب الذي يتوافر فيه الزيت ومشتقاته لإقامة المصانع المناسبة، بدلا تمكين من خبراء أعداء المسلمين من ذلك، بدون ضرورة.



وهكذا كل شعب مسلم، يتعاون مع الشعب المسلم الآخر، فيما يعود عليهما بفائدة خيراتهما وخبراتهما، ويمكن أن تشترك جميع الشعوب الإسلامية في إنشاء مصانع معينة لا يقدر بعضها أن يقوم بها، ثم تكون أولوية الشراء للشعوب الإسلامية بأسعار مناسبة، إن لم يكن أقل من أسعار سلع الأعداء التي يبيعونها في أسواقنا فلتكن مثلها.



أمثلة تبين الحقيقة.


ولإيضاح هذه الحقيقة يحسن أن يمثل لذلك ليكون المسلم على بينة من الأمر:



السودان - مثلا - بها أراض واسعة خصبة، تتدفق بها مياه النيلين والذي ينقصها لزراعة تلك الأراضي واستثمارها، هو المال الذي تحتاج إليه لإنفاقه في شراء الآلات وإيجاد الخبرات، واستقطاب العمال الذين غادروا البلاد، بحثاً عن لقمة العيش، كما تنقصها الطاقة التي تحرك بها تلك الآلات [وهذه بدأ إنتاجها اليوم] ووسائل النقل البري والبحري والجوي، لاستغلال ثمار ما تزرعه وتصديره في داخل البلاد وخارجها للإتجار فيه.



ودول الخليج والجزيرة العربية، وليبيا - مثلا - غنية بالطاقة والمال وهي تشتري الأغذية من الحبوب والحيوانات والمعلبات، ومياه الشرب من الدول الأجنبية الكافرة في الشرق والغرب، بأسعار باهظة وتبيع طاقاتها وموادها بأسعار زهيدة من تلك الدول الأجنبية، وتستثمر أموالها في الدول الأجنبية كذلك.



ولو أن هذه الدول الغنية بالطاقة والمال، استثمرت بعض أموالها في السودان - وهو بلد مسلم مجاور او غيره من بلدان المسلمين - لزراعة أراضيه الصالحة، وأمدته بالطاقة اللازمة والآلات، لأصبح هذا البلد مصدراً لغذاء الدول العربية كلها، من حبوب وخضار وفواكه ولحوم وغيرها، ولأقيمت به مصانع القطن ومشتقاته، وكذلك الصوف، ولما بقيت هذه البلدان تحت رحمة الدول الأجنبية تهددها بقطع لقمة عيشها التي لا تقدر على الحياة بدونها.



ومثل السودان في ذلك بنغلاديش التي يرى الناظر غالب أرضها غير صالحة للزراعة، مع وفرة المياه فيها وغيرها كثير من بلدان العالم الإسلامي، التي لو بذلت في زراعتها الجهود، لأصبحت تنافس دول الشرق والغرب مجتمعة في ذلك.



ولكن العالم الإسلامي يضطر الآن، إلى استيراد أنواع الحبوب كافة، إذ لا يكفيه إنتاجه، وذلك يعود إلى قلة المشروعات القائمة وعدم الاهتمام اللازم بالزراعة والإنتاج الزراعي، ولو أُولِيَ هذا الجانب الاهتمام وأقيمت المشروعات اللازمة للري وإحياء الموات من الأراضي، لأصبح العالم الإسلامي مصدر خير لأبنائه، ومركزاً لتصدير أنواع الحبوب، وذلك لما في أرضه من خصوبة واتساع. [انظر اقتصاديات العالم الإسلامي ص71 لمحمود شاكر].



هذا مثال لما يمكن أن تقوم به بعض الشعوب الإسلامية متعاونة، فيغنيها عن سيطرة الأعداء عليها، وإخضاعهم لها، بسبب حاجتها إلى استيراد المواد الضرورية من بلادهم، وتهديدها بقطع إمدادها بلقمة العيش عنها فضلاً عما سوى ذلك.



وها هي الدول الكافرة تعقد الأحلاف، وتتجمع في سبيل الحصول على مصالحها السياسية والاقتصادية والحربية، وتتفاوض مع غيرها مجتمعة من مركز قوة في كل شؤونها، والحال أن كل دولة قادرة على تنفيذ كثير من مآربها مفردة، ولكنها تشعر أنها لا تقدر على الحصول على أكبر قدر مما تريد، إلا إذا تعاونت مع غيرها، وأقرب مثال لهذا التعاون السوق الأوروبية المشتركة، التي تحاول بجد توحيد جهود دولها اقتصادياً وحربياً وسياسياً، للوصول إلى الوحدة الأوروبية الكاملة. [وهي اليوم على أبواب الولايات المتحدة الأوربية].



