﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(028) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (09) سافر معي في المشارق والمغارب :: (08) سافر معي في المشارق والمغارب :: (027) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(089)الجهاد في سبيل الله-المبحث الثاني: صفات الجندي المسلم

(089)الجهاد في سبيل الله-المبحث الثاني: صفات الجندي المسلم


وفيه تمهيد وستة فروع:

الفرع الأول: الصدق.

الفرع الثاني: الطاعة.

الفرع الثالث: الحرص التوبة إلى الله

الفرع الرابع: الدهاء وقوة المكر بالأعداء.

الفرع الخامس: الشجاعة والكرم.

الفرع السادس: الثقة في القائد.

تمهيد:


صفات أفراد الجيش الإسلامي التي يجب أن يتحلى بها، يصعب حصرها في كتاب الله وسنة رسوله صَلى الله عليه وسلم، ولكن يمكن إجمالها في ركنين مهمين:



الركن الأول: الإيمان بالغيب الذي يجمعه أركان الإيمان الستة: الإيمان بالله، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالملائكة، والإيمان بالكتب السماوية والإيمان بالأنبياء والرسل و الإيمان بالقدر خيره وشره، والذي يحقق الإيمان بما ذكر يكون قد حقق:





الركن الثاني وهو: العمل الصالح وهو طاعة الله ورسوله في كل أمر يأمر به، والانتهاء عما نهاه عنه الله ورسوله صَلى الله عليه وسلم، وقد جمع الله ذلك في آية واحدة من آيات سورة البقرة، وهي قوله تعالى: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب، ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين، وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب، وأقام الصلاة وآتى الزكاة، والموفون بعهدهم إذا عاهدوا، والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس، أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون}[البقرة: 177].



فالركن الأول ينتهي عند قوله: {والنبيين} ولم ينص على القدر هنا ولكنه نص عليه في آيات وأحاديث كثيرة، والعمل الصالح ما ذكر في الآية بعد ذلك وهو الركن الثاني، وفي معنى هذه الآية حديث جبريل المشهور.



قال سيد قطب - بعد أن تفيأ في ظلال هذه الآية: "وهكذا تجمع آية واحدة بين أصول الاعتقاد وتكاليف النفس والمال، وتجعلها كلا لا يتجزأ ووحدة لا تنفصم، وتضع على هذا كله عنواناً واحداً هو البر، وهو جماع الخير أو هو الإيمان كما ورد في بعض الأثر، والحق أنها خلاصة للتصور الإسلامي ولمبادئ المنهج الإسلامي المتكامل لا يستقيم بدونها إسلام"[في ظلال القرآن(2/161)].



ولذلك وصف الله سبحانه من قام بما في هذه الآية بهاتين الصفتين العظيمتين: الصدق والفلاح: {أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون}.



الفرع الأول: الصدق.



والصادق المتقي يجعل مقياس السعادة والشقاوة رضا الله وغضبه، ويبني حياته

ونشاطه على ذلك، فيسعى لرضا الله وإن غضب عليه الخلق أجمعون، ولا يجعل مقياس السعادة رضا الناس أو غضبهم، ولا المال والجاه و المنصب، ولا الفتن والمصائب، ولهذا قال كعب بن مالك الصادق المتقي لرسول الله صَلى الله عليه وسلم مقراً بذنبه معللاً لذلك الإقرار بقوله: "إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أنْ سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلاً، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديثَ كذبٍ ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديثَ صدقٍ تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو الله". نعم إنه ليرجو في صدقه عفو الله، ولقد علم أنه إن حدث الرسول صَلى الله عليه وسلم حديث كذب يرضى به عنه، فإن الله لابد أن يسخطه عليه.


