﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(028) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (09) سافر معي في المشارق والمغارب :: (08) سافر معي في المشارق والمغارب :: (027) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(084)الجهاد في سبيل الله-الفرع الثامن-تربية الجند على التسليم المطلق لله.

(084)الجهاد في سبيل الله-الفرع الثامن-تربية الجند على التسليم المطلق لله.


القائد المسلم الصادق يربي جنده على السعي الجاد للوصول إلى رضا الله الخالق، الذي لم يخلق البشر إلا لأجله، كما قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون، ما أريد منهم من رزق ومما أريد أن يطعمون، إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين}[الذاريات: 56ـ58].



قال ابن تيمية رحمه الله: "وذلك أن العبادة لله هي الغاية المحبوبة له والمرضية له التي خلق الخلق لها".[العبودية ص: 39].



وهذه التربية هي التي ربى الله أصحاب نبيه محمد صَلى الله عليه وسلم عليها – وكذلك كان حواريو الأنبياء- وهذا واضح من نصوص كثيرة، مثل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ذلك خير وأحسن تأويلاً}[النساء: 59].



وجه الدلالة من الآية: أن الله سبحانه وتعالى أمر بطاعته وبطاعة رسوله مطلقاً، لأن رسول الله صَلى الله عليه وسلم، لا يأمر إلا بما أمر الله به{إن هو إلا وحي يوحى}[النجم: 4].



أما غير الرسول صَلى الله عليه وسلم من أولي الأمر، فقد أمر بطاعتهم مقيدة، بأن لا يحصل بينهم وبين أتباعهم نزاع، وذلك بأن يكونوا أمروا بما أمر الله به، وهو الذي لا يجوز لهم النزاع فيه، أما إذا أمروا بما لم يظهر لأتباعهم أنه طاعة، لله فإنه يجب أن يحتكم الآمر والمأمور إلى الله ورسوله، أي إلى كتاب الله وسنة رسوله صَلى الله عليه وسلم.



وذلك لئلا ينصب أحد نفسه آمراً ناهياً يطاع أمره ويجتنب نهيه لشخصه، فتكون طاعة جنده له طاعة مطلقة، لأن في هذا عبودية لذلك الشخص، والأشخاص يعتريهم الجهل والهوى والظلم والمحاباة وغير ذلك من النقص البشري.



وقد قيد رسول الله صَلى الله عليه وسلم طاعة المخلوق بطاعة الخالق، ونهى عن طاعة من أمر بمعصيته كائناً من كان، وما ذلك إلا للحفاظ على الاستسلام الكامل لله والعبودية المطلقة له عز وجل.



بل إن الله عز وجل أنكر على أصحاب رسول الله صَلى الله عليه وسلم، أن يتخاذلوا عن بذل نفوسهم في سبيله، بسبب موت رسول الله صَلى الله عليه وسلم أو قتله، لينبههم سبحانه أن الطاعة مطلقة ليست معلقة بشخص، حتى ولو كان هذا الشخص هو الرسول صَلى الله عليه وسلم، الذي يجب أن يطاع أمره كما يطاع أمر الله.

قال تعالى: {وما محمدُ إلا رسول قد خلت من قبله الرسل؟ أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين}[آل عمران: 144].



قال ابن القيم رحمه الله - وهو يتحدث عن بعض حكم غزوة أحد-: "ومنها أن وقعة أحد كانت مقدمة وإرهاصاً بين يدي موت رسول الله صَلى الله عليه وسلم، فنبأهم ووبخهم على انقلابهم على أعقابهم، إن مات رسول الله صَلى الله عليه وسلم أو قتل، بل الواجب له عليهم أن يثبتوا على دينه وتوحيده ويموتوا عليه أويقتلوا، فإنهم إنما يعبدون رب محمد وهو حي لا يموت، فلو مات محمد أو قتل، لا ينبغي لهم أن يصرفهم ذلك عن دينه وما جاء به، فكل نفس ذائقة الموت، وما بعث محمد صَلى الله عليه وسلم إليهم، ليخلد لا هو ولا هم، بل ليموتوا على الإسلام والتوحيد"[زاد المعاد(2/113)].



