﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (04) سافر معي في المشارق والغارب :: (24) أثر الترية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (03) سافر معي في المشارق والمغارب :: (023) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(079)الجهاد في سبيل الله-الفرع الرابع: تحريف معنى الجهاد.

(079)الجهاد في سبيل الله-الفرع الرابع: تحريف معنى الجهاد.


من أهم المعاني التي سعى أعداء الله من الكفار-من يهود ونصارى وشيوعيين- إلى تحريفها وتشويهها الجهاد في سبيل الله، ولقد سلكوا لذلك مسالك ماكرة، جعلت كثيراً من المنتسبين للإسلام يسهمون في ذلك التحريف والتشويه إسهاماً واضحاً، بعضهم عن حسن قصد وسوء تصور، وبعضهم عن سوء قصد، كساداتهم الكفار الأصلاء.



مسلك أعداء الإسلام في تحريف معنى الجهاد وتشويهه:



لقد سلك أعداء الإسلام في تحريف معنى الجهاد وتشويهه ثلاثة مسالك:



المسلك الأول: دعوى أن الإسلام إنما انتشر بالقهر والقوة وسفك الدم، وأن المسلمين قوم متوحشون يبطشون بالناس ويكرهونهم على الدخول في الإسلام:

ففي كتاب "التبشير والاستعمار: "وأشهر هذه التهم أن الإسلام قام بالسيف قال نلسون: وأخضع سيف الإسلام شعوب إفريقية وآسيا شعباً بعد شعب، ويزعم لطفي ليفونيان أن تاريخ الإسلام كان سلسلة مخيفة من سفك الدماء والحروب والمذابح".[التبشير والاستعمار للدكتورين مصطفى خالدي، وعمر فروخ، ص41].



وقال الأستاذ المودودي رحمه الله موضحاً تصوير أعداء الإسلام لمعنى الجهاد وتشويههم إياه: "لقد جرت عادة الإفرنج أن يعبروا عن كلمة الجهاد بالحروب المقدسة، إذا أرادوا ترجمتها بلغاتهم، وقد فسروها تفسيراً منكراً وتفننوا فيه، وألبسوها ثوباً فضفاضاً من المعاني المموهة الملفقة. وقد بلغ الأمر في ذلك أن أصبحت كلمة الجهاد عندهم، عبارة عن شراسة الطبع والخلق، والهمجية وسفك الدماء، وقد كان من لباقتهم وسحر بيانهم وتشويههم لوجوه الحقائق الناصعة، أنه كلما قرع سمع الناس صوت هذه الكلمة: "الجهاد" تمثلت أمام أعينهم صورة مواكب من الهمج المحتشدة، مصلتة سيوفها متقدة صدورها بنار التعصب والغضب، تتطاير من عيونها شرار الفتك والنهب، عالية أصواتها بهتاف الله أكبر، زاحفة إلى الإمام، ما أن رأت كافراً حتى أمسكت بخناقه وجعلته بين أمرين، إما أن يقول كلمة لا إله إلا الله فينجو بنفسه، وإما أن يضرب عنقه فتشخب أوداجه دماء".[الجهاد في سبيل الله(5/6)].



المسلك الثاني: اتهام الإسلام بالتناقض:



وزاد أعداء الإسلام على ذلك التصوير الماكر لمعنى الجهاد، أن وصموا الإسلام بالتناقض، لأن القرآن نهى عن الإكراه في الدين، وأمر المسلمين بالجهاد الذي وصفوه ذلك الوصف الخبيث. قال سيد قطب رحمه الله: "إن بعض المغرضين من أعداء الإسلام يرمونه بالتناقض، فيزعمون أنه فرض بالسيف في الوقت الذي قرر فيه ألا إكراه في الدين". [في ظلال القرآن(3/293)].



المسلك الثالث: ادعاء نسخ الجهاد



فزعم بعض المنتسبين إلى الإسلام، وليسوا منه في شيء، أن الجهاد قد نسخ ورفع، وأنه لا يجوز للمسلم القيام به في هذه العصور.[راجع القادياني والقاديانية لأبي الحسن الندوي ص 95ـ101].


