﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (04) سافر معي في المشارق والغارب :: (24) أثر الترية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (03) سافر معي في المشارق والمغارب :: (023) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(077)الجهاد في سبيل الله-المطلب الثالث: الفرق بين تحريف الإسلام وغيره

(077)الجهاد في سبيل الله-المطلب الثالث: الفرق بين تحريف الإسلام وغيره



والفرق يين تحريف المعاني الإسلامية وتحريف الأديان السابقة، أن تحريف الأديان السابقة شمل أصولها وفروعها، شمل الكتب المنزلة في لفظها ومعناها، فلم يبق منها كتاب واحد، بل لم تبق جملة واحدة ثابتة من تلك الكتب بدليل قاطع، وشمل كذلك الألوهية والربوبية وأسماء الله وصفاته، فلم يعد إلهاً واحداً عند أهل تلك الأديان، بل آلهة متعددة كما هو عند النصارى، ولم يعد يتصف بصفات الكمال عند اليهود الذين وصفوه بالفقر جلّ جلاله ووصفوا، أنفسهم بالغنى، وشمل كل فرع من فروع التشريع، وأعظم ذلك عدم وجود أصل ثابت يرجع إليه عند اليهود و عند النصارى.



أما الإسلام، فإن التحريف الذي يمكن أعداء الإسلام فعله فيه، هو تحريف المعاني ووضع كلام الله أو كلام رسوله صلّى الله عليه وسلم، في غير موضعه، أما نصوص الكتاب، وكذلك نصوص السنة التي قضى الله لها أن يمحصها ويذب عنها جنده الْمُحدثون، فإن الله قد وعد بحفظها، فلا تزال محفوظة إلى يوم الدين.



كما قال سبحانه: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}.[الحجر: 9].

ومهما حاول أعداء الله أن يحرفوا معاني كلام الله وكلام رسوله، فإن تحريفهم يكشف ويفضح بالعودة إلى كتاب الله المحفوظ، وسنة رسوله صلّى الله عليه وسلم المصونة.



قال شيخنا العلامة محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي رحمه الله: "قوله تعالى: {بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء}[المائدة: 44]. أخبر تعالى في هذه الآية الكريمة، أن الأحبار والرهبان استحفظوا كتاب الله، يعني استودعوه وطلب منهم حفظه، ولم يبين هنا هل امتثلوا الأمر في ذلك وحفظوه، أو لم يمتثلوا الأمر في ذلك وضيعوه، ولكنه بين في مواضع آخر أنهم لم يمتثلوا الأمر ولم يحفظوا ما استحفظوه، بل حرفوه وبدلوه عمداً، كقوله: {يحرفون الكلم عن مواضعه}[المائدة: 13] الآية وقوله: {يحرفون الكلم من بعد مواضعه}[المائدة: 41]. الآية وقوله: {تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيراً}[الأنعام: 91]. وقوله: {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله}[البقرة: 79]. الآية، وقوله جل وعلا: {وإن منهم لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب}[آل عمران: 78]. الآية، إلى غير ذلك من الآيات.



تنبيه: إن قيل ما الفرق بين التوراة والقرآن؟ فإن كلاً منهما كلام الله أنزله على رسول من رسله صلوات الله وسلامه عليهم، والتوراة حرفت وبدلت كما بيناه آنفا والقرآن محفوظ من التحريف والتبديل، لو حرَّف منه أحد حرفاً فأبدله بغيره أو زاد فيه حرفاً أو نقص فيه آخر، لرد عليه آلاف الأطفال من صغار المسلمين فضلاً عن كبارهم. فالجواب أن الله استحفظهم التوراة واستودعهم إياها، فخانوا الأمانة ولم يحفظوها، بل ضيعوها عمداً، والقرآن العظيم لم يكل الله حفظه إلى أحد حتى يمكنه تضييعه، بل تولى حفظه جل وعلا بنفسه الكريمة المقدسة. كما أوضحه بقوله: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}[الحجر: 9]. وقوله: {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه} الآية، إلى غير ذلك من الآيات".[انتهى كلامه من كتاب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن(2/100)].



ولهذا جدَّ أعداء الإسلام في كل عصر من العصور، لإفساد معاني الإسلام بشتى الوسائل، فوجدوا صواعق مرسلة وشهباً رامية محرقة، من أهل القرآن والسنة ممن فقهوا دين الله تحرق راياتهم وتنكس أعلامهم، ولله الحمد وله المنة.



المطلب الرابع:



أثر تحريف الإسلام على كثير المسلمين وغيرهم.