قال ابن القيم رحمه الله: "ومنها - أي من فوائد قصة كعب بن مالك في تخلفه عن غزوة تبوك - توفيق الله لكعب وصاحبيه فيما جاؤوا به من الصدق، ولم يخذلهم حتى كذبوا واعتذروا بغير الحق، فصلحت عاجلتهم وفسدت عاقبتهم كل الفساد. والصادقون تعبوا في العاجلة بعض التعب، فأعقبهم صلاح العاقبة، والفلاح كل الفلاح، وعلى هذا قامت الدنيا والآخرة، فمرارات المبادئ حلوات العواقب، وحلوات المبادئ مرارات العواقب".[زاد المعاد(2/23)]



إي والله إن مرارات المبادئ حلوات العواقب، لأن الجنة حفت بالمكاره، وإن حلوات المبادئ مرارات العواقب، لأن النار حفت بالشهوات، وقصة كعب مثال للأول، فقد صبر على الصدق وكان مُراً، فنال في العاقبة رضا الله، وكذلك زميلاه، أما المنافقون الكاذبون فقد نالوا حلاوة عفو رسول الله صَلى الله عليه وسلم عملاً منه بظاهر قولهم، ولكنهم ذاقوا مرارات العواقب وهي سخط الله تعالى عليهم.



ولعل القارئ يدرك هذا المعنى في قوله تعالى: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين، فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون. ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب}[التوبة: 75ـ78].



فقد ذاق هذا المنافق حلاوة رزق الله الذي وعد، بل عاهده تعالى على أنه إن رزقه أدى حق الله فيه، وكان كاذباً غير صادق فنكث عهده وظهر كذبه، فأذاقه الله مرارات عواقب كذبه ونكثه: {فأعقبهم نفاقاً إلى يوم يلقونه} أي أنه مات على نفاقه وكفى بذلك مرارات.



ولهذا عاتب الله سبحانه من قال ما لا يفعل من المؤمنين، لأن ذلك من الكذب الذي لا يليق بجندي الإسلام أن يتصف به، وهو ممقوت عند الله، والله لا يحب إلا الصادق الذي يخوض المعارك في صف إخوانه المؤمنين بثبات. {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون، إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص}[الصف: 2ـ4].



الفرع الثاني: الطاعة


إن المؤمن الصادق - ولا سيما جندي الجهاد في سبيل الله - لا بد أن تتأصل الطاعة في نفسه، مثل الإيمان، فالطاعة دليل الإيمان، ولا يمكن- أبداً - أن يوجد جيش لهذه أمة يحقق لها أهدافها التي تنال بها السعادة في الدنيا ورضا الله عنها، إذا لم تتوافر في أفراده الطاعة.



ولقد حض الله تعالى عباده المؤمنين على الطاعة وأمرهم بها في عدة مواضع من كتابه. كما قال سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتُم في شيء فردُّوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ذلك خير وأحسن تأويلاً}[النساء: 59].



فناداهم سبحانه بصفة الإيمان الذي يقتضي الطاعة وأمرهم بها بعد ذلك، وفي آخر الآية بين سبحانه أن طاعة الله وطاعة رسوله وأولي الأمر، ثم الرجوع فيما اختلف فيه إلى الله ورسوله، شرط في الإيمان {إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر}.



وقال سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم، إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم، فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون، والله معكم ولن يتركم أعمالكم}[محمد: 33ـ35].



ويفهم من هذه الآية، أن دعوة المسلمين أعداءهم إلى السلم، ليست من طاعة الله تعالى اللائقة بالمجاهدين، لأن الذي يدعو إلى السلم هو الأدنى عقيدة وسلوكاً وشريعة، أما الأعلى في ذلك كله وفي غيره، فلا ينبغي أن يدعو هو إلى السلم، ولذلك أمر الله تعالى المسلمين أن يجنحوا للسلم، إذا بدأ جنوح عدوهم إليها. وكيف يدعو إلى السلم من الله معه، يؤيده وينصره ويأمره بجهاد أعدائه لإعلاء كلمته؟!



وبين سبحانه أن المتصف بطاعة الله ورسوله، له منزلة عالية رفيعة، إذ يكون في ركب من أنعم الله عليهم ووفقهم لطاعته ورضوانه من أئمة الخير. قال تعالى: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً}[النساء: 69].