وقال سيد قطب رحمه الله: "وكأنما أراد الله سبحانه بهذه الحادثة وبهذه الآية، أن يفطم المسلمين عن تعلقهم الشديد بشخص النبي صَلى الله عليه وسلم، وهو حي بينهم وأن يصلهم مباشرة بالنبع: النبع الذي لم يفجره محمد صَلى الله عليه وسلم، ولكن جاء فقط ليومئ إليه، ويدعو البشر إلى فيضه المتدفق، كما أومأ إليه من قبله من الرسل ودعوا القافلة إلى الارتواء منه. كأنما أراد الله سبحانه أن يأخذ بأيديهم فيصلها مباشرة بالعروة الوثقى العروة التي لم يعقدها محمد، وإنما جاء ليعقد بها أيدي البشر، ثم يدعهم عليها ويمضي، وهم بها مستمسكون.



وكأنما أراد الله سبحانه أن يجعل ارتباط المسلمين بالإسلام مباشرة، وأن يجعل عهدهم مع الله مباشرة، وأن يجعل مسؤوليتهم في هذا العهد أمام الله بلا وسيط، حتى يستشعروا تبعتهم المباشرة التي لا يخليهم منها أن يموت رسول الله صَلى الله عليه وسلم أو يقتل، فهم إنما بايعوا الله وهم أمام الله مسؤولون.



وكأنما كان الله سبحانه يعد الجماعة المسلمة لتلقي هذه الصدمة الكبرى حين تقع، وهو سبحانه يعلم أن وقعها عليهم يكاد يتجاوز طاقتهم، فشاء أن يدربهم عليها هذا التدريب، وأن يصلهم به هو وبدعوته الباقية قبل أن يستبد بهم الدهش"[انتهى من كتاب في ظلال القرآن(4/486)].



وإذا كان الله سبحانه وتعالى أراد أن يفطم المسلمين عن تعلقهم الشديد بشخص النبي صَلى الله عليه وسلم وهو حي، وأن يصلهم به مباشرة، وهو حي باق لا يموت، فإن فطم الأمة عن التعلق الشديد بشخص غيره صَلى الله عليه وسلم، واتصالها بالحي الذي لا يموت، أولى ما دام المقصود هو تحقيق عبوديتهم له سبحانه.



وعلى هذه الأمة أن تعد قادة يتلو بعضهم بعضا يقودونهم إلى صراط الله، والجهاد في سبيل الله، وأن يكون تعلقهم بهم تعلق جندي يعبد الله ويطيع قائده في طاعة الله، وطاعة الله باقية ولو مات ذلك القائد أو قتل، وعلى القائد الذي يليه أن يحمل الراية لرفع كلمة الله وعلى الأمة أن تتبعه في طاعة الله.



قال الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله: "أقول: وفي هذه الآية من الهداية والإرشاد أيضا، أنه لا ينبغي أن يكون استمرار الحرب وعدمه، معلقا بوجود القائد بحيث إذا قتل ينهزم الجيش أو يستسلم للأعداء، بل يجب أن تكون الأعمال والمصالح العامة جارية على نظام ثابت، لا يزلزله فقد الرؤساء، وهذا ما عليه نظام الحروب والحكومات في هذا العصر، وقد كان أكثر الناس في العصور القديمة تبعاً لرؤسائهم، يحيون لحياتهم ويخذلون بموتهم، حتى إنهم يرون أن وجود الجيش العظيم بعد فقد القائد كالعدم.



إن الأمة التي تقدر هذه الهداية حق قدرها، تعد لكل علم تحتاج إليه، ولكل عمل تقوم مصالحها به، رجالاً كثيرين، فلا تفقد معلما ولا مرشداً ولا حاكماً ولا قائداَ ولا رئيساً ولا زعيما، إلا ويوجد فيها من يقوم مقامه ويؤدي لها من الخدمة ما كان يؤديه.



