﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (04) سافر معي في المشارق والغارب :: (24) أثر الترية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (03) سافر معي في المشارق والمغارب :: (023) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(073) الجهاد في سبيل الله-أمثلة لقدوة الرسول الحسنة

(073) الجهاد في سبيل الله-أمثلة لقدوة الرسول الحسنة



وهذه بعض الأمثلة للأسوة الحسنة في رسول الله صلّى الله عليه وسلم في هذا الباب - الجهاد - وإن كانت صالحة لغيره من الأبواب.



قوة توكله على ربه:



إن قوة التوكل والاعتماد على الله سبحانه وحده يخلص القلب لخوف الله سبحانه، وإذا خلص القلب لخوف الله وامتلأ به، لم يخف غير الله مهما كانت قوته ومهما كان أمره وتدبيره، وقد أمر الله رسوله صلّى الله عليه وسلم بطاعته وحده ونهاه عن طاعة أعدائه من الكافرين والمنافقين، وأن يتبع ما أوحاه إليه وأمره بالتوكل عليه وطمأنه بأنه كافيه.



كما قال تعالى: {يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين، إن الله كان عليماً حكيماً، واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيراً وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا}.[الأحزاب: 1ـ3].



ولقد امتثل صلّى الله عليه وسلم أمر ربه، فكان إذا خُوِّفَ غير الله، ازداد خوفاً من الله وإيمانا به واستهانة بمن عداه سبحانه، وها هم المشركون - بعد أن قتلوا سبعين من المسلمين في أحد، وظنوا أنهم قد ظفروا بالنصر - يحاولون أن ينزلوا الرعب في قلوب المسلمين، فيبعثون من يخوف رسول الله صلّى الله عليه وسلم بجمعهم فيقول: (حسبنا الله ونعم الوكيل) وينصرف أعداء الله خائبين.

قال تعالى: {الذين استجابوا لله والرسول من بعدما أصابهم القرح، للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم، الذين قال لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم إيماناً وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء، واتبعوا رضوان الله، والله ذو فضل عظيم}.[آل عمران: 172ـ174].



وقال البخاري... عن ابن عباس: {حسبنا الله ونعم الوكيل} قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقى في النار، وقالها محمد صلّى الله عليه وسلم حين قال لهم الناس: {إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل}.[تفسير القرآن العظيم(1/430)].



قال ابن كثير رحمه الله: "وقوله تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا} الآية، أي الذين توعدهم الناس بالجموع وخوفوهم بكثرة الأعداد، فما اكترثوا لذلك، بل توكلوا على الله واستعانوا به{وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} انتهى.



وكان صلّى الله عليه وسلم، أشجع الناس وأجودهم، والشجاعة والكرم ركنان، لا يقوم الجهاد بغيرهما، ففي حديث أنس رضِي الله عنه قال: "كان النبي صلّى الله عليه وسلم أحسن الناس وأشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ليلة فخرجوا نحو الصوت فاستقبلهم النبي صلّى الله عليه وسلم، وقد استبرأ الخبر، وهو على فرس لأبي طلحة عري، وفي عنقه السيف، وهو يقول: (لم تراعوا) ثم قال: (وجدناه بحراً).[البخاري رقم 2908، فتح الباري(6/95) ومسلم(4/1802)].



وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فالرسول الله صلّى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة".[البخاري رقم6، فتح الباري(1/30) ومسلم(4/1803)].



وكان أصحابه يحتمون به في شدة معاركهم مع الأعداء، كما قال قال البراء رضيَ الله عنه: "وكنا والله إذا احمر البأس نتقي به - أي برسول الله صلّى الله عليه وسلم - وأن الشجاع منا للذي يحاذي به، يعني النبي صلّى الله عليه وسلم".[مسلم(3/1401)].



وخرج صلّى الله عليه وسلم يوم أحد مع أصحابه، وأصيب معهم وهو يقاتل المشركين، كما في حديث سهل بن سعد رَضي الله عنه أنه سئل عن جرح النبي صلّى الله عليه وسلم يوم أحد، فقال: "جرح وجه النبي صلّى الله عليه وسلم، وكسرت رباعيته، وهشمت البيضة على رأسه، فكانت فاطمة عليها السلام تغسل الدم وعلي يمسك، فلما رأت أن الدم لا يزيد إلا كثرة، أخذت حصيراً فأحرقته حتى صار رماداً، ثم ألزقته فاستمسك ا لدم".[البخاري رقم 2911، فتح الباري(6/96) ومسلم(3/1416)].



