﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (04) سافر معي في المشارق والغارب :: (24) أثر الترية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (03) سافر معي في المشارق والمغارب :: (023) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(071)الجهاد في سبيل الله-الفرع الرابع من بواعث الجهاد: إحقاق الحق وإبطال الباطل.

(071)الجهاد في سبيل الله-الفرع الرابع من بواعث الجهاد: إحقاق الحق وإبطال الباطل.

معنى الحق ومعنى الباطل


ما هو الحق: قال في القاموس: "الحق من أسماء الله تعالى أو من صفاته، والقرآن، وضد الباطل، والأمر المقضي، والعدل، والإسلام، والمال والملك، والموجود الثابت، والصدق، والموت، والحزم، وواحد الحقوق…".[القاموس المحيط(3/221) للفيروز أبادي].



وقال الراغب في مفرداته: "أصل الحق المطابقة والموافقة.. والحق يقال على أوجه:

الأول: يقال لموجد الشيء بسبب ما تقتضيه الحكمة، ولهذا قيل في الله تعالى: هو الحق، قال الله تعالى: {ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق} وقيل بعد ذلك: {فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون}.[يونس: 33]. والثاني: يقال للموجد بحسب مقتضى الحكمة، ولهذا يقال: فعل الله كله حق.. والثالث: في الاعتقاد للشيء المطابق لما عليه ذلك الشيء في نفسه، كقولنا: اعتقاد فلان في البعث والثواب والعقاب والجنة والنار حق. والرابع: "للفعل والقول الواقع بحسب ما يجب، وبقدر ما يجب، وفي الوقت الذي يجب، كقولنا فعلك حق وقولك حق".[المفردات ص124].



وقال موضحا معنى الباطل: "الباطل نقيض الحق، وهو بالإثبات له عند الفحص عنه"، قال تعالى: {ذلك بأن الله هو الحق، وأن ما يدعون من دونه الباطل}.[المفردات ص50 والآية: في سورة الحجر: 62].



وقال موضحا معنى الضلال: "الضلال: العدول عن الطريق المستقيم، ويضاده الهداية، قال تعالى: {فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها}.[المفردات ص299، والآية في سورة الإسراء: 15].



يظهر مما مضى أن الحق لا يمكن تفسيره تفسيراً شاملاً إلا بالإسلام، لأنه يشمل الإيمان - وهو ما يعبر عنه بالاعتقاد - بالغيب كالإيمان بالله وكتبه ورسله والملائكة واليوم الآخر والقدر خيره وشره، ويشمل كذلك كل أفعال الله بأنها حق، والمنهج الذي ارتضاه لعباده شرعة تحكم تصرفاتهم، ونشاطهم، فالحق هو الإسلام والإسلام هو الحق.



والحق - في حد ذاته - ثابت أنه حق، لا يحتاج إلى أحد يُحِقُّه، أي يجعله حقاً، لأنه حق في ذاته، وكل شيء غيره فهو باطل وضلال، ولكن الحق يحتاج إلى من يظهره بأنه حق.



وجوب إظهار الحق وإبطال الباطل


وإذا كان كل ما عدا الحق باطلا وضلالا، فإن الأصل الذي تقره العقول أن تتعاون البشرية كلها على إظهار الحق وهيمنته، وعلى طرد الباطل والضلال، لأن سعادة الخلق في ظهور الحق وهيمنته في الأرض، وشقاءهم في ظهور الضلال والباطل وهيمنتهما.



ولو أن أغلب الناس - وليس كلهم - تعاونوا على إظهار الحق وطرد الباطل، لذابت القلة الضالة واضمحل شرها، ولكن المؤسف أن أغلب الناس من حزب الضلال والباطل الذي يعادي الحق وأهله ويحاربهما، دون هوادة لأنه - أي حزب الضلال يجهل الحق أو يعانده- ومن جهل شيئا عاداه، ومن عانده حاربه ووجب على أهل الحق ردعه.



وقد سبق أن الجاهل هو الذي لا يعمل بما علم، أو الذي يجهل الشيء ولا يعلمه، قال تعالى: {أم اتخذوا من دونه آلهة، قل هاتوا برهانكم، هذا ذكر من معي وذكر من قبلي، بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون}[الأنبياء: 24]. وقال تعالى: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين}.[يوسف: 103].



لذلك كان الواجب على القلة المؤمنة التي من الله عليها بمعرفة الحق والاهتداء به، أن تظهر هذا الحق، وتحارب ما يضاده -وهو الباطل والضلال- ويعتدي عليه وعلى أهله.



