﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (04) سافر معي في المشارق والغارب :: (24) أثر الترية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (03) سافر معي في المشارق والمغارب :: (023) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(82)الجهاد في سبيل الله-الفرع الثالث من صفات القائد: تزكية الجنود بطاعة الله.

(82)الجهاد في سبيل الله-الفرع الثالث من صفات القائد: تزكية الجنود بطاعة الله.

إن القائد المسلم يجب أن يستمر تعليمه لجنده أمور دينهم، وأن يربيهم تربية تطهرهم من دنس الآثام والرذائل، ويربطهم بكتاب ربهم وسنة نبيهم صَلى الله عليه وسلم، لأن بعد الجيش الإسلامي عن التعليم والتربية والتطهير، يكون سبباً في قسوة قلوبهم وارتكابهم المعاصي والآثام، وذلك مما يجب أن يحول القائد بينه وبين جنده.



قال تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم، يتلو عليهم آياته ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين}[آل عمران: 164].



وقال تعالى: {هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته، ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلالٍ مبين}[الجمعة: 2].



قال سيد قطب رحمه الله: "ويزكيهم، يطهرهم ويرفعهم وينقيهم، يطهر قلوبهم وتصوراتهم ومشاعرهم، ويطهر بيوتهم وأعراضهم وصِلاتهم، ويطهر حياتهم ومجتمعهم وأنظمتهم، ويطهرهم من أرجاس الشرك والوثنية والخرافة والأسطورة، وما تبثه في الحياة من مراسم وشعائر وعادات وتقاليد هابطة مزرية بالإنسان وبمعنى إنسانيته، ويطهرهم من دنس الحياة الجاهلية وما تلوث به المشاعر والشعائر والتقاليد والقيم والمفاهيم"[في ظلا القرآن(4/507)].



ولا بد من مباشرة القائد تربية جنوده وتزكيتهم بنفسه، وإذا لم يستطع مباشرة تزكية جنوده كلهم، فيمكنه أن يباشر تربية قوادهم الذين يباشر كل منهم مجموعة منهم. لأن في تربية القائد المباشرة ما يرفع المعنويات في نفوس جنوده، ويقوي صلتهم به وولاءهم له على أساس ما يرضي الله سبحانه، كما أن في ذلك وحدة التوجيه وتصحيح الأفكار والمفهومات، وتلقي ما عندهم من مشكلات ومحاولة حلها والاهتمام بها.

بخلاف بعده عنهم، فإن صلتهم به تضعف وتقوى صلتهم بغيره، كما أن طرق التربية قد تختلف، وكذلك الأفكار والمفهومات، وقد يذكرون مشكلاتهم لقوادهم المباشرين فلا يهتمون بها، وفي ذلك ما فيه من عدم الثقة والشك في اهتمام القائد بمصالحهم.

وعلى القادة الذين يبتعدون عن تربية جنودهم بأنفسهم، أن يتحملوا نتائج ذلك الابتعاد من إحداث الفرقة في جيوشهم، بسبب اختلاف طرق التربية وتعدد التوجيه وتزاحم الأفكار المتضاربة التي تجعلهم أحزاباً وطرائق قدداً.



وأسوأ ما مر بالجيوش الإسلامية إسناد أمورهم إلى أعداء الإسلام، من يهود ونصارى وشيوعيين ووثنين، ليقوموا بتدريبهم على السلاح وتربيتهم على مناهج الفكر التي لا يخلو أحد منهم من تلقيها مع تدريبه على السلاح، ولا فصل عند أعداء الله بين التدريب على السلاح والتربية على مناهج الفكر، وإن اختلفت قلة وكثرة. قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً، ودوا ما عنتم، قد بدت البغضاء من أفواههم، وما تخفي صدورهم أكبر، قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون}[آل عمران: 118].



ولا يكفي القائد أن يبدأ التربية ثم يترك جنوده، بل عليه أن يستمر في التربية ويرتقي بجنوده ويحفز هممهم إلى المزيد من الصلة بالله سبحانه، ويظهر هذا في كثير من النصوص.