المطلب الرابع: أثر تحريف معنى الجهاد في بعض أبناء المسلمين


ولقد ظهر أثر هذا التحريف في كثير من أبناء المسلمين، فتلقفه بعضهم عن خبث وسوء قصد مقتفياً أثر أساتذته من أعداء الإسلام، بل إنه هو نفسه من ألد أعداء الإسلام وانتسابه للإسلام قصد به هدم بنائه من داخله، خدمة للكفرة من اليهود والنصارى والشيوعيين، ومن أخبث هؤلاء البهائيون، والقاديانيون الذين حاربوا الإسلام، حرباً لم يقدر ساداتهم على بلوغها.[راجع أجنحة المكر الثلاثة ص209 وما بعدها].



وأمثال هؤلاء لا حاجة إلى تسويد الصفحات في الرد على دعاواهم، لأن آيات الجهاد في سبيل الله وأحاديثه، وما ورد في سيرة الرسول صَلى الله عليه وسلم عنه، وعمل خلفائه الراشدين بعده، وجميع أصحابه رضِي الله عنهم ومن اتبعهم بإحسان، تدفع هذه الدعوى الكاذبة التي لا تستند إلا على إرضاء سادات المدعين من الكفرة أمثالهم، والجهاد سبيل الله – في الجملة – من الأمور البدهية في دين الله، وقد مضى ما يدعم ذلك في أول الكتاب. وعلى المسلمين أن يحذروا كل الحذر من أن ينطلي عليهم هذا الزيغ والبهتان، ولا يغتر به إلا من سلك سبيل قائله فأزاغ الله قلبه وأعمى بصيرته.



ومن المسلمين من دفعه الحماس لدينه المتهم بالقسوة والتوحش والإكراه على الدخول فيه، إلى الاعتذار عن هذه التهم بتحريف آخر، دون أن يشعر بسبب دهشته من الحملة الخبيثة على دينه وجهله وهزيمته النفسية، فكان الرد أن دين الإسلام ليس دين سيف، ولا قتال ابتداء، وإنما هو دين دعوة واقناع بالحجة والبيان، وإذا حمل أهله على القتال فإنما يحملهم عليه للدفاع عن أنفسهم وأوطانهم إذا اعتدى عليه معتد [وراجع أحكام القانون الدولي في الشريعة الإسلامية للدكتور حافظ سلطان ص158 وما بعدها، وكذا كتاب الشريعة الإسلامية والقانون الدولي العام للمستشار عَلي علي منصور ص243]



وزَعم بعضهم أن الجهاد شرع للدفاع فقط واحتجوا لذلك ببعض نصوص من القرآن.مثل قوله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين)،[البقرة: 190]. وقوله: {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها}.[الأنفال: 61]. وقوله: {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي}.[البقرة: 256].
والمعاني التي فهموها من هذه الآيات وأمثالها، أن المسلمين لا يجوز لهم أن يبدؤوا بالقتال إلا من بدأهم به، وأنه إذا قامت الحرب بينهم وبين عدوهم، فمال العدو إلى السلم التي هي ضد الحرب فإن عليهم - أي على المسلمين - أن يميلوا إليها ويهادنوا الكفار، وأنه لا يجوز للمسلم أن يكره غيره على الدخول في الإسلام، وإذا كان الأمر كذلك، فإنه لا يقاتل المسلم إلا دفاعاً عن نفسه وأرضه التي يقيم فيها.[راجع تفسير المنار(2/208)].



وكون المسلمين لا يجوز لهم أن يبدأوا بالقتال إلا من بدأهم به من الكفار، ليس بصحيح، لأن المسلمين مكلفون بالدفاع عن أنفسهم، ومكلفون بدعوة الناس إلى هذا الدين، والغالب أن طواغيت الأرض يقفون ضد الدعاة إلى الله، ويمنعون الناس من السماع للدعوة والاستجابة لها، يدل على هذا مواقف الأمم من دعوة رسلهم، من عهد نوح عليه السلام، إلى نبينا محمد صَلى الله عليه وسلم.



