﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (04) سافر معي في المشارق والغارب :: (24) أثر الترية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (03) سافر معي في المشارق والمغارب :: (023) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(080) الجهاد في سبيل الله-الفرع الخامس: من معوقات الجهاد سوء تصور معنى الأجل والرزق.

(080) الجهاد في سبيل الله-الفرع الخامس: من معوقات الجهاد سوء تصور معنى الأجل والرزق.


حب الحياة الدنيا ليس مذموماً على إطلاقه، لأن الله تعالى خلق هذه الحياة، وخلق فيها البشر وسخر لهم فيها ما يتمتعون به، ويشتهونه من مأكل ومشرب وملبس ومسكن ومركب، ومنصب وجاه، وزينة وجمال وعلم وغير ذلك وجعلهم خلائف في هذه الأرض يخلف بعضهم بعضاً وأراد منهم عمارتها المبنية على هداه وعبادته، لا على الكفر به وجحد نعمته، كما قال تعالى عن نبيه صالح عليه السلام لقومه: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (61)} [هود]



وقال عن نصح قوم قارون له: {إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77)} [القصص].



فقد بين سبحانه وتعالى لخلقه أن هذه الحياة الدنيا حياة ابتلاء واختبار، وليست حياة دوام وخلود ووضع لهم سبحانه منهجاً لحياتهم، من اهتدى به فاز ومن ضل عنه هلك وأخبرهم سبحانه أن الأجل - أجل الأفراد وأجل الأمم - محدود بقدر لا يزيد ساعة ولا ينقص أخرى، وأن الرزق مقسوم لا ينال أحد منه إلا ما قدر له، وإن كان حثهم على بذل الأسباب للحفاظ على الصحة وجلب الرزق .



كما بين الله تعالى لعباده، أن هذه الحياة الدنيا بزخارفها ومفاتنها، ليست شيئاً يذكر بجانب الحياة الآخرة التي أعد الله فيها للمتقين الجنة التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وأعد فيها النار لأعدائه الكافرين، وقودها الناس والحجارة، علها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.



وأقام سبحانه عليهم الحجة بإرسال الرسل وإنزال الكتب، وأمرهم بإقامة دينه وتحقيق عبوديته والدعوة إليه والجهاد في سبيله، فأما المؤمنون فاستجابوا لربهم وعبدوه حق عبادته، وجاهدوا فيه حق جهاده، وعلموا أن جهاد أعدائه لا يقدم الأجل، وأن ترك جهادهم لا يؤخره. بل لقد خافوا أن يموتوا موت القاعدين الجبناء، وعلموا كذلك أن الرزق مقدر، وأن إنفاقهم شيئا من مالهم في سبيل الله لا يجلب لهم فقراً، و أن إمساكه عن ذلك لايجلب لهم غنى، فكان ذلك من أعظم البواعث الدافعة للمؤمنين الصادقين إلى الجهاد في سبيل الله بكل ما يملكون حتى أرواحهم.



وباستعراض بعض الآيات القرآنية في تقدير الأجل والرزق وإيمان المسلم بما تضمنته، يظهر للقارئ أن المسلم لا يعوقه عن الجهاد في سبيل الله خوف الموت، ولا خوف فوات الرزق.



فهو يعلم الأطوار التي مر بها، ويعلم أنه لولا إرادة الله تعالى وقدرته لضاع في أول تلك الأطوار الذي كان فيه في أحط درجات الضعف، عندما كان نطفة تحيط بها المخاطر، فالله هو الخالق وهو المحي وهو المميت يقول للشيء كن فيكون: {هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ئم من علقة ثم يخرجكم طفلاً ثم لتبلغوا أشدكم، ثم لتكونوا شيوخاً، ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلاً مسمى ولعلكم تعقلون، هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون}.[غافر: 67ـ68].



وهو يعلم أنه لا يموت إلا بإذن الله، وأن المهم ليس هو الموت أو الحياة، وإنما المهم هو العمل الذي يجزي الله به عبده بعد الموت: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً، وسيجزي الله الشاكرين، وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً، ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها، ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها، وسنجزي الشاكرين}.[آل عمران: 144ـ145].



{الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً، وهو العزيز الغفور}.[الملك: 2]. {كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة، فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور}.[آل عمران: 185]. {وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون، كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون}.[الأنبياء: 34ـ35].



