﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (04) سافر معي في المشارق والغارب :: (24) أثر الترية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (03) سافر معي في المشارق والمغارب :: (023) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(086) الجهاد في سبيل الله-الفرع العاشر: من صفات القائد الضبط الإداري المحقق لأهداف الجهاد

(086) الجهاد في سبيل الله-الفرع العاشر: من صفات القائد الضبط الإداري المحقق لأهداف الجهاد


إن الحرص على تحقيق الأهداف المرسومة للجيش من الصفات الملازمة للقائد المسلم، وقد كان قدوة قادة المسلمين هو رسول الله صلّى الله عليه وسلم، الذي كان يرسم الهدف ثم يسعى لتحقيقه، فقد حرص صلّى الله عليه وسلم على إيجاد مكان يهاجر إليه أصحابه، ثم يتبعهم هو إليه، وكان الهدف من ذلك أن تكون لهم قاعدة يستقرون فيها وينظمون أنفسهم، استعداداً لمجابهة المشركين وكسر شوكتهم، من أجل نشر الدعوة إلى الله، ولقد حقق صلّى الله عليه وسلم - بعون من ربه - ذلك الهدف بالهجرة إلى المدينة ومبايعة أهلها له، وما تبع ذلك من جمع أهل المدينة كلهم تحت نظام عام يحمي المدينة من الأعداء، وكان منهم المسلم ومنهم المنافق، ومنهم اليهودي ومنهم المشرك.



ثم بدأ صلّى الله عليه وسلم في بعث السرايا من أصحابه، لتدريبهم على القتال وتعرفهم على الأرض، ومعرفتهم تحركات العدو ومحاصرته اقتصادياً، فحقق صلّى الله عليه وسلم بتلك السرايا الأهداف المرسومة، وكان من أعظمها استعدادهم للقتال المسلح مع العدو، وفي معركة بدر ما يظهر تحقيق هذا الهدف[راجع كتاب الرسول القائد لمحمود شيت خطاب ص50 وما بعدها].



وكان من شدة حرصه صلّى الله عليه وسلم على تحقيق الأهداف يتولى بنفسه الإشراف على بعث السرايا وتوجيهها، والمشاركة في الغزوات وترتيب المقاتلين وتعيين أماكنهم وتنظيم صفوفهم - واقرأ هذه الآية التي نزلت ضمن آيات غزوة أحد، والتي تصور لك حركاته صلّى الله عليه وسلم، وهو يرتب أصحابه ويحدد لهم أماكنهم، قبل المعركة ليقاتلوا عدوهم من مواقع عسكرية نافعة. {وإذ غدَوَّت من أهلك تبؤئ المؤمنين مقاعدَ للقتال، والله سميع عليم}[آل عمران: 121].



ولقد حقق صلّى الله عليه وسلم بذلك الترتيب هدفه بإذن الله، وهو هزيمة أعدائه، لولا أن بعض أصحابه خالفوا أمره الصريح عن اجتهاد خاطئ، وارجع إلى قصة هذه الغزوة تجد ذلك واضحاً، وما من سَرِيَّة بعثها أو غزوة غزاها صلّى الله عليه وسلم، إلا كان له فيها هدف وكان يحرص على تحقيق ذلك الهدف.



وكان من أهدافه صلّى الله عليه وسلم الحفاظ على أرواح أصحابه في المعارك، بل كان شديد الرغبة في تحطيم معنويات أعدائه بدون الزج بأصحابه في معارك معهم، وإذا تأمل القارئ تنظيم الرسول صلّى الله عليه وسلم أصحابه، في كتائب على هيئة مرعبة في غزوة الفتح، وما حققه فعلاً ذلك التنظيم، من إنزال الرعب في قلوب أهل مكة، الذين لم يقفوا ضد جيش الإسلام وكتائبه، إلا نفر قليل ولوا الأدبار في ساعة من نهار علم صدق ما نقول.