ومن مظاهر هذه القدوة الحسنة: وجود الرسول صلّى الله عليه وسلم في المعركة، وإصابة وجهه الكريم ورأسه وفمه وغير ذلك، وتصبب الدم منه أمام أصحابه، جعلتهم يحيطون به ويسقط الواحد منهم تلو الآخر، بعد أن حصل ما حصل من الفشل والهلع في صفوفهم رَضي الله عنهم.



واقرأ حديث جابر رَضي الله عنه قال: "لما كان يوم أحد وولى الناس، كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم في ناحية في اثني عشر رجلاً من الأنصار، فيهم طلحة بن عبيد الله فأدركهم المشركون، فالتفت رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقال: (من للقوم)؟ فقال طلحة: أنا، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: (كما أنت) فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله، فقال: (أنت) فقاتل حتى قتل.



ثم التفت فإذا المشركون فقال: (من للقوم)؟ فقال طلحة: أنا، قال: (كما أنت) فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله، فقال: (أنت)؟ فقاتل حتى قتل، ثم لم يزل يقول ذلك، ويخرج إليهم رجل من الأنصار، فيقاتل قتال من قبله، حتى بقي رسول الله صلّى الله عليه وسلم وطلحة بن عبيد الله، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: (من للقوم)؟ فقال طلحة: أنا، فقاتل طلحة قتال الأحد عشر حتى ضربت يده، فقطعت أصابعه، فقال: "حس" فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: (لو قلت باسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون، ثم رد الله المشركين).[جامع الأصول في أحاديث الرسول(8/243) وقال أخرجه النسائي].



وروى ابن المبارك: "أنه صلّى الله عليه وسلم أصيب معه يوم أحد نحو من ثلاثين، كلهم يجيء حتى يجثو بين يديه" ثم يقول: وجهي لوجهك الوقاء، ونفسي لنفسك الفداء، وعليك سلام الله غير مودع".[كتاب الجهاد ص75].

وكان صلّى الله عليه وسلم يشارك أصحابه في الإعداد للحرب، كحفر الخندق ونقل التراب وينشد معهم الشعر الحماسي، ويرفع صوته بالكلمات الأخيرة، فكان في ذلك من الدفع لهم والحفز لهممهم ما يفوق الوصف.



ففي حديث البراء ابن عازب رَضي الله عنه قال: "رأيت النبي صلّى الله عليه وسلم ينقل معنا التراب، وهو يقول:



والله لولا الله ما هتدينا،،،،،،،، ولا تصدقنا ولا صلينا



فأنـزلن سكـينة علينا،،،،،،،،، وثبت الأقدام إن لاقينا



والمشركون قد بغوا علينا،،،،،،،،،،،إذا أرادوا فتنة أبينا



ويرفع بها صوته.[أخرجه البخاري ومسلم: وللبخاري: "كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم ينقل التراب يوم الخندق حتى أغمر بطنه - أو اغبر- زاد في رواية: حتى وارى عني الغبار جلدة بطنه، وكان كثير الشَّعَر".[البخاري رقم 4106، فتح الباري (7/399) ومسلم (3/1430)].



وفي غزوة حنين التي أدبر فيها المسلمون ولم يبق إلا الرسول صلّى الله عليه وسلم وقليل من أصحابه، كان صلّى الله عليه وسلم يدفع بغلته إلى الأعداء دفعاً وينشد ذاكراً نسبه ووظيفته ليعلم المشركون ذلك:



أنا النبي لا كذب،،،،،،،،،،،،، أنا ابن عبد المطلب



فيعود إليه أصحابه مثل الأسود فيهزمون العدو. ففي حديث عمه العباس رضي الله عنهما قال: "شهدت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم يوم حنين، فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث ابن عبد المطلب رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فلم نفارقه، ورسول الله صلّى الله عليه وسلم على بغلة بيضاء... فلما التقى المسلمون والكفار، ولى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله صلّى الله عليه وسلم يركض بغلته قبل الكفار.