والذي لا يطيع الله ولا يطيع رسوله ولا أولي الأمر في طاعة الله ورسوله، فإنه عاص ظاهر الضلال. كما قال تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن بعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً}[الأحزاب: 36].



وبين سبحانه أن من اتصف بالطاعة نال الهداية - عكس من عصى -{وإن تطيعوه تهتدوا، وما على الرسول إلا البلاغ المبين}[النور: 54]. وفي الطاعة رحمة الله: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون}[النور: 56].



ولقد حرص الرسول صَلى الله عليه وسلم على تربية أمته على طاعة أمرائها بعده إلى يوم القيامة، ما دام ذلك في إطار طاعة الله، وجعل صَلى الله عليه وسلم طاعة أميره من طاعته ومعصية أميره من معصيته، حتى لا يقول قائل: إنما الطاعة للرسول صَلى الله عليه وسلم، فإذا مات فلا طاعة لسواه، كما فعل أهل الردة ونحوهم، كما في حديث أبي هريرة رَضي الله عنه، قال صَلى الله عليه وسلم: (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني)[البخاري رقم 7137، فتح الباري(13/111) ومسلم(3/1466)].



وكان صَلى الله عليه وسلم يأخذ البيعة على أصحابه على السمع والطاعة في كل الأحوال، كما في حديث عبادة بن الصامت عن جنادة بن أبي أمية قال: "دخلنا على عبادة بن الصامت وهو مريض قلنا: أصلحك الله حدثنا بحديث ينفعك الله به سمعته من النبي صَلى الله عليه وسلم، قال: دعانا النبي صَلى الله عليه وسلم فبايعناه فقال: فيما أخذ علينا، أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان"[البخاري رقم 7056، فتح الباري(13/5) ومسلم(3/1470)].



هذا، ولقد استجاب الصحابة رَضي الله عنهم لهذه الأوامر الصارمة في طاعة الله وطاعة رسوله في حياته وبعد مماته صَلى الله عليه وسلم، وطاعة من ولاه الله عليهم، ما لم يأمر بمعصية، ولم يحققوا ذلك النصر على أعدائهم إلا بذلك الإيمان الصادق وتلك الطاعة الكاملة. فقد كانوا رَضي الله عنهم يطيعونه في أحرج المواقف.



ويكفي أن يُضرب لذلك مثالان:

المثال الأول: وقع في عهد الرسول في قصة كعب بن مالك رَضي الله عنه، وزميليه الذي تخلف عن غزوة تبوك، وصدق رسول الله صَلى الله عليه وسلم عند رجوعه ولم يكذب عليه، كما كذب عليه غيره من المنافقين، وأمر الرسول صَلى الله عليه وسلم باجتنابه هو واجتناب صاحبيه اللذين صدقا مثلما صدق. فهجرهم الناس مدة خمسين ليلة، وأمر الرسول صَلى الله عليه وسلم الثلاثة أن يعتزلوا نساءهم، فبقوا على طاعة رسول الله صَلى الله عليه وسلم، ولاسيما كعب الذي بعث إليه ملك غسان يدعوه للحاق به ليواسيه مما حصل له، فرمى كتابه في التنور، وأمر امرأته أن تلحق بأهلها على الرغم من وحشته لهجر الناس كلهم له. قال كعب: "حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسولُ رسولِ الله صَلى الله عليه وسلم يأتيني، فقال: إن رسول الله صَلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك فقلت أطلقها أم ماذا؟ قال: لا بل اعتزلها ولا تقربها، وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقلت لامرأتي الحقي بأهلك فكوني عندهم، حتى يقضي الله في هذا الأمر"[نفس المصدر(3/750)].



أما المثال الثاني: فقد مضى في قصة عزل خالد عن قيادة الجيش عندما تولى عمر رَضي الله عنه الخلافة [البخاري رقم 4418، فتح الباري(8/113) ومسلم(4/2120)] وغيرها كثير ومنها قصة إنفاذ جيش أسامة وقصة حروب الردة. وبتلك الطاعة الفائقة، فتح المسلمون وقادتهم الأرض في فترة قصيرة من الزمن، ورفعوا راية الإسلام وأخرجوا الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله الواحد.