قال ابن القيم رحمه الله: "وأمر صلّى الله عليه وسلم العباس أن يحبس أبا سفيان بمضيق الوادي عند حطم الجبل، حتى تمر به جنود الله فيراها، ففعل، فمرت القبائل على راياتها، كلما مرت به قبيلة قال: يا عباس من هذه؟ فأقول: سليم، فيقول: ما لي ولسليم، ثم تمر به القبيلة فيقول: يا عباس من هؤلاء؟ فأقول: مزينة، فيقول: ما لي ولمزينة، حتى نفدت القبائل، ما تمر به قبيلة إلا سألني عنها فإذا أخبرته قال: ما لي ولبني فلان، حتى مر به رسول الله صلّى الله عليه وسلم في كتيبته الخضراء، فيها المهاجرون والأنصار، ولا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، قال: سبحان الله يا عباس من هؤلاء؟! قال: قلت: هذا رسول الله صلّى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار، قال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة، ثم قال: والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيماً، قال: قلت: يا أبا سفيان: إنها النبوة، قال: فنعم إذن".[زاد المعاد(2/182)].



إي والله: (فنعم إذن) نعم لكتائب الرحمن المرعبة التي تحمى النبوة وتحرسها وتنشر دعوتها، و كأن أبو سفيان يقول بلسان الحال والقال: لا للنبوة وحدها بدون كتائب مسلحة،نعم للحديد الذي حملته سواعد أهل الإيمان، وإن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.



ولقد كانت النبوة موجودة في مكة بحججها وبيناتها، وموجودة في المدينة بحججها وبراهينها، وبقوتها التي لم تصل إلى أن يقال لها: (فنعم إذن) أما الآن فقد وصلت إلى: (فنعم إذن) فليعتبر دعاة الإسلام وحكام الشعوب الإسلامية اليوم، إن كانوا يريدون: (فنعم إذن).



وفي معركة بدر كذلك كان حرصه صلّى الله عليه وسلم على الحفاظ على أرواح أصحابه، وعلى قتل أكبر عدد ممكن من أعدائه وأسر أكبر عدد آخر منهم فضبط أصحابه ذلك الضبط الإداري الحازم نظمهم وصفهم ومنعهم من أن يحدثوا شيئاً إلا بعد إذنه. كما في حديث أنس، وفيه: "فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: (لا يقدمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه) فدنا المشركون، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: (قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض)[صحيح مسلم(3/1510)].



ولو أن الرسول صلّى الله عليه وسلم ترك المسلمين لأسلوب الكر والفر المعروف آنذاك - وما كان تاكاً - لَتَبعثر المسلمون وهم قلة، كما تبعثر المشركون وهم كثرة، ولكنه اتبع أسلوب الصف القابل للضبط والسيطرة.



قال محمود شيت خطاب رحمه الله: "إن تطبيق الرسول صلّى الله عليه وسلم لأسلوب الصفوف، يؤمن السيطرة على القوة بكاملها، ويؤمن احتياطاً للطوارئ، ويصلح للدفاع والهجوم في وقت واحد. أما أسلوب الكر والفر، فيجعل القائد يفقد السيطرة، ولا يؤمن له أي احتياط للطوارئ"[الرسول القائد ص105].



قوة تأثير القائد في جنوده


وفي الحديث السابق - زيادة على الضبط الإداري والترتيب - قوة التأثير التي كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يتصف بها، وينبغي لكل قائد أن يتصف بها - وإن لم يكن كقوة تأثيره صلّى الله عليه وسلم - وذلك واضح من قوله صلّى الله عليه وسلم: (قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض). ولا يعرف تأثير هذه الجملة في الصحابة البدريين، إلا من اطلع على ما سطره لهم التاريخ من بطولات لا نظير لها فيه بذلك الحشد الهائل. و في حديث جابر رَضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه؟ حتى كأنه منذر جيش يقول: (صبحكم ومساكم…)[مسلم(2/592)].



مقامات الكتمان والإعلام


وكان من حرصه صلّى الله عليه وسلم على تحقيق الأهداف المرسومة، كتمان الأمر الذي يعزم عليه، حتى لا تحبط مساعيه قبل تنفيذها، فكان إذا أراد غزوة ورَّى بغيرها، ولكنه إذا رأى أن تحقيق الهدف يقتضي التصريح بها وإظهارها لم يتردد في ذلك.