فهي لا تحصر الاستعداد لشيء من الأشياء في فرد من الأفراد، ولا تقصر القيام بأمر من الأمور على تابع واحد من التابعين، ولا يتجرأ فيها حاكم ولا زعيم على احتكار علم من العلوم أو عمل من الأعمال.



بل تتسابق فيها الهمم إلى الاستعداد لكل شيء يمكن أن يصل إليه كسب البشر، وينال منه العامل بقدر همته وسعيه وتأييد التوفيق له، فأين نحن معاشر المسلمين من هذه الهداية اليوم"[تفسير المنار(4/164)].



ولقد كان رسول الله صَلى الله عليه وسلم يثبت في نفوس أصحابه التسليم المطلق لله، ويشدد النكير عليهم في إطرائه، كما في حديث عمر رضِي الله عنه: سمعت رسول الله صَلى الله عليه وسلم يقول: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله)[البخاري رقم الحديث(3445) فتح الباري(6/478)].



وفي حديث أبي مسعود رضِي الله عنه قال: أتى النبيَّ صَلى الله عليه وسلم رجلٌ فكلمه فجعل ترعد فرائصه، فقال له: (هون عليك فأني لست بملك إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد)[سنن ابن ماجة(2/1100) وقال المحقق: في الزوائد: هذا إسناد صحيح ورجاله ثقات.. ثم عقب المحقق: والمحفوظ عن إسماعيل ابن أبي خالد عن قيس مرسلاً من غير ذكر أبي مسعود أ.هـ.].



وكان صَلى الله عليه وسلم يربى أصحابه على دوام الطاعة والاستمرار في الجهاد، ولو فقدوا قائدهم الأول والثاني والثالث في وقت، واحد لأنهم يجاهدون في سبيل الله وفقد القائد أو القادة، لا يسوغ لهم التوقف عن جهادهم.



ففي حديث ابن عمر رضِي الله عنهما قال: "أمَّر رسول الله صَلى الله عليه وسلم في غزوة مؤتة زيد بن حارثة، فقال رسول الله صَلى الله عليه وسلم: (إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة) قال عبد الله: كنت فيهم في تلك الغزوة، فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى، ووجدنا ما في جسده بضعاً وتسعين من طعنة ورمية"[البخاري رقم الحديث(426) فتح الباري(7/510)].



"فأين نحن المسلمين من هذه الهداية اليوم"؟



هكذا عقب محمد رشيد رضا رحمه الله متسائلاً عما يجري الآن في تربية من مكنهم الله من قيادة المسلمين لأتباعهم قائلاً: (فأين نحن المسلمين من هذه الهداية اليوم)؟



ويكاد يكون الجواب: إننا في عهد الفرعونية الجماعية التي تعبد البشر للبشر، وتمن عليهم بذلك التعبيد – لا بسواه -: {وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل}[الشعراء: 22].



فأغلب من ابتلاهم الله بالمسؤولية على من سواهم - ولا سيما القيادة العسكرية - يربون من تحت أيديهم على التسبيح بحمدهم، والخضوع المذل لهم وعبادة أشخاصهم، حتى إذا قالوا، سمع الأتباع، وإذا دعوهم، استجابوا على نهج الولاء الجاهلي:



لا يسألون أخاهم حين يندبهم،،،،،،،،، في النائبات على ما قال برهاناً



وقول الآخر:



وهل أنا إلا من غزية إن غوت،،،،،،،،، غويت وأن ترشد غزية أرشد



ينصب نفسه كأنه رب مَن تحته، ويذل هولاء كأنهم عبيده حقاً، ويشعرهم بأنه وحده القادر على تصريف الأمور والمدبر للشؤون، وأنهم هم يكونون بدونه من سقط المتاع، ويعاملهم معاملة المتكبر المتجبر المتغطرس للأراذل الأذلة الذين لا يستحقون العزة ولا الكرامة، وهم يظهرون له أنه كذلك ربهم الأعلى الذي له الأمر والنهي، وأنهم عبيده الذين عليهم أن يسرعوا إلى تنفيذ أمره والبعد عن نواهيه، وغالبهم في ذلك كاذبون يظهرون له ما لا يبطنون، حرصاً على مصالحهم في الدنيا التي يظنون أنهم لا ينالونها إلا برضاه، فيعينونه – بذلك - على التكبر والانتفاخ الكاذب، وهو يربيهم على المداهنة والنفاق والذل والجبن، يغلون في مدحه إذا حضر ويلعنونه إذا غاب، يسارعون في عمل ما يرضيه إذا علم، ويكيدون له المكايد إذا جهل.



