﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (04) سافر معي في المشارق والغارب :: (24) أثر الترية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (03) سافر معي في المشارق والمغارب :: (023) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(091)الجهاد في سبيل الله المبحث الثالث-الصفات التي يتحلى بها الجيش جماعياً

(091)الجهاد في سبيل الله المبحث الثالث-الصفات التي يتحلى بها الجيش جماعياً


وفيه تمهيد وأربعة فروع:

الفرع الأول: الأخوة الإسلامية.


الفرع الثاني: التواصي بالحق والتواصي بالصبر.


الفرع الثالث: إصلاح ذات البين.


الفرع الرابع: الثبات على الحق.


تمهيد


إن الصفات الفردية الماضية وغيرها من صفات جند الله المجاهدين في سبيل، هي التي تجعل الجيش بأجمعه جيش جهاد، ولكنها لا تكفي بدون وجود صفات أخرى مشتركة تربط بعضهم ببعض، حتى يصيروا كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.



وتشمل هذه الصفات:



الأخوة الإسلامية القوية التي تنشأ عنها المحبة والمودة، والإيثار، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، وإصلاح ذات البين، والوقوف صفاً واحدا على الحق والثبات عليه ضد الباطل دون أن يخافوا في الله لومة لائم.


الفرع الأول: الأخوة الإسلامية


والأخ يطلق على المشارك في رابطٍ مّا، كعلاقة النسب، أو الصداقة، أو العقيدة أو العمل، والمقصود هنا كما هو واضح المشاركة في دين الله الذي هو الإسلام، فإن المشاركة فيه أقو ى من المشاركة في أي رابط آخر، لأن الأخ يشترك مع أخيه في الإيمان بالله الذي خلقهما، وفي العبادة التي خلقهما من أجلها، وفي الالتزام بأوامره تعالى التي تحقق لهما السعادة في الدنيا والآخرة، تكون أخوته الإسلامية أقوى من أخوة النسب والقرابة والصداقة وغيرها، بل إن الأخوة النسبية أو غيرها، إذا لم يشترك أهلها في الإيمان تكون وبالاً عليهم.



قال تعالى: {إنما المؤمنون إخوة، فأصلحوا بين أخويّكم واتقوا الله لعلكم ترحمون}[الحجرات: 10]. وقال تعالي: {واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم، فأصبحتم بنعمته إخواناً}[آل عمران: 103].



وقد أمر الرسول صَلى الله عليه وسلم أمته بتحقيق هذه الأخوة ومقتضاها، ونهاهم عن كل ما يعكر صفوها، ففي حديث أنس رَضي الله عنه أن رسول الله صَلى الله عليه وسلم قال: (لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام)[البخاري رقم 6065 فتح الباري(10/481) ومسلم(4/1983)].



وفي حديث أبي أيوب الأنصاري رَضي الله عنه: "أن رسول الله صَلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)"[البخاري رقم 6077 فتح الباري(10/492) ومسلم(4/1984)].



وفي حديث عبد الله بن عمر رَضي الله عنهما: "أن رسول الله صَلى الله عليه وسلم قال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة، فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة)"[البخاري رقم 2442 فتح الباري(5/97) ومسلم(4/1996)].



وفي حديث النعمان بن بشير رَضي الله عنه قال: "قال رسول الله صَلى الله عليه وسلم: (ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم، كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى)[البخاري رقم 6011 فتح الباري(10/438) ومسلم(4/2000)].



وفي حديث أبي هريرة رَضي الله عنه: "عن النبي صَلى الله عليه وسلم قال: (لا يشير أحدكم على أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزغ في يده فيقع في حفرة من النار)[البخاري رقم 7072 فتح الباري(13/23) ومسلم(4/2020)].



وفي حديثه أيضاً: "عن النبي صَلى الله عليه وسلم: (أن رجلا زار أخاً له في قرية أخرى، فأرصد الله له على مدرجته ملكاً، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخاً لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تربها؟ قال: لا غير أني أحببته في الله عز وجل. قال: فإني رسول الله إليك، بأن قد أحبك كما أحببته)[مسلم(4/1988)].



فالجيش الذي يحافظ على هذه النعمة، نعمة الأخوة الإسلامية التي ينشأ عنها التحابب والتواد والتراحم، يكون شديد التماسك والترابط الذي يحقق له الوحدة والاعتصام، وينجو من كل أسباب الفرقة والتباغض، وهذه أقوى عقيدة يحتاجها الجيش.



هذا الجيش جدير بأن يكون أهلاً حقاً للجهاد في سبيل الله، بخلاف من فرط في هذه النعمة، فإنه يستبدل بالمحبة والاعتصام والتراحم، البغضاء والتفرق والقسوة، وهو جيش يأكل بعضه بعضا، غير أهل لحمل راية الإسلام والجهاد في سبيل الله، وهذا أمر مشاهد حتى فيمن يسمون أنفسهم بالمجاهدين.



ولقد آخى رسول الله صَلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار عندما هاجر إلى المدينة، فربط بين المهاجري والأنصاري بذلك الإخاء الخاص الذي يكون أكثر وسيلة لزيادة المحبة والمودة والإيثار، فحصل ذلك الإخاء الفريد في تاريخ البشر وقد سجله القرآن الكريم ليبقى نبراساً يهتدي به المسلمون في كل زمان، ليحققوه في أنفسهم حتى ينالوا الفوز الذي ناله أولئك.



قال تعالى: {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضوانا، وينصرون الله ورسوله، أولئك هم الصادقون، والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم، ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون، والذين جاءوا من بعدهم يقولون: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنك رءوف رحيم}[الحشر: 8 ـ 9 ـ 10].

وإن الأمثلة التي ضربها أصحاب رسول الله صَلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بإحسان في الحب والرحمة والإيثار والتعاون والتناصر، ليصعب حصرها ويكفي أن يذكر بعضها:



الرجل الذي لا يوجد عنده إلا قوت صبيانه، يطلب من امرأته أن تهيئ ذلك القوت لضيفه المسلم، وتنوِّم الصبيان وتطفئ المصباح، ويوهم الضيف بأنه يأكل معه، فيأكل الضيف الطعام وأهل البيت يبيتون كلهم طاوون.



كما في حديث أبي هريرة رَضي الله عنه: "أن رجلاً أتى النبي صَلى الله عليه وسلم، فبعث إلى نسائه فقلن: ما معنا إلا الماء، فقال رسول الله صَلى الله عليه وسلم: (من يضيف هذا)؟ فقال: رجل من الأنصار: أنا، فانطلق به إلى امرأته فقال: أكرمي ضيف رسول الله صَلى الله عليه وسلم، فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني.. فقال: هيئي طعامك وأصبحي سراجك، ونومي صبيانك إذا أرادوا عشاء، فهيأت طعامها وأصبحت سراجها ونومت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان، فباتا طاويين، فلما أصبح غدا إلى رسول الله صَلى الله عليه وسلم، فقال: (ضحك الله الليلة - أو عجب - من أفعالكما) فأنزل الله...{ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون}[البخاري رقم الحديث 3798 فتح الباري(7/119)].



والرجل يعرض على أخيه أن يتنازل له عن نصف ماله، وعن إحدى زوجتيه يطلقها فتعتد ثم يتزوجها، فيتسامى أخوه ويستغني عن مال أخيه وأهله فيسعى فيغنيه الله. كما في حديث أنس رَضي الله عنه قال: "قدم عبد الرحمن ابن عوف فآخى النبي صَلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فعرض عليه أن يناصفه أهله وماله، فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلني على السوق، فربح شيئاً من أقط وسمن، فرآه النبي صَلى الله عليه وسلم بعد أيام وعليه وضر من صفرة، فقال النبي صَلى الله عليه وسلم: (مهيم يا عبد الرحمن)؟ قال: يا رسول الله: تزوجت امرأة من الأنصار، قال: (فما سقت فيها؟) فقال: وزن نواة من ذهب، فقال النبي صَلى الله عليه وسلم: (أولم ولو بشاة)[المصدر السابق(7/270].



وهكذا كان المجاهدون بعد وفاة النبي صَلى الله عليه وسلم، يؤثر بعضهم بعضاً، في وقت يصعب فيه الإيثار على النفس، كما ذكر عن أبي الجهم بن حذيفة العدوي قال: "انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عمي، ومعي شنة من ماء وإناء، فقلت إن كان به رمق سقيته من الماء ومسحت به وجهه، فإذا أنا به ينشغ [أي يفيق إفاقات خفيات جداً عند الموت] فقلت: أسقيك؟ فأشار أن نعم، فإذا رجل يقول: آه، فأشار ابن عمي أن انطلق إليه، فإذا هو هشام بن العاص أخو عمرو بن العاص، فأتيته فقلت: أسقيك؟ فسمع آخر يقول: آه، فأشار هشام أن انطلق به إليه فجئته فإذا هو قد مات، ثم رجعت إلى هشام فإذا هو قد مات، ثم أتيت ابن عمي، فإذا هو قد مات"[الجهاد لابن المبارك ص97].



فتحلي الجيش الإسلامي بهذا الرابط الرباني العظيم، هو أحد أسس الجهاد في سبيل الله التي لا غنى للمجاهدين عنها، لأنها تقوي رابطتهم وتجعلهم صفاً واحداً كالبنيان المرصوص، في التساند والتعاون والتناصر على الأعداء.



هذا الرابط لا يناله إلا الجيش المسلم الذي تربى على حقيقة إسلامه، والتي رباه عليها قائده، ذو القدوة الحسنة، المقتدي برسول الله صَلى الله ليه وسلم في تربيته، وبفقد هذه التربية، يصبح الجيش بعيدا كل البعد عن الاعتصام بحبل الله والأخوة في الله, والتعاون على البر والتقوى، ويصير متعدد الولاءات التي تفقده العقيدة الدافعة له إلى وقوف أفراده صفا واحدا لنصر دين الله، وهذا ما نشاهده اليوم في جيوش الشعوب الإسلامية التي تتناحر فيما بينها، استجابة لتفرق قادته وتحزبها.




السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13467735

عداد الصفحات العام

963

عداد الصفحات اليومي