والمقصود بإظهار الحق حَمْله وتطبيقه والدعوة إليه والذود عنه والجهاد في سبيل الله لرفع رايته في الأرض، لذلك سُمِّي حَمَلَةُ الحق ومظهروه بالطائفة المنصورة. كما قال الرسول صَلى الله عليه وسلم، في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة).[صحيح مسلم(3/1524)].



وفي حديث معاوية - رَضي الله عنه - قال صَلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ولا تزال عصابة من المسلمين يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة).[نفس المصدر والجزء والصفحة السابق].



وفسر صَلى الله عليه وسلم الحق بأنه الدين، كما في حديث جابر بن سمرة رَضي الله عنه فقال: (لن يبرح هذا الدين قائماً يقاتل عليه عصابة من المسلمين، حتى تقوم الساعة).[نفس المصدر السابق].



وفي حديث معاوية المتفق عليه فسر الحق بأمر الله، فقال: (لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتيهم أمر الله، وهم على ذلك)[البخاري رقم 3641، فتح الباري(6/632) ومسلم(3/1524)].



وإذا ظهر الحق على الباطل ظهرت معالم الإيمان بالله تعالى وغيره من أصول الإيمان وفروعه، والإسلام وفروعه، فعُبد الله حق عبادته، وانتفى اللبس عن العقيدة الإسلامية كلها، وإلا التبس الحق بالباطل، في ربوبية الله وألوهيته وأسمائه وصفاته وحكمه، وفي مقاصد كتابه ورسالة نبيه صَلى الله عليه وسلم، وفي أمر اليوم الآخر بتفاصيله، وظهر التحريف في كل فرع من فروع الإسلام، واستطاع أهل كل باطل أن ينشروا باطلهم بين المسلمين، لعدم ظهور الحق الذي يحصنهم من الباطل والضلال.



وبظهور الباطل تبرز الأخلاق الفاسدة، وتختفي الأخلاق الفاضلة، ويظهر الظلم ويختفي العدل، ويتربع على كراسي الحكم قرود الفوضى من ذوي الإجرام، وتنتهك الحقوق في الدماء والأموال والأعراض، ويحكم الناس بالأهواء، بدلاً من الحكم بما أنزل الله، وفي ذلك فساد السماوات والأرض.



كما قال تعالى: {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون}.[المؤمنون: 71، راجع السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية لابن تيمية رحمه الله ـ طبع دار الكاتب العربي ص143].



وإظهار الحق على الباطل لا يحصل إلا بالقضاء على زعماء الباطل وكسر شوكتهم، وذلك لا يحصل إلا بجهادهم وقتالهم، كما قال صَلى الله عليه وسلم: (يقاتلون على الحق) لأن أهل الحق يقاتلون على ما اتبعوا وهو الحق، وأهل الباطل، يقاتلون على ما اتبعوا، وهو الباطل.



{ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثالهم فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق، فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها، ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم، ولكن ليبلوا بعضكم ببعض، والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم، ويدخلهم الجنة عرفها لهم، يا أيها الذين امنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم}.[محمد: 3ـ7].



وهذا من أعظم ما يبعث المسلم على الجهاد في سبيل الله بماله ونفسه، وهذه بعض آيات معركة بدر تتسلل إلى قلوب المؤمنين الذين ترددوا عن ذات الشوكة وأحبوا غيرها، تتسلل إلى قلوبهم بإحقاق الحق وإبطال الباطل، حفزاً لهممهم وباعثاً على لقاء أعداء الله، مهما كثروا وعظمت عدتهم. {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون، وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم، وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم، ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين، ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون}.[الأنفال: 5ـ8].



والذين ينصرون الباطل ويحاربون الحق، حريون بالمجاهدة والمقاتلة، إلى أن ترتفع راية الحق ويصيبهم الذل والصغار، قال تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون}.[التوبة: 29]. وبدون الجهاد والقتال إلى هذه الغاية، فإن الذي يظهر هو الباطل، لكثرة أهله واستجابة النفوس له.



قال ابن تيمية رحمه الله: "فالمقصود أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الله اسم جامع لكلماته التي تضمنها كتابه، وهكذا قال الله تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} فالمقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب أن يقوم الناس بالقسط في حقوق الله وحقوق خلقه. ثم قال تعالى: {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس، وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب}[الحديد: 25]. فمن عدل عن الكتاب قوم بالحديد، ولهذا كان قوام الدين بالمصحف والسيف، وقد روي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: "أمرنا رسول الله صَلى الله عليه وسلم أن نضرب بهذا، يعني السيف، من عدل عن هذا، يعني المصحف".[مجموع الفتاوى (28/263ـ264) وسبق تخريج الحديث].



