﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (04) سافر معي في المشارق والغارب :: (24) أثر الترية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (03) سافر معي في المشارق والمغارب :: (023) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(088) الجهاد في سبيل الله-الفرع الثالث عشر مراقبة القائد جنده ونهيهم عن الظلم

(088) الجهاد في سبيل الله-الفرع الثالث عشر مراقبة القائد جنده ونهيهم عن الظلم


والقائد المسلم يجب أن يحرص كل الحرص على إبعاد جنده عن الوقوع في الشبهات فضلاً عن المحرمات - لاسيما جمع المال من غير باب شرعي، لأن كثيراً من الناس قد يغره الشيطان فيتناول المال بغير حق على وجه من التأويل.



والجنود المجاهدون قد يقعون في هذا في وقت الغزو وغيره، فلا بد من المراقبة والمحاسبة، والزجر عما يقع مخالفاً للشرع، وحفظ مال المسلمين واجب على القائد، لأنه من أولى الداخلين في الحديث الصحيح: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)[البخاري رقم 2554، فتح الباري(5/177) ومسلم(3/1459)].



وقد ضرب الرسول صَلى الله عليه وسلم المثل الأعلى في المراقبة والمحاسبة ومن النصوص الواضحة في ذلك: حديث أبي حميد الساعدي قال: "استعمل رسول الله صَلى الله عليه وسلم رجلاً من الأزد، على صدقات بني سليم، يدعى ابن اللتبية فلما جاء حاسبه، قال: هذا مالكم وهذا هدية، فقال رسول الله صَلى الله عليه وسلم: (فهلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك، إن كنت صادقاً؟). ثم خطبنا فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (أما بعد فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله، فيأتي فيقول: هذا مالكم، وهذا هدية لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقاً؟، والله لا يأخذ أحد منكم منها شيئاً بغيرحقه إلا لقي الله تعالى يحمله يوم القيامة فلأعرفن أحداً منكم لقي الله يحمل بعيراً له رغاء، أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر). ثم رفع يديه حتى رؤي بياض إبطيه ثم قال: (اللهم هل بلغت) بصر عيني وسمع أذني"[البخاري رقم 6636، فتح الباري(11/524) ومسلم(3/1463)]. ولقد اقتفى أصحاب الرسول صَلى الله عليه وسلم أثره في ذلك.



هذا هو واجب القائد أن يراقب جنوده ويحاسبهم، لئلا يأكلوا أموال الناس، أو أموال بيت المسلمين بالباطل، ولكن ما يعمله كثير من قادة المسلمين الآن، بأموال المسلمين من صرفها في المحرمات، وإعطائها من لا يستحقها، أمر يدعو إلى الأسى والحزن، كإنفاق الأموال في الخمور والبغاء وغيرهما من الفسق، وإعانة دول الكفر ضد الإسلام والمسلمين.



قال ابن تيمية رحمه الله: "ولا يجوز للإمام أن يعطي أحداً، ما لا يستحقه من قرابة بينهما أو مودة ونحو ذلك، فضلاً عن أن يعطيه لأجل منفعة محرمة منه، كعطية المخنثين من الصبيان المردان: الأحرار والمماليك ونحوهم، والبغايا والمغنين والمساخر ونحو ذلك أو إعطاء العرافين من الكهان والمنجمين ونحوهم"[مجموع لفتاوى(28/288)].



ولم يعد كثير من زعماء المسلمين، يقتصرون على عطية المخنثين والصبيان المردان والبغايا والمغنين، فحسب، بل أعدوا لهؤلاء وأمثالهم من الوسائل ما أفسدوا بها المسلمين، من الفضائيات وغيرها، في وقت تشتد الحاجة فيه، إلى شجعان مجاهدين، بدلا من التخنث والغناء، والفساد والبغاء!