قال عباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله صلّى الله عليه وسلم أكفها، إرادة ألا تسرع، وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: (أي عباس ناد أصحاب السمرة) فقال عباس - وكان رجلا صيتاً -: فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟ فقال: فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي، عطفة البقر على أولادها، قالوا: يا لبيك يا لبيك، قال: فاقتتلوا والكفار…"



إلى أن قال: فنظر رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: (هذا حين حمي الوطيس). وفي رواية أنه كان صلّى الله عليه وسلم يقول:



أنا النبي لا كذب،،،،،،،، أنا ابن عبد المطلب.



[البخاري، برقم (2772) صحيح مسلم(3/1398)].



وكانت هذه الأسوة تدفعهم إلى التضحية في حياته، وإن كان صلّى الله عليه وسلم ليس معهم في المعركة، واقرأ قصة جعفر رَضي الله عنه، أحد قادة مؤته:



روى ابن عمر رضي الله عنهما قال: "أمَّر النبي صلّى الله عليه وسلم في غزوة مؤتة زيد بن حارثة، فقال: (إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة) قال ابن عمر: فكنت معهم في تلك الغزوة، فالتمسنا جعفراً فوجدناه في القتلى، ووجدنا فيما أقبل من جسده بضعاً وسبعين طعنة ورمية، وفي أخرى أنه وقف على جعفر يومئذ وهو قتيل، فعددت به خمسين بين طعنة وضربة، ليس منها شيء في دبره أخرجه البخاري.[البخاري رقم 4260، فتح الباري(7/510)].



وهكذا كان قادة الصحابة يتخذونه صلّى الله عليه وسلم أسوة بعد موته، وكان جنودهم يتخذون أولئك القادة أسوة لهم، اقرأ ما فعل خالد بن الوليد رَضي الله عنه بجند الشيطان: مسيلمة في اليمامة.



"وحمل خالد بن الوليد حتى جاوزهم، وسار لجبال مسيلمة، وجعل يترقب أن يصل إليه فيقتله، ثم رجع، ثم وقف بين الصفين ودعا البراز، وقال: أنا ابن الوليد السعود أنا ابن عامر وزيد، ثم نادى بشعار المسلمين.. وجعل لا يبرز له أحد إلا قتله، ولا يدنو منه شيء إلا أكله". [البداية لابن كثير(6/324)].



ثم اقرأ ما فعله أحد جنوده، من إلقاء نفسه بين الأعداء وحده في حديقة الموت، ومقارعته لأعداء الله حتى فتح لأصحابه باب الحديقة، فكان النصر: "ولم يزالوا - أي المسلمون - يتقدمون إلى نحور عدوهم، حتى فتح الله عليهم، وولى الكفار الأدبار، واتبعوهم يقتلون في أقفائهم، ويضعون السيوف في رقابهم حيث شاءوا، حتى ألجأوهم إلى حديقة الموت... وفيها عدو الله مسيلمة لعنه الله، وأغلقت بنو حنيفة الحديقة عليهم، وأحاط بهم الصحابة.



وقال البراء بن مالك: يا معشر المسلمين ألقوني عليهم في الحديقة، فاحكموه فوق الجحف، ورفعوها بالرماح حتى ألقوه عليهم من فوق سورها، فلم يزل يقاتلهم دون بابها حتى فتحه، ودخل المسلمون الحديقة من حيطانها وأبوابها، يقتلون من فيها من المرتدة من أهل اليمامة، حتى خلصوا إلى مسيلمة لعنه الله... فتقدم إليه وحشي مولى جبير بن مطعم - قاتل حمزة - فرماه بحربته فأصابته، وخرجت من الجانب الآخر".[البداية لابن كثير(6/325)].



وفي قصة البراء هذه وأمثالها، دليل على مشروعية العمليات الاستشهادية التي قام بها المجاهدون الجهاد المشروع اليوم، في بعض البلدان الإسلامية التي يعتدي عليهم فيها أعداؤهم الكافرون، كما هو الحال في فلسطين والشيشان وأفغانستان، وغيرها ممن بلدان المسلمين، لأن طلب البراء رَضي الله عنه من الصحابة إلقاءه وحيدا في حديقة الشيطان مسيلمة، التي يجتمع فيها الأعداء، واستجابتهم لطلبه، مع علمهم جميعا، أن أعداءه قد يتمكنون من قتل بمجرد وقوعه في الحديقة، وقد قتل رَضي الله عنه ، بعد أن تمكن من فتح باب الحديقة للمجاهدين.



وفي العمليات الاستشهادية شبه بهذا، من حيث إلقاء المجاهد بنفسه في مكان يغلب على ظنه أنه سينال فيه الشهادة، والنيل من العدو.



