﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (04) سافر معي في المشارق والغارب :: (24) أثر الترية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (03) سافر معي في المشارق والمغارب :: (023) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(094) الجهاد في سبيل الله-المبحث الثاني: قوة الصلة بالله أو ضعفها

(094) الجهاد في سبيل الله-المبحث الثاني: قوة الصلة بالله أو ضعفها


إن طاعة الله سبحانه وتعالى، هي الحصن الذي يقي العبد المطيع من سخط الله وعذابه في الدنيا والآخرة، ويحقق له رضاه عنه سبحانه.



وقد كثر الأمر بطاعة الله وطاعة رسوله في الكتاب والسنة، وما من رسول بعثه الله إلى قومه إلا أمرهم بعبادة الله وطاعته. كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردُّوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ذلك خيرُ وأحسن تأويلا}[النساء: 59]. فالطاعة هي دليل الإيمان الحق.



وقال تعالي: {قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم حملتم، وإن تطيعوه تهتدوا، وما على الرسول إلا البلاغ المبين}[النور: 54]. فالطاعة سبب في الاهتداء واستمراره، والمعصية سبب في الضلال.



وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، ولا تبطلوا أعمالكم}[محمد: 33]. فالطاعة سبب في قبول الأعمال والمعصية سبب في بطلانها. وقال تعالى عن كل نبي دعا قومه: {فاتقوا الله وأطيعون}[الشعراء: 108].



وبين سبحانه أن في طاعته وطاعة رسوله الفوز والنجاح، وفي معصية الله ورسوله الخسران،كما قال سبحانه: {ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون}[النور: 52].

وقال: {تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم، ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها، وله عذاب مهين}[النساء: 13ـ14].



وجعل سبحانه من أطاع الله ورسوله، في زمرة صفوة خلقه فقال: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً}[النساء: 69]. وقال تعالى: {ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيما}[الأحزاب: 71].

والطاعة من صفات المؤمنين الذين وعدهم الله بالرحمة، وهم الذين وعدهم الله بالنصر على العدو.. كما قال تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، ويطيعون الله ورسوله، أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم}[التوبة: 71].



وكما أمر الله سبحانه بطاعته وطاعة رسوله وبين أن فيها الفوز العظيم والاهتداء والرحمة، فقد نهى الله سبحانه عن طاعة غيره من أعدائه الذين يجب جهادهم لا طاعتهم. قال سبحانه: {فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيراً}[الفرقان: 52]. وقال تعالى: {يا أيها النبي اتق الله، ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليماً حكيما}[الأحزاب: 1]. وقال: {ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم، وتوكل على الله وكفى بالله وكيلاً}[الأحزاب: 48].



وقال: {فاصبر لحكم ربِّك ولا تطع منهم آثما أو كفوراً}[الدهر: 24].وقال تعالى: {وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما، وصاحبهما في الدنيا معروفاً، واتبع سبيل من أناب إلي، ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون}[لقمان: 15].



وأوضح سبحانه أن من أطاع أعداءه ضل عن صراطه المستقيم. قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردُّوكم بعد إيمانكم كافرين}[آل عمران: 100]. وقال تعالى: {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله، إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون}[الأنعام: 116]. وقال: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم، وإن أطعتموهم إنكم لمشركون}[الأنعام: 121]. وقال: {يوم تقلب وجوههم في النار يقولون: يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا، وقالوا: ربّنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا}[الأحزاب: 66ـ67].



وبعد أن أقام الله الحجة على عباده بأمرهم بطاعته ونهيهم عن معصيته، رتب على ذلك جعلَ طاعته سبباً في رضاه عمن أطاعه، ودفاعَه عنه ومنحه النصر على أعدائه، وجعل معصيته سبباً في سخطه على من عصاه وحرمه من تسديده، وأنزل به مصائبه وجعله مهزوماً في الدنيا معذباً في الآخرة، وأوضح سبحانه أن مقياس طاعته، تقديم ما يحبه هو على كل ما سواه من قرابة وأزواج وأموال وتجارة ومساكن وغيرها. قال سبحانه: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم، وأموال اقترفتموها، وتجارة تخشون كسادها، ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله ؛ فتربّصوا حتى يأتي الله بأمره، إن الله لا يهدي القوم الفاسقين}[التوبة: 24].