وإذا كان القائد نفسه خائناً لأمته، لا يلزم نفسه بشرع الله في حلٍ ولا حرمة، فكيف يرجى منه أن يراقب من تحت سلطته، ويزجره عن جمع المال من طرق حرام؟



إنه كما قال ابن تيمية: "فأما من يغضب لنفسه لا لربه، أو يأخذ لنفسه ولا يعطي غيره، فهذا القسم الرابع شر الخلق، لا يصلح بهم دين ولا دنيا، بخلاف من اقتفى أثر رسول الله صَلى الله عليه وسلم، من القادة الصالحين، فقد قال فيهم رحمه الله: "كما أن الصالحين من أرباب السياسة الكاملة، هم الذين قاموا بالواجبات وتركوا المحرمات، وهم الذين يعطون ما صلح الدين بعطائه، ولا يأخذوا إلا ما أبيح لهم، ويغضبون لربهم إذا انتهكت محارمه، ويعفون عن حقوقهم، وهذه أخلاق رسول الله صَلى الله عليه وسلم"[الفتاوى(28/296)].



الفرع الرابع عشر التصرف الحكيم السريع أمام المفاجآت


إن القائد معرض للمفاجآت الطارئة - وقد يتعلق بعض هذه المفاجآت بشخصه - كأن يموت له عزيز أو يفقد منصبه الذي قام به خير قيام، وقد يفاجأ بفقد قائده أو قادته في المعارك، وهو غير مكلف أن يخلف غيره في القيادة من قبل قائده العام أو الخاص، هذه المفاجآت الطارئة قد تذهل هذا القائد وتنسيه مهمته، فيضطرب ويؤثر اضطرابه على جنوده، فيخسر المعركة ولو كان قبل ذلك منتصراً يحصد أعداءه حصداً. ولكن القائد الحكيم المدبر الثابت القلب لا تزيده هذه المفاجآت إلا حكمة وسرعة في تصرفه المنقذ لجيشه.



ويكفي هنا أن يُضرب مثلان لخالد بن الوليد رَضي الله عنه:



المثال الأول: في غزوة مؤتة حيث كان الرسول صَلى الله عليه وسلم قد أمَّر زيد بن حارثة، فإن قتل فجعفر بن أبي طالب ابن عم الرسول صَلى الله عليه وسلم، فإن قتل فعبد الله بن رواحة، وقتل الثلاثة واحداً بعد الآخر، ولم يكن أحد بعدهم مكلفاً الإمرة من قبل الرسول صَلى الله عليه وسلم. ولو ترك الجيش الإسلامي بدون قائد لانفرط عقده وكان لقمة سائغة لأعدائه من الروم الذين كانوا يفوقونه عدداً وعدة بأضعاف مضاعفة فبادر خالد بن الوليد رَضي الله عنه فأخذ الراية وأنقذ الله به جنوده.



كما في حديث أنس رَضي الله عنه، قال: "قال النبي صَلى الله عليه وسلم: (أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب - وإن عيني رسول الله صَلى الله عليه وسلم لتذرفان - ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمرة ففتح له) [جامع الأصول في أحاديث الرسول(8/350) أخرجه البخاري والنسائي وهو في البخاري برقم(3757)، فتح الباري(9/100)].



أما المثال الثاني: فوقع له رَضي الله عنه في غزوة اليرموك التي كانت المعارك فيها محتدمة بين المسلمين وبين أعدائهم، وكان خالد رَضي الله عنه، هو القائد فجاء رسول عمر رَضي الله عنه يبلغه بأمرين عظيمين:



الأمر الأول: وفاة أبي بكر خليفة رسول الله صَلى الله عليه وسلم.



والأمر الثاني: عزله عن القيادة واستنابة أبي عبيدة عامر بن الجراح، فلم يزد على أن وقف الرسولَ عنده، وأدار المعركة حتى تحقق النصر ثم أخبر الناس بما جاءه.



قال ابن كثير: "وبينما هم في جولة الحرب، وحومة الوغى والأبطال يتصاولون في كل جانب، إذ قدم البريد من نحو الحجاز فدفع إلى خالد بن الوليد، فقال له: ما الخبر؟ فقال له – فيما بينه وبينه -: إن الصديق رضِي الله عنه قد توفي واستخلف عمر، واستناب على الجيوش أبا عبيدة عامر بن الجراح، فأسرها خالد ولم يبد ذلك للناس، لئلا يحصل ضعف ووهن في تلك الحال، وقال له والناس يسمعون: أحسنت، وأخذ منه الكتاب فوضعه في كنانته، واشتغل بما كان فيه من تدبير الحرب والمقاتلة وأوقف الرسول الذي جاء بالكتاب – وهو منجمة بن زنيم – إلى جانبه"[البداية والنهاية(7/12)].