وهذا حديث أبي هريرة كمثال: قال: قال رسول الله صَلى الله عليه وسلم: (من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وصام رمضان، كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها). فقالوا: يا رسول الله أفلا نبشر الناس، قال: (إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فأسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة...) [صحيح البخاري رقم 2790، فتح الباري(6/11)].



فالرسول صَلى الله عليه وسلم أراد أن لا يبشر الناس بما ذكر أولاً، من أن الإيمان بالله ورسوله وإقام الصلاة وصيام رمضان يدخل الله بها الجنة، لئلا يتكل الناس، والمقصود أن يكثروا من الأعمال الصالحة، ولا سيما الجهاد في سبيل الله الذي أعد الله لأهله ما ذكر من الدرجات.[راجع فتح الباري(12/6)].


الفرع الرابع: الخبرة بأمور الحرب والقوة فيها


الخبرة بالعمل أصل من أصول نجاحه، والجهل به من أهم أسباب فشله، فلا بد أن يكون القائد ذا خبرة فائقة بشؤون الحرب وفنونها، وبرجاله الذين أعدهم لقتال الأعداء، وبالعدو الذي يقاتله، وسلاحه الذي يستعمله، وبالأرض التي تكون عليها المعركة من سهول وجبال وغابات ومياه وغير ذلك، والقائد بدون خبرة كالجسد بدون روح. وقد اختار الله طالوت لقيادة الملأ من بني إسرائيل وزوده بهاتين الصفتين: العلم والقوة.



فقال تعالى: {وقال لهم نبيهم: إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً، قالوا: أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال، قال: إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم، والله يؤتي ملكه من يشاء، والله واسع عليم}[البقرة: 247].



وقد برز علمه وخبرته في اختبار جنده ومعرفة الصالح منهم للجهاد وغير الصالح، وبرزت قوته في صموده وصبره ومصابرته، ونجاحه في جهاده بقتل عدوه.



وقال ابن تيمية رحمه الله: "والقوة في كل ولاية بحسبها، فالقوة في إمارة الحرب ترجع إلى شجاعة القلب وإلى الخبرة بالحروب والمخادعة فيها، فإن الحرب خدعة، وإلى القدرة على أنواع القتال من رمي وطعن وضرب وركوب وكر وفر ونحو ذلك". كما قال الله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوةٍ ومن رباط الخيل، ترهبون به عدو الله وعدوكم}[الأنفال: 60]. وقال النبي صَلى الله عليه وسلم: (ارموا واركبوا وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا ومن تعلم الرمي ثم نسيه فليس منا) وفي رواية(فهي نعمة جحدها)[مجموع الفتاوى(28/253) والحديث رواه مسلم].



وقال ابن قدامة رحمه الله: "ولأن الأمير أعرف بحال الناس وحال العدو ومكانتهم ومواضعهم وقربهم وبعدهم. فإذا خرج خارج بغير إذن لم يأمن أن يصادف كميناً للعدو فيأخذه"[المغني(9/216)].



وقال سيد قطب رحمة الله: "وفي ثنايا هذه التجربة تكمن عبرة القيادة الصالحة الحازمة المؤمنة، وكلها واضحة في قيادة طالوت. تبرز فيها خبرته بالنفوس وعدم اغتراره بالحماسة الظاهرة، وعدم التفاته للتجربة الأولى، ومحاولته اختبار الطاعة والعزيمة في نفوس جنوده قبل المعركة، وفصله للذين ضعفوا وتركهم وراءه، ثم - وهذا هو الأهم- عدم تخاذله وقد تضاءل جنوده تجربة بعد تجربة، ولم يثبت معه في النهاية إلا تلك الفئة المختارة، فخاض بها المعركة ثقة منه بقوة الإيمان الخالص ووعد الصادقين المومنين"[في ظلال القرآن(2/263)].



الفرع الخامس اللين للجند وإكرامهم


إن المسئول عن جماعة ما، راعٍ لتلك الجماعة، يجب عليه أن يُعنَى بها ويتفقد أفرادها، ويرفق بهم ويشفق عليهم، ويؤدي إليهم حقوقهم، ولا يجوز له أن يكون مفرطاً في شيء من ذلك ولا قاسياً جباراً عليهم.