يظهر ذلك في قصة كعب بن مالك: "ولم يكن رسول الله صلّى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورَّى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة - أي غزوة تبوك - غزاها رسول الله صلّى الله عليه وسلم في حر شديد، واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً وعدواً كثيراً، فجلَّى للمسلمين أمرهم، ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد"[البخاري رقم 4418، فتح الباري(8/113) ومسلم(4/2120)].



وقال ابن القيم رحمه الله: "ومنها - أي من فوائد غزوة تبوك - تصريح الإمام للرعية وإعلامهم بالأمر الذي يضرهم ستره وإخفاؤه، ليتأهبوا له ويعدوا له عدته، وجواز ستر غيره عنهم والكناية عنه للمصلحة"[زاد المعاد(3/15)].



حرص القائد على سلامة جيشه من المعوقات


وكان من شدة حرصه صلّى الله عليه وسلم على تحقيق الأهداف، أنه يتفقد قبل خروجه للغزو رجاله، مَن منهم أهلٌ للغزو والقتال فيدعه، ومن ليس بأهل لصغره - مثلاً - فيرده، كما فعل مع عبد الله بن عمر وبعض أصحابه، كما كان ينصح أصحابه بتفقد سلاحهم وركابهم لئلا يخرجوا بشيء غير صالح للسفر أو القتال.



كما في حديث ثوبان مولى رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: "قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم في مسير له: (إنا مدلجون، فلا يدلجن مصعب ولامضعف) فأدلج رجل على ناقة صعبة فسقط فاندقت فخذه فمات، فأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلم بالصلاة عليه، ثم أمر منادياً ينادي في الناس (إن الجنة لا تحل لعاص، ثلاث مرات) [أحمد(5/275)، قال الساعاتي في الفتح الرباني في الحاشية: ك: أي رواه الحاكم وصححه وأقره الذهبي (13/43)]. ومعنى: (مصعب) من له دابة صعبة القياد، ومعنى(مضعف) من له دابة ضعيفة لا تتحمل السفر أو القتال عليها، وتحل في هذا العصر آلات الحرب كلها محل الدابة الصعبة، أو الدابة الضعيفة، فيدخل فيها تفقد جميع الأسلحة المعاصرة، من الطائرات والدبابات وأدوات الرمي وغيرها، يجب تفقد الصالح منها والفاسد، وصيانة ما تمكن صيانته.



حرص القائد على وضع السلاح في يد أهله


وكان صلّى الله عليه وسلم، كما يحرص على أن يكون السلاح صالحاً غير فاسد، يحرص كذلك على ألا يقع السلاح إلا في يد من هو أهل له، لأن الذي ليس أهلاً لحمل السلاح لا يرجى منه تحقيق الهدف به،كما في حديث أنس: "أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أخذ سيفاً يوم أحد فقال: (من يأخذ مني هذا بحقه؟) فأحجم القوم فقال سماك بن خرشة: أنا آخذه بحقه، قال: فأخذه ففلق به هام المشركين"[صحيح مسلم(4/1917)].



وكذلك أمر أصحابه أن ينثروا ما في جعابهم من النبال، لأبي طلحة الذي دافع عنه دفاعاً شديداً، وكان يقول له: "نحري دون نحرك"[البخاري رقم 3811، فتح الباري(7/128) ومسلم(3/1443)].



حرص القائد على استمرار تدريب جيشه


ولشدة حرصه صلّى الله عليه وسلم على تحقيق هدف الجهاد في سبيل الله، كان ينصح أصحابه ألا يتركوا التدرب على السلاح، وقت السلم والرخاء حتى لا يقعدهم الترف عن الجهاد في أي وقت من الأوقات، كما في حديث عقبة بن عامر قال: "سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: (ستفتح عليكم أرضون ويكفيكم الله فلا يعجز أحدكم أن يلهو بسهمه)[صحيح مسلم(3/522)].



