﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(028) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (09) سافر معي في المشارق والمغارب :: (08) سافر معي في المشارق والمغارب :: (027) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(090)الجهاد في سبيل الله-الفرع الخامس: شجاعة الجندي وكرمه

(090)الجهاد في سبيل الله-الفرع الخامس: شجاعة الجندي وكرمه


الشجاعة:


الشجاعة للجندي، كالروح للجسد، والجبان لا يصح أن يوصف بالجندية، والقائد الشجاع لا يستفيد من جنود جبناء، فلا بد أن يختار من يتصف بالشجاعة ليكون جندياً، وينمي في جنوده الشجاعة حتى يصبحوا لا يبالون الموت، والجندي المسلم يجب أن يكون أكثر شجاعة من غيره، يطلب الموت ليلقى الله وهو شهيد، أو ينتصر على عدوه فترتفع راية الإسلام، وفرق بعيد بين شجاع يرحب بالموت في سبيل الله وهو منشرح الصدر ثابت الجأش، وبين جبان يكاد قلبه يطير من صدره لأدنى سبب.



قال ابن القيم رحمه الله: "ومنها - أي من أسباب انشراح الصدور – الشجاعة، فإن الشجاع منشرح الصدر وواسع البطان متسع القلب، والجبان أضيق الناس صدراً وأحصرهم قلباً، لا فرحة له ولا سرور، ولا لذة له ولا نعيم، إلا من جنس ما للحيوان البهيمي، وأما سرور الروح ولذتها ونعيمها وابتهاجها، فمحرم على كل جبان، كما هو محرم على كل بخيل، وعلى كل معرض عن الله سبحانه"[زاد المعاد(1/187)].



وشجاعة المسلم التي تجعله يرحب بالموت في سبيل الله، ليست دعوى تقال باللسان أو تكتب على الورق، ولكنها حقيقة واقعة وأمثلتها لا يمكن حصرها في العصور الإسلامية، لذلك يُقتَصر على بعضها.



فقد كان الجندي المؤمن يحرص على الموت في سبيل الله، وهو متلبس بالتقرب إليه، كما في قصة خبيب رضِيَ الله عنه. عن أبي هريرة رضِيَ الله عنه - وهو يروي قصة أسر المشركين لخبيب وقتلهم إياه -: فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل، قال لهم خبيب: دعوني أصلي ركعتين فتركوه، فركع ركعتين، فقال: والله لولا أن تحسبوا أن ما بي جزع لزدت، ثم قال: اللهم احصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تبقي منهم أحداً، ثم أنشأ يقول:

فلست أبالي حين اقتل مسلماً،،،،، على أي جنب كان في الله مصرعي



وذلك في ذات الإله وإن يشأ،،،،،،،،، يبارك على أوصال شلو ممزع



ثم قام إليه أبو سروعة عقبة بن الحارث، فقتله، وكان خبيب، هو سنَّ لكل مسلم - قتل صبراً – الصلاة.[البخاري رقم 3989، فتح الباري(7/308)].



وكان أصحاب رسول الله صَلى الله عليه وسلم، يبايعونه على الموت، كما قال سلمة بن الأكوع عندما سأله يزيد بن أبي عبيد، قال: قلت لسلمة بن الأكوع: على أي شيء بايعتم رسول الله صَلى الله عليه وسلم يوم الحديبية: قال: "على الموت"[البخاري رقم 4169، فتح الباري(7/449) ومسلم(3/1486)].



وكانوا رضِيَ الله عنهم يفون ببيعتهم، فلم يترددوا في اقتحام العقبات مهما كانت أهوالها، فكان الواحد منهم يدفع بنفسه فرداً مثل السهم إلى أعدائه مجتمعين فيرعبهم ويشتت شملهم.