هذا وإن الباطل في هذا القرن - القرن الرابع عشر الهجري الذي لم يبق لانتهائه عندما كتب هذا السطر إلا خمسة عشر يوماً، بعدها يبدأ أول يوم من أيام القرن الخامس عشر [ونحن الآن في آخر عام 35 من القرن الخامس عشر الذي لم يبق منه إلا عشرة أيام] - إن الباطل في هذا القرن قد تمكن في الأرض وانتشر في أرجائها حتى عم الفساد، وسيطر الكفر، وحكم الظلم، وقوي الباغي، وانطمست معالم الإسلام، وغابت دولته وجفاه أبناؤه الذين رباهم أعداؤه.



وإن الأرض - برها وبحرها، وجوها - لتئن من وطأة هذا الباطل الذي ضاعت فيه الحقوق حقوق الله على عباده، وحقوق العباد بعضهم على بعض.



ولعل هذا الباطل قد وصل إلى غايته التي ما بقي بعدها إلا سقوط رايته، واضمحلال قوته والقضاء على رؤوس الطغاة الذين يدعمونه وينصرونه ضد الحق وأهله.

وأن هذه الحال التي مضت الإشارة إليها، لجديرة بدفع المؤمنين الصالحين إلى القيام بواجبهم وتحمل أعباء الجهاد في سبيل الله ونصر دينه، وإظهار الحق الذي قامت عليه السماوات والأرض، محققين بذلك طاعة ربهم الذي أمرهم بما هو خير لهم: {انفروا خفافاً وثقالاً، وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون}.[التوبة: 41].



وهنا أنبه على أنني أراجع الآن هذا الكتاب، وأكتب هذا السطور بعد الساعة العاشرة مساء بدقائق، في يوم السبت 24 من شهر شوال، من عام 1423هـ 28 من شهر ديسمبر، من عام 2002م أي بعد كتابة الأسطر الماضية بثلاثة وعشرين عاما إلا شهرين تقريبا، أنبه على ما تقوم به الحملة الأمريكية الظالمة، على بلدان المسلمين في كل أنحاء الأرض، حيث انتشرت قواتها العدوانية، فملأت قواتها الأجواء، وضاقت بها البحار والمحيطات، وحلت جيوشها بجميع البلدان الإسلامية، وتأسست قواعدها العسكرية في أهم المناطق في العالم، وأصبحت تأمر زعماء العالم وتنهاهم، ولم تعد لغالبهم سيادة على أوطانهم، بل أصبحت مخابرات هذه الدولة الصليبية تتدخل في غالب شئون تلك الدول....



والسبب الرئيس لهذه الحملة الظالمة التي تريد تغيير خارطة العالم، وبخاصة خارطة الدول العربية، من أجل التمكين للدولة اليهودية في المنطقة، وكان المفروض أن يكون هذا السبب حافزا لزعماء المسلمين، على حشد طاقة الأمة الإسلامية، وإعداد العدة للدفاع عن بلدان المسلمين ودينهم، بدلا من إهمالهم للجهاد في سبيل الله، وركون غالبهم إلى أعداء هذا الدين، واتخاذهم بطانة من دون المؤمنين، فكانت النتيجة ما نزل بهذه الأمة اليوم من عدوان وعذاب: {يا أيها الذين ءامنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل (38) إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير (39) [التوبة]


[S1]
(072) الجهاد في سبيل الله-الفرع الخامس من بواعث الجهاد: القدوة الحسنة.


القدوة الحسنة تؤتي ثمارها الطيبة الحسنة، والقدوة السيئة تؤتي ثمارها السيئة، والفرد أو الجماعة، أو الشعب من الناس مولعون بالاقتداء بقادتهم وزعمائهم، فتراهم يتبعونهم في كثير من أفعالهم وصفاتههم.



وقد يكون في اتباع عامة الناس لزعمائهم مشقة في أول الأمر، ولكنهم مع طول الزمن يسهل عليهم التقليد والمحاكاة - ولا سيما فيما تشتهيه النفوس، ولهذا كانت الأسوة الحسنة ذات أهمية بالغة في حياة الأمة المسلمة.