أثر فقد قادة الأمة وجيوشها لطاعة ربها


وكان إذا حصل خلل في الطاعة عاقب الله المسلمين، ولو كان فيهم رسول الله صَلى الله عليه وسلم بسبب معصيتهم، كما حصل لهم يوم أحد، حيث قتل من المسلمين سبعون، وجرح رسول الله صَلى الله عليه وسلم بسبب معصية بعض الرماة، الذين أمرهم بالبقاء في أماكنهم، فخالف بعضهم أمره عندما رأوا المسلمين منتصرين على المشركين، وتركوا الجبل، فأتى الله المسلمين بما لم يكونوا يحتسبون ليكون لهم تربية ولمن وراءهم عبرة. كما قال تعالى عن ذلك: {ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين}[آل عمران: 152]. وقال تعالى: {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا؟ قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير}[آل عمران: 165].



وإذا كان هذا العقاب حصل لأصحاب رسول الله صَلى الله عليه وسلم، الذي لم يسلم هو من أثره، بسبب معصية لا تعد شيئاً بجانب معاصي المسلمين في العصور المتأخرة، ولا سيما في هذا العصر، فإن ذلك يفسر ما أصاب المسلمين قادة وأتباعاً من ذل وهوان وفرقة حتى أصبحوا يُؤمَرون ويُنهَون - بعد أن كانوا هم الآمرين الناهين.



وإن أكثر قادة الجيوش الإسلامية ليفقدون طاعة جنودهم الطاعة الحقة الناشئة عن رضا واختيار، وإنما يظهرون لهم الطاعة قهراً، لأنهم لم يربوا على الإيمان والطاعة، كما كانت الجيوش تربى في عهد السلف الصالح يربون عليهما. وهذا ما جعل جيوش المسلمين الكثيرة المتفرقة تقف تحت ألوية قادتها، مقهورة لشذاد الآفاق من اليهود الذين أخرجوا الناس من ديارهم، ودنسوا الأرض المقدسة و أنزلوا الرعب في قلوب قادة جيوش المسلمين، فدب الرعب إلى جيوشهم كذلك، وليس لذلك من سبب إلا المعاصي التي ارتكبوها ولا زالوا مستمرين في ارتكابها.



بل إن الله جعل بأس المسلمين بينهم، فنشبت بينهم الحروب والمعارك فضرب بعضهم رقاب بعض، لا في بلدان مختلفة فحسب، بل في البلد الواحد أيضاً، ولو أن قادتهم أطاعوا الله ورسوله وربوا جيوشهم على طاعة الله ورسوله، وطاعتهم فيما هو طاعة الله ورسوله، لكان لهم شأن آخر مع أعدائهم مهما عظمت قوتهم وكثر عدَدهم وعُدَدهم.



لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.


وإذا كانت الطاعة الواجبة هي طاعة الله ورسوله صَلى الله عليه وسلم، وطاعة أولي الأمر تابعة لطاعة الله ورسوله، فإنه لا يطاع غير الله ورسوله إذا أمر بمعصيته، فإن أمر بمعصيته فلا طاعة له كائناً من كان، لأن المؤمن إنما يطيع الله ورسوله لينال ثواب الله تعالى ورضاه على طاعته التي يعبده بها، فإذا أطاع غير الله في معصية الله فإنه معرض لعقابه. كما قال تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة يصيبهم عذاب أليم}[النور: 63].



وقد نهى الرسول صَلى الله عليه وسلم عن طاعة أحد في معصية الله، كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صَلى الله عليه وسلم قال: (السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)[البخاري رقم 7145، فتح الباري(13/122) ومسلم(3/1469)].



