﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (04) سافر معي في المشارق والغارب :: (24) أثر الترية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (03) سافر معي في المشارق والمغارب :: (023) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(069)الجهاد في سبيل الله- الفصل الثالث بواعث الجهاد في سبيل الله ومعوقاته.

(069)الجهاد في سبيل الله- الفصل الثالث بواعث الجهاد في سبيل الله ومعوقاته.

وفيه تمهيد و مبحثان:

المبحث الأول: بواعث الجهاد في سبيل الله

المبحث الثاني: معوقات الجهاد في سبيل الله

تمهيد:


المقصود ببواعث الجهاد في سبيل الله: الأسباب التي تدفع المسلم دفعاً قوياً للعمل المتواصل، من أجل رفع راية الإسلام في الأرض، بالدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقتال أعداء الله الصادين عن دينه، حتى تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى.



والمقصود بمعوقات الجهاد: الأسباب والحواجز التي تثبط المسلمين عن القيام بالجهاد في سبيل الله.



وإذا توافرت البواعث، وانتفت الموانع والمعوقات، انطلق المسلم مجاهداً في سبيل الله لرفع رايته، وتحطيم رايات الكفر وإذلال أهلها من الطواغيت.

ففي هذا الفصل - إذن - مبحثان:



المبحث الأول: بواعث الجهاد.



المبحث الثاني: معوقاته.



المبحث الأول

بواعث الجهاد في سبيل الله

وفيه تمهيد و خمسة فروع:

الفرع الأول: قوة الإيمان

الفرع الثاني: معرفة ما أعد الله للمجاهدين.

الفرع الثالث: استمرار محاربة أعداء الله لأوليائه.

الفرع الرابع: إحقاق الحق وإبطال الباطل.

الفرع الخامس: القدوة الحسنة.


تمهيد


إن الإنسان لا يتحرك لتحصيل شيء إلا إذا كان مرغوباً له، ولا يستمر في هذا التحرك إلا إذا قويت رغبته في تحصيل هذا الشيء وتوافرت لديه الأدلة المقنعة، بأن هذا الشيء الذي رغب في تحصيله فيه فائدة تستحق بذل الجهد.



وكذا لا يبتعد عن شيء، إلا إذا كان مكروهاً له، ولا يستمر في هذا الابتعاد عن هذا الشيء إلا إذا قوي كرهه له بتوافر الأدلة المقنعة، بأن مضرة هذا الأمر تستحق بذل الجهد في توقيها.



وقد يرغب في الشيء رغبة آنية ليست مبنية على أدلة وحجج تدعم استمرار تلك الرغبة، فيعرض له ما يجعله يكره ذلك الشيء بدلاً من الرغبة فيه.



وقد يكره الشيء - كذلك - كرهاً آنياً ليس مبنياً على أدلة وحجج مقنعة تدعم استمرار كرهه له، فيعرض له ما يجعله يحب ذلك الشيء بدلاً من كرهه له.



وما أكثر ما ترى الإنسان يتقلب في رغائبه ومكارهه، بسبب عدم وجود الأسباب والبراهين التي تجعله يثبت على حالة واحدة: إما حبه للشيء، وإما كرهه له، وقد تكون الحجج والبراهين قائمة ومقنعة، ولكن الهوى يعمي عنها ويصم ويوقع في المهالك.



كما قال تعالى: {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن، بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون}.[المؤمنون: 71].




الفرع الأول: قوة الإيمان


لهذا كان الإيمان القوي أهم الأسباب والدوافع التي تبعث المسلم للقيام بالجهاد في سبيل الله، ويكون الإيمان قوياً بأمور كثيرة يمكن اندراجها فيما يأتي:



أولاً: أن يحصل للمؤمن اليقين بما آمن به عن بينة وبرهان، لا عن وراثة وتقليد، فإن الإيمان اليقيني عن بينة وبرهان، إيمان ثابت راسخ لا يرتاب صاحبه بما يعرض له من شبهات أو غيرها، وهو الإيمان الصادق الذي ي دفع صاحبه إلى تصديق قوله بفعله.

كما قال تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، أولئك هم الصادقون}.[الحجرات: 15].