والقائد المجاهد يلزمه ذلك أكثر من غيره، لأن ظروف الحرب والإعداد لها والتدريب على وسائلها ولقاء الأعداء الذي تزهق فيه نفوس وتراق فيه دماء، كل ذلك يقتضي رعاية أكثر، وشفقة أشد، وتعهداً للجنود وتحسساً لمشكلاتهم وحلها أو حل المقدور عليه منها، وليناً وتواضعاً وتكريماً وبعداً عن الفظاظة والغلظة، لتحصل بين القائد وجنده المحبة والمودة، والتعاون على القيام بالواجب، وتنتفي الشحناء والبغضاء والنفرة والتفرق والاختلاف، ويتحقق النصر وينتفي الفشل.



وقد كان الرسول صَلى الله عليه وسلم قدوة كل قائد إلى صراط الله المستقيم مجاهداً في سبيل الله، وها هو القرآن الكريم يظهر منة الله عليه بتلك الصفات الحميدة، ويبين أنه لو لم يمنحه الله إياها واتصف بغيرها، لما ارتبط به أصحابه ذلك الارتباط الوثيق الذي جعلهم يفدونه بأرواحهم وأهلهم وأموالهم ويلبون دعوته ودماؤهم تسيل من جراح المعارك السابقة فيطلبون العدو في معارك لاحقة.



قال تعالى: {فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك، فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين}[آل عمران: 159].



قال في تفسير المنار: {ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك} لأن الفظاظة وهي الشراسة والخشونة في المعاشرة وهي القسوة والغلظة، وهما من الأخلاق المنفرة للناس لا يصبرون على معاشرة صاحبهما، وإن كثرت فضائله ورجيت فواضله، بل يتفرقون ويذهبون من حوله ويتركونه وشأنه، لا يبالون ما يفوتهم من منافع الإقبال عليه والتحلق حواليه"[تفسير المنار(4/199)].



ووصفه ربه سبحانه بأنه حريص على مصالح أمته، يشق عليه ما يشق عليهم وأنه شديد الرأفة والرحمة بهم، كما قال تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم، عزير عليه ما عنتم، حريص عليكم، بالمؤمنين رءوف رحيم}[التوبة: 128].



وبين هو صَلى الله عليه وسلم شفقته على أمته ورأفته بهم ومحبته الخير لهم، كما في حديث أبي هريرة رَضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صَلى الله عليه وسلم يقول: (إنما مثلي ومثل الناس، كمثل رجل استوقد ناراً، فلما أضاءت ما حوله، جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار، يقعن فيها، فجعل ينزعهن ويغلبنه، فيقتحمن فيها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار، وهم يقتحمون فيها)[البخاري رقم(6483) فتح الباري(11/316) ومسلم(4/1789)].



لذلك كان صَلى الله عليه وسلم رفيقاً بأصحابه رءوفا رحيماً بهم، بعيداً عن الغلظة عليهم، فائتلفت عليه قلوبهم واشتدت محبتهم إياه، كما كان شديد الحب لهم، وحث صَلى الله عليه وسلم أمته على الرفق، كما في حديث جرير عن النبي صَلى الله عليه وسلم قال: (من يحرم الرفق يحرم الخير).



وفي حديث عائشة رضِي الله عنها أن رسول الله صَلى الله عليه وسلم قال: (يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه) وفي رواية: (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه)[الحديثان في صحيح مسلم(4/2003) وغيره].



وأثنى صَلى الله عليه وسلم على القادة الذين يستجلبون محبة أتباعهم على طاعة الله ويحبون هم أتباعهم على ذلك، وذم القادة الذين يستجلبون بغض أتباعهم ولعنهم إياهم كما يحصل ذلك منهم لأتباعهم. كما في حديث عوف بن مالك رضيَ الله عنه، عن رسول الله صَلى الله عليه وسلم، قال: (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم)، قيل يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال: (لا ما أقاموا فيكم الصلاة، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئاً تكرهونه، فاكرهوا عمله ولا تنزعوا يداً من طاعة)[مسلم(3/1481)].