لا يرضى هو أن يرتفع أحد منهم إلا بقدر ما يزيد ذلك الارتفاع في كبريائه وطغيانه، ويقلدونه هم في مساويه، فيتكبر كل واحد منهم على من تحته، ويتخذهم عبيداً له ويجعل نفسه إلهاً لهم، فكل واحد منهم رب لمن دونه وعبد لمن فوقه، لأنهم لم يربوا على التسليم المطلق لله، وإنما ربوا على التسليم المطلق لشخص القائد، وتلك هي التربية الفرعونية التي تعبد البشر للبشر لا لرب البشر.



فالملأ من قوم فرعون - وهم عبيده - يغرونه بموسى وقومه ليقضي عليهم، لأنهم مفسدون - في نظرهم - وسبب هذا الإغراء هو اعتقادهم بأنهم يتقربون إليه بما يرضيه، لينعم عليهم وهو يهدد المستضعفين بقتل رجالهم واستحياء نسائهم وقهرهم: {وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك؟ قال: سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم، وإنا فوقهم قاهرون}[الأعراف: 127].



والقوم الذين يربون على الذلة والمهانة، ليس من السهولة انتشالهم من وهدة الرضا بالمذلة والمهانة، إلى قمة العزة والكرامة، وليس من السهولة غرس الشجاعة في نفوسهم، وقد ألفت تلك النفوس الجبن، ولو رزقهم الله العزة بدون تعب منهم، وبعث لهم من يحاول رفع معنوياتهم بشتى الإغراءات ليحافظوا على ما منحهم الله من عزة، فإنهم لا يقوون على ذلك.



ولقد ظهر هذا المعنى جلياً في بني إسرائيل الذين ذاقوا الذل والهوان من فرعون، وأنعم الله عليهم بتحريرهم من عبوديته وقهره، فبعث لهم موسى يدعوهم إلى أن يحافظوا على تلك الحرية، ويذكرهم بنعمة الله عليهم، ووعد الله لهم بأنه كتب لهم الأرض المقدسة، ويطلب منهم تحريرها ودخولها، ولكنهم وضعوا أمامه المعاذير تلو المعاذير، حتى إذا غلبتهم حجته ولم يبق لهم عذر، أظهروا له عذرهم الأصيل الذي ملأ قلوبهم وهو الخوف والذل. كما قال تعالى: {وإذ قال موسى لقومه: يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً، وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين، يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين، قالوا يا موسى إن فيها قوماً جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها، فإن يخرجوا منها فإنا داخلون، قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما: ادخلوا عليهم الباب، فإذا دخلتموه فإنكم غالبون، وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين، قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها، فاذهب أنت وربُّك فقاتلا إنا ههنا قاعدون}[المائدة: 20ـ 24].



والذي يتأمل التربية العسكرية – وغيرها –الشعوب الإسلامية في هذه الأيام يجدها تريية فرعونية – إلا ما شاء ربك وقليل ما هم – يربي القائد جنده على طاعته المطلقة في الخير والشر، كما يربيهم على الخضوع الكامل له، وهم يظهرون له الطاعة والولاء وقد تكون قلوبهم له عاصية كارهة، وإن رأى من يحاول الظهور من جنده، قضى عليه بأي أسلوب من أساليب القضاء وإذا غاب هذا القائد بموت أو غيره، خلفه من هو مثله لا يهتم إلا بشخصه التي يعبد لها من تحت يديه.