وحذرهم صلّى الله عليه وسلم من التنافس في الدنيا الذي يلهي عن الجهاد في سبيل الله لما فيه هلاك المسلمين، فقال: (فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم)[البخاري رقم 3158، فتح الباري(6/257) ومسلم(4/2273)].



وكان صلّى الله عليه وسلم يغلب عليه اللين - كما مضى - ولكنه إذا رأى ما يخشى منه الْحَوْلَ بينه وبين تحقيق الهدف المرسوم، فإنه يشتد في الضبط الإداري الذي لا يترك مجالاً للخلخلة والاضطراب. كما فعل مع أصحابه، وهو قافل من غزوة بني المصطلق، عندما اقتتل اثنان من الصحابة أحدهما من الأنصار والآخر من المهاجرين، وكادت تحصل فتنة بين المهاجرين والأنصار، وأراد رأس النفاق ابن أبي إشعالها. "ثم مشى رسول الله صلّى الله عليه وسلم بالناس، يومهم ذلك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس، فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض، فوقعوا نياماً، وإنما فعل ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلم ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس، من حديث عبدالله بن أبي [سيرة ابن هشام (2/290 ـ 292)]



ساق القصة بكاملها إبراهيم بن إبراهيم القريبي في رسالته "مرويات غزوة بني المصطلق" ثم قال: "الحديث رجاله ثقات، ولكنه مرسل وأورده بن جرير الطبري من هذه الطريق نفسها، وله شاهد عند ابن أبي حاتم من مرسل عروة بن الزبير وعمر بن ثابت الأنصاري، وهو مرسل جيد كما قال ابن حجر، وهو أيضاً عند ابن أبي شيبة من مرسل عروة وحده، وأصله في الصحيحين من حديث زيد بن أرقم وجابر بن عبد الله وبهذا يكون الحديث حسناً لغيره ص190 مخطوطة في مكتبة الباحث(نسخة أهداها له المؤلف، وقد طبعت الرسالة المذكورة بمطابع الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، والقصة فيها من صحيفة 186 إلى 190]. وفي هذا الضبط الإداري العظيم الحرص على وحدة الجيش وعدم تفككه.



وفي رسول الله لأصحابه قدوة


ولقد اقتدى به أصحابه رضي الله عَنهم، في الحرص على تحقيق الأهداف والضبط الإداري وقوة التأثير. وفي موقف أبي بكر رضِي الله عنه، من إنفاذ جيش أسامة وحروب الردة، ما يوضح ذلك الحرص وذلك الضبط وتلك القوة المؤثرة. فقد أمَّر رسول الله صلّى الله عليه وسلم أسامة بن زيد على جيش فيه عمر بن الخطاب رضِي الله عنه، فمات رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وهو وجيشه بالجرف، وبعد موته ظهر النفاق في المدينة، وارتد كثير من العرب عن الإسلام، فرأى كثير من الصحابة عدم إنفاذ جيش أسامة، للحاجة إليه في حماية المدينة أولاً، ثم لغزو المرتدين ثانياً، وأشاروا بذلك على الصديق وممن أشار عليه عمر بن الخطاب رضِي الله عنه. فامتنع الصديق من ذلك، وأبي أشد الإباء إلا أن ينفذ جيش أسامة وقال: "والله لا أحل عقدة عقدها رسول الله صلّى الله عليه وسلم، ولو أن الطير تخطفنا، والسباع من حول المدينة، ولو أن الكلاب جرت بأرجل أمهات المؤمنين لأجهزن جيش أسامة، وأمر الحرس يكونون حول المدينة"[البداية والنهاية لابن كثير(6/304)].



ولقد حقق رضي الله عنه الهدف فعلاً فوجه أسامة، فجعل لا يمر بقبيلة يريدون الارتداد، إلا قالوا لولا أن لهولاء قوة، ما خرج مثل هؤلاء من عندهم، ولكن ندعهم حتى يلقوا الروم، فلقوا الروم فهزموهم وقتلوهم، ورجعوا سالمين فثبتوا على الإسلام"[نفس المرجع(6/305)].