الإسلام الذي عناه الله وأنزل من أجله كتابه المهيمن على سائر الكتب، وأرسل به رسوله الذي ختم به سائر الرسل، هو ما سبق من أنه شامل لحياة المسلمين كلها، ولكن أعداء الإسلام كبر عليهم أن يُسيِّر منهجُ الله حياةَ البشر ليسعد به العالم كله. فأخذوا يضيقون معناه في أذهان الناس عامة، وفي أذهان كثير من المسلمين خاصة، وأرادوا أن يفهم الناس من هذا الدين أنه نحلة من النحل التي يعتقدها طوائف الناس في الأرض، كاليهودية المحرفة، والنصرانية المزيفة، والهندوكية والبوذية ونحوها. لا بل إن أعداء الله الذين لم يخجلون من الافتراء الواضح المكشوف، فاتهموا هذا الدين بأنه مجموعة من تلك الأديان المذكورة، ليحطوا من شأنه، وينفروا الناس من الاقتراب منه.



وإذا كان الإسلام - كما زعموا - نحلة من النحل التي هي مجموعة من المعتقدات التي لا شأن لها بحياة البشر، فإن من تحمس له عليه أن يبشر به ويدعو إليه مقيماً عليه الحجج بالكلمة ونحوها، وليس من حقه أن يدعو إلى جهاد أعدائه الذين يقيمون السدود لصد الناس عنه، لتحطيم تلك السدود وكسر شوكة طواغيتها، ولا حق له أن يرفع السلاح، إلا مدافعاً عن نفسه في حدود وطنه كغيره من الناس الذين يدافعون عن أوطانهم، وليس له أن يدافع عن المظلومين أو ينصر المستضعفين في البلدان الأخرى لأنه ليس وصياً عليهم. فدينه كبقية الأديان يعتقد ما فيه بقلبه ويعبد ربه فيما بينه وبينه، وإذا شاء دعا غيره إلى ما اعتقده وعبد به ربه، وليس له شيء بعد ذلك.



وعندما يصلون إلى هذه المرحلة من التحريف لدين الله، ينتقلون إلى مرحلة أخرى، وهي: أن هذا الدين لا حاجة له إلى القوة، ولا إلى دولة ترفع رايته وتنشره أو تجاهد في سبيله، وهو غير صالح ليكون منهج حياة في هذا العصر المتطور الذي تطورت فيه نظم الحكم، ونظم الإدارة ونظم الاقتصاد، ونظم الاجتماع، وأصبح تطبيق أحكام الإسلام التي طبقت في العصور الماضية، غير ممكنة التطبيق مع هذه النظم المتطورة، ومن أراد تطبيقها فإنه يؤخر بذلك شعبه وأمته عن ركب الحضارة والتقدم، ويحرمها من ثمرات أفكار صانعي هذه الحضارة وهذا التقدم.



وقد يظهرون شيئاً من الغيرة على هذا الدين، فيقولون: إن إقحامه في شؤون حياة البشر، يجعله يفتي سلباً أو إيجاباً، فيما ليس من طبيعته، وتنزيهه من ذلك أولى، وهذا ما يطلق عليه الآن فصل الدين عن الدولة واصطلح عليه بالعلمانية.



حتى أن بعض العلماء الذين نصبوا أنفسهم لتحريف هذا الدين، ادعوا أن الرسول صلّى الله عليه وسلم كانت رئاسته للمسلمين في عهده دينية وليست سياسية، وبنوا على ذلك أن خلافة أصحابه من بعده كانت سياسية، لا دينية ولذلك فإن قتال أبي بكر وأصحابه للمرتدين كان ظلماً عند هؤلاء.[راجع الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر للدكتور محمد محمد حسين(2/85ـ98)].



وترتب على تحريف الإسلام عن معناه وتفريغه من محتواه، أن ابتعد الناس عن طاعة الله وارتكبوا معاصيه، وخف في نفوسهم الحماس لدينهم، والدعوة إليه، والجهاد في سبيل الله. وهذا ما جعل دعاة الإسلام ينذرون قومهم ويحذرونهم من هذا التحريف وهذا الانزلاق وذلك الخفوت والهمود.