وقد فرض الله على عباده المؤمنين، قتال من اعتدى عليهم، أو وقف ضد الدعوة إلى الله لتبليغ الناس للصد عن دينه، فإذا وقف طغاة الأرض ضد دعوة الله وجب قتالهم، لتنطلق الدعوة في الأرض، ليستجيب من استجاب، ويصد من يصد عن بينة.



ولا يجوز للمسلمين أن يقبعوا في قطعة من الأرض، تاركين الطغاة الظالمين يستعبدون الناس، ولذلك كانوا يجيبون من سألهم ما الذي جاء بكم؟ قائلين: جئنا لإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد. والأمة الإسلامية هي أمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "كل معروف وكل منكر في كل الأرض ومع كل البشر".



ولا يجوز لهم ترك أعداء الإسلام إلا بالدخول في لإسلام، أو دفع الجزية والخضوع لحكم الله الحق وهو معنى الصغار.[راجع المغني لابن قدامة (9/212) ومجموع الفتاوى لابن تيمية(28/122) وما بعدها، والمحلى لابن حزم (7/291)].



وإذا ضعف المسلمون عن القيام بهذه الفريضة في وقت من الأوقات، فليس معنى ذلك أن الجهاد قد سقط عنهم، بل يجب عليهم يتخذوا كل الأسباب لإعداد العدة التي أمر الله بها، حتى يصبحوا أقوياء يؤدون هذه الفريضة التي لا عز لهم ولا جُنَّة من عدوان أعدائهم إلا بها: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة...} وقد مضى الكلام على وجوب إعداد العدة، لكل عصر بما يناسبه.



ولكن وسائل حصلت في هذا العصر، تمكن المسلمين من إبلاغ الناس في العالم كله ببيان هذا الدين والدعوة إليه، سواء رضي أهل الكفر بذلك أو لم يرضوا، وهي وسائل الا الاتصال المتنوعة التي تعبر البر والبحر والجو، من فضائيات ومذياعات وبُرُد إلكترونية ورسائل عن طريق الجهزة الحديثة بالصوت والصورة والرسائل المكتوبة والمصورة، وغير ذلك، وبذلك تقوم الحجة على كل الناس، فلا يحتاج المسلمون اليوم إلى رفع رايات الجهاد لغزو غير المسلمين في بلدانهم ليبلغوهم الإسلام ويدعوهم إليه، لكن يحتاجون إلى حكومات إسلامية تدعم الدعاة إلى الله بتلك الوسائل وغيرها، وتطبق معاني الإسلام ليرى الناس محاسنه فيتأثوا به ويكون لهم في ذلك قدوة حسنة.



كما يحتاجون إلى تقوية أنفسهم بالقوة التي تمكنهم من الدفاع عن أنفسهم، إذا آذاهم الكفار في ديارهم بسبب دينهم، كما مضى في الصفحات السابقة من وجوب إعداد العدة امستطاعة لذلك..



شبهة الجنوح للسلم


وأما الجنوح إلى السلم من قبل الكفار الذي أمر الله به المسلمين، فهو مقيد بما مضى من الدخول في الإسلام أو دفع الجزية مع الصغار، وما يردده كثير من المسلمين من الدعوة المذلة التي تكون السيطرة فيها لأعداء الله، والمذلة للمسلمين، ويسمون ذلك سِلمًا، فليست تلك هي السلم التي أمر الله بالجنوح إليها، بل هي استسلام وانقياد لغير الله.

وذلك منهي عنه بنص كتاب الله: {فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم}.[محمد: 35].



واليوم اليهود وانصارى يزعمون أنهم يريدون للعالم التمتع بالسلم، ولكنهم يبتكرون شتى الوسائل والأسباب، لنسف السلم، ويعتدون على المسلمين في أرضهم وديارهم ويقتلونهم في مسانهم ومزارعهم وأسواقهم، ولا يخفى ما فعلوه في بلدان المسلمين، وما زالوا يفعلون، هذا عدا التحريش بين المسلمين، ليقتل بعضهم بعضا، وهم يقفون بجانب من هو أقرب إلى تحقيق مصالحهم، والسلم الذي يدعون إليه هو سلمهم أنفسهم، وما يفعله اليهود بأهل الأرض المباركة يجمع كل يطلق عليه اسم العدوان!