تفريط في الخبْرات والخيرات



والعالم الإسلامي الغني بثرواته ومعادنه وإمكاناته البشرية، قادر على التنسيق والتعاون الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والعسكري، ولو تم له ذلك لاستطاع أن يقيم المصانع، ويستقدم الخبراء والعلماء المسلمين الذين هاجروا إلى الدول الكافرة، لعدم وجود الإمكانات المتاحة لاختصاصاتهم في البلدان الإسلامية التي هاجروا منها.



ولو هيئت لهم الفرص في بلادهم، لنصحوا لأمتهم واجتهدوا في تحقيق مصالحها، لا سيما المتمسكين بدينهم الراغبين في إعلاء كلمة الله في الأرض، فإنهم سيسعون جادين في استغلال جميع ثروات بلادهم ومعادنها، معتبرين القيام بذلك عبادة لربهم، كل في اختصاصه.



وسيرى عندئذ المسلمون، أنهم حرموا من جهود أبنائهم مدة طويلة من الزمن، وأن أعداء الله وأعداءهم من أهل الكفر استفادوا من تلك الجهود وتلك الخبرات دونهم، وأن الخسارة التي منوا بها بسبب ذلك عظيمة، يتحمل وزرها من فرط فيهم وهو قادر على الاستفادة منهم، وأن ذلك التفريط كان مقصوداً لإرضاء أعداء المسلمين، بتأخر شعوب العالم الإسلامي، وإتاحة الفرصة لأولئك الأعداء للاستفادة من خيرات هؤلاء العلماء وخبراتهم، لأن أبناء الشعوب الإسلامية لو عادوا إليها وهم قادرون على استغلال خيراتها ومكنوا من ذلك، لما نال منهم أعداؤهم كل ما نالوه من تهديد مصالحها، ولخضعوا لجميع مطالب المسلمين، أو غالبها، من بذل خبراتهم وبيع المعدات والآلات التي يحتاج إليها المسلمون، مما لم يكن قد صنعوه لأنفسهم، وأهمه الأسلحة الهجومية التي يجب توافرها عند المسلمين ليرهبوا بها عدو الله وعدوهم.



ولكن المسلمين فرطوا في خبرائهم - كتفريطهم في خيراتهم – وأهملوهم، لا بل حالوا بينهم وبين عودتهم إلى بلادهم واستقرارهم بها وقيامهم بما يجب أن يقوموا به، واهتموا بتوطيد علاقاتهم مع الكافرين، متنازلين عن كثير من حقوق شعوبهم، باذلين لأولئك الكفار أَضعاف أضعاف ما يستحقونه.



ففتحوا لهم المجال للتنقيب عما يحتاجون إليه، من الطاقة والمعادن التي لا توجد في بلادهم أو توجد بكميات ليست كافية لهم، أو أنها تكفي ولكنهم يخفونها في أرضهم، ليستنزفوا ما في أرض المسلمين بأثمان زهيدة، ويصنعوا من بعضه مشتقات لا تحصى، فيستعملون أحسنه وأجوده وأكثره فائدة لهم، ويبيعون ما لا يحتاجونه بأعلى الأسعار للشعوب الإسلامية التي استنزفوا منها تلك الخيرات.



كما يبيعون المعدات والأشياء التي كانت تلك الطاقة وتلك المعادن أصلاً لصناعتها أو سبباً فيها، يبيعونها بأثمان باهظة، فيستنزفون تلك الطاقة والمعادن من جهة، ويمتصون أموال الشعوب الإسلامية بتلك الصفقات الجائرة من جهة أخرى. وما بقي من أموال المسلمين من النقود تصرفوا فيه ونالوا به أرباحاً هائلة، بحجة إيداعه في بنوكهم واسثماره في بلادهم، مقابل نسبة تافهة تسجل للمودعين والمستثمرين، يغلب عليها الربا والتعامل الحرام في الشريعة الإسلامية.