وهذا سلمة بن الأكوع نفسه الذي كان أحد المبايعين على الموت، يروي هذه القصة العجيبة قال: "خرجت قبل أن يؤذن بالأولى، وكانت لقاح رسول الله صَلى الله عليه وسلم ترعى بذي قرد، قال: فلقيني غلام لعبد الرحمن بن عوف، فقال: أُخِذَتْ لقاح رسول الله صَلى الله عليه وسلم، قلت: من أخذها؟ قال: غطفان، قال: فصرخت ثلاث صرخات: يا صباحاه قال: فأسمعت ما بين لابتي المدينة، ثم اندفعت على وجهي حتى أدركتهم، وقد أخذوا يستقون من الماء، فجعلت أرميهم بنبلي وكنت رامياً وأقول:



أنا ابن الأكوع،،،،،،،، اليوم يوم الرضع



وأرتجز حتى استنقذت اللقاح منهم واستلبت منهم ثلاثين بردة قال: وجاء النبي صَلى الله عليه وسلم والناس فقلت: يا نبي الله، قد حميت القوم الماء وهم عطاش فابعث إليهم الساعة فقال: (يا ابن الأكوع ملكت فأسجح).قال: "ثم رجعنا ويردفني رسول الله صَلى الله عليه وسلم على ناقته، حتى دخلنا المدينة"[البخاري رقم 4194، فتح الباري(7/460) ومسلم(3/1432) ومعنى "أسجح: قال النووي: "معناه فأحسن وارفق، والسجاحة السهولة، أي لا تأخذ بالشدة، بل ارفق فقد حصلت النكابة في العدو"].



واستمروا في المبايعة على الموت بعد وفاة النبي صَلى الله عليه وسلم. قال ابن كثير: "قال عكرمة بن أبي جهل يوم اليرموك: قاتلت رسول الله صَلى الله عليه وسلم في مواطن وأفر منكم اليوم؟ ثم نادى من يبايع على الموت؟ فبايعه عمه الحارث بن هشام وضرار بن الأزور في أربعمائة من وجوه المسلمين وفرسانهم، فقاتلوا قدام فسطاط خالد حتى أثبتوا جميعاً جراحاً، وقتل منهم خلق، منهم ضرار بن الأزور رضِيَ الله عنهم"[البداية والنهاية(7/11)].



وكان الشبان حديثو الأسنان، يتسابقون في ساح الوغى إلى رؤوس الكفر، وقد أحاط بهم جيشهم الكافر لحمايتهم، فلا يرجع أولئك الشبان إلا بقتل تلك الرؤوس،كما في حديث عبد الرحمن بن عوف قال: "بينما أنا واقف في الصف يوم بدر، فنظرت عن يميني وشمالي، فإذا أنا بغلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، تمنيت أن أكون بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما فقال: يا عم هل تعرف أبا جهل؟ قلت: نعم ما حاجتك إليه يا ابن أخي؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله صَلى الله عليه وسلم، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده، حتى يموت الأعجل منا فتعجبت لذلك. فغمزني الآخر فقال لي: مثلها، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يصول في الناس قلت: ألا إن هذا صاحبكما الذي سألتماني. فابتدراه فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله صَلى الله عليه وسلم فأخبراه فقال: (أيكما قتله؟) فقال كل واحد منهما: أنا قتلته، فقال: (هل مسحتما سيفيكما؟) قالا: لا، فنظر في السيفين فقال: (كلاكما قتله)[البخاري رقم 3141، فتح الباري(6/246) ومسلم(3/1372)].



وكان أحدهم الصحابة رضِيَ الله عنهم يضيق صدره، إذا خلفه رسول الله صَلى الله عليه وسلم لحاجة تدعو إلى بقائه، نفوراً من بقائه بين من لا يجب عليه القتال كالنساء والصبيان، أو من تخلف عنه بدون عذر، كالمنافقين. ففي حديث سعد بن أبي وقاص رضِيَ الله عنه قال: "خلف رسول الله صَلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب في غزوة تبوك، فقال يا رسول الله: تخلفني في النساء والصبيان فقال: (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟)[مسلم(8/175)].



وكان الجندي الشجاع المؤمن يستبطيء أكل تمرات في يده تؤخره عن لقاء الله ودخول الجنة، كما في حديث جابر بن عبد الله رضِيَ الله عنهما قال: "قال رجل للنبي صَلى الله عليه وسلم يوم أحد: أرأيت إن قتلت فأين أنا؟ قال: (في الجنة) فألقى تمرات في يده ثم قاتل حتى قتل"[البخاري رقم 4046، فتح الباري(7/354) ومسلم(3/1509)].