وقد امتثل أصحابه رَضي الله عنهم ذلك في حياته وبعد مماته، فكانوا أسرع الناس إلى الطاعة فيما ليس بمعصية، وأشد الناس إباء فيما فيه معصية، وأقرهم صَلى الله عليه وسلم على عدم الطاعة في معصية الله. كما في حديث علي رَضي الله عنه، قال: "بعث النبي صَلى الله عليه وسلم سرية وأمر عليهم رجلاً من الأنصار وأمرهم أن يطيعوه، فغضب عليهم وقال: أليس قد أمر النبي صَلى الله عليه وسلم أن تطيعوني؟ قالوا: بلى، قال: قد عزمت عليكم لما جمعتم حطباً وأوقدتم ناراً ثم دخلتم فيها، فجمعوا حطباً فأوقدوا، فلما هموا بالدخول، فقام ينظر بعضهم إلى بعض، فقال بعضهم: إنما تبعنا النبي صَلى الله عليه وسلم فراراً من النار أفندخلها؟ فبينما هم كذلك إذا خمدت النار وسكن غضبه، فذكر للنبي صَلى الله عليه وسلم، فقال: (لو دخلوها ما خرجوا منها أبداً، إنما الطاعة في المعروف)[البخاري رقم 7145، فتح الباري(13/122) ومسلم(3/1469)].



وقال ابن تيمية رحمه الله: "وفي الحقيقة فالواجب في الأصل إنما هو طاعة الله، لكن لا سبيل إلى العلم بمأموره وبخبره كله إلا من جهة الرسول والمبلغ عنه، أما مبلغ أمره وكلماته، فتجب طاعته وتصديقه في جميع ما أمر وأخبر، وأما ما سوى ذلك فإنما يطاع في حال دون حال، كالأمراء الذين تجب طاعتهم في محل ولايتهم ما لم يأمروا بمعصية الله" إلى أن قال: "فإنه لا معصوم بعد الرسول ولا تجب طاعة أحد بعده في كل شيء".[مجموع الفتاوى(19/69)].



وقال في موضع آخر: "ودين الإسلام أن يكون السيف تابعاً للكتاب، فإذا ظهر العلم بالكتاب والسنة وكان السيف تابعاً لذلك، كان أمر الإسلام قائما... وأما إذا كان العلم بالكتاب فيه تقصير، وكان السيف تارة يوافق الكتاب، وتارة يخالفه، كان دين من هو كذلك بحسب ذلك"[مجموع الفتاوى(20/393)].



وكان الصحابة رَضي الله عنهم، إذا أمرهم النبي صَلى الله عليه وسلم بأمر وأراد فعله لمصلحتهم، سألوه إن كان أمراً تجب طاعته نفذوا، وإن كان إنما أراده من أجل مصلحتهم وهم لا يرونه راجعوه في ذلك، وما كان صَلى الله عليه وسلم يغضب عليهم، بل إنه كان يوافقهم على رأيهم ما دام غير مأمور به من الله. ومن ذلك إرادته صَلى الله عليه وسلم مصالحة غطفان على ثلث ثمار المدينة في غزوة الأحزاب لينسحبوا شفقة على أصحابه.



قال ابن القيم رحمه الله: "ولما طالت هذه الحال على المسلمين، أراد رسول الله صَلى الله عليه وسلم أن يصالح عيينة بن حصن والحارث بن عوف رئيسي غطفان، على ثلث ثمار المدينة وينصرفا بقومهما، وجرت المراوضة على ذلك، فاستشار السعدين في ذلك، فقالا: يا رسول الله إن كان الله أمرك بهذا فسمعاً وطاعة، وإن كان شيء تصنعه لنا فلا حاجة لنا فيه، لقد كنا نحن وهؤلاء القوم علي الشرك بالله وعبادة الأوثان، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعاً، فحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك نعطيهم أموالنا؟! والله لا نعطيهم إلا السيف. فصوب رأيهما وقال: (إنما هو شيء أصنعه لكم لما رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة)[زاد المعاد(2/131)].