ومثل قصة البراء قصة عبد الله بن عتيك، الذي بعثه الرسول صلّى الله عليه وسلم، لقتل اليهودي "أبي رافع عبد الله بن أبي الحقيق" الذي كان يؤذي رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فدخل عليه في منزله في ظلمة الليل، وقتله على سريره، مع وجود حُرَّاسِه في داخل قصره وخارجه، وقد سبق ذكر القصة بطولها، في الفرع السادس " "التدريب على حرب الكمائن أو الفدائيين" من فروع المبحث الأول، من القسم الثاني، من الإعداد المادي. [والقصة في صحيح البخاري (4/1483)].



ومثل ذلك قصة الزبير رَضي الله عنه ، حيث شعر المجاهدون، وهم في المعركة أنهم في حاجة إلى قدوة يقتحم صفوف الأعداء، ليتبعوه فطلبوا منه، وهم يرون أنه قدوة لهم فحصل ما أرادوا. كما قال هشام بن عروة عن أبيه: "إن أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم قالوا للزبير يوم اليرموك: ألا تشد فنشد معك، فقال: إني إن شددت كذبتم، فقالوا: لا نفعل، فحمل عليهم حتى شق صفوفهم، فجاوزهم وما معه أحد، ثم رجع مقبلاً، فأخذوا بلجامه فضربوه ضربتين على عاتقه، بينهما ضربة ضربها يوم بدر قال عروة: كنت أدخل أصابعي في تلك الضربات ألعب وأنا صغير".[صحيح البخاري رقم 3975، فتح الباري(7/299) وانظر البداية والنهاية لابن كثير(7/11)].



هذا، ولقد علم رسول الله صلّى الله عليه وسلم أصحابه أن إمامهم في الصلاة، ينبغي أن يكون قائدهم في المعركة، لتكتمل القدوة الحسنة فيه، على خلاف ما سار عليه المسلمون في العصور الأخيرة، من فصل وظيفة العالم المسلم عن وظيفة القائد العسكري، وغالباً يكون الأول متعبداً متنسكاً، والثاني غير ملتزم بكثير من أحكام الإسلام، وزاد هذا الأمر اتساعاً، حتى أصبح العالم يسمى رجل الدين الذي لا يحق له أن يتدخل في الشؤون السياسية والعسكرية، بل والاجتماعية، وأصبح الذي يقتدي به الجند - في الغالب - جاهلاً بأحكام الإسلام، أو فاسقاً لا يلتزم بها.



ففقد المسلمون بذلك تلك الآداب الجهادية، التي سجلها التاريخ الإسلامي عن نبي الإسلام وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، وقد نبه علماء الإسلام على هذا المعنى - عندما بدأ يظهر في المسلمين - محذرين منه.



قال ابن تيمية رحمه الله: "وقد كانت السنة أن الذي يصلي بالمسلمين، الجمعة والجماعة ويخطب بهم، هم أمراء الحرب الذين هم نواب ذي السلطان على الأجناد، ولهذا لما قدم النبي صلّى الله عليه وسلم، أبا بكر في الصلاة قدمه المسلمون في إمارة الحرب وغيرها.



وكان النبي صلّى الله عليه وسلم، إذا بعث أميراً على حرب، كان هو الذي يؤمره للصلاة بأصحابه، وكذلك إذا استعمل رجلاً على مدينة... كان نائبه هو الذي يصلي بهم، ويقيم فيهم الحدود وغيرها مما يفعله أمير الحرب.



وكذلك فعل خلفاؤه بعده، ومن بعدهم من الملوك الأمويون وبعض العباسيين، وذلك لأن أهم أمر الدين الصلاة والجهاد، ولهذا كانت أكثر الأحاديث عن النبي صلّى الله عليه وسلم في الصلاة والجهاد، وكان إذا عاد مريضاً يقول: (اللهم أشف عبدك يشهد لك صلاة ويَنْكَأ لك عدوا).[الفتاوى(28/260)



والحديث رواه عبد الله بن عمرو بن العاص رَضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: (إذا عاد أحدكم مريضا فليقل اللهم اشف عبدك، ينكأ لك عدوا، أو يمشي لك إلى صلاة) [أبو داود (3107) والحاكم في المستدرك، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه]





السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13467692

عداد الصفحات العام

920

عداد الصفحات اليومي