وها هم كتاب هذا العصر يرفعون أصواتهم منكرين هذه التربية الفاسدة، التي أماتت في نفوس جنود الشعوب الإسلامية العبودية الحقة لله، وجعلتهم عبيداً لما سواه، فكان ذلك وبالاً على الأمة الإسلامية وعائقاً عظيما عن الجهاد في سبيل الله.

قال الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: "إن الذي يدرس المجتمعات الفاسدة ويتغلغل في بحث عللها، والذي يتتبع أعمال الأدعياء وطلاب الزعامة، ويستقصي وسائلهم الملتوية في تسخير الجماهير للوصول إلى القمة، والذي يلحظ النهضات الكبرى وكيف يدركها الفشل فجأة، لأنهم أصيبوا برجال يحبون الظهور، فلا يرحبون بالنصر إلا إذا جاء عن طريقهم وحدهم، أما إذا جاء عن طريق غيرهم فهو البلاء المبين. الذي يلحظ هذه الآفات القتالة، يدرك أن هنالك رجالاً كأنما يعيشون (في غرف من المرايا) فأينما ولوا وجوههم لا يرون إلا أنفسهم، إنهم يعبدون أنفسهم من دون الله ويريدون أن تعنو وجوه الناس لهم"[الإسلام والاستبداد السياسي ص35].



وقال سعد جمعة: "والفرق بين الإسلام والنظم المعاصرة، أن الولاء في الإسلام هو لله وحده، بينما الولاء في النظم الأخرى المنعوتة بالتقدمية، هو للطاغية أو الدكتاتور أو الحزب الحاكم أو الجيش العقائدي أو الإيديولوجية المتسلطة، ولذا فهو ولاء إكراه وضغط وإرهاب فكري وقهر بوليسي، لا ولاء الخير والمحبة والمودة والتقوى والأخوة"[الله أو الدمار ص 181، ويراجع كتاب الخطر الصهيوني على العالم الإسلامي ص 29 ـ 43].



وقال اللواء محمد جمال الدين محفوظ: "القائد السلبي: والنمط الثاني هو القائد السلبي الذي لا تصل به قدراته، أو قد لا يصل إيمانه وإدراكه لمسؤوليته، إلى حد السعي إلى إعداد غيره للقيادة، فنراه لا يهتم بأكثر من تصريف الأمور ويترك معاونيه ومرؤوسيه، لعوامل الصدفة في التعليم، وبعض القادة من هذا النمط يركز كل الأمور في يده، ويتصور أن من صالحه أن يقال عنه: إن الأمور تختل لو غاب عن قيادته، وقد ينطوي هذا السلوك على سوء النية والحقد وكراهية النجاح لغيره فيتضاعف ضرره"[المدخل إلى العقيدة والاستراتيجية العسكرية الإسلامية ص: 307].



ولقد كان من آثار كبرياء القادة على الأتباع، وعدم تربيتهم على التسليم المطلق لله بل لأنفسهم، أن أصيبت الشعوب الإسلامية بمآس ونكبات متوالية، لتنافس الظلمة على القيادة الظالمة، ومحاولة المقهور التغلب على قاهره، والمظلوم الانتصار على ظالمه وصار مريد العلو ذليلاً في الحياة قبل الممات.



قال ابن تيمية رحمه الله: "فكم ممن يريد العلو ولا يزيده ذلك إلا سفولاً، وكم ممن جعل من الأعلين وهو لا يريد العلو ولا الفساد، وذلك لأن إرادة العلو على الخلق ظلم، لأن الناس من جنس واحد، فإرادة الإنسان أن يكون هو الأعلى ونظيره تحته ظلم، ومع أنه ظلم فالناس يبغضون من يكون كذلك ويعادونه، لأن العادل منهم لا يجب أن يكون مقهوراً لنظيره، وغير العادل منهم يؤثر أن يكون هو القاهر"[مجموع الفتاوى(28/393)].



وما لم تعد الأمة الإسلامية إلى منهج دينها الحق، وتقتدي برسول الله صَلى الله عليه وسلم، في التربية الربانية، تربية الأتباع على التسليم المطلق لله، لا للأشخاص، فإنه لا نجاة لها ولا نصر، لأن نصر الله لا يكون إلا لدينه الذي شرع الجهاد من أجل نصره، لا للأشخاص.