فقال سيد قطب رحمه الله: "إن طبيعة هذا الدين واضحة لا تحتمل اللبس، صلبة لا تقبل التمييع، والذين يلحدون في هذا الدين يجدون مشقة في تحويله عن طبيعته هذه الواضحة الصلة، وهم من أجل ذلك يوجهون إليه جهوداً لا تكل، وحملات لا تنقطع، ويستخدمون في تحريفه عن وجهته وفي تمييع طبيعته، كل الوسائل وكل الأجهزة وكل التجارب. وهم يسحقون سحقاً وحشياً، كل طلائع البعث والحيوية الصلبة الصامدة، في كل مكان على وجه الأرض، عن طريق الأوضاع التي يقيمونها ويكفلونها في كل بقاع الأرض.



وهم يسلطون المحرفين من علماء هذا الدين عليه، يحرفون الكلم عن مواضعه ويحلون ما حرم الله، ويميعون ما شرعه الله، ويباركون الفجور والفاحشة، ويرفعون عليها رايات الدين وعناوينه، وهم يزحلقون المخدوعين في الحضارات المادية المأخوذين بنظرياتها وأوضاعها، ليحاولوا زحلقة الإسلام في التشبه بهذه النظريات وهذه الأوضاع ورفع شعاراتها أو الاقتباس من نظرياتها وشرائعها ومناهجها.



وهم يصورون الإسلام الذي يحكم الحياة، حدثاً تاريخياً مضى ولا تمكن إعادته، ويشيدون بعظمة هذا الماضي، ليخدروا مشاعر المسلمين، ثم ليقولوا لهم في ظل هذا التخدير: إن الإسلام اليوم يجب أن يعيش في نفوس أهله عقيدة وعبادة، لا شريعة ونظاماً وحسبه وحسبهم ذلك المجد التاريخي القديم..



هذا.. وإلا فإن على هذا الدين أن يتطور، فيصبح محكوماً بواقع البشر، يبصم لهم على كل ما يقدمونه له من تصورات وقوانين، وهم يضعون للأوضاع التي يقيمونها في العالم الذي كان إسلامياً، نظريات تأخذ شكل العقيدة والدين، لتحل محل ذلك الدين القديم، وينزلون لها قرآنا يتلى ويدرس، ليحل محل ذلك القرآن القديم.



وهم يحاولون تغيير طبيعة المجتمعات كما يحاولون تغيير طبيعة هذا الدين كوسيلة أخرى، حتى لا يجد هذا الدين قلوباً تصلح للهداية، فيحولون المجتمعات إلى فتات غارق في وحل الجنس والفاحشة والفجور، مشغول بلقمة العيش لا يجدها إلا بالكد والعسر والجهد، كي لا يفيق بعد اللقمة والجنس ليستمع إلى هدى أو يفيء إلى دين"!.[في ظلال القرآن(9/1403)].



وإنك إذا نظرت إلى كثير من الذين يدعون الإسلام، تجد أكثرهم لا يهتمون بحلاله ولا حرامه، ولا يحافظون على فرائضه المعلومة من الدين بالضرورة، فضلاً عن أن يتحمسوا للدعوة إليه أو الجهاد لرفع رايته، وتجد القليل منهم يؤدي شعائره التعبدية، كالصلاة والصيام ونحوهما أداء بارداً، تقليداً لآبائهم وأجدادهم، دون أن تؤثر فيهم التأثير المطلوب، كتقوى الله التي يؤدي إليها الصيام: {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}[البقرة: 183]. وكالنهي عن الفحشاء والمنكر التي تؤدي إليها إقامة الصلاة{إن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر}[العنكبوت: 45].



فتجد الفرد المسلم يصلي ويصوم، ولكنه يتعامل بالربا، وقد يشرب الخمر، وقد يتعاطى الزنا وغيرها من المعاصي، وتجد الأقل يحافظ على الواجبات ويترك المحرمات، ولكنه لا يتحمس لحمل غيره من ذويه وأقاربه وجيرانه، على ذلك، وأندر من ذلك كله من تجده يحافظ على دينه ويدعو إليه ويجاهد لرفع رايته.



وكان هذا سبباً في بعد المسلمين عن الجهاد في سبيل الله، لقصور فهمهم للإسلام الذي جاء لإخراج العباد من عبادة المخلوق إلى عبادة الخالق سبحانه، ولو فهم المسلمون إسلامهم على هذا الوجه وهم يريدونه حقاً، لكان ذلك من أكبر الحوافز لهم على الجهاد في سبيل الله ورفع رايته في الأرض، ولم يكونوا بهذه الحالة المزرية من الذلة والمهانة والانقياد لأعداء الله.