وعلى الرغم من ذلك كله، فإن أعداء الله لا يبيعون للمسلمين أي سلاح هجومي يرهبون به مقاتليهم، بل يبعيون ذلك السلاح الهجومي بكميات هائلة من أرقى الأنواع وأحدثها، لعدو المسلمين المقاتل المباشر، وبخاصة اليهود المحتلين للأرض المباركة، ليرهبوا به، المسلمين، لأن اليهود وأعوانهم من الصليبيين يشتركون في عدائهم الشديد لهذه الأمة.



لا تتخذوا بطانة من دونكم



ولا يليق بحكومات الشعوب الإسلامية، الركون إلى الدول الغربية، التي تتظاهر لها بالصداقة الكاذبة والتحالف الخادع، وبخاصة الحكومة الأمريكية، التي انحازت انحيازا كاملا إلى صف اليهود، ضد المسلمين كلهم، وبخاصة الدول العربية. وبذلك تضاعفت خسارة المسلمين واستمر ذلهم وتأخرهم، على رغم وجود محاولات ضعيفة لإنشاء مصانع للسلاح وغيره.



والأدهى من ذلك أن المستشارين الذين يخططون لحكومات الشعوب الإسلامية المخططات السياسية والاجتماعية والتعليمية والإعلامية والاقتصادية والعسكرية وغيرها بصفة مباشرة أو غير مباشرة، هم من أولئك الأعداء الذين يضعون آلاف الصعاب والعقبات، أمام أي مشروع يرون فيه مصلحة راجحة للشعوب الإسلامية، لا سيما المشروعات الصناعية، وبخاصة المشروعات الجهادية.



فإذا قدم أي مشروع من تلك المشروعات درسوه، وأخذوا يحذرون من تنفيذه، معللين ذلك بعدم الإمكانات التي تجعله ناجحاً، ويثبتون بالأرقام الكاذبة لذوي العقول البليدة أو الضمائر الخائنة، خسارة ذلك المشروع، لأنهم يعلمون أن في تنفيذه فتحاً للأبواب والمنافذ لولوج الشعوب الإسلامية، في أعماق حضارتهم المادية المحتكرة المبنية - عندهم - على الكفر- ويعلمون أن المسلمين لو أحرزوها لبنوها على الإيمان والدين والخلق، وأن في ذلك تحطيماً لحضارتهم الغربية المبنية على الكفر والإلحاد.



وإذا لمسوا من المسلمين تصميماً على إقامة المصانع، حسنوا لهم إنشاء مصانع لا تضرهم كثيراً، مثل صناعة الزجاج والورق والغزل والنسيج وبعض الأواني والأثاث، وتجميع القطع المصنوعة في بلادهم، لتركيبها في بلاد المسلمين كالسيارات وبعض الأسلحة الخفيفة، ليخدروا المسلمين بذلك فيرضوا بالدون ويختاروا الأدنى على الأعلى.



والمؤسف أن المسلمين لم يتنبهو [أو تنبهو وتبلدوا] لهذا الكيد السافر والاستنزاف الكثير، وهذا الصد عن الوصول إلى العزة والكرامة والاستغناء عنهم، بل لا زال أولئك الكفار هم بطانة كثير من حكام المسلمين، والله تعالى قد حذرهم منهم في كتابه وتحذيره يتلى منذ أربعة عشر قرناً من الزمان.



كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور}. [آل عمران: 118ـ119]. {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون} [هود (113)]



والمؤسف حقاً أن يجد المسلم من يرفع صوته في بلاد المسلمين، حاضاً لهم -صراحة أو ضمنا - على تقليد الغرب في نبذ الإيمان بالله ورسله والوحي والخُلُق - وفي كل تحلل وقبيح، وقد استجاب لذلك كثير من المنتسبين إلى الإسلام، بل أكثرهم وعلى رأسهم كثير من حكام الشعوب الإسلامية، الذين أعلنوا عداءهم السافر للإسلام وأقصوه عن حياة المسلمين، ولا يجد المسلم من يستجيب منهم لنداء المصلحين بالتمسك بالإسلام، والسعي الجاد في الاستفادة من السبق المادي الذي أحرزه أعداء هذا الدين، لإعلاء كلمة الله، إلا ما شاء ربك وقليل ما هم. ولهذا أخذ المصلحون يرددون، قول الشاعر:



لقد أسمعتَ لو ناديت حياً،،،،،، ولكن لا حياة لمن تنادي



ولو ناراً نفختَ بها أضاءت،،،،، ولكن أنت تنفخ في رمادِ







السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13467699

عداد الصفحات العام

927

عداد الصفحات اليومي