وهو يعلم أنه مكلف بعبادة الله وألا يخاف فيها لومة لائم، لأن الله أمره بها وأرضه واسعة يستطيع أن يمشي في مناكبها ويبتغي من رزقه الذي لا سبيل إليه إلا منه، والله سبحانه - فوق كونه الذي يقدر الموت والحياة ويرزق من يشاء ولا راد لرزقه وفضله - يَعِدُ المؤمن برزق واسع كريم يدفعه إلى الجهاد في سبيل الله ليحظى بما وعده إياه: {يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون، كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون، والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوأنهم من الجنة غرفاً تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين، الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون، وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهوالسميع العليم}.[العنكبوت: 56ـ60].



لا بل إن المؤمن ليخاف من أن يموت من موت القاعدين الجبناء خشية من أن تنبت في قلبه نابتة نفاق، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنْه قال: قال رسول الله صَلى الله عليه وسلم: (من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من نفاق).[صحيح مسلم(3/1587)].



ولشدة خوفه من أن يموت نادماً على تفريطة وعدم إسراعه بطاعة الله تعالى يبادر الموت بكل ما يرضي ربه سبحانه امتثالاً لأمره إياه بذلك: {وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين، ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها، والله خبير بما تعملون}.[المنافقون: 10ـ11].



وهو يحب لقاء الله وأفضل وسائل لقائه الشهادة في سبيله{قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله: كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين، ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا: ربنا أفرغ علينا صبراً، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين، فهزموهم بإذن الله}.[البقرة: 249ـ250].



ولذلك يغلب جانب محبة إحقاق الحق وإبطال الباطل - ولو مات في سبيل ذلك - على جانب كراهة الموت. {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون، يجادلونك في الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون، وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم، ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين، ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون}.[الأنفال: 5ـ8].



والموت والحياة عند المؤمن من آيات الله التي تدفعه إلى طاعته، ومنها الجهاد في سبيله: {الله يتوفى الأنفس حين موتها، والتي لم تمت في منامها، فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون}.[الزمر: 42].



والأمة الإسلامية - كالفرد المسلم - يدفعها إيمانها بالأجل المقدر المحتوم، إلى بذل نفسها في سبيل الله دون خوف أو وجل: {ولكل أمة أجل، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون}.[الأعراف: 34].



والرزق عند المؤمن كالأجل لا يخيفه ولا يعوقه عن الجهاد في سبيل الله، ولو جرت العادة أن يسوق الله إليه شيئا من رزقه، من لدى أعدائه الكافرين الذين أمر المؤمن بجهادهم، كسياحتهم في بلاده التي تدر عليه الكثير من ذلك الرزق، ففضل الله واسع وسيأتيه {يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا، وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم}.[التوبة: 28].



ولقد بين رسول الله صَلى الله عليه وسلم لأمته أن الذي يجب أن تهتم به، ليس الأجل ولا الرزق، لأن الآجال محدودة، والأرزاق مقسومة، لا يتقدم شيء منها عن موعده ولا يتأخر. وإنما الذي يجب أن يهتم به، هو العمل الصالح وجزاؤه، كما في حديث ابن مسعود رضي الله عنْه قال: قالت أم حبيبة زوج النبي صَلى الله عليه وسلم: "اللهم أمتعني بزوجي رسول الله، وبأبي أبي سفيان وبأخي معاوية" قال: فقال النبي صَلى الله عليه وسلم: (قد سألت الله لآجال مضروب،ة وأيام معدودة وأرزاق مقسومة، لن يعجل شيئاً قبل حله أو يؤخر شيئاً عن حله، ولو كنت سألت الله أن يبعدك من عذاب في النار أو عذاب في القبر كان خيراً وأفضل).[مسلم(4/2050)].



وهذا المعنى الذي وضحته نصوص الكتاب والسنة وقر في نفوس السلف الصالح، وعلى رأسهم صحابة رسول الله صَلى الله عليه وسلم، ويدل عليه بذلهم نفوسهم وأموالهم في سبيل الله، وما قاموا به من فتوحات جهادية بهرت عقول الناس سرعتها وثمارها، وهو الذي وقر في نفوس كل مؤمن فقهه الله في دينه في جميع العصور.