وقد أمر الله رسوله صَلى الله عليه وسلم، وهو خاتم النبيين، ورسالته خاتمة الرسالات، وكتابه آخر الكتب والمهيمن على ما سبقه من الكتب المنزلة، وهو يهدي إلى التي هي أقوم، أمره تعالى أن يقتدي بهدى الأنبياء الذين سبقوه، فقال تعالى، بدأن ذكر ثمانية عشر منهم: {ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم، واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم، ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده، ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون، أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة، فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين، أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجراً إن هو إلا ذكرى للعالمين}.[الأنعام: 87ـ90].



وحض الله سبحانه وتعالى أمته - أي أمة محمد صَلى الله عليه وسلم - على أخذ الأسوة الحسنة من نبي الله إبراهيم والذين معه، في معاداة قومهم الكافرين حتى يؤمنوا بالله وحده، واستثنى الله تعالى استغفار إبراهيم لأبيه المشرك من ذلك، فليس لهم أن يقتدوا به في ذلك. قال تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه، إذ قالوا لقومهم: إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله، كفرنا بكم، وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده، إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك، وما أملك لك من الله من شيء، ربنا عليك توكلنا، وإليك أنبنا، وإليك المصير}.[الممتحنة: 4].



وإنك لترى الأتباع لشدة حرصهم على الاقتداء بالزعماء، يحزنون حزناً شديداً إذا لم يقدروا على تحقيق ما استطاع زعيمهم تحقيقه لسهولته عنده، وصعوبته عليهم، ونضرب لهذا الحرص مثلين:



أحدهما الحرص على تحقيق القدوة الحسنة، وثانيهما حرص على القدوة السيئة.



المثل الأول: شدة حرص أصحاب الرسول صَلى الله عليه وسلم، على الاقتداء به، لأن الله سبحانه أمرهم باتباعه، وحثهم على الاقتداء به، كما قال تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً}[الأحزاب: 21].



وكان هو صَلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه العبادة بفعله، فيحفظون ذلك ويقتدون به، وينقلونه لمن بعدهم، كما في حديث عبد الله بن زيد: "أنه أفرغ من الإناء على يديه فغسلهما، ثم مضمض واستنشق من كف واحدة، ففعل ذلك ثلاثا، فغسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين، ومسح برأسه ما أقبل وما أدبر، وغسل رجليه إلى الكعبين، ثم قال: هكذا وُضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم" [البخاري، برقم (188) ومسلم، برقم (235)]



وكان صَلى الله عليه وسلم يحرص على اتخاذ الوسائل التي توضح لأصحابه، كيفية عمله، ليقتدوا به في ذلك، كما صعد المنبر وصلى أمامهم في قيامه وركوعه، ثم نزل القهقرى فسجد، وذكر لهم أنه إنما فعل ذلك ليأتموا به، كم في حديث سهل بن سعد الساعدي، وفيه: "ثم رأيت رسول الله صَلى الله عليه وسلم صلى عليها [أعواد المنبر] وكبر وهو عليها، ثم ركع وهو عليها، ثم نزل القهقري فسجد في أصل المنبر، ثم عاد، فلما فرغ أقبل على الناس، فقال: (أيها الناس إنما صنعت هذا لتأتموا ولتعلموا صلاتي)" [البخاري، برقم (875) ومسلم (544)]



وهكذا أمرهم بالاقتداء به في مناسك الحج وهو راكب ناقته، كما في حديث جابر، رضِي الله عنه، قال: رأيت النبي صَلى الله عليه وسلم يرمى على راحلته يوم النحر، ويقول: (لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه) [مسلم، برقم (1297)



وكان يخشى عليهم أحيانا من المبالغة في الاقتداء به، فيما قد يسبب لهم الحرج، فيرشدهم إلى ترك ذلك، كما في حديث أنس رضِي الله عنه، قال: واصل رسول الله صَلى الله عليه وسلم في أول شهر رمضان، فواصل ناس من المسلمين، فبلغه ذلك، فقال: (لو مد لنا الشهر لواصلنا وصالا يدع المتعمقون تعمقهم، إنكم لستم مثلي أو قال إني لست مثلكم، إني أظل يطعمني ربي ويسقيني) [البخاري، برقم (6814) ومسلم، برقم (1104)]



وروت عائشة أم المؤمنين رضِي الله عنها: "أن رسول الله صَلى الله عليه وسلم صلى ذات ليلة في المسجد، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة، فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله صَلى الله عليه وسلم، فلما أصبح، قال: (قد رأيت الذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم، إلا أني خشيت أن تفرض عليكم، وذلك في رمضان) [البخاري (1/380)]