وقد تنوعت أساليب الآيات القرآنية التي بين فيها نصره سبحانه للمؤمنين: فمنها ما ذكر فيها فلاحهم الشامل للدنيا والآخرة: مثل قوله سبحانه: {ألم، ذلك الكتاب لا ريّب فيه هدَى للمتقين، الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون، والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون، أولئك على هدىً من ربهم وأولئك هم المفلحون}[البقرة: 1ـ5]. وقوله: {قد أفلح المؤمنون} إلى قوله: {أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون}[المؤمنون: 1ـ11].



وفي معنى ذلك ذكره تعالى أنه مع من أطاعه مثل قوله: {يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين}[البقرة: 53]. وقوله: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، وأحسنوا إن الله يحب المحسنين}[البقرة: 195]. ومن كان الله معه وأحبه، فإنه لا بد ناصره. ومنها ما هو صريح في النصر على الأعداء في ساح القتال أو كالصريح. مثل قوله سبحانه: {إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور، أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله، ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجدُ يذكر فيها اسم الله كثيراً، ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز، الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور}[الحج: 38ـ41].



وقوله: {الشهر الحرام بالشهر الحرام، والحرمات قصاص، فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم، واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين}[البقرة: 194]. وقوله سبحانه: {إن تمسسكم حسنة تسؤهم، وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها، وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدُهم شيئاً، إن الله بما يعملون محيط}[آل عمران: 120].



وهذه الآية جامعة شاملة لأسباب النصر كلها التي تتفرع عن الركنين المذكورين فيهما، وهما: الصبر والتقوى.



ومن الطاعة ذكر الله سبحانه الذي يترتب عليه الفلاح، وقد أمر الله به المؤمنين مع الثبات والطاعة واصفاً إياه بالكثرة في قوله: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون}[الأنفال: 45]، لأن ذكر الله سبحانه يمنح المؤمن الطمأنينة والاعتماد عليه والثقة بنصره، والاستهانة بقوة أعدائه مهما كانت، ويزيد الذاكر إخلاصاً وتجرداً يتنـزل على صاحبهما نصر الله.



قال سيد قطب رحمه الله: "إن ذكر الله عند لقاء العدو يؤدي وظائف شتى، إنه الاتصال بالقوة التي لا تغلب، والثقة بالله الذي نصر أولياءه، وهو في الوقت ذاته استحضار حقيقة المعركة وبواعثها وأهدافها، فهي معركة لله لتقرير ألوهيته في الأرض وطرد الطواغيت المغتصبة لهذه الألوهية، وإذن فهي معركة لتكون كلمة الله هي العليا، لا للسيطرة ولا للمغنم ولا للاستعلاء الشخصي أو القومي، كما إنه توكيد لهذا الواجب - واجب ذكر الله - في أحرج الساعات وأشد المواقف، وكلها إيحاءات ذات قيمة في المعركة يحققها هذا التعليم الرباني"[في ظلال القرآن(10/1528)].



ومن طاعته سبحانه اللجوء إليه بالدعاء والتضرع وإظهار الفقر إليه، وقد نوّه الله بذلك فقال: {إذ تستغيثون ربّكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين، وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم، وما النصر إلا من عند الله، إن الله عزيز حكيم}[الأنفال: 9ـ10].



ولقد كان صَلى الله عليه وسلم شديد الإلحاح على ربه في الدعاء لاسيما عندما تشتد الكربة ويعظم الأمر حرصاً منه على نصر الله لعباده لتعلو كلمته وتعم عبادته الأرض. كما في حديث ابن عباس قال: "قال النبي صَلى الله عليه وسلم يوم بدر، وهو الذي نزلت فيه الآية المذكورة آنفاً: (اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن شئت لم تعبد…) فأخذ أبو بكر بيده فقال: حسبك فخرج وهو يقول: (سيهزم الجمع ويولون الدبر)[البخاري رقم الحديث 3953 فتح الباري(7/287)].



وفي حديث عبد الله بن أبي أوفى: "كتب إلى عمر بن عبيد الله حين خرج إلى الحرورية: إن رسول الله صَلى الله عليه وسلم في بعض أيامه، التي لقي فيها العدو انتظر حتى مالت الشمس، ثم قام في الناس فقال: (يا أيها الناس لا تمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا) ثم قال: (اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم)"[البخاري، برقم (2861) و مسلم، برقم (1742) وهو في اللؤلؤ والمرجان(2/438)].