وإن الفرق لبعيد بين من يدعي العلم - وهو يفهم أن الإسلام مجرد عقيدة في القلب، لا تحدث شيئاً غير أداء بعض الشعائر الدينية التي هي جزء منه، فهو صلة بين العبد وربه ولا شأن له بحياة البشر التي يحكمها الطواغيت بغيرحكم الله - وبين من فهم الإسلام على النحو الذي وضحه ابن تيمية بقوله: "وإذا خرج ولاة الأمور عن هذا، فحكموا بغير ما أنزل الله وقع بأسهم بينهم، قال النبي صلّى الله عليه وسلم: (ما حَكَم قوم بغير ما أنزل الله إلا وقع بأسهم بينهم)، وهذا من أعظم أسباب تغيير الدول، كما جرى مثل هذا مرة بعد مرة في زماننا وغير زماننا. ومن أراد الله سعادته جعله يعتبر بما أصاب غيره، فيسلك مسلك من أيده الله ونصره، ويجتنب مسلك من خذله الله وأهانه، فإن الله يقول في كتابه: {ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز، الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور}.[الحج: 40ـ41]. فقد وعد الله بنصره من ينصره، ونصره هو نصر كتابه ودينه ورسوله، لا نصر من يحكم بغير ما أنزل الله".[مجموع الفتاوى (35/389) والحديث ذكره ( ذكر الهيثمي مطولا في مجمع الزوائد(5/317) وفيه (ولم يحكم ائمتهم بكتاب الله إلا جعل الله بأسهم بينهم) وقال: "قلت: روى ابن ماجه بعضه (برقم 4019) رواه البزار ورجاله ثقات"]



وقال سيد قطب: "إن هذا الدين إعلان عام لتحرير "الإنسان " في الأرض من العبودية للعباد ومن العبودية لهواه - أيضاً - وهي من العبودية للعباد - وذلك بإعلان ألوهية الله وحده سبحانه - وربوبيته للعالمين. إن إعلان ربوبية الله وحده للعالمين، معناها الثورة الشاملة على حاكمية البشر في كل صورها وأشكالها وأنظمتها وأوضاعها، والتمرد الكامل على كل وضع في أرجاء الأرض، الحكم فيه للبشر بصورة من الصور، أو بتعبير آخر مرادف، الألوهية فيه للبشر في صورة من الصور، ذلك أن الحكم الذي مرد الأمر فيه إلى البشر ومصدر السلطات فيه هم البشر، هو تأليه للبشر يجعل بعضهم لبعض أرباباً من دون الله.



إن هذا الإعلان معناه انتزاع سلطان الله المغتصب ورده إلى الله، وطرد المغتصبين له الذين يحكمون الناس بشرائع من عند أنفسهم، فيقومون فيهم مقام الأرباب، ويقوم الناس منهم مقام العبيد، إن معناه تحطيم مملكة البشر لإقامة مملكة الله في الأرض... والذي يدرك طبيعة هذا الدين على النحو المتقدم، يدرك معها حتمية الانطلاق الحركي للإسلام في صورة الجهاد بالسيف إلى جانب الجهاد بالبيان ".[في ظلال القرآن(9/1433ـ1435)].



رحمك الله يا سيد لقد أدركتَ معنى الإسلام وطبيعة هذا الدين، فكانت لك تلك الوقفة الصامدة أمام الطواغيت، فجاهدت في سبيل تثبيت هذا الإعلان العام، وأعلنتها دعوة صريحة، داعيا إلى نبذ عبادة العبيد إلى عبادة المعبود وحده، وأغظت أولئك الطواغيت بتلك الدعوة، فآذوك بكل أنواع الإيذاء وصبرت وصابرت، حتى أراقوا دمك في سبيل ربك، وما كان الحافز لك ولأمثالك من دعاة الإسلام إلا ذلك الفقه الحق(ومن يرد الله به خيراً يفقه في الدين).



وما قعد القاعدون عن سلوك دربك، إلا لجهلهم بحقيقة هذا الدين، أو تحريفهم لمعانيه متعمدين، ليعبدوا غير الله بذلك التحريف، من أعداء الإسلام الذين لا يحملون مؤهلاً لقيادة شعوبهم، إلا بإقصاء الإسلام وإبعاده عن حياة تلك الشعوب، وقد يئسوا عن إقصائه بقوة الحديد والنار وحدها، فلجأوا معها إلى علماء الضلال، ليحرفوا لهم معاني هذا الدين، وينشروا هذا التحريف بين أبنائه ليخدروهم عن نصره والجهاد في سبيل الله.