ولقد أصبح السيف الآن يحارب الكتاب والسنة، في أغلب المعمورة وأصبح أهل لأهواء الذين يملكون القوة ويحكمون هذه الأمة، يتلاعبون بدين الله، لا يطبق المسلمون منه، إلا ما يأذنون لهم بتطبيقه، فيأذنون لما يشاءون من هذا الدين، ويمنعون منه ما يشاءون، و أصبحت طاعة كثير من المسلمين في معصية الخالق، هي الغالبة، ولا يخفى ذلك على المتأمل.



ويزداد الأمر سوءا بتسلط أعداء هذا الدين، على حكومات الشعوب الإسلامية، وتحريضهم على إبعاد شعوبهم عنه، باتخاذ الأسباب التي تشوه الإسلام، وتحرف الكلم عن مواضعه، لتضليل المسلمين وإساءة تصورهم لحقيقة دينهم، ولكن أملنا كبير في نصر الله لدينه، وهزيمة أعدائه من اليهود والنصارى وأتباعهم، و لعل يوم الاستقامة على طاعة الله وحده وعصيان من أمر بمعصيته قريب.


الفرع الثالث: الحرص على التوبة إلى الله


الجندي الصادق قد يذنب، لأنه بشر مهما بلغ إيمانه من القوة لا يكون معصوماً، ولكن من أهم صفاته الأوبة والتوبة إلى الله، وعدم الإصرار على الذنب، ولا بد أن تكون توبته صادقة، والتوبة الصادقة - وهي التوبة النصوح - هي أن يندم على ذنبه، وأن يعزم عزماً صادقاً جازماً على عدم العود إلى الذنب بعد أن يقلع عنه، وكلما كان أقوى إيماناً كان أكثر فعلاً للحسنات، لتذهب السيئات، ويفرح أشد الفرح بتوبة نفسه من ذنبه. وإذا كان هذا واجباً على المسلمين كلهم، فإنه على المجاهدين أكثر وجوباً، ويجب أن يكونوا أشد حرصا عليه من سواهم.



وإن في قصة كعب بن مالك الذي تخلف عن غزوة تبوك، لمثالاً يحتذى في هذا الشأن، وقد نوّه الله سبحانه بتوبته وتوبة زميليه بصفة خاصة، بعد أن نوّه بتوبته على النبي والمهاجرين والأنصار الذين باشروا الغزوة، تسلية للمتخلفين الثلاثة الذين أرجأهم الله مدة طويلة، ابتلاء لهم وامتحاناً لصدقهم، وتربية لهم ولغيرهم من المؤمنين، قرنهم سبحانه في توبته عليهم بمن باشروا الغزوة ليسليهم وليرفع من شأنهم، بسبب صدقهم وتوبتهم النصوح.



كما قال تعالى: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم، ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم، وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه، ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم}[التوبة: 117 ـ 118].



وبقراءة ما حكاه كعب نفسه عن توبته، يظهر للمسلم صدق التوبة، قال كعب: "قلت يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقه إلى الله وإلى رسول الله صَلى الله عليه وسلم، قال: (أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك) قلت: أمسك سهمي الذي بخيبر، قلت: يا رسول الله وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقاً ما بقيت.. فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صَلى الله عليه وسلم، ألا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا"[البخاري رقم 4418، فتح الباري(8/113) ومسلم(4/2120)].


الفرع الرابع: الدهاء وقوة المكر بالأعداء


والجندي المسلم يحرص كل الحرص - وهو يخوض المعارك ضد أعدائه - على التفكير في أساليب النصر وأسباب التقليل من خسائر أمته، وأساليب دحر أعدائه وتفريق كلمتهم، وإنزال الخسائر الفادحة بهم، وقد فتح الرسول صَلى الله عليه وسلم لجنود الإسلام القاعدة العامة للمكر بأعدائهم. كما في حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما، قال: قال النبي صَلى الله عليه وسلم: (الحرب خدعة)[البخاري رقم 3030، فتح الباري(6/158) ومسلم(3/1361)].