وكان صَلى الله عليه وسلم يتفقد أصحابه، ولا سيما المجاهدين منهم الذين يبذلون أنفسهم في سبيل الله، كما ضرب خيمة في مسجده لسعد بن معاذ الذي أصيب يوم الخندق، ليعوده من قريب كما في حديث عائشة رضِي الله عنها [البخاري رقم(4122) فتح الباري(7/411) ومسلم(3/1389)].



وكان صَلى الله عليه وسلم إذا استأذنه أحد من أصحابه وقت الحرب لحاجة سائغة يأذن له، ويحذره من عدوه ويأمره بأخذ سلاحه شفقة عليه، كما في حديث أبي سعيد الخدري، وفيه: "فقال أترى هذا البيت فقلت: نعم قال: كان فيه فتى منا حديث عهد بعرس قال: فخرجنا مع رسول الله صَلى الله عليه وسلم إلى الخندق، فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله صَلى الله عليه وسلم بأنصاف النهار فيرجع إلى أهله، فاستأذنه يوماً فقال له رسول الله صَلى الله عليه وسلم: (خذ سلاحك فإني أخشى عليكم قريظة) [مسلم(4/1756)].



وكان صَلى الله عليه وسلم يصبر على جنوده إذا خالفوه الرأي في أمر يرون مراجعته فيه، ويجتهد في إقناعهم كما حصل في معركة بدر التي قال الله تعالى في شأنه معهم: {كما أخرجك ربّك من بيتك بالحق وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون، يجادلونك في الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون}[الأنفال: 5ـ6].



وكما في قصة هدنة الحديبية التي سيأتي ذكرها إن شاء الله في الكلام عن الشورى.

وكان صَلى الله عليه وسلم يكرم كبار جيشه ويدافع عنهم، كما في حديث أبي سعيد الخدري رضِي الله عنه قال: قال النبي صَلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)[البخاري رقم(3673) فتح الباري(7/21) ومسلم(4/1967)].



وكان صَلى الله عليه وسلم يخالط أصحابه، في أكلهم وشربهم وعملهم في الحرب وفي السلم، فأحبوه وعنوا به، وكانوا يصنعون له الطعام ويدعونه لتناوله في وقت السلم ووقت الحرب.





ومن هذا حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول: "لما حفر الخندق رأيت رسول الله صَلى الله عليه وسلم خمصاً، فانكفأت إلى امرأتي فقلت لها: هل عندك شيء؟ فإني رأيت رسول الله صَلى الله عليه وسلم خمصاً شديداً، فأخرجت لي جراباً فيه صاع من شعير، ولنا بهيمة داجن قال: فذبحتها وطَحَنَتْ، ففرغت إلى فراغي فقطعتها في برمتها، ثم وليت إلى رسول الله صَلى الله عليه وسلم، فقالت: لا تفضحني برسول الله صَلى الله عليه وسلم ومن معه، قال: فجئته فساررته، فقلت: يا رسول الله إنا قد ذبحنا بهيمة لنا وطحنت صاعاً من شعيركان عندنا، فتعال أنت في نفر معك، فصاح رسول الله صَلى الله عليه وسلم وقال: (يا أهل الخندق إن جابراً قد صنع لكم سؤراً فحيهلاً بكم).



وقال رسول الله صَلى الله عليه وسلم: (لا تنزلن برمتكم، ولا تخبزن عجينتكم حتى أجيء)، فجئت وجاء رسول الله صَلى الله عليه وسلم يقدم الناس، حتى جئت امرأتي فقالت: بك وبك فقلت: قد فعلت الذي قلت لي، فأخرجت له عجينتنا فبصق فيها وبارك، ثم عمد إلى برمتنا فبصق فيها وبارك، ثم قال ادعي خابزة فلتخبز معك واقدحي من برمتكم ولا تنزلوها، وهم ألف، فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجينتنا لتخبزكما هي"[مسلم(3/1610)].