وأصل تحريف الإسلام إلى هذا المفهوم الفاسد، ناشئ من مفهوم الدين عند الغربيين. كما قال المودودي رحمه الله: "لكنا إذا أنعمنا النظر في المسألة من الوجهة العلمية، ودققنا النظر في الأسباب التي أشكل لأجلها استجلاء حقيقة الجهاد في سبيل الله، واستكناه سرها على المسلمين أنفسهم، لاح لنا أن مرجع هذا الخطأ إلى أمرين مهمين، لم يسبروا غورهما ولم يدركوا مغزاهما على وجه الحقيقة:



فالأول: أنهم ظنوا في الإسلام نحلة بالمعنى الذي تطلق عليه كلمة النحلة... فالنحلة على حسب الاصطلاح الشائع عندهم، لا يراد بها إلا مجموعة من العقائد والعبادات والشعائر. ولا جرم أن النحلة بهذا المعنى لا تعدو أن تكون مسألة شخصية، فأنت حر فيما تختاره من العقيدة، ولك الخيار في أن تعبد بأي طريق شئت من رضيت به رباً لنفسك، وإن أبت نفسك إلا التحمس لهذه النحلة والانتصار لعقيدتها، فلك أن تخترق الأرض وتجوب بلاد الله الشاسعة، داعياً إلى عقيدتك، مدافعاً عن كيانها، بالحجج والبراهين، مجادلاً من يخالفونك بمرهفات الألسنة وأسنة الأقلام.



أما السيف وآلات الحرب والقتال، فما لك ولها في هذا الشأن! أتريد أن تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين بعقيدتك؟ وإن كان الإسلام نحلة كنحل العالم على حسب الاصطلاح الشائع عندهم، فالظاهر أنه لا شأن فيها للسيف وأدوات الحرب كما قالوا.. ولو كان موقف الإسلام في نفس الأمر كما زعموا ووصفوا، لما كان فيه مساغ للجهاد، ولم يكن من الإسلام في ورد ولا صدر، لكن الأمر على خلاف ذلك كما سوف تعرفه فيما يأتي من البيان".[الجهاد ص11-12].



وقد سبق أن للجهاد في سبيل الله بمعناه الخاص -وهو القتال- ضوابط:



منها أن يكون تحت راية قيادة حاكمة، وليس لأي جماعة أوحزب أن يقوم بذلك من تلقاء نفسه، وبخاصة الجهاد الهجومي على غير المسلمين.



ومنها: أن تسبق الجهاد دعوة غير المسلمين، إلى الإسلام على قاعدة البلاغ المبين الذي ذكره الله في القرآن الكريم. وهذا البلاغ هو المقصود من الجهاد، بحيث إذا منع طغاة الكفر بيان الإسلام بالدعوة إليه وبيانه للناس لتقوم عليهم حجة الله، ثم يقرروا بعد سماع بيانه والدعوة إليه الدخول فيه أو عدم الدخول، فلا يُكرهون على الدخول في الإسلام، كما هو معلوم من نصوص القرآن الكريم.



ومنها: القدرة على القيام بجهاد من يستحق مجاهدته، فإذا كان المسلمون لا يملكون تلك القدرة، إما لقلة عددهم، أو لفقد عدتهم، فلا يجب عليهم القيام به، لأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها، مع وجوب إعداد العدة والقوة، للدفاع عن أنفسهم، وقد مر المسلمون في أول أمرهم بذلك في مكة وأمرهم الله بالصبر والكف عن قتال من فتنوهم وآذوهم، ولم يجاهدوا عدوهم في المدينة إلا دفاعا عن أنفسهم عندما اعتدى عليهم عدوهم، وهذا ما يجب أن يفهمه شباب المسلمين المتحمسين الذين أحدثوا بسبب سوء فهمهم لفقه الجهاد، كثيرا من الفوضى والمصائب التي حلت بالمسلمين اليوم في كل بلدانهم.



لكن إذا فقدت الحكومة التي تصرف أمور الناس، وتحجز بين الرعايا من عدوان بعضهم على بعض، فاعتدت إحدى الجماعات أو أحد الأحزاب على جماعة أو حزب غيرها، فللجماعة أو الحزب المعتدى عليه أن يدافع عن نفسه، وكذلك الأفراد المعتدى عليهم، يدافعون عن أنفسهم في حدود ما يقدرون عليه، لأن ذلك من حقهم، فمن قتل دون نفسه أو ماله أو عرضه فهو شهيد، كما صح عن الرسول صَلى الله عليه وسلم.





السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13467738

عداد الصفحات العام

966

عداد الصفحات اليومي