وأهل هذا الإيمان الصادق هم الذين يحبهم الله فلا يمقتهم - بخلاف غيرهم ممن يخالف فعلهم قولهم. كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون؟ كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون، إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص}.[الصف: 2ـ4].



أما المرتاب الذي أخذ الإيمان وراثة وتقليداً عن أبويه الجاهلين – مثلاً – فإن إيمانه لا يلبث أن يتبخر، ويصبح صاحبه مثل الأعمى الذي ينقاد لمن أخذ بيده ولا يدري إلى أين يقوده، كما قال تعالى مفرقاً بين المؤمن الذي بنى إيمانه على العلم والحجة، وبين المؤمن المقلد: {أفمن يعلم أنما انزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى؟ إنما يتذكر أولو الألباب}.[الرعد: 19].



ثانيا: أن يكون إيمانه اليقيني، مبنياً على أدلة وبراهين من الكتاب والسنة الصحيحة، لكل ما آمن به من أصول الإيمان - الستة التي تضمنها حديث جبريل – وفروعه، لأن علمه بالأدلة المفصلة لكل أصل من أصول الإيمان وكل فرع من فروعه، يزيد إيمانه ويقويه، بخلاف من آمن بتلك الأصول والفروع إيماناً مجملاً، فإن إيمانه يكون أنقص من إيمان الأول.



ويضرب لذلك أمثلة توضح المقصود:



رجل آمن بوجود الله وربوبيته، وبألوهيته، وبأسمائه وصفاته، وعلم أدلة ذلك تفصيلاً من القرآن والسنة الصحيحة، وكذلك آمن بالملائكة واطلع على الأدلة الواردة في صفاتهم وأعمالهم تفصيلاً، وهكذا الكتب المنزلة، والرسل الذين اختارهم الله تعالى لدعوة الأمم إليه، واليوم الآخر في علامات الساعة وقيام القيامة والبعث والنشور والجزاء والحساب والصراط والميزان والجنة بكل أوصافها الواردة، والنار بكل ما فيها من أهوال وردت في الكتاب والسنة، كل ذلك آمن به وعلم أدلته مفصلة.



هل يكون إيمان غيره المبني على أدلة إجمالية كإيمانه الذي قامت هذه االأمو المفصة عليه؟ كلا.



ثالثاً: أن يكون المؤمن مستحضرا لما آمن به في أغلب أوقاته، مداوماً على التفكير فيه، فإن ذلك يدفعه باستمرار إلى الحركة الدائمة صوب ما يقتضيه إيمانه، وإلى الابتعاد عما ينافي ما آمن به، بخلاف من اشتغل قلبه عن ذلك، فإنه على قدر اشتغاله عنه تضعف دوافع حركته نحو ما يرضي ربه، ويقوي تحركه نحو ما يسخطه تعالى.



رابعاً: أن يظهر إيمانه القلبي اليقيني في سلوكه الظاهري، وذلك بأن لا يتحرك إيجاباً أو سلبا،ً إلا حيث تكون مرضاة ربه فيطبق قوله تعالى: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين}.[الأنعام: 162ـ163].





دعاة الإسلام يبينون الباعث الإيماني على طاعة الله


وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الإيمان الحق الصادق المبني على العلم التام وما يقتضيه، كما بين الإيمان الضعيف أو الميت الذي لا يثمر شيئا، لأنه بني على التقليد. فقال رحمه الله:



"والمقصود هنا أن كل عاص لله فهو جاهل، وكل خائف منه فهو عالم مطيع لله، وإنما يكون جاهلاً لنقص خوفه من الله، إذ لو تم خوفه من الله لم يعص، ومنه قول ابن مسعود رَضي الله عنه: كفى بخشية الله علماً، وكفى بالاغترار بالله جهلاً. وذلك لأن تصور المخوف يوجب الهرب منه، وتصور المحبوب يوجب طلبه. فإذا لم يهرب من هذا ولم يطلب هذا، دل على أنه لم يتصوره تصوراً تاماً، ولكن قد يتصور الخبر عنه، وتصور الخبر وتصديقه وحفظ حروفه، غير تصور المخبر عنه. وكذلك إذا لم يكن المتصور محبوباً له ولا مكروها، فإن الإنسان يصدق بما هو مخوف على غيره ومحبوب لغيره، ولا يورثه ذلك هرباً ولا طلباً.