شبهة الإكراه على الدخول في الإسلام


وأما الإكراه فإنه لا يمكن وقوعاً ولا يجوز شرعاً، ذلك لأن الإسلام يشمل الاعتقاد والعمل، وإذا أكره أحد على قول لا إله إلا الله والعمل بما تقتضيه في الظاهر، فإنه لا يمكن جعل قلبه يعتقد معناها ولا العمل بمقتضاها. وقد قال الله تعالى لرسوله صَلى الله عليه وسلم: {ولو شاء الله لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين}.[يونس: 99]. وقال سبحانه: {لا إكراه في الدين}[البقرة: 256].



قال سيد قطب رحمه الله: "فالإيمان إذن متروك للاختيار، لا يكره الرسول صَلى الله عليه وسلم عليه أحداً، لأنه لا مجال للإكراه في مشاعر القلب وتوجيهات الضمير"[في ظلال القرآن(11/1821)].



"نعم لا إكراه في الدين" كما قال الله تعالى، ولكنَّ نفيَ الله سبحانه وتعالى للإكراه ونهيه عنه، لا يلزم منه عند من فقههم الله في دينه، ما قرره القائلون بأن الجهاد في الإسلام المقصود منه الدفاع فقط: الدفاع عن الأنفس والأموال والأرض التي يقطنها مسلمون، لأن الجهاد في سبيل الله شرع لإعلاء كلمة الله في الأرض، والقضاء على طغاة البشر الذين يستعبدون الناس لأنفسهم، وينشرون الظلم ويصدون عن سبيل الله أينما كانوا. ولأن المسلمين مكلفون العملَ بهذا الدين والدعوة إليه والأخذ على يد الظالم، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.



وأعداء هذا الدين لا يمكن أن يهادنوه ويفتحوا لدعاته الأبواب للتبليغ والبيان والدعوة إليه، كما أنهم لا بد أن يصدوا عنه من أراد من البشر الذين لهم سلطة عليهم عنه، وهذا دأبهم في كل زمان.



لذلك كلف الله سبحانه وتعالى المسلمين إعداد العدة والجهاد في سبيله، لإخراج البشر من عبادة العباد إلى عبادته وحده، والقضاء على رؤوس الفتنة والضلال، فإذا فتحت الأبواب لتبليغ الناس دين الله، وأصبحوا أحراراً في سماع كلمة الحق والاستجابة لهذا الدين بالدخول فيه، أو عدم الدخول فيه، فإن المسلمين حينئذ لا يرفعون السيف على رقابهم، وإنما يكونون مكلفين بيانَ الحق والدعوة إليه، ونشر العدل وتثبيته في الأرض، وترك الناس وعقائدهم وعباداتهم، إلا المرتد عن الإسلام فله أحكامه الخاصة، وهي مبسوطة في كتب الفقه".[راجع حكم قتل المرتد، للباحث].



فالقضاء على الظلمة الذين يصدون الناس عن سبيل الله، وإزالة الموانع من طريق الدعاة إلى الله والاستجابة لها، ليس إكراها في الدين، والذين فهموا أن في بدء المسلمين بقتال الظلمة الذين يستعبدون الناس لأنفسهم ويصدون عن دين الله، الذين فهموا أن في ذلك إكراه، التبس عليهم الحق بالباطل والحق في غاية الوضوح.



ومثلهم كمثل شخص رأى داراً تحترق على من فيها، وهم يريدون الخروج منها هرباً من النار، وقد وقف أمام باب هذه الدار جنود مسلحون يمنعون من أراد الخروج منها، ويمنعون فرق الإنقاذ والإسعاف من إنقاذهم وإسعافهم، بإطلاق النار على من أراد الخروج أو أراد الإنقاذ والإسعاف، فجاء رجال آخرون مسلحون قادرون على إخراج أهل الدار وإعانة فرق الإنقاذ على أداء واجبهم، بقتل أولئك الأشرار الذين أرادوا إهلاك أهل الدار بإجبارهم على البقاء في الدار ومنعهم من الخروج منها.