وما لم يُعِدّ قادةُ الجيوش الإسلامية من يخلفهم إذا فقدوا، كما فعل الرسول صَلى الله عليه وسلم في تعيين قائد يخلف من سبقه إذا فقد، فإن الفشل الذي سجله التاريخ على غير هذه الأمة، وعليها عندما ابتعدت عن الاقتداء بالرسول صَلى الله عليه وسلم، سيكون حليفها: "ونحن نقرأ في التاريخ عن معارك هزمت فيها جيوش كبيرة وانسحبت وهي على وشك الانتصار لمجرد موت القائد الذي يقودها في المعركة".[الشخصية العسكرية ص 16].



وقال في موضع آخر: "فإذا اختفى القائد من المعركة، لموته أو أسره أو إصابته بجروح خطيرة تقعده عن العمل، أو ظهرت منه أية بادرة للخوف أو اليأس من التغلب على الموقف الخارجي، فإن التفكك يظهر في صفوف الجماعة في الحال، حتى ولو كانت موشكة على النصر. وقد دلت التجارب الكثيرة على ذلك، وعلى أنه ما لم يقم مقام القائد قائد آخر في الحال، له من المقدرة ومن المكانة في نفوس الأفراد، ما يجعله قادراً على أن يحل محل القائد الأصلي ويعوض الجماعة عنه، فإنها تندثر ويعتريها التفرق والهزيمة"[المرجع السابق ص 65].



والقائد المسلم الذي يريد بجهاده وجه ربه، لا بد أن يعد الصف القيادي ويدربه ويفسح له المجال، ليزداد خبرة وقوة واتصالاً بالجنود، ليقوي صلته بهم وينال محبتهم التي تجعلهم يطيعونه، كما كانوا يطيعون القائد الأول، لأن الهدف هو إعلاء كلمة الله الذي لا ينقطع بفقد قائد بموت أو غيره.



أما القائد الذي يريد بعمله العلو على الناس، وتكبير نفسه وإحاطتها بهالة من العظمة، فإنه يسوؤه أن يظهر غيره من جنده، ظهوراً يجعل أفراد هذا الجند يقدرونه ويحترمونه، خوفاً من أن يصغر ذلك القائد في عيونهم بقدر ما يكبر غيره، ولذلك لا يفتأ يحول بين النابغين من أتباعه وبين ظهور نبوغهم لجنده، بأي وسيلة ممكنة له ولو كانت ظالمة.



والفرق بين القائدين القائد المسلم الذي يريد إعلاء كلمة الله. والقائد الذي يسعى لظهور نفسه وعظمتها، أن القائد المسلم لا يحرص على القيادة إلا لرضا الله بعمله، ومن رضا الله أن يعد من يستمر في هذا العمل الجليل بعده، حتى يكون له أجره وأجر من عمله وأعانه على ذلك إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيء، أما الآخر فإنه يخاف - ولو خوفاً وهمياً - أن ينال العظمة غيره، وهي هدفه الوحيد، فلا يسمح بأي فرصة لغيره يخشى منه على ذلك الهدف.



كما أن القائد الأول واثق من جنوده كباراً وصغاراً أنهم يريدون بلوغ الهدف الذي يريد هو بلوغه، لأنه رباهم على ذلك. أما الآخر فإنه يعلم أنه هو نفسه قدوة سيئة، لأنه أناني يحب التسلط على غيره، ولا يضع الرجل في موضعه ولا يفسح المجال لذوي القدرات والطاقات بالبروز، وقد يكونون أفضل منه لذلك لا يثق فيمن عنده تلك القدرات والطاقات، بل يخشاه ويخشى أن يلتف حوله جنوده الذين رباهم على الأنانية والظلم، لينتقموا منه ويشفوا صدورهم التي امتلأت بالغيظ عليه.





السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13474686

عداد الصفحات العام

809

عداد الصفحات اليومي