وكذلك إذا أخبر بما هو محبوب له ومكروه ولم يكذب المخبر، بل عرف صدقه لكن قلبه مشغول بأمور أخرى عن تصور ما أخبر به، فهذا لا يتحرك للهرب ولا للطلب.. - إلى أن قال: - فالمؤثر التام يستلزم أثره، فمتى لم يحصل أثره لم يكن تاماً، والفعل إذا صادف محلاً قابلاً تم، وإلا لم يتم، والعلم بالمحبوب يورث طلبه، والعلم بالمكروه يورث تركه. وهذا كله إنما يحصل مع صحة الفطرة وسلامتها، وأما مع فسادها فقد يحس الإنسان باللذيذ فلا يجد له لذة، بل يؤلمه، وكذلك يلتذ بالمؤلم لفساد الفطرة، والفساد يتناول القوة العلمية والقوة العملية جميعاً".[مجموع الفتاوى(7/23ـ25)].



وقد عبر الأستاذ المودودي رحمه الله عن الإيمان القوي الصادق بما يورث صاحبه من عمل جاد مثمر، فقال: "إنه من الواجب عليكم – يخاطب الجماعة الإسلامية التي كان يقودها في باكستان – أن تكون في صدوركم عاطفة صادقة، تشغلكم في كل حين من أحيانكم بالسعي في سبيل غايتكم، وتعمر قلوبكم بالطمأنينة، وتكسب لعقولكم الإخلاص والتجرد، وتستقطب عليها جهودكم وأفكاركم، بحيث إن شؤونكم الشخصية وقضاياكم العائلية إذا استرعت اهتمامكم، فلا تلتفتون إليها إلا مكرهين. وعليكم بالسعي ألا تنفقوا لمصالحكم وشؤونكم الشخصية، إلا أقل ما يمكن من أوقاتكم وجهودكم، فتكون معظمها منصرفة لما اتخذتم لأنفسكم من الغاية في الحياة، وهذه العاطفة مالم تكن راسخة في أذهانكم، ملتحمة مع أرواحكم ودمائكم، آخذة عليكم ألبابكم وأفكاركم، فإنكم لا تقدرون أن تحركوا ساكناً بمجرد أقوالكم…"





وعبر عن الإيمان التقليدي - قبل ذلك - بقوله: "أما مجرد فهم الإنسان لأهداف هذه الحركة واطمئنانه بصحتها عقلاً، فإنما هو خطوة بداية لسلوك هذا الطريق، ولا يكاد مثل هذا التأثر يسمن ولا يغنى من جوع".[تذكرة دعاة الإسلام، الطبعة الباكستانية ص40].



وبخلاصة هذا المعنى الذي عبر عنه المودودي، عبر حسن البنا رحمه الله فقال: "والفرق بيننا وبين قومنا - يقصد عامة المسلمين الذين وقفوا ضد الدعوة، ولم يناصروها أنه - يعني الإيمان - عندهم إيمان مخدّر نائم في نفوسهم، لا يريدون أن ينـزلوا على حكمه، ولا أن يعملوا بمقتضاه، على حين أنه إيمان ملتهب مشتعل قوي يقظ في نفوس الإخوان المسلمين، ظاهرة نفسية عجيبة نلمسها ويلمسها غيرنا في نفوسنا نحن الشرقيين، أن نؤمن بالفكرة إيمانا يخيل للناس حين نتحدث إليهم عنها، أنها ستحملنا على نسف الجبال، وبذل النفس والمال، واحتمال المصاعب ومقارعة الخطوب، حتى ننتصر بها أو تنتصر بنا، حتى إذا هدأت ثائرة الكلام وانفض نظام الجمع، نسي كلٌّ إيمانه، وغفل عن فكرته، فهو لا يفكر في العمل لها، ولا يحدث نفسه بأن يجاهد أضعف الجهاد في سبيلها، بل إنه قد يبالغ في هذه الغفلة وهذا النسيان، حتى يعمل على ضدها وهو يشعر أو لا يشعر".[دعوتنا ص14، من مجموع رسائل الإمام].