فأخذ هذا الشخص الذي يرى هذه المناظر، يصيح مشفقاً على أولئك الأشرار ومنكراً على الذين أعانوا أهل الدار على الهرب من النار، وأعانوا فرق الإنقاذ على القيام بإسعاف أهل الدار، زاعماً في إنكاره أن هؤلاء الذين أعانوا هؤلاء وهؤلاء، اعتدوا على أهل الدار لإكراههم على الخروج منها، وعلى من أرادوا لأهل الدار البقاء فيها.



ولإيضاح هذا المثال: يقال: إن الدار هي: الأرض، وإن النار التي شبت في هذه الدار هي: الكفر، وإن الناس الذين احترقت عليهم الدار هم: الذين يحال بينهم وبين سماع الحق والاستجابة له، وإن فرق الإنقاذ هم: الدعاة إلى الله، وإن المسلحين الذين يمنعون أهل الدار من الهرب ويمنعون فرق الإنقاذ من الإسعاف هم: الطغاة من الكفار، وإن ذوي البأس والقوة الذين يتصدون لأولئك الطغاة هم: جحافل الجهاد في سبيل الله.

وهؤلاء المجاهدون لا يكرهون أحداً على الدخول في الإسلام بعد أن يزيلوا سدود الطغاة التي صدوا بها عامة الناس عن استماع الحق والاستجابة له.



ولقد أجاد سيد قطب رحمه الله بيان هذا المعنى فقال: "إنه لم يكن من قصد الإسلام قط أن يكره الناس على اعتناق عقيدته، ولكن الإسلام ليس مجرد عقيدة، إن الإسلام كما قلنا إعلان عام لتحرير الإنسان من العبودية للعباد، فهو يهدف ابتداء إلى إزالة الأنظمة والحكومات التي تقوم على أساس حاكمية البشر للبشر وعبودية الإنسان للإنسان، ثم يطلق الأفراد بعد ذلك أحراراً بالفعل، في اختيار العقيدة التي يريدونها بمحض اختيارهم، بعد رفع الضغط السياسي عنهم، وبعد البيان المنير لأرواحهم وعقولهم.



ولكن هذه الحرية ليس معناها أن يجعلوا إلههم هواهم، أو أن يختاروا بأنفسهم أن يكونوا عبيداً للعباد، وأن يتخذ بعضهم بعضا أرباباً من دون الله، إن النظام الذي يحكم البشر في الأرض يجب أن تكون قاعدته العبودية لله وحده، وذلك بتلقي الشرائع منه وحده، ثم ليعتنق كل فرد في ظل هذا النظام العام ما يعتنقه من عقيدة. وبهذا يكون الدين كله لله، أي تكون الدينونة والخضوع والاتباع والعبودية كلها لله، إن مدلول الدين أشمل من مدلول العقيدة.



إن الدين هو المنهج والنظام الذي يحكم الحياة، وهو فى الإسلام يعتمد على العقيدة ولكنه في عمومه أشمل من العقيدة.. وفي الإسلام يمكن أن تخضع جماعات متنوعة لمنهجه العام الذي يقوم على أساس العبودية لله وحده، ولو لم يعتنق بعض هذه الجماعات عقيدة الإسلام".[في ظلال القرآن(9/1435)].



وهذا الفقه الذي سجله سيد قطب رحمه الله تعالى هو فقه السلف الصالح رحمهم الله وهو معنى قوله صَلى الله عليه وسلم: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله).



وهو الذي دفع جحافل الجهاد في العصور المفضلة، إلى بذل مهجهم ونفوسهم في سبيل الله، وكان الباعث لهم إلى الانطلاق في أرض الله شرقاً وغرباً، ينشرون كلمة الله ويرفعون رايته ويحطمون عروش الطغاة لإخراج الناس من الظلمات إلى النور.