وهذا أحد المجاهدين في هذا العصر يغوص إليه من خلال تفيئه في ظلال كتاب الله قال: "ثم يلمس السياق القرآني مكمن الخوف من الموت في النفس البشرية لمسة موحية، تطرد ذلك الخوف عن طريق بيان الحقيقة الثابتة في شأن الموت وشأن الحياة، وما بعد الحياة والموت من حكمة لله وتدبير ومن ابتلاء للعباد وجزاء. {وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً، ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها، ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها، وسنجزي الشاكرين}.[آل عمران: 145].



إن لكل نفس كتاباً مؤجلاً، الخوف والهلع والحرص والتخلف لا تطيل أجلاً، والشجاعة والثبات والإقدام والوفاء لا تقصر عمراً، فلا كان الجبن ولا نامت أعين الجبناء، والأجل المكتوب لا ينقص منه يوم ولا يزيد.



بذلك تستقر حقيقة الأجل في النفس، فتترك الاشتغال به ولا تجعله في الحساب وهي تفكر في الأداء والوفاء بالالتزامات والتكاليف الإيمانية، وبذلك تنطلق من عقال الشح والحرص، كما ترتفع على وهلة الخوف والفزع، وبذلك تستقيم على الطريق بكل تكاليفه وبكل التزاماته في صبر وطمأنينة، وتوكل على الله الذي يملك الآجال وحده".[في ظلال القرآن(4/90)].



والواقع الذي يلمسه كل أحد في هذه الحياة يدل على نفس ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، من أن الآجال لا يؤخرها حرص حريص ولا جبن جبان، ولا يقدمها شجاعة شجاع ولا طمع طامع في الموت، وأن الأرزاق مقسومة لا يأتي بها بخل بخيل ولا يبعدها كرم كريم، ومن تدبر أحوال الناس في حياتهم وموتهم وفي غناهم وفقرهم بان له الأمر كالشمس في كبد السماء.



فكم من بخيل بقي عمره كله فقيراً وهو يكدح ليلاً ونهاراً عن طريق الحلال والحرام للحصول على الغنى، وكم من بخيل غني أصبح فقيراً وقد أمسى غنياً، وكم من كريم سخي يطلب الرزق بهدوء من وجه حلال وينفق الكثير مما يرزقه الله بقي غنياً طول حياته، وكم من فقير أصبح غنياً وقد أمسى فقيراً؟!



وكم من شجاع مقدام ألقى بنفسه في صفوف الموت طول حياته ثم مات على فراشه، وكم من جبان حرص على رجله أن تصيبها الشوكة جاءه الموت من حيث لا يدري، وكم من حَذِرٍ ذي خدم وحشم وقلاع حصينة وجيوش مدججه تحرسه، أتاه المقدور مخترقاً كل حصونه وخدمه وجيوشه: {أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة}.[النساء: 78].



ويقابل هذا الفهم الرباني الواضح، فهم جاهلي حالك يحرف الكلم عن مواضعه، خلاصته أن الحرص على الحياة واتخاذ أسباب الحيطة من الموت يؤخر الأجل، وقد ذكر الله سبحانه أن اليهود أشد الناس حرصاً على الحياة، على الرغم من زعمهم أنهم أبناء الله وأحباؤه وأن الجنة خالصة لهم من دون الناس.كما قال تعالى: {قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين، ولن يتمنوه أبداً بما قدمت أيديهم، والله عليم بالظالمين، ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا، يود أحدهم لو يعمر ألف سنة، وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر، والله بصير بما يعملون}.[البقرة: 95ـ96].



لذلك كان الجبن ملازماً لليهود، وهم دائماً يحاولون تكميل نقصهم بهذا الجبن بالتحصينات الثابتة والمتنقلة، كما قال الله تعالى عنهم: {لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله، ذلك بأنهم قوم لا يفقهون، لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر، بأسهم بينهم شديد، تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى، ذلك بأنهم قوم لا يعقلون}.[الحشر: 13ـ14].



وقد أظهرت الحركة الجهادية في فلسطين، جبن هؤلاء اليهود وأسلوبهم في مواجهة أطفال الحجارة، أو الشباب الذي لا يملك إلا شيئا لا يذكر من السلاح الخفيف، كيف يختفي اليهود المدججون بكل أنواع الأسلحة الفتاكة، وراء الجدران، وفي الآلات الحديدية من الدبابات والمصفحات وغيرها...ويلي اليهود تلاميذهم المنافقون الذين فاقوهم في الجبن، بل إنهم ليحالون قذفه في نفوس الشجعان، ليعوقوهم عن الجهاد في سبيل الله.