وكان بعض الصحابة، يبالغون في العبادة والزهد في المباحات، لشدة حرصهم على طاعة الله للفوز برضاه، فيحثهم صَلى الله عليه وسلم على الاقتداء به في الاعتدال وعدم الغلو، كما في حديث أنس رضي الله عنه، أن نفرا من أصحاب النبي صَلى الله عليه وسلم، سألوا أزواج النبي صَلى الله عليه وسلم عن عمله في السر؟ فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش. فحمد الله وأثنى عليه، فقال: (ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟ لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) [البخاري (4776) مسلم (1401)]



وقد يتردد أصحابه صَلى الله عليه وسلم، في تنفيذ أمره، ولكنهم يسرعون إلى تنفيذه عندما يرونه يفعله بنفسه، حرصا على الاقتداء به، كما في قصة الحديبية التي رواها عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان، وفيها: "... فلما فرغ من قضية الكتاب، قال رسول الله صَلى الله عليه وسلم لأصحابه: (قوموا فانحروا ثم احلقوا) قال فوالله ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج لا تكلم أحدا منهم كلمة، حتى تنحر بُدْنَك وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج فلم يكلم أحدا منهم، حتى فعل ذلك، نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا" [البخاري (2581)]



المثل الثاني: في القدوة السيئة:



ومن أمثلة ذلك قارون الذي كان قومه معجبين بغناه، وتمتعه بالحياة الدنيا وزينتها، فتمنوا أن يكون لهم مثله، ولم يتضح لهم أنه كان قدوة سيئة، إلا بعد أن وقع في عذاب الله وسخطه أمام أعينهم. كما قال تعالى: {فخرج على قومه في زينته، قال الذين يريدون الحياة الدنيا: يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون، إنه لذو حظ عظيم، وقال الذين أوتوا العلم: ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً، ولا يلقاها إلا الصابرون، فخسفنا به وبداره الأرض، فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين، وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون: ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر، لولا أن من الله علينا لخسف بنا، ويكأنه لا يفلح الكافرون}.[القصص: 79ـ81].



وفي جلساء الخير قدوة حسنة أو سيئة


ومن هنا كان الحث على اتخاذ الجليس الصالح، والتحذير من اتخاذ جليس السوء، كما في حديث أبي موسى رضِي الله عنه، عن النبي صَلى الله عليه وسلم قال: (مثل جليس الصالح والسوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحا خبيثة).[البخاري رقم 5534، فتح الباري(9/660) ومسلم(4/2026)].



وبهذا يظهر أن القدوة الحسنة من أعظم البواعث على الجهاد في سبيل الله، وأن القدوة السيئة من أعظم المثبطات عن هذا الأمر العظيم، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، ولذلك نعى الله على المتخلفين عن الجهاد مع رسول الله صَلى الله عليه وسلم، أن يتخلفوا عنه وأن يرغبوا بأنفسهم عن نفسه التي بذلها لربه لرفع كلمته. قال تعالى: {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله، ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه…}.[التوبة: 120].



وعندما أراد بعض أصحابه الاقتداء به في الخروج إلى الجهاد في سبيل الله، ولم يكن لهم عدة الجهاد، فذهبوا إليه صَلى الله عليه وسلم يطلبون منه منحهم ما يبلغهم مطلبهم، فاعتذر، لأنه لم يكن عنده ما يحقق رغبتهم، فحزنوا حزناً شديداً وخرجوا وهم يبكون.

كما قال تعالى: {ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله، ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم، ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون}.[التوبة: 91ـ92].



ولهذا كان صَلى الله عليه وسلم، يتخلف عن بعض الغزوات، مع حرصه على حضورها، تطييبا لخواطر أصحابه الذين كانوا يحزنون على عدم قدرتهم صحبته في غزواته، كما في حديث أبي هريرة رضِي الله عنه، وفيه قال صَلى الله عليه وسلم: (ولولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سرية، ولوددت أني أقتل في سبيل الله، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل) [البخاري رقم 36، فتح الباري (1/92) ومسلم (3/1495)].



قال سيد قطب رحمه الله: "وحين يخرج رسول الله صَلى الله عليه وسلم في الحر أو البرد. في الشدة أو الرخاء، في اليسر أو العسر ليواجه تكاليف هذه الدعوة وأعباءها، فإنه لا يحق لأهل المدينة، ومن حولهم من الأعراب، وهم قريبون من شخص رسول الله صَلى الله عليه وسلم، ولا عذر لهم، في أن لا يكونوا قد علموا أن يشفقوا على أنفسهم مما يحتمله رسول الله صَلى الله عليه وسلم".[في ظلال القرآن(11/1733)].




السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13467671

عداد الصفحات العام

899

عداد الصفحات اليومي