والقائد الذي يرعى مصالح جنده ويتفقد أحوالهم ويشفق عليهم، يكون قائداً محبوباً عندجنده، وهم أيضاً يجتهدون في طاعته وتفقد أحواله، ويحبونه ويكرمونه، وفعل الصحابة مع الرسول صَلى الله عليه وسلم كما في هذه الحادثة وأمثالها، شاهد واضح على ذلك.



وهكذا كان أصحابه من بعده، قائدهم يحبهم ويشفق عليهم ويتفقد أحوالهم، وأتباعه يحبونه ويطيعونه ويكرمونه، وبدون ذلك الرفق والعناية من القائد، لا يحصل من جنده على الحب والطاعة والتقدير، وإذا ما اشتد عليهم وقهرهم على طاعته وتوقيره وإظهار حبه، فإن كل ذلك يكون من باب المجاملة له وقد يكون خوفا منهم على مصالحهم، وقلوبهم تبغضه وتحقد عليه، ويتحركون في تنفيذ أوامره وهم كارهون، فإذا غابوا عن عينيه أو عن أعين أعوانه، تمردوا ولم يلقوا له بالاً، وقد ينفضون من حوله وهو في أشد الحاجة إليهم، بل قد يكيدون له ويمكرون به عندما تحين لهم الفرصة للكيد والمكر.



وصدق الله القائل: {ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك}[آل عمران: 153]. وصدق رسوله – صَلى الله عليه وسلم - القائل في الرفق: (ولا ينزع من شيء إلا شانه)[سبق في أول هذا المبحث].


الفرع السادس: البعد عن طلب الرئاسة


ومن الصفات التي يجب أن يتحلى بها القائد زهده في الرئاسة على الناس، والتواضع وعدم حب العلو، بل إذا كلف قيادة الجند ممن يجب عليه أن يسمع له ويطيع، أو تعينت عليه لعدم وجود من هو أكفأ منه، قام بها تقرباً إلى الله سبحانه، طالباً منه العون والتوفيق والسداد.



فإن الذي يتطلع لرئاسة الناس ويحب العلو لنفسه، ليس أهلاً لقيادتهم، ولا أهلاً للنجاح، لأنه لا يستحق عون الله سبحانه وتعالى، بل إنه معرض لإفساد مرام الأمة التي يقودها والجيش الذي يتولى إمرته.



لذلك نهى الرسول صَلى الله عليه وسلم عن طلب الإمارة وشدد في النهي، حرصاً على الأمة من أن يطمع في قيادتها طامع لغير طاعة الله، بل لهوى في نفسه، وما كان أصحابه رضي الله عَنهم أهل هوى ولكنه سد الذريعة.



ففي حديث عبد الرحمن ابن سمرة قال: قال النبي صَلى الله عليه وسلم: (يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أوتيتها من غير مسألة أعنت عليها)[البخاري رقم(6622) فتح الباري(11/516) ومسلم(3/1456)].



وفي حديث أبي موسى ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما قال أبو موسى: أقبلت إلى النبي صَلى الله عليه وسلم ومعي رجلان من الأشعريين، أحدهما عن يميني والآخر عن يساري، ورسول الله صَلى الله عليه وسلم يستاك، فكلاهما سأل، فقال: (يا أبا موسى) أو (يا عبد الله بن قيس) قال: قلت: والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في أنفسهما، وما شعرت أنهما يطلبان العمل. فكأني أنظر إلى سواكه تحت شفته قلصت، فقال: ("لن" أو لا نستعمل على عملنا من أراده، ولكن اذهب أنت يا أبا موسى…)[البخاري رقم(6923) فتح الباري(12/268) ومسلم(3/1456)].