خلاصة القول في صفات القائد المسلم:



وخلاصة القول: إن القائد المسلم الذي لا بد أن يكون قدوة لجنوده في كل الصفات التي يجب توافرها فيهم، حتى يكون على حق في مطالبتهم بها وأهلاً لقيادتهم وتولي أمرهم، فلا بد أن يكون شديد الحرص على التقرب إلى الله سبحانه بعبادته، وذلك يقتضي إتعاب نفسه في التقرب إليه بفرائض العبادات ونوافلها، والبعد عن المحرمات والمكروهات، وترك بعض المباحات خشية من الوقوع فيما لا يرضي الله عز وجل، ولابد أن يجتهد في تعليم جنوده وتطهيرهم من الذنوب والآثام، ومطالبتهم بالتقرب إلى ربهم بالإكثار من طاعته وترك معصيته.



ولا بد أن يكون ذا خبرة عالية بأمور الحرب، ليوجه جنوده توجيهاً مفيداً لهم في تحقيق أهدافهم، وأن يكون ليناً مشفقاً عليهم متفقداً لأحوالهم، لا عنيفاً متكبراً غليظ القلب، حتى يجتمعوا عليه ولا ينفضوا من حوله، ويجب أن يبتعد كل الابتعاد عن طلب الرئاسة لذاتها، لأن الحرص على طلب الرئاسة يدل على عدم خلوص عبوديته لله تعالى، وذلك من أسباب مذلته ومذلة جنوده ويصير قدوة سيئة لغيره.



ويجب أن يكون عادلاً منصفاً يسند الأمور إلى أهلها، لأن ذلك هو الذي يجعل الأفراد يؤدون واجبهم بأمانة وإخلاص ويدل على أمانته هو، أما إسنادها إلى غير أهلها، فإنه يدل على غشه وخيانته، وذلك يسبب كرههم إياه وبغضهم له، ويجلب الفشل للمسلمين، لأن الذي أسند إليه الأمر، لا يكون أهلاً له بسبب جهله أو خيانته أو ضعفه، وكلها أمور لا تجلب إلا الفشل والهزيمة.



ويجب أن يربي الجند على الإخلاص لله والطاعة المطلقة له سبحانه، لا يربيهم على الطاعة المطلقة لشخصه، لأنه بذلك يثبت أنه متكبر وأنه لا يعمل لرفع راية الإسلام مخلصاً لله، وإنما يعمل لعلو نفسه على الناس، وجنود مثل هذا القائد لا يرجى أن يحققوا نصراً على الأعداء، لأنهم يشعرون بأنهم يقدسون من هو مثلهم قهراً، بل قد يكون بعضهم أفضل منه في صفات قيادية كثيرة، ويرى أنه أولى منه بالقيادة، ولأنه دربهم على الذل له والخوف منه والطاعة المطلقة له، لا لله تعالى.



ولا بد أن يكون القائد مطبقاً قاعدة الشورى مع جنده، يستشيرهم في كل الأمور المهمة التي لا يوجد نص فيها من كتاب أو سنة، وفي كيفية التنفيذ إن لم يكن منصوصاً عليه وفي أمور الحرب، لأنه باستشارته لهم يشركهم في التنظيم والتخطيط وهم الذين ينفذون ذلك، فيكونون مسئولين عن الأمر من بدايته إلى نهايته، ويتحملون النتائج راضين، لأنهم لم يُجبروا على تنفيذ شيء، وإنما دخلوا فيه مختارين، ويشعرون بأن قائدهم يحترمهم ويثق فيهم، بخلاف من استبد بالأمر دون جنده، فإنهم يشعرون بعدم ثقته فيهم، وبأنهم ينفذون ما لم يشتركوا في التخطيط له ولا يدرون عن نتائجه، وإذا كانت النتائج طيبة فإنها تنسب له دونهم، وإذا كانت سيئة أسندت إليهم لاتهامهم بالتقصير.