وكان الواحد منهم لشجاعته إذا هرب عدوه في المعركة يغريه بالثبات ويُعَيِّره بالهرب. ففي حديث أبي موسى رضِيَ الله عنه قال: "لما فرغ النبي صَلى الله عليه وسلم من حنين بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس، فلقي دريد بن الصمة، فقتل دريد، وهزم الله أصحابه، قال أبو موسى: وبعثني مع أبي عامر فرمي أبو عامر في ركبته، رماه جشمي بسهم فأثبته في ركبته، فانتهيت إليه فقلت: يا عم من رماك؟ فأشار إلى أبي موسى فقال: ذاك قاتلي الذي رماني فقصدت له فلحقته، فلما رآني ولى فاتبعته، وجعلت أقول له: ألا تستحي ألا تثبت فكف، فاختلفنا ضربتين بالسيف فقتلته"[صحيح البخاري، برقم (4068) ومسلم، برقم (2498) وهو في اللؤلؤ والمرجان في ما اتفق عليه الشيخان(3/677)].



وكان الواحد من الصحابة رضِيَ الله عنهم، يستعذب وقع السهام في جسمه - الواحد بعد الآخر، وهو قائم وراكع وساجد، يترنم بكتاب الله بين يدي الله، يحرس جنود الله وهم نائمون، وكان يحب أن يموت وهو جامع بين الأمرين، لولا خوفه من أن يضيع ثغراً أمره الرسول صَلى الله عليه وسلم بحفظه وحراسته. عن جابر بن عبد الله قال: "خرجنا مع رسول الله صَلى الله عليه وسلم، في غزوة ذات الرقاع من نخل، فأصاب رجل امرأة رجل من المشركين، فلما انصرف رسول الله صَلى الله عليه وسلم قافلاً، أتى زوجها وكان غائباً، فلما أخبر الخبر حلف لا ينتهي، حتى يهريق في أصحاب محمد دماً، فخرج يتبع أثر رسول الله صَلى الله عليه وسلم. فنزل رسول الله صَلى الله عليه وسلم منزلاً فقال: (من رجل يكلؤنا ليلتنا) فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار، فقالا: نحن يا رسول الله، قال: فكونا بفم الشعب، قال الأنصاري للمهاجري: أي الليل تحب أن أكفيكه أوله أم آخره؟ قال: بل اكفني أوله، فاضطجع المهاجري فنام وقام الأنصاري يصلي، قال: وأتى الرجل فلما رأى شخص الرجل عرف أنه ربيئة القوم، فرمى بسهم فوضعه فيه، فانتزعه وثبت قائماً، قال: ثم رمى بسهم آخر فوضعه فيه، فانتزعه وثبت قائماً قال: ثم عاد له بالثالث فوضعه فيه، فنزعه فوضعه ثم ركع وسجد، ثم أهب صاحبه فقال: اجلس فقد أثبت، قال: فوثب الرجل، فلما رآهما عرف أنه قد نذرا به فهرب.



قال: ولما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء قال: سبحان الله! أفلا أهببتني أول ما رماك؟ قال: كنت في سورة أقرؤها، فلم أحب أن أقطعها حتى أنفذها، فلما تابع علي الرمي ركعت فآذنتك، وأيم الله لولا أن أضيع ثغراً أمر رسول الله صَلى الله عليه وسلم بحفظه، لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها"[أحمد في المسند(3/343) وأبو داود في السنن (1/136) و صحيح ابن خزيمة، برقم (36) وصحيح ابن حبان، برقم (1096) والحاكم في المستدرك (1/258) وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد فقد احتج مسلم بأحاديث محمد بن إسحاق" والجهاد لابن المبارك ص149، والبداية لابن كثير(4/85) قال الفيروز آبادي في عون المعبود (1/231): "والحديث أخرجه محمد بن إسحاق في المغازي، وأحمد، والدارقطني وصححه ابن خزيمة، وابن حبان والحاكم، كلهم من طريق بن إسحاق.].



وبهذه الشجاعة النادرة، وتلك النية الصادقة، والعزيمة الصلبة، كان العدد القليل يقف أمام الأعداد الهائلة، بل كان الفرد الواحد من العدد القليل يخترق صفوف الأعداد الكثيرة، حتى يصل إلى قائد الكفر وجيشه من حوله مثل النحل المجتمع على يعسوبه، فيحتز رأسه ويرفعه على رمحه، فيضطرب أعداء الله ويفرون مدبرين، وكان ذلك بعد وفاة رسول الله صَلى الله عليه وسلم.



قال ابن كثير: "لما قصد المسلمون، وهم عشرون ألفاً، إفريقية، وعليهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وفي جيشه عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير، صمد إليهم ملك البربر جرجير في عشرين ومائة ألف وقيل في مائتي ألف، فلما تراءى الجمعان أمر جيشه، فأحاطوا بالمسلمين هالة، فوقف المسلمون في موقف لم ير أشنع منه ولا أخوف عليهم منه،÷ قال عبد الله بن الزبير: فنظرت إلى الملك جرجير من وراء الصفوف، وهو راكب على برذون وجاريتان تظلانه بريش الطواوييس، فذهبت إلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فسألته أن يبعث معي من يحمي ظهري وأقصد الملك، فجهز معي جماعة من الشجعان، قال: فأمر بهم فحموا ظهري، وذهبت حتى خرقت الصفوف إليه - وهم يظنون أني في رسالة إلى الملك - فلما اقتربت منه أحس مني الشر، ففر على برذونه فلحقته فطعنته برمحي وذففت عليه بسيفي، وأخذت رأسه فنصبته على رأس رمحي وكبرت، فلما رأى ذلك البربر فرقوا وفروا كفرار القطا، واتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون، فغنموا غنائم جمة وأموالاً كثيرة وسبياً عظيما... فكان هذا أول موقف اشتهر فيه عبد الله بن الزبير رضِيَ الله عنه"[البداية والنهاية(7/152)].



هذه كانت حالة الصحابة ومن تبعهم بإحسان، وكان مُعَلِّم الناسٍ العلمَ، هو الذي يتقدمهم في المعارك حاملاً الراية، حتى تزهق نفسه في سبيل الله، قدوة لمن تعلم على يديه العلم والعمل معاً.

وفي قصة مصعب بن عمير أول مبعوث إلى الأنصار ليقرئهم القرآن، قدوة للعلماء، فقد كان هو الذي علمهم القرآن، وكان هو حامل لواء رسول الله صَلى الله عليه وسلم الأعظم - لواء المهاجرين - يوم بدر، وحمل رضِيَ الله عنه اللواء يوم أحد، وقاتل حتى قطعت يده اليمنى فأخذه بيده اليسرى وحنا عليه، فقطعت يده اليسرى، فحنا عليه وضمه بعضديه إلى صدره، وهو يقول: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل..} الآية. وما زال محتفظاً به حتى سقط مضرجاً بدمائه فسقط اللواء.[راجع الطبقات لابن سعد (3/118 ـ 120)].



ولو وجد المسلمون جمهور علمائهم يسيرون في هذا الطريق، يعلمونهم ويدعونهم إلى العمل ويسبقونهم إليه، لكانت هذه الكثرة الكاثرة من طلبة العلم اليوم جنوداً مجاهدين في سبيل الله، ولكنهم وجدوا من العلماء من يعلمهم الشجاعة ويحضهم على الجهاد ويقعد، ويدعوهم إلى الكرم ولا يبذل، فاقتدى الطالب بمعلمه في تعليم الخير والدعوة إليه، والابتعاد عنه، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.[راجع أعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم(2/176) بتعليق طه عبد الرءوف ـ سعد الناشر مكتبة الكليات الأزهرية ـ طبعة 1383هـ]. ونحمد الله تعالى الذي أرانا في عصرنا الحاضر، شبابا قليل العدد، ضعيف العُدة قوي الإخلاص لربه، غيورا على أرضه وعرضه، (هو شباب حماس في غزة) يقف أمام جيوش جرارة كثيرة العدد، قوية العُدة (العدو اليهودي المحتل) تدعمها دول كبرى بالمال والسلاح والسياسة والدبلوماسية والإعلام، وأبلى بلاء حسنا وهو محاصر برا وبحرا وجوا، ووقف أمام العدو الحاقد الذي يملك كل أنوع القوة، حتى وقف مبهورا، لهزيمة جيشه الذي لا يُقهر حسب دعواه، في ثلاثة حروب متوالية، كان آخرها في هذا العام: (1435ه/2014م)



الكرم:


كان جنود الله يتسابقون ببذل أموالهم - كبذل أنفسهم في سبيل الله - فكان الكرم- كالشجاعة - من سجاياهم. والأمثلة على ذلك كثيرة، نذكر منها مثالين:



المثال الأول: عن عمر بن الخطاب رضِيَ الله عنه قال: "أمرنا رسول الله صَلى الله عليه وسلم أن نتصدق. ووافق ذلك مني مالاً، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر - إن سبقته - قال: فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله صَلى الله عليه وسلم: (ما أبقيت لأهلك؟)، قلت مثله، وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال: (يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك؟) قال: أبقيت لهم الله ورسوله. قلت: لا أسبقه إلى شيء أبداً".[ الترمذي، برقم (3675) وقال: "هذا حديث حسن صحيح" وأبو داود، برقم (1678) وأخرجه الحاكم في المستدرك، برقم (1510) وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه" وهو في جامع الأصول في أحاديث الرسول(8/591)].



المثال الثاني عن عبد الرحمن بن خباب رضِيَ الله عنه، قال: "شهدت رسول الله صَلى الله عليه وسلم، وهو يحث على تجهيز جيش العسرة، فقام عثمان، فقال: يا رسول الله عليَّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حض على الجيش، فقام عثمان فقال: يا رسول الله علي مائتا بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حضّ على الجيش، فقام عثمان بن عفان فقال: علي ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، فأنا رأيت رسول الله صَلى الله عليه وسلم ينزل عن المنبر وهو يقول: (ما على عثمان ما فعل بعد هذه.. ما على عثمان ما عمل بعد هذه..)[ الترمذي، برقم (3700) : وقال: "هذا حديث غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلا من حديث المغيرة وفي الباب عن عبد الرحمن بن سمرة" وهو في جامع الأصول كذلك ]



وفي هذا كما ترى سخاء الجندي المسلم وتكريم القائد إياه والإشادة بفضله، وبهذه النفوس السخية، استطاع السلف الصالح أن يجهزوا جيوشهم في سبيل الله، وأن يفتحوا البلدان. وبالبخل الذي سيطر على أكثر المسلمين في العصور المتأخرة - ولا سيما هذا العصر - غزيت بلدان المسلمين، وضربت عليهم الذلة بعد أن كانت مضروبة على أعدائهم، ولولا قلة من المؤمنين لا زالوا على عهدهم مع الله، لما كان للمسلمين وجود في الأرض.



الفرع السادس: الثقة في القائد


إن ثقة الجندي في قائده، شرط رئيسٌ في الطاعة الصادقة والوفاء بالبيعة والاستبسال في المعركة، وهذا الشرط كان من أعظم أسباب ارتفاع الروح المعنوية في جنود رسول الله صَلى الله عليه وسلم، وإسراعهم إلى لقاء الله برغبة وصدق في جميع المعارك الإسلامية.



ومن أبرز الأدلة في هذا، ما حصل يوم الأحزاب، من تألب المشركين من مكة ونجد وغيرهما من الجزيرة العربية، وتحالف اليهود معهم، وإحاطتهم بالمسلمين الذين كانوا قليلي العدد (ثلاثة آلاف) يقابلهم من الكفار عدد كبير (عشرة آلاف عدا يهود) ودام الحصار أكثر من عشرين يوماً، وبلغ الأمر أشده على المسلمين. كما وصف الله ذلك بقوله: {إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً}[الأحزاب: 10 ـ 11].



في هذه الحال وفي هذا الابتلاء والزلزال الشديد الذي أصاب المسلمين، وزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، والمسلمون في أعلى قمة الثقة بقائدهم وفي غاية الاقتداء به والثقة بوعد الله له - ووعد الله بالنصر باق إلى يوم القيامة - ولذلك قال تعالى عنهم: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً، ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدَق الله ورسوله، وما زادهم إلا إيماناً وتسليما}[الأحزاب: 22].



وهذه الثقة الشديدة جعلتهم يتحسسون ما يختلج في صدر قائدهم، في إرادتهم القتال أو عدمها، فكان الواحد منهم يثب مطمئناً له وبأسلوب يثلج صدره ويظهر سروره على وجهه. كما حصل في غزوة بدر من المقداد بن الأسود رضِيَ الله عنه قال ابن مسعود رضِيَ الله عنه: "شهدت من المقداد بن الأسود مشهداً، لأن أكون صاحبه أحب إليّ مما عدل به، أتى النبي صَلى الله عليه وسلم وهو يدعو على المشركين فقال: "لا نقول كما قال قوم موسى: {فاذهب أنت وربك فقاتلا}[المائدة: 24] ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك". فرأيت النبي صَلى الله عليه وسلم أشرق وجهه وسره - يعني قوله" [البخاري رقم الحديث 3952 فتح الباري(7/287)].



والجندي الذي يتصف بهذه الثقة في قائده، إذا اشتبه عليه أمر في تصرف القائد، لا يذهب يشكك فيه ولا يندس في صفوف الجنود، باثاً الإشاعات والغاً في الأعراض بالقال والقيل، وإنما تدفعه ثقته إلى الاتصال بقائده لمكاشفته بالأمر، في شجاعة وقوة حجة وحسن أدب، يستفسر عما أشكل ويستمع الجواب، ثم تقنعه الحجة من قائده، فيزول ما كان بنفسه ويغدو أشد حماساً لما ذهب إليه قائده. كما في حديث سهل بن حنيف عن أبي وائل قال: "كنا بصفين، فقام سهل بن حنيف فقال: أيها الناس اتهموا أنفسكم، فإنا كنا مع رسول الله صَلى الله عليه وسلم يوم الحديبية ولو نرى قتالاً لقاتلنا، فجاء عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ فقال: (بلى)، فقال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: (بلى) قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ أنرجع ولا يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال: (يا ابن الخطاب إني رسول الله ولن يضيعني الله أبداً) فانطلق عمر إلى أبي بكر فقال له: مثل ما قال للنبي صَلى الله عليه وسلم فقال: إنه رسول ولن يضيعه الله أبداً، فنزلت سورة الفتح فقرأها رسول الله صَلى الله عليه وسلم على عمر إلى آخرها، فقال عمر: يا رسول الله أو فتح هو؟ قال: (نعم) [البخاري رقم 3182، فتح الباري (6/281) ومسلم(3/1411)].



وانطلاق عمر رضِيَ الله عنه إلى أبي بكر، ما كان المقصود منه إلا الاستعانة به على إقناع الرسول صَلى الله عليه وسلم برأيه، فلما عرف أن رأي أبا بكر هو رأي الرسول صَلى الله عليه وسلم وقف… وهذه الثقة إنما تحصل من جندي شجاع مخلص، جاد في السعي إلى تحقيق الهدف في قائد كفؤ، أثبتت التجارب لجنوده أنه أهل للثقة.



فإذا كان الجندي جباناً أو منافقاً، لا إرادة عنده للقتال ولا لتحقيق الهدف الذي آمن به القائد وجد في طلبه، فإن هذا الجندي يلجأ إلى التشكيك في قائده، ونشر الإشاعات الكاذبة، حتى لا يثق به غيره من الجنود، ليثبط الجميع عن الجهاد في سبيل الله. قال تعالى عن المنافقين: {ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون: هو أذن، قل أذن خير لكم، يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم، والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم}[التوبة: 61].



وإذا اشتدت المعارك بين المسلمين وبين الكافرين، أو لاح للجندي الجبان المنافق أن الغلبة ستكون للكافرين، أخذ يشكك في القائد، ويثبط الجيش بإلقاء الرعب في نفوسهم من أعدائهم، وزعزعة ثقتهم في خطط قائدهم وفي نصره. كما قال تعالى: {وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً}[الأحزاب: 12].



وإذا كان القائد ليس أهلاً للقيادة، بسبب جهله أو خيانته، أو عدم قدرته على تدبير أمور جيشه أو لتلك الأسباب كلها وغيرها، فإن ثقة جنوده فيه تكون معدومة، وإن أظهر له بعض المنافقين الثقة فيه والإشادة به، ووصفه بما ليس فيه لأجل مصلحة ينالونها منه.



ويكون الكلام الذي يذم به هذا القائد، صحيحاً صادقاً يراه جنوده في تصرفاته وأعماله، وهذا أشد خطراً على المسلمين من غيره، لأن القائد الكفء إذا شكك فيه بعض الجنود، يظهر لبقية الجنود كذب ذلك التشكيك فينبذون المشكك، وتبقى الثقة نفوسهم، والمسلمون يتثبتون من الأمور لأن الله سبحانه وتعالى قد أمرهم بذلك. فقال: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تُصيبوا قوماً بجهالة، فتصبحوا على ما فعلتم نادمين}[الحجرات: 6].





السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13474672

عداد الصفحات العام

795

عداد الصفحات اليومي