والإمارة عند المسلمين قربة وعبادة يتقربون بها إلى الله، لنصر دينه وتحقيق مصالح عباده، وليست مغنما من جاه أو منصب أو مال. قال ابن تيمية رحمه الله: "فالواجب اتخاذ الإمارة ديناً وقربة يتقرب بها إلى الله، فإن التقرب إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القربات، وإنما يفسد فيها حال أكثر الناس لابتغاء الرياسة أو المال بها. وقد روى كعب بن مالك عن النبي صَلى الله عليه وسلم: "أنه قال: (ما ذئبان جائعان أرسلا في زريبة غنم، بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه) قال الترمذي: حديث حسن صحيح، فأخبر أن حرص المرء على المال والرياسة يفسد دينه، مثل أو أكثر من إفساد الذئبين الجائعين لزريبة الغنم"[الفتاوى(28/391) وانظر سنن الترمذي(4/588)].



ولا فرق في طلب الرئاسة بين التصريح والتلويح، فإذا قامت القرائن على أن شخصاً ما يستشرف للقيادة ويحرص عليها، وجب ألا يمكن منها ولو كان طلبه إياها تلويحاً.



ولقد كان أصحاب رسول الله صَلى الله عليه وسلم لا يستشرفون للإمارة، إلا إذا ظهر لهم أنها – فعلاً - تقربهم إلى الله سبحانه وتعالى، وتجلب لهم حبه إياهم وتزيد في حبهم له ولرسوله صَلى الله عليه وسلم، فإنهم حينئذ يتنافسون في الاستشراف لها والتطلع إلى رايتها، وفيها بذل النفس في سبيل الله.



كما يتضح من حديث سهل بن سعد رضِي الله عنه، سمع النبي صَلى الله عليه وسلم يقول يوم خيبر: (لأعطين الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه) وفي حديث: سلمة بن الأكوع: (لأعطين الراية غداً) أو(ليأخذن غداً رجل يحب الله ورسوله) أو قال: (يحب الله ورسوله) فقاموا يرجون لذلك أيهم يعطى، فغدوا وكلهم يرجو أن يعطى، فقال: (أين علي)؟ فقيل: يشتكي عينيه… الحديث وفيه: (على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم، فوالله لأن يهدى بك رجل واحد خير لك من حمر النعم)[البخاري رقم(2942) فتح الباري(6/111) ومسلم(4/1872)].



مشروعية طلب الإمارة إذا تعينت


أما إذا تعينت الإمارة أو القيادة على شخص، بأن كان هو وحده أهلاً لها، وهو يرى أنها لو أسندت إلى غيره لضاعت مصالح المسلمين، ويغلب على ظنه أنه قادر على القيام بها مع خوف الله تعالى وعدم وجود ضرر على الناس، أشد من الضرر الذي يحصل لو وليها غيره أو مساوياً له، فإن له عندئذ أن يلوح بطلبها أو يصرح لتعينها عليه، وقد حمل العلماء طلب يوسف عليه السلام أن يجعله الملك على خزائن الأرض على هذه الحال، وحملوا النهي عن طلب الإمارة على غير ذلك.



قال القرطبي رحمه الله: "ودلت الآية أيضاً على جواز أن يخطب الإنسان عملاً يكون له أهلاً، فإن قيل: فقد روى مسلم عن عبد الرحمن بن سمرة - وذكر الحديث - وعن أبي بردة قال: قال أبو موسى: - وذكر الحديث - وقد تقدما قريباً – قال: "فالجواب: أولاً: أن يوسف عليه السلام إنما طلب الولاية، لأنه علم أنه لا أحد يقوم مقامه في العدل والإصلاح وتوصيل الفقراء إلى حقوقهم، فرأى أن ذلك فرض متعين عليه، فإنه لم يكن هناك غيره، وهكذا الحكم اليوم لو علم إنسان من نفسه أنه يقوم بالحق في القضاء أو الحسبة ولم يكن هناك من يصلح ولا يقوم مقامه، لتعين ذلك عليه ووجب أن يتولاها ويسأل ذلك، ويخبر بصفاته التي يستحقها به من العلم والكفاية وغير ذلك كما قال يوسف عليه السلام"[الجامع لأحكام القرآن(9/215)].