هذا مع أن للقائد أن يتصرف في الأمور العاجلة الخطيرة، التي لا تقبل التأخير بدون الرجوع إلى جيشه، لأن الضرورة تقتضي ذلك، ولكنه ينبغي أن يكون بجانبه بعض أركان جيشه من ذوي الخبرة الذين يمكن أن يسعفوه بالرأي في مثل هذه الحال.



ويجب أن يكون القائد شديد الحرص على تحقيق الأهداف الجهادية، بأن يسعى لذلك بكل وسيلة ممكنة، لأن تحقيق الأهداف يدفع المجاهدين إلى المزيد من الحماس والرضا ببذل النفس والنفيس، وأن يكون ضبطه الإداري بالغاً القمة، لأن الضبط الإداري الذي يتخذ فيه القائد القرارات المدروسة الحاسمة، يكون من أهم أسباب تماسك الجيش وانضباطه وعدم تخلخله، بخلاف ما إذا كان القائد ضعيف الشخصية متردداً، لا يأخذ الأمر بالجد، فإن الجيش لا يتماسك، والأفراد الذين ألفوا الفوضى تزداد فوضاهم. ولا بد أن يكون القائد قوي التأثير في جنده، إذا طرقت كلماته مسامعهم أثرت في نفوسهم وحركتهم إلى تحقيق الأهداف التي رسمها لهم، وبدون قوة التأثير هذه، يكون القائد بعيداً عن فرص النجاح، لأن الجندي الذي لا يؤثر فيه قائده بسلوكه وأسلوبه وفصاحته وحججه المقنعة، قد يتباطأ في التنفيذ وتباطؤ الجنود عن القيام بواجبهم يؤدي إلى كوارث وهزائم منكرة.



ويجب أن يكون عنده قدرة على معرفة جنوده واختبار إرادتهم الجهادية وقدرتهم وخبرتهم، حتى لا يكون في صفه من يعوقهم عن الجهاد في سبيل الله بسبب، الضعف الجسماني أو الإيماني.



ويجب كذلك أن يتفقدآلات، وأن ينهى عن حمل شيء منها غير صالح. ويجب أن يكون شجاعاً كريماً، يثبت في وقت الشدة ليقتدي به جنوده ويبذل أغلى ما عنده في سبيل الله كذلك. والذي لا خبرة له بجنوده وأدوات القتال، معرض للفشل، لأنه يضع الأمور في غير موضعها لجهله، وفي ذلك ما فيه من الفشل والقائد الجبان البخيل، يقود جيشه إلى الهزائم المحققة ولا شك.



ولا بد أن يراقب القائد جنده ويحاسبهم - لا سيما ما يتعلق بالأموال - فإن الجندي الذي يستمرئ جلب المال من وجه حرام، لا يركن إليه ولا يستحق أن يكون في صفوف المسلمين، لأن خيانته في المال دليل على أنه لا يتورع عن الخيانة في غيره.



وينبغي أن تكون محاسبته لهم ونصحه لهم سراً، وإذا اقتضى الأمر أن يعلن نصحهم على الملأ، فعل بدون ذكر الاسم، كأن يقول: ما بال قوم.... ويجب أن يكون هو أبعد الناس عن أخذ المال من غير وجهه أو صرفه في غير وجهه، أو على من لا يستحقه، وإلا كان كما قيل حاميها حراميها، وبذلك يصعب عليه أن يراقب غيره أو يحاسبه، لأنه هو ليس نظيفاً فكيف يدعو غيره إلى النظافة.



ولا بد أن يكون القائد قادراً على التصرف السريع الحكيم، إذا واجهته مشكلة أو معضلة عويصة - لا سيما وقت احتدام المعارك - لأنه بذلك يقدر على تسيير الأمر ومواصلة النضال، لينال النصر على الأعداء، وحماية جنده من التخلخل والوقوع في فخ الأعداء، بخلاف من ليس عنده هذه الصفة فإنه سيعرضهم لعكس ذلك. ولعل فيما ذكر كفاية لبيان الصفات القيادية الجهادية.





السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13467776

عداد الصفحات العام

1004

عداد الصفحات اليومي