وفي أمر المرتدين والذين منعوا الزكاة، يكفي ذكر حديث أبي هريرة رضي الله رضِي الله عنه قال: "لما توفي رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وكان أبو بكر رضي الله عرضيَ الله عنه، وكفر من كفر من العرب، فقال عمر رضِي الله عنه: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله)؟



فقال: "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال. والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم، لقاتلتهم على منعها".

قال عمر رضي الله رضِي الله عنه: فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر رضي الله رضِي الله عنه، فعرفت أنه الحق"[البخاري رقم الحديث(1399 ـ 1400) فتح الباري(3/262)].



والذي يستعرض حروب الردة التي أصر أبو بكر رضي الله رضِي الله عنه عليها، وأقنع بها غيره من الصحابة الذين خالفوه أولاً، فعرفوا أنه الحق، يظهر له أن ضبطه الإداري وقوة تأثيره في جنوده حرصاً على تحقيق الهدف المرسوم، قد حققت هدفه فعلاً، لا في الجزيرة وحدها بل في نشر الدعوة إلى خارج الجزيرة والجهاد في سبيل الله لرفع راية الإسلام.



وقد لخص ابن قدامة رحمه الله بعض الصفات التي تلزم للقائد لتحقيق الهدف، فقال: "وأمر الجهاد موكول إلى الإمام واجتهاده، ويلزم الرعية طاعته فيما يراه من ذلك. وينبغي أن يبتدئ بترتيب قوم من أطرف البلاد، يكفون من بإزائهم من المشركين، ويأمر بعمل حصونهم وحفر خنادقهم وجميع مصالحهم، ويوفر في كل ناحية أميراً يقلده أمر الحروب وتدبير الجهاد، ويكون ممن له رأي وعقل ونجدة، وبصر بالحرب ومكابدة العدو، ويكون فيه أمانة ورفق ونصح للمسلمين، ويتقدم إلى من يؤمره ألا يحمل المسلمين على مهلكة".[المغني(9/202)].



فأين قادة المسلمين من هذه الخصال الحميدة؟


لقد كانت أهداف القادة المسلمين التي يحرصون على بلوغها، ويرسخونها ويضبطون جيشهم من أجلها، ويؤثرون فيه تأثيراً قوياً، لقد كانت تلك الأهداف هي إعلاء كلمة الله في الأرض، بنشر الدعوة، وحماية المستضعفين، وإقامة حكم الله، وتحقيق مصالح المسلمين، وقد حقق الله لهم ما كانوا يصبون إليه، لأنهم أعدوا له عدته وأخلصوا لله في سعيهم له. فأين قادة جيوش المسلمين الآن من هذه الخصال الحميدة؟



لقد بَدَّلوا بالحرص على تلك الأهداف، الحرصَ على مطامع شخصية لهم أو لغيرهم، وقدموا رضا الناس على رضا الله، وأحلوا محل الضبط الإداري والتأثير في الجنود بالأساليب الناجحة، القهر والعسف والطغيان، فكانت نتائجها مدمرة للجيوش والشعوب الإسلامية. وشيدوا بدل الحصون والقلاع وحفر الخنادق، أماكن اللهو والطرب والفساد، وجهزوا أبناء الشعوب الإسلامية بآلات الطرب والرقص، بدل تجهيزهم بالسلاح ضد الأعداء، وشغلوا الشباب بالمبالغة في أنواع الرياضة التي تبدد طاقتهم في الملاعب الرياضية وخارجها، في داخل البلدان الإسلامية وخارجها، بدلاً من ترتيب قوم في أطراف البلاد يكفون من بإزائهم من المشركين.



وولوا أمور الحروب –في الغالب- صبية مترفين خونة أشداء على المسلمين رحماء بأعدائهم، بدلاً ممن له رأي وعقل ونجدة وبصر بالحرب ومكابدة العدو، ويكون فيه أمانة ورفق ونصح للمسلمين. لذلك كانوا أسرع إلى تحقيق أهداف الأعداء، من تحقيق أهداف المسلمين السامية فإلى الله – وحده - المشتكى.





السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13467764

عداد الصفحات العام

992

عداد الصفحات اليومي