قال الحافظ ابن حجر: "وفيه التحريض على أخذ الحذر في الحرب، والندب إلى خداع الكفار، وأن من لم يتيقظ لذلك لم يأمن أن ينعكس الأمر عليه. وقال النووي: واتفقوا على جواز خداع الكفار في الحرب كيفما أمكن، إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يجوز.



قال ابن العربي: الخداع في الحرب يقع بالتعريض وبالكمين ونحو ذلك، وفي الحديث إشارة إلى استعمال الرأي في الحرب، بل الاحتياج إليه أكبر من الشجاعة، ولهذا وقع الاقتصار على ما يشير إليه بهذا الحديث، وهو كقوله(الحج عرفة).



قال ابن المنير: "معنى الحرب خدعة: أي الحرب الجيدة لصاحبها الكاملة في مقصودها، إنما هي المخادعة لا المواجهة، وذلك لخطر المواجهة وحصول الظفر مع المخادعة بغير خطر".[فتح الباري(6/158)].



وقد اشتهرت قصة نعيم بن مسعود رَضي الله عنه في غزوة الخندق التي فرق بها كلمة الأحزاب، وهي قصة تدل على دهاءٍ عالٍ وتفكير سام وعقل عظيم.



قال ابن القيم رحمه الله: "ثم إن الله عز وجل - وله الحمد - صنع أمراً من عنده، خذل به العدو وهزم جموعهم وفل حدهم، فكان مما هيأ من ذلك أن رجلاً من غطفان يقال له نعيم بن مسعود بن عامر رَضي الله عنه، جاء إلى رسول الله صَلى الله عليه وسلم فقال: "يا رسول الله إني قد أسلمت، فمرني بما شئت. فقال رسول الله صَلى الله عليه وسلم: (إنما أنت رجل واحد فخذل عنا ما استطعت فإن الحرب خدعة).



فذهب من فوره ذلك إلى بني قريظة، وكان عشيراً لهم في الجاهلية، فدخل عليهم وهم لا يعلمون بإسلامه، فقال: يا بني قريظة إنكم قد حاربتم محمداً، وإن قريشاً إن أصابوا فرصة انتهزوها، وإلا انشمروا إلى بلادهم راجعين، وتركوكم ومحمداً فانتقم منكم.

قالوا: فما العمل يا نعيم؟ قال: لا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهائن. قالوا: لقد أشرت بالرأي.



ثم مضى على وجهه إلى قريش قال لهم: تعلمون ودي لكم ونصحي لكم، قالوا: نعم قال: إن يهود ندموا على ما كان منهم من نقض عهد محمد وأصحابه، وإنهم قد راسلوه أنهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها إليه ثم يوالونه عليكم، فإن سألوكم رهائن فلا تعطوهم، ثم ذهب إلى غطفان فقال لهم مثل ذلك.



فلما كان ليلة السبت من شوال، بعثوا إلى يهود إنا لسنا بأرض مقام وقد هلك الكراع والخف، فانهضوا بنا حتى نناجز محمداً، فأرسل إليهم اليهود أن اليوم يوم السبت، وقد علمتم ما أصاب من قبلنا حين أحدثوا فيه، ومع هذا فإنا لا نقاتل معكم حتى تبعثوا إلينا رهائن، فلما جاءتهم رسلهم بذلك قالت قريش: صدقكم والله نعيم، فبعثوا إلى اليهود إنا والله لا نرسل إليكم أحداً، فاخرجوا معنا حتى نناجز محمداً فقالت قريظة: صدقكم والله نعيم. فتخاذل الفريقان".[زاد المعاد(2/131)].



هكذا يفعل الجندي المسلم عندما يكون صادقاً في جهاده، يرغب في نصر قومه وفي هزيمة عدوه، بخلاف الجندي الذي لا هم له إلا أن ينال رزقه أو إرضاء قادته في خير أو شر، فإنه لا يهتم بمثل هذه المعالي، وإن اهتم ما وفق كما يوفق الجندي المسلم الصادق.





السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13474772

عداد الصفحات العام

895

عداد الصفحات اليومي