ولكن ذلك الفهم السقيم الذي وقع فيه كثير من المؤلفين المسلمين، بسبب هجوم أعداء الله الكفار على دينهم واتهامه بأنه دين السيف والقتل وسفك الدم، هو الذي حطم معنويات المسلمين وخذلهم وجعلهم يطأطئون رؤوسهم لأعدائهم الذين أذاقوهم الذل والهوان، ولا يمكن أن ينالوا العزة التي نالها سلفهم، إلا إذا فقهوا هذا الفقه وارتفعت حماسة الجهاد في سبيل الله في نفوسهم، وحملوا رايته باسم الله لإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.



وإلا فإنهم سيبقون مهزومي النفوس، قاعدين عن القيام بحمل الأمانة التي كلفهم الله إياها، كما قال فضيلة علي عبد الحليم محمود: "ولقد كان من خطر ما كتبه هؤلاء الكتاب المسلمون، من أن الجهاد في سبيل الله قد شرع لرد العدوان أو للدفاع، كان من خطر ذلك أن شاع بين عديد من المسلمين في مختلف بلاد الإسلام هذا المفهوم عن الجهاد، ففقدوا أرفع معنوية من المعنويات التي يغرسها الإسلام في نفوس أهله، وهو الاعتزاز بأنهم أهل الجهاد في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا، وعندما فقد المسلمون هذا الاعتزاز، ماتت في نفوسهم الرغبة في مقاومة أعدائهم الغازين لهم المحتلين لأرضهم".[مع العقيدة والحركة والمنهج في خير أمة أخرجت للناس(ص161)].



هدف الجهاد الأسمى يأبى قصره على دفع العدوان



هذا وإذا كان الجهاد في سبيل الله شرع لرفع كلمة الله وإخراج الناس من عبادة العباد إلى عباد الله ورفع الظلم عنهم، كما سبق في مبحث أهداف الجهاد، فإنه لا داعي للخلاف فيه هل شرع لقتال من قاتل من الكفار أو شرع لمجرد الكفر؟ لأن رفع كلمة الله يقتضي قتال كل من صد عنه والقضاء عليه، سواء كان صده بالقتال أو بالرأي أو بأي نوع من أنواع الجهاد التي ترتفع بها كلمة الله في الأرض.



وأما من لم يصدَّ عنه بأن دخل في دين الله، أو خضع لحكمه العام فأدى الجزية وهو صاغر، فإنه لا يقاتل ولا يكره على الدخول في هذا الدين كما مضى. ولعل هذه الإشارة كافية إلى ما كتبه الشيخ سليمان بن عبد الرحمن بن حمدان المدرس بالمسجد الحرام، رحمه الله، في الرد على رسالة نسبت لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بعنوان "قاعدة في قتال الكفار هل هو لأجل كفرهم أو دفاعاً عن الإسلام" وقد أنكر المؤلف نسبة هذه الرسالة لابن تيمية، في كتابه "دلالة النصوص والإجماع على فرض القتال للكفر والدفاع"



ذُكرت هذه المسألة في المجلد الأول، صفحة 616 من الطبعة الثانية



وقد بحثت عن رسالة ابن تيمية في الشبكة "الإنترنت" فوجدتها كاملة في موقع "الشريف http://www.alshreef.com" وهو موقع يختص بحياة فضيلة الشيخ " الشريف عبد الله بن زيد آل محمود" رحمه الله .

وهذا رابط الرسالة في الموقع:

http://www.alshreef.com/book7/15.html



و نسختها بكمالها في ملف خاص في مجلد "منقولات" في الكمبيوتر. ثم وجدت الشيخ محمدا أبا زهرة ذكر الرسالة في كتابه " ابن تيمية" صفحة (383) نشر دار الفكر العربي.



وذكر الرسالة الدكتور محمد خير هيكل في كتابه " الجهاد والقتال في السياسة الشرعية" (1/506) الطبعة الأولى، نشر دار البيارق، واعتمد على ما ذكره أبو زهرة.