أما إذا لم يتعين عليه بأن وجد من هو أفضل منه أو من يساويه، فإن عليه أن يشير بمن هو أفضل أو من هو مثله، وأن يجتهد في ذلك حتى لا يولاها غيره ممن ليس مثله في الكفاءة. كما فعل أبو بكر وعمر رضي الله عنهما في سقيفة بني ساعدة، بعد وفاة رسول الله صَلى الله عليه وسلم، حيث كان كل منهما يدفعها إلى الآخر، حرصاً على ألا يتولاها من هو أقل كفاءة.



كما في حديث عائشة رَضي الله عنها، وفيه: "واجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، فقالوا: منا أمير ومنكم أمير، فذهب إليهم أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح، فذهب عمر يتكلم فأسكته أبو بكر، وكان عمر يقول: والله ما أردت بذلك إلا أني قد هيأت كلاماً قد أعجبني خشيت ألا يبلغه أبوبكر.



ثم تكلم أبوبكر، فتكلم أبلغ الناس فقال في كلامه: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، فقال حباب بن المنذر: لا والله لا نفعل، منا أمير ومنكم أمير. فقال أبو بكر: لا ولكنا الأمراء وأنتم الوزراء... فبايعوا عمر أو أبا عبيدة، فقال عمر: بل نبايعك أنت، فأنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله صَلى الله عليه وسلم، فأخذ عمر بيده فبايعه وبايعه الناس".[صحيح البخاري رقم الحديث(3668)، فتح الباري(9/19)].



ولقد خسرت الأمة الإسلامية خسارة فادحة، بقوم يلحّون في طلب الإمارة والقيادة، ويبذلون جهوداً مضنية في سبيل الحصول عليها، من أجل العلو في الأرض وابتغاء الرئاسة والمال والجاه، فأفسدوا بذلك الدين والدنيا معاً، وتوالت على المسلمين الهزائم بسبب تساهلهم في هذا الأمر، وتركوا طلاب الرئاسة والعلو والمال والجاه على كراسي قيادتهم، الذين يضحون بدين الأمة ودنياها من أجل إرضاء أهل الكفر الذين يعاونونهم ما داموا كذلك، على البقاء على كراسي القيادة.



وعلى المسلمين أن يتحملوا مسؤولية منحهم السلطة في قيادتهم لمحبيها من هذا النوع، فإن المصائب التي أنزلها الله بهم، والمحن التي ابتلاهم بها، ما هي إلا بسبب ما كسبت أيديهم، ومن يعمل سوءاً يجز به، هذا بالإضافة إلى أن الحريص على القيادة مستعبد لغير الله، لا يرجى منه إلا ذله وهوانه وذل من تبعه.



قال اللواء محمد جمال الدين محفوظ: "والمصدر الثالت من مصادر استعباد الإنسان وذلته، إنما هو وهم الحرص على الوظيفة أو المكانة الاجتماعية، ومن أجل ذلك يسير بعض الناس في هذه الحياة وكل همه الاحتفاظ بوظيفته أو المحافظة على مكانته، فيتزلف ويرائي ويعيش مطأطئ الرأس منحنيا في ذلة وهوان، وتلك نزعة يحاربها الإسلام ويحاول أن يجتثها من جذورها من الوسط المسلم".[المدخل إلى العقيدة والاستراتيجية العسكرية الإسلامي ص195].



ولقد كان طالب الإمارة في العهود الإسلامية الماضية يستجديها من ولاة الأمور الذين يحكمون الأمة حكما شرعيا ولهم السيطرة الكاملة على البلدان الإسلامية، ولو حصل من بعضهم شيء من المخالفات، والأمور مستقرة، أما اليوم فقد أصبح طالب الإمارة لا يحصل عليها إلا بالولاء الكامل في الحق والباطل لمن يؤمره، وإلا بالانقلاب على ولي الأمر ولو أدى إلى الفوضى والعدوان وسفك دماء الناس، كما نشاهد ذلك في كثير من بلدان المسلمين، وبخاصة البلدان العربية المشتعلة بالفتن والتهارش الذي يشبه تهارش الحيونات في غاباتها.







السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13467719

عداد الصفحات العام

947

عداد الصفحات اليومي