ولقد اتخذه أصحابه رَضي الله عنهم، أسوتهم في معاركهم، فكانوا يلجأون إلى الله ملحين عليه في الدعاء، طالبين نصره على عدوهم بزلزلة أقدامهم ورعب قلوبهم، وتثبت أقدام المؤمنين وإنزال سكينته عليهم وتوفيقهم للزوم طاعته وتقواه. كما حصل من معاذ بن جبل يوم اليرموك: "وجعل معاذ بن جبل كلما سمع أصوات القسيسين والرهبان يقول: اللهم زلزل أقدامهم وأرعب قلوبهم، وأنزل علينا السكينة وألزمنا كلمة التقوى، وحبب إلينا اللقاء وأرضنا بالقضاء" [البداية والنهاية لابن كثير(7/11)].



وإذا تأملت النصوص المتقدمة، وجدت أن الله سبحانه وتعالى أمر عباده بالثبات عند اللقاء، وأمر الرسول صَلى الله عليه وسلم به أصحابه بصفة الصبر الذي لا يكون الثبات بدونه والثبات - وقد أمر الله به - من طاعته وهو من أهم عوامل النصر.



وقد كان الرسول صَلى الله عليه وسلم أكثر الناس ثباتاً عندما تزلزل الأقدام وتطير القلوب وينكشف الناس، كما حصل في غزوة أحد، وغزوة حنين، وكذلك خُلَّص أصحابه رضِي الله عنهم، والجيش الذي يكون أكثر ثباتاً يكون أولى بالنصر من غيره.



قال سيد قطب رحمه الله: "فأما الثبات فهو بدء الطريق إلى النصر، فأثبت الفريقين أغلبهما، وما يدري الذين آمنوا أن عدوهم يعاني أشد مما يعانون، وأنه يألم كما يألمون، ولكنه لا يرجو من الله ما يرجون، فلا مدد له من رجاء في الله يثبت أقدامه وقلبه، وأنهم لو ثبتوا لحظة أخرى فسينخذل عدوهم وينهار. وما الذي يزلزل أقدام الذين آمنوا وهم واثقون من إحدى الحسنين: الشهادة أو النصر، بينما عدوهم لا يريد إلا الحياة الدنيا، وهو حريص على هذه الحياة التي لا أمل له وراءها، ولا حياة له بعدها، ولا حياة له سواها"[في ظلال القرآن(10/1528)].



والخلاصة: أن الجيش الذي تربى قادته وأفراده على طاعة الله سبحانه، جيش موعود بالنصر من الله جدير بأن يفي الله له بوعده. وما وُجِد هذا الجيش الذي تربى تلك التربية، إلا كان الغالب، وكان أعداؤه المغلوبين. سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلاً.



والذي يتأمل التاريخ البشرى يجد مصداق ذلك واضحاً جلياً، فعندما يبذل عباد الله، قلوا أو كثروا جهدهم في إبلاغ دين الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإعداد العدة المستطاعة، ينصرهم الله على عدوهم قل عدده أم كثر، إما مباشرة من عنده بدون سبب مادي، كما فعل سبحانه بكثير من الأمم التي حاربت أنبياءها، كعاد وثمود، وإما بالأسباب المادية القليلة التي تقابل بها الفئة المؤمنة القليلة، الجيوش المدججة الكثيرة كما في قصة طالوت وجالوت.{كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين}[البقرة: 249]. وكما في قصة غزوة بدر والأحزاب وغيرها...



قال السرخسي رحمه الله: "وإنما يوصيه - أي يوصي الرسول الأمير - بتقوى الله تعالى، لأنه بالتقوى ينال النصرة والمدد من السماء، قال الله تعالى: {بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربّكم..}.[آل عمران: 125] وبالتقوى يجتمع للمرء مصالح المعاش والمعاد"[المبسوط(10/4)].



وقد أعطى الله لعباده المؤمنين حقاً هذا الوعد القاطع: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا}[النساء: 141]. وهو وعد من الله الذي لا أحد أوفى بوعده منه، ولا أصدق حديثاً منه، ولا أقدر على الوفاء بالوعد منه، فإذا جعل الله للكافرين على من يدعي الإيمان سبيلاً، فعليه أن يفتش عن عيوب نفسه وضعف إيمانه وبعده عن رضا الله الذي لا يمنح الله نصره من فقد سببه، وفرق بعيد بين من عنده حقيقة الإيمان الذي يجعل حياته ومماته لله، وبين من يدعيه وهو يفقد حقيقته، ولو أدى بعض مظاهره.