كما ذكرها الدكتور علي بن نفيع العلياني في رسالته "أهمية الجهاد في نشر الدعوة الإسلامية والرد على الطوائف الضالة فيه" الطبعة الأولى-نشر دار طيبة، في معرض الرد على القول بأن الجهاد فرض للدفاع فقط "ص343-346"



والذي يظهر من أسلوب الرسالة أنها لابن تيمية، لأن أسلوبه رحمه الله واضح فيها، ولكنه أنكر أن يكون القتال لمجرد الكفر، وإنما لرفع كلمة الله وذلك بأن يكون الحكم الغالب هو حكم الله لا سلطان الكفار، لأن الكفار عندما يكونون هم أهل السلطان، لا يرحمون من في الأرض، لا من المسلمين ولا من غيرهم، وما نشاهده اليوم من عدوان الحكومة الأمريكية على أهل الأرض كله، وبخاصة البلدان الإسلامية خير شاهد على ما نقول.



وإذا كان الكفار مغلوبين وسلطانهم منتفيا، وهم يؤدون الجزية صاغرين، فإنهم حينئذ لا يقاتَلون لكفرهم، إذ قتالهم لكفرهم يقتضي إكراههم على الدخول في الإسلام، وهذا من الاعتداء الذي نهى الله عنه.



ومعنى قتال المقاتِلِين عنده رحمه الله، هو أن يقاتَل من أعد نفسه لقتال المسلمين، سواء باشروا القتال فعلاً أو لم يباشروا، والذين لا يقاتلون هم الذين لم يعدوا أنفسهم للقتال كالرهبان والشيوخ، فأي غبار على هذه المعاني جعل المؤلف سليمان بن حمدان يرهق نفسه لإنكار نسبة هذه الرسالة لشيخ الإسلام ابن تيمية؟



وإذا كانت بعض الجمل في الرسالة منكرة، وقد نقلها رحمه الله عن بعض العلماء ولم يقرها، لأنه قد بين رأيه في أول الرسالة وفي أثنائها، فإنه لا يسوغ نفي نسبة الرسالة إليه وقد بين رحمه الله خلاصة رأيه في رسالته السياسة الشرعية عندما قال: "وإذا كان أصل القتال المشروع هو الجهاد، ومقصوده أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، فمن امتنع من هذا قوتل باتفاق المسلمين، وأما من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة كالنساء والصبيان والراهب والشيخ الكبير والأعمى والزمن ونحوهم، فلا يقتل عند جمهور العلماء، إلا أن يقاتل بقوله أو فعله، وإن كان بعضهم يرى إباحة قتل الجميع لمجرد الكفر إلا النساء والصبيان، لكونهم مالاً للمسلمين، والأول هو الصواب لأن القتال هو لمن يقاتلنا إذا أردنا إظهار دين الله".[مجموع الفتاوى(28/354)].

وكلامه رحمه الله في رسالة القتال لم يخرج عن هذا المعنى، وهو واضح لمن تدبره.



والخلاصة: أن السلف الصالح فهموا أن مقصود الجهاد وهدفه هو إعلاء كلمة الله في الأرض كلها، ليتمتع الناس كلهم بهذا الدين العالمي، ولذلك جاهدوا في الله حق جهاده، وأعدوا كل ما استطاعوا لرفع كلمة الله. فكان منهم ما كان مِن فتح القلوب بالإيمان والعلم النافع، ومِن فتح البلدان بالقوة وإزالة كل حواجز الظلم والطغيان.



ولقد ضاع على كثير من المسلمين ذلك المفهوم لمعنى الجهاد في سبيل الله، بسبب هجوم أعداء الله على الإسلام بعامة وعلى الجهاد بخاصة، فكان ذلك سبباً في قعودهم وتعويقهم عن القيام بواجبهم نحو البشرية، فأذل الله المسلمين وجعلهم نهباً لأعدائهم.



وإذا أرادوا أن يعود لهم مجدهم وعزهم، فعليهم بالتفقه في دين الله وفهمه على الوجه الذي أراده، وتطبيق ذلك عملياً بالقدوة الحسنة والجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمته، وعندئذ تدور الدوائر على أعدائهم وينصرهم الله على كل متكبر جبار: {يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم، ويثبت أقدامكم}.[محمد: 7].





السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13467765

عداد الصفحات العام

993

عداد الصفحات اليومي