ويظهر مما مضى أن الإيمان القوي الصادق، هو أقوى البواعث على الجهاد في سبيل الله، وأن ضعف الإيمان من أهم عوامل التعويق عن الجهاد في سبيل الله. إن الإيمان القوي لا يترك صاحبه ينام، بل يوقظه، ولا يتركه يغفل، بل يذكره، ولا يدعه يلعب ويلهو، بل يرفع أمام ناظريه راية الخطر الذي يهدد أمته في الدنيا، لينهض مُجِدًّا في دفعه عنها، كما يضع أمامه صفة الصراط والجنة والنار، ليعلم أن الحياة ليست حياة لهو وعبث، وإنما هي حياة جد وكفاح.



وهو عندما يقرأ كتاب العهد الذي بينه وبين ربه، والصفقة التي عقدها معه من حين قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله فيَقتلون ويُقتلون، وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن، ومن أوفى بعهده من الله، فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به، وذلك هو الفوز العظيم}.[التوبة: 111]. يحرص كل الحرص على الوفاء بهذه الصفقة الربانية التي أكرمه بها خالقه سبحانه.



والمؤمن القوي الإيمان ينظر من علٍ، لشياطين الكفر وهم يتجمعون على أولياء الله المؤمنين، ويخوفونهم بقوتهم وعددهم، ليثنوهم عن الجهاد في سبيل الله وليخضعوهم للباطل، فيطلق فيهم صرخته قائلا: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم إيماناً، وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل}[آل عمران: 173].



فينطلق هذا المؤمن القوي الإيمانِ مردداً هذه الصرخة: {حسبنا الله ونعم الوكيل} متحدياً أهل الأرض كلهم، فإذا اشتد عليه الأمر، ذكَّره إيمانه بحزبه الذي سلم له هذا الدين أمانة عنده لحفظها، ذلك الحزب الضارب في أعماق التاريخ، الذي قال الله فيه: {ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، وما زادهم إلا إيمانا وتسليما}[الأحزاب: 22].



فسرت روح قادة حزب الله في روحه، وانطلق كالمارد يحطم حصون الطواغيت في كل مكان، رافعاً راية الإسلام، ليستظل بها البشر الذين حال بينهم وبينها أعداء الله. ويصاب المؤمنون فيقتل من يقتل منهم ويجرح من يجرح، ويحسون بفداحة الأمر وجلل الخطب، فيناديهم إيمانهم مذكراً لهم بأن عدوهم أصيب كما أصيبوا، وأن درجة المؤمن تحول بينه وبين القلق والندم، لأنه الأعلى في عقيدته وسلوكه وهدفه، وأن الحرب دول، وأن المؤمن هو الأعلى دائماً، ما قام بأمر الله بالمعنويات والماديات من الأسباب.



فإذا قتل في المعركة فإنما هو اصطفاء وتكريم له من ربه، حيث اتخذه شهيداً يرسم الطريق لإخوانه من بعده: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين، إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله، وتلك الأيام نداولها بين الناس، وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين}.[آل عمران: 139].



والإيمان القوي يوطن صاحبه على قوة الصلة بربه والصبر على ما يصيبه في سبيله، ويحضه على إقامة الدليل على صحة إيمانه، وأنه في الصف الذي يحبه الله، بريء من نفاق المنافقين ورياء المرائين، ويذكره بأن الله يبتلي المؤمنين، ليمحصهم ويصفي صفوفهم من عناصر الفساد هاتفاً له بأمثال هذه الآيات: {ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم، فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين}.[العنكبوت: 1ـ3]. {أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة، والله خبير بما تعملون}.[التوبة: 16]. {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم}.[محمد: 31].



ويَكره الإيمان القوي من صاحبه، أن يكون من المتثاقلين الذين تعجبهم الحياة الدنيا فيشرونها بالآخرة، وتدعوهم الشهوات والمتع، فيختارونها على رضا الله، ويخاف قوي الإيمان من عذاب الله، إذا هو تأخر عن تلبية ندائه. يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة، فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل، إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً، ويستبدل قوماً غيركم ولا تضروه شيئاً، والله على كل شيء قدير}.[التوبة: 38ـ39].



وتجتمع المغريات والشهوات، فتنادي المؤمن مغرية له على الركون إليها والانصياع لها، صادة له عن تحقيق رضا الله ورفع رايته في الأرض: القرابات، والأموال، والتجارة، والمساكن، فينظر إلى داعي هذه المغريات، فيراه في سفح من سفوح جبال الحياة الدنيا، ويسمع هاتفاً يناديه من على قمة الفردوس الأعلى، يحذره من الاستجابة لمنادي الشيطان، ويحضه على الاستجابة لله الواحد، وتقديم رضاه على كل الشهوات والمغريات الأخرى، فترتفع نفس المؤمن القوي الإيمان، فيرجح رضا الله على سواه، والنجاة من الكون في صف القوم الفاسقين. {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم، وأموال اقترفتموها، وتجارة تخشون كسادها، ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره، والله لا يهدي القوم الفاسقين}.[التوبة: 24].



الإيمان القوي يرتفع بصاحبه إلى قمة التوكل على الله والثقة في نصره على أعداء الله مهما كانت كثرتهم، ويحاول المؤمن القوي أن يرفع مدعي الإيمان الذي اضمحل إيمانهم إلى تلك القمة، بشتى الوسائل والأساليب، فلا يجدي ذلك فتيلاً، لأن الإيمان إذا اضمحل، ذل صاحبه وجبن وألف الذلة والجبن فيفضل القعود المذل على الحركة المعزة. {وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً، وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين، يا قوم أدخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين، قالوا يا موسى إن فيها قوماً جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها، فإن يخرجوا منها فإنا داخلون، قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما: ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون، وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين، قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون، قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي، فأفرق بيننا وبين القوم الفاسقين}.[المائدة: 20ـ25].



ويدفع الإيمان القوي القلة من أهله، لتقف أمام الكثرة من أعداء الله، مستهينة بكثرتها، لأنها تستند إلى الذي آمنت به، ويقف الكثيرون من ضعاف الإيمان جبناء أمام أعداء الله، جازمين أنهم لا قدرة عندهم على قتالهم، لأن هؤلاء ليسوا مؤهلين للشجاعة الإيمانية والتوكل على الله بخلاف تلك القلة القوية الإيمان. اقرأ هذا الحوار بين الفئتين: {فلما فصل طالوت بالجنود قال: إن الله مبتليكم بنهر، فمن شرب منه فليس مني، ومن لم يطعمه فإنه مني، إلا من اغترف غرفة بيده، فشربوا منه إلا قليلاً منهم، فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده، قال: الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين، ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبراً، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين، فهزموهم بإذن الله}.[البقرة: 249ـ251].



وإن في تلك العصابة المؤمنة التي حملت راية الإسلام من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، في جهادها ومقارعتها لأعداء الله، في حياته وبعد موته، لأبرز شاهد وأعظم حجة، على أن الإيمان القوي يصنع بأهله ما لا تصنعه عوامل أخرى بدونه، مهما عظمت.



فما الذي جعل الغلمان الذين لم يبلغوا سن الرشد الذي يؤهلهم للجهاد في سبيل الله، يتسابقون لخوض المعارك؟ وما الذي جعل الشيخ الكبير السن، ينافس أبناءه الشبان لحضور ساحات الوغى، حتى يحتكموا إلى رسول الله صَلى الله عليه وسلم؟ وما الذي جعل الواحد من أصحاب رسول الله صَلى الله عليه وسلم، يستبطئ أكل تمرات في يده، فيرميهن ويخوض المعركة حتى يقتل؟ أليس هو الإيمان الذي بلغ بأصحابه القمة في تحقيق رضاء الله! بلى إنه هو وليس غيره.



ولا داعي لضرب أمثلة ونماذج لذلك هنا، فقد مضى شيء منها وسيأتي كثير - كذلك - في ثنايا هذا الكتاب في مناسبات أخرى، وكل مناسبة لها شواهد لا تحصى، من حياة المجاهدين من أصحاب رسول الله صَلى الله عليه وسلم، ومن تبعهم بإحسان.







السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13467729

عداد الصفحات العام

957

عداد الصفحات اليومي