قال تعالى: {فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله، وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، وقالوا: لا تنفروا في الحر، قل: نار جهنم أشد حراً لو كانوا يفقهون، فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً جزاءً بما كانوا يكسبون، فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل: لن تخرجوا معي أبداً، ولن تقاتلوا معي عدواً، إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع ا لخالفين}.[التوبة: 81ـ83].



وإذا كانوا في هذه الآيات وأمثالها يثبطون من أراد الخروج للجهاد في سبيل الله، قاذفين في نفوسهم الخوف من أتعاب الجهاد، فإنهم يستغلون ما يبلغهم من قتل بعض المشتركين في القتال لإدخال الندم في نفوس أهليهم، ومذكرين بأنه يجب قبول نصحهم في المستقبل بالقعود عن الجهاد الذي هو سبب تقريب الآجال في زعمهم. قال تعالى ناهياً عباده المؤمنين عن التشبه بهم في فهمهم الجاهلي وتصورهم الفاسد لمعنى الأجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزىً لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير}[آل عمران: 156ـ157].



ثم بين سبحانه لعباده المؤمنين، أنهم إذا كانت آجالهم قد حددت بوقت خروجهم في سبيل الله، فإن ما ينالونه من رحمة الله ومغفرته، خير لهم من موتهم قاعدين في بيوتهم مثل أولئك المنافقين. {ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون}.[آل عمران: 157].



وإذا تأمل الإنسان في أحوال المنتسبين إلى الإسلام في العصور المتأخرة، وجد أن أكثرهم يفهمون فهم المنافقين والكفار من معنى الأجل ومعنى الرزق، ولاسيما كثير من قادة الشعوب الإسلامية من زعماء وتجار وعلماء، لقعودهم وتقاعسهم عن الجهاد في سبيل الله بانفسهم وأموالهم، مع أن ذلك فرصة سانحة لسيطرة الكفر وهيمنة الكفار على الأرض، وكونهم أصبحوا الآمرين الناهين، وأصبح المسلمون أتباعاً خاضعين أذلاء قد امتلأت قلوبهم خوفاً من أعداء الله، واستقر في أذهانهم أنهم إما أن يطيعوهم في أوامرهم الظاهرة والخفية، وإما أن ينزعوا منهم سلطانهم وجاههم ويفقروهم بعد أن كانوا أغنياء، فأنزلوهم منزلة الخالق الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء ويغني من يشاء ويفقر من يشاء.



ولهذا يرون أعداءهم يحتلون أراضيهم بلداً إثر بلد، وهم لا يجرؤون على تحريك ساكن، وغاية ما يفعلونه هو المؤتمرات المتتابعة والقرارات غير الجريئة، وهي حبر على ورق، وتقديم الشكاوى من عدوهم الكافر، الذي يحتل أرضهم، ويهين كرامتهم، إلى رؤوس الكفر الظلمة في مجلس الأمن، حيث يصيحون طالبين منحهم السلم التي كان يجب أن يجنح لها العدو بعد كسر شوكته.



وبهذا يظهر أن من أكبر المعوقات عن الجهاد في سبيل الله تحريف مفهوم معنى الأجل ومعنى الرزق والرضا بالحياة الدنيا من الآخرة. {يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض؟! أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة؟! فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل}[التوبة: 38].

فعلى المؤمنين أن يحذروا كل الحذر، من هذا التصور السيئ الذي كان من آثاره ما وقعوا فيه من الجبن والخور والذل والصغار وأن يحذروا من: {الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا: لو أطاعونا ما قتلوا} وأن يقولوا لهم إذا سمعوا منهم ذلك: {قل فاد رأوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين}.



ويرددوا مع سيد قطب هذه العبارة: "فالموت يصيب المجاهد والقاعد، والشجاع والجبان، ولا يرده حرص ولا حذر، ولا يؤجله جبن ولا قعود، والواقع هو البرهان الذي لا يقبل المراء، وهذا الواقع هو الذي يجبهم به القرآن الكريم، فيرد كيدهم اللئيم ويقر الحق في نصابه، ويثبت قلوب المسلمين ويسكب عليها الطمأنينة والراحة واليقين}[في ظلال القرآن(4/516) والآية من سورة آل عمران: 168]. ويوقنوا بقول الله الحق جلّ جلاله: {ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون}[الأعراف: 34].





السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13467685

عداد الصفحات العام

913

عداد الصفحات اليومي