قال سيد قطب رحمه الله: "غير أنه يجب أن يفرق بين حقيقة الإيمان ومظهر الإيمان، إن حقيقة الإيمان قوة حقيقية ثابتة ثبوت النواميس الكونية ذات أثر في النفس، وفيما يصدر عنها من الحركة والعمل، وهي حقيقة ضخمة هائلة كفيلة حين تواجه حقيقة الكفر المنعزلة المبتوتة المحدودة، أن تقهرها ولكن حين يتحول الإيمان إلى مظهر فإن حقيقة الكفر تغلبه، إذا هي صدقت مع طبيعتها وعملت في مجالها، لأن حقيقة أي شيء أقوى من مظهر أي شيء، ولو كانت هي حقيقة الكفر، وكان هو مظهر الإيمان" [في ظلال القرآن(5/783)].



نعم من ادعى الإيمان، وواجه عدوه فهزمه هذا العدو، فلا يسأل لماذا لم ينصره الله - لأنه لو كان أهلاً للنصر لنصره - ولكن ليسأل نفسه ماذا عَمِلَتْ؟ وليراجع إيمانه، فسيجد في نفسه الخلل، وفي إيمانه الضعف، وأن ما أصابه كان بما كسبت نفسه، ولقد كان هذا ما تلقاه أصحاب رسول الله صَلى الله عليه وسلم - وهو بين ظهرانيهم – عندما خالفت طائفة منهم أمره صَلى الله عليه وسلم، إذ عاقبهم على عصيانهم، فانتزع النصر منهم وقد شاهدوه بأعينهم، وأصابهم بما لم يكن في حسبانهم، فقتل منهم سبعون منهم حمزة عم رسول الله صَلى الله عليه وسلم، وشج رسول الله صَلى الله عليه وسلم، وكسرت رباعيته، وتفرق أصحابه تفرقاً منكراً ليبتليهم الله بذلك وليلقنهم درساً لا ينسونه، بأن المعصية، مهما كانت صغيرة في أذهانهم، لا تؤمن عواقبها، ولو كان مرتكبها صحابياً، و لو كان في صف فيه رسول الله صَلى الله عليه وسلم..



قال تعالى: {ولقد صدقكم الله وعدَه، إذ تحسونهم بإذنه، حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر، وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون، منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة، ثم صرفكم عنهم ليبتليكم، ولقد عفا عنكم، والله ذو فضل على المؤمنين}[آل عمران: 152].



ولقد دهش أصحاب رسول الله صَلى الله عليه وسلم، من إدالة الكافرين عليهم وبينهم رسول الله صَلى الله عليه وسلم، ولم ينتبهوا لخطر المعصية التي حصلت من بعضهم.. فتساءلوا كيف يديل الله علينا أعداءه؟ فأجابهم الله عز وجل على ذلك جواباً قاطعاً مقنعاً لهم ولمن أتى بعدهم، بأن سبب الهزائم التي تقع على من ادعى الإيمان، آت من عند نفسه وأن الله تعالى لم يخلف وعده، لأنه وعدَ المؤمن الملتزم بطاعته، لا الذي يعصيه في وقت هو أحوج الناس إلى قوة الاتصال به واللجوء إليه.



فقال تعالى: {أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا؟ قل: هو من عند أنفسكم، إن الله على كل شيء قدير}[آل عمران: 165]. فكيف بغير الصحابة وكيف بغير الرسول صَلى الله عليه وسلم؟.



وفي حديث البراء بن عازب صَلى الله عليه وسلم قال: "لقينا المشركين يومئذ، وأجلس النبي صَلى الله عليه وسلم جيشاً من الرماة، وأمر عليهم عبد الله وقال: (لا تبرحوا إن رأيتمونا ظهرنا عليهيم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا).



فلما لقينا هربوا حتى رأيت النساء يشتددن في الجبل، رفعن عن سوقهن قد بدت خلاخلهن، فأخذوا يقولون: الغنيمةَ الغنيمَةَ، فقال عبد الله: عهدَ إلي النبي صَلى الله عليه وسلم ألا تبرحوا.. فأبوا فلما أبوا صُرِفَ وجوههم، فأصيب سبعون قتيلاً، وأشرف أبو سفيان فقال: أفي القوم محمد؟ فقال: (لا تجيبوه)، فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ قال: (لا تجيبوه). فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟، فقال: إن هولاء قتلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا، فلم يملك عمر نفسه فقال: كذبت يا عدو الله، أبقى الله عليك ما يخزيك، قال أبوسفيان: أعل هبل، فقال النبي صَلى الله عليه وسلم: (أجيبوه) قالوا: ما نقول؟ قال: (قولوا: الله أعلى وأجل).



قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال النبي صَلى الله عليه وسلم: (أجيبوه) قالوا: ما نقول؟ قال: (قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم) قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر والحرب سجال، وتجدون مثلةً لم آمر بها ولم تسؤني)[البخاري رقم الحديث 4043، فتح الباري(7/349)].



تأمل قوله: (فلما أبوا صرف وجوههم فأصيب سبعون قتيلاً) وكيف أصبح المهزوم - وهو كافر - منتصراً على المؤمنين بسبب معصية بعضهم؟



قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "وفيه شؤم ارتكاب النهي وأنه يعم ضرره من لم يقع منه، كما قال تعالى: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة}[الأنفال: 25]. وأن من آثر دنياه، أضر بأمر آخرته ولم تحصل له دنياه". [الفتح(7/353)].



وقال ابن القيم رحمه الله: "ثم أخبرهم أنه صدقهم وعده في النصرة على عدوه وهو الصادق الوعد، وأنهم لو استمروا على الطاعة ولزوم أمر الرسول، لاستمرت نصرتهم، ولكن انخلعوا عن الطاعة وفارقوا مركزهم، فانخلعوا عن عصمة الطاعة، ففارقتهم النصرة، فصرفهم عن عدوهم عقوبة وابتلاء وتعريفاً لهم بسوء عواقب المعصية وحسن عاقبة الطاعة". [زاد المعاد(12/114)].



وقال سيد قطب رحمه الله: "إنها معركة لله، فلا ينصر الله فيها إلا من خلصت نفوسهم له، وما داموا يرفعون راية الله وينتسبون إليها، فإن الله لا يمنحهم النصر إلا إذا محصهم ومحضهم للراية التي رفعوها، كيلا يكون هناك غش ولا دَخَل ولا تمويه بالراية، ولقد يغلب المبطلون الذين يرفعون راية الباطل صريحة في بعض المعارك لحكمة يعلمها الله. أما الذين يرفعون راية العقيدة ولا يخلصون لها إخلاص التجرد، فلا يمنحهم الله النصر أبداً حتى يبتليهم فيتمحصوا ويمحضوا" [في ظلال القرآن(4/493)].



ولقد وقر هذا المعنى - أن الطاعة المطلقة لله هي أساس النصر، وأن معصيته هي سبب الهزيمة - في نفوس أصحاب رسول الله صَلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بإحسان، فكان قادتهم يحرضون جندهم على طاعة الله - ومنها اجتماع الكلمة - والبعد عن معصية الله، وأن الهزيمة لا تأتي من قلة، وإنما من المعصية، واقرأ هذا النص الذي تتضح فيه الثقة الكاملة بنصر الله لمن أطاعه والهزيمة لمن عصاه.

(فكتب الأمراء إلى أبي بكر وعمر يعلمونهما بما وقع من الأمر العظيم - أي من كثرة جيوش الروم يوم اليرموك التي أربت على مائتي ألف، وقلة جيش المسلمين الذي بلغ أربعة وعشرين ألفا - فكتب إليهم: أن اجتمعوا وكونوا جنداً واحداً، والقوا جنود المشركين، فأنتم أنصار الله، والله ناصر من نصره، وخاذل من كفره، ولن يؤت مثلكم عن قلة، ولكن من تلقاء الذنوب، فاحترسوا منها وليصل كل رجل منكم بأصحابه)[البداية والنهاية لابن كثير(7/5)].



لا بل إن أعداء الإسلام، قد أدركوا سر انتصار العدد القليل من حزب الله المؤمنين، مع قلة العتاد على الأعداد الهائلة ذات القوة العظيمة من حزب الشيطان الكافرين، وهو أن حزب الله ملتزم طاعة الله، وحزب الشيطان مصر على الكفر والعصيان.



وفي النص الآتي ما يوضح ذلك تمام الإيضاح: "كان أصحاب رسول الله صَلى الله عليه وسلم، لا يثبت لهم العدو فواق ناقة عند اللقاء فقال هرقل، وهو على أنطاكية، لما قدمت منهزمة الروم: ويلكم أخبروني عن هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم أليسوا بشراً مثلكم؟ قالوا: بلى. قال: فأنتم أكثر أم هم؟ قالوا: بل نحن أكثر منهم أضعافاً في كل موطن. قال فما بالكم تنهزمون؟ فقال شيخ من عظمائهم: من أجل أنهم يقومون الليل ويصومون النهار، ويوفون بالعهد ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويتناصفون بينهم". [التناصف هنا: إما أن يكون المراد به تعاونهم على العدالة أي كل منهم ينصف الآخر ويعطيه حقه أو أن بعضهم يخدم بