﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (04) سافر معي في المشارق والغارب :: (24) أثر الترية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (03) سافر معي في المشارق والمغارب :: (023) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(072) الجهاد في سبيل الله-الفرع الخامس من بواعث الجهاد: القدوة الحسنة.

(072) الجهاد في سبيل الله-الفرع الخامس من بواعث الجهاد: القدوة الحسنة.


القدوة الحسنة تؤتي ثمارها الطيبة الحسنة، والقدوة السيئة تؤتي ثمارها السيئة، والفرد أو الجماعة، أو الشعب من الناس مولعون بالاقتداء بقادتهم وزعمائهم، فتراهم يتبعونهم في كثير من أفعالهم وصفاتههم.



وقد يكون في اتباع عامة الناس لزعمائهم مشقة في أول الأمر، ولكنهم مع طول الزمن يسهل عليهم التقليد والمحاكاة - ولا سيما فيما تشتهيه النفوس، ولهذا كانت الأسوة الحسنة ذات أهمية بالغة في حياة الأمة المسلمة.



وقد أمر الله رسوله صَلى الله عليه وسلم، وهو خاتم النبيين، ورسالته خاتمة الرسالات، وكتابه آخر الكتب والمهيمن على ما سبقه من الكتب المنزلة، وهو يهدي إلى التي هي أقوم، أمره تعالى أن يقتدي بهدى الأنبياء الذين سبقوه، فقال تعالى، بدأن ذكر ثمانية عشر منهم: {ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم، واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم، ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده، ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون، أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة، فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين، أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجراً إن هو إلا ذكرى للعالمين}.[الأنعام: 87ـ90].



وحض الله سبحانه وتعالى أمته - أي أمة محمد صَلى الله عليه وسلم - على أخذ الأسوة الحسنة من نبي الله إبراهيم والذين معه، في معاداة قومهم الكافرين حتى يؤمنوا بالله وحده، واستثنى الله تعالى استغفار إبراهيم لأبيه المشرك من ذلك، فليس لهم أن يقتدوا به في ذلك. قال تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه، إذ قالوا لقومهم: إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله، كفرنا بكم، وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده، إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك، وما أملك لك من الله من شيء، ربنا عليك توكلنا، وإليك أنبنا، وإليك المصير}.[الممتحنة: 4].



وإنك لترى الأتباع لشدة حرصهم على الاقتداء بالزعماء، يحزنون حزناً شديداً إذا لم يقدروا على تحقيق ما استطاع زعيمهم تحقيقه لسهولته عنده، وصعوبته عليهم، ونضرب لهذا الحرص مثلين:



أحدهما الحرص على تحقيق القدوة الحسنة، وثانيهما حرص على القدوة السيئة.



المثل الأول: شدة حرص أصحاب الرسول صَلى الله عليه وسلم، على الاقتداء به، لأن الله سبحانه أمرهم باتباعه، وحثهم على الاقتداء به، كما قال تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً}[الأحزاب: 21].



وكان هو صَلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه العبادة بفعله، فيحفظون ذلك ويقتدون به، وينقلونه لمن بعدهم، كما في حديث عبد الله بن زيد: "أنه أفرغ من الإناء على يديه فغسلهما، ثم مضمض واستنشق من كف واحدة، ففعل ذلك ثلاثا، فغسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين، ومسح برأسه ما أقبل وما أدبر، وغسل رجليه إلى الكعبين، ثم قال: هكذا وُضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم" [البخاري، برقم (188) ومسلم، برقم (235)]



وكان صَلى الله عليه وسلم يحرص على اتخاذ الوسائل التي توضح لأصحابه، كيفية عمله، ليقتدوا به في ذلك، كما صعد المنبر وصلى أمامهم في قيامه وركوعه، ثم نزل القهقرى فسجد، وذكر لهم أنه إنما فعل ذلك ليأتموا به، كم في حديث سهل بن سعد الساعدي، وفيه: "ثم رأيت رسول الله صَلى الله عليه وسلم صلى عليها [أعواد المنبر] وكبر وهو عليها، ثم ركع وهو عليها، ثم نزل القهقري فسجد في أصل المنبر، ثم عاد، فلما فرغ أقبل على الناس، فقال: (أيها الناس إنما صنعت هذا لتأتموا ولتعلموا صلاتي)" [البخاري، برقم (875) ومسلم (544)]



وهكذا أمرهم بالاقتداء به في مناسك الحج وهو راكب ناقته، كما في حديث جابر، رضِي الله عنه، قال: رأيت النبي صَلى الله عليه وسلم يرمى على راحلته يوم النحر، ويقول: (لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه) [مسلم، برقم (1297)



وكان يخشى عليهم أحيانا من المبالغة في الاقتداء به، فيما قد يسبب لهم الحرج، فيرشدهم إلى ترك ذلك، كما في حديث أنس رضِي الله عنه، قال: واصل رسول الله صَلى الله عليه وسلم في أول شهر رمضان، فواصل ناس من المسلمين، فبلغه ذلك، فقال: (لو مد لنا الشهر لواصلنا وصالا يدع المتعمقون تعمقهم، إنكم لستم مثلي أو قال إني لست مثلكم، إني أظل يطعمني ربي ويسقيني) [البخاري، برقم (6814) ومسلم، برقم (1104)]



وروت عائشة أم المؤمنين رضِي الله عنها: "أن رسول الله صَلى الله عليه وسلم صلى ذات ليلة في المسجد، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة، فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله صَلى الله عليه وسلم، فلما أصبح، قال: (قد رأيت الذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم، إلا أني خشيت أن تفرض عليكم، وذلك في رمضان) [البخاري (1/380)]



وكان بعض الصحابة، يبالغون في العبادة والزهد في المباحات، لشدة حرصهم على طاعة الله للفوز برضاه، فيحثهم صَلى الله عليه وسلم على الاقتداء به في الاعتدال وعدم الغلو، كما في حديث أنس رضي الله عنه، أن نفرا من أصحاب النبي صَلى الله عليه وسلم، سألوا أزواج النبي صَلى الله عليه وسلم عن عمله في السر؟ فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش. فحمد الله وأثنى عليه، فقال: (ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟ لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) [البخاري (4776) مسلم (1401)]



وقد يتردد أصحابه صَلى الله عليه وسلم، في تنفيذ أمره، ولكنهم يسرعون إلى تنفيذه عندما يرونه يفعله بنفسه، حرصا على الاقتداء به، كما في قصة الحديبية التي رواها عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان، وفيها: "... فلما فرغ من قضية الكتاب، قال رسول الله صَلى الله عليه وسلم لأصحابه: (قوموا فانحروا ثم احلقوا) قال فوالله ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج لا تكلم أحدا منهم كلمة، حتى تنحر بُدْنَك وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج فلم يكلم أحدا منهم، حتى فعل ذلك، نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا" [البخاري (2581)]



المثل الثاني: في القدوة السيئة:



ومن أمثلة ذلك قارون الذي كان قومه معجبين بغناه، وتمتعه بالحياة الدنيا وزينتها، فتمنوا أن يكون لهم مثله، ولم يتضح لهم أنه كان قدوة سيئة، إلا بعد أن وقع في عذاب الله وسخطه أمام أعينهم. كما قال تعالى: {فخرج على قومه في زينته، قال الذين يريدون الحياة الدنيا: يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون، إنه لذو حظ عظيم، وقال الذين أوتوا العلم: ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً، ولا يلقاها إلا الصابرون، فخسفنا به وبداره الأرض، فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين، وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون: ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر، لولا أن من الله علينا لخسف بنا، ويكأنه لا يفلح الكافرون}.[القصص: 79ـ81].



وفي جلساء الخير قدوة حسنة أو سيئة


ومن هنا كان الحث على اتخاذ الجليس الصالح، والتحذير من اتخاذ جليس السوء، كما في حديث أبي موسى رضِي الله عنه، عن النبي صَلى الله عليه وسلم قال: (مثل جليس الصالح والسوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحا خبيثة).[البخاري رقم 5534، فتح الباري(9/660) ومسلم(4/2026)].



وبهذا يظهر أن القدوة الحسنة من أعظم البواعث على الجهاد في سبيل الله، وأن القدوة السيئة من أعظم المثبطات عن هذا الأمر العظيم، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، ولذلك نعى الله على المتخلفين عن الجهاد مع رسول الله صَلى الله عليه وسلم، أن يتخلفوا عنه وأن يرغبوا بأنفسهم عن نفسه التي بذلها لربه لرفع كلمته. قال تعالى: {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله، ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه…}.[التوبة: 120].



وعندما أراد بعض أصحابه الاقتداء به في الخروج إلى الجهاد في سبيل الله، ولم يكن لهم عدة الجهاد، فذهبوا إليه صَلى الله عليه وسلم يطلبون منه منحهم ما يبلغهم مطلبهم، فاعتذر، لأنه لم يكن عنده ما يحقق رغبتهم، فحزنوا حزناً شديداً وخرجوا وهم يبكون.

كما قال تعالى: {ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله، ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم، ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون}.[التوبة: 91ـ92].



ولهذا كان صَلى الله عليه وسلم، يتخلف عن بعض الغزوات، مع حرصه على حضورها، تطييبا لخواطر أصحابه الذين كانوا يحزنون على عدم قدرتهم صحبته في غزواته، كما في حديث أبي هريرة رضِي الله عنه، وفيه قال صَلى الله عليه وسلم: (ولولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سرية، ولوددت أني أقتل في سبيل الله، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل) [البخاري رقم 36، فتح الباري (1/92) ومسلم (3/1495)].



قال سيد قطب رحمه الله: "وحين يخرج رسول الله صَلى الله عليه وسلم في الحر أو البرد. في الشدة أو الرخاء، في اليسر أو العسر ليواجه تكاليف هذه الدعوة وأعباءها، فإنه لا يحق لأهل المدينة، ومن حولهم من الأعراب، وهم قريبون من شخص رسول الله صَلى الله عليه وسلم، ولا عذر لهم، في أن لا يكونوا قد علموا أن يشفقوا على أنفسهم مما يحتمله رسول الله صَلى الله عليه وسلم".[في ظلال القرآن(11/1733)].







السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13467678

عداد الصفحات العام

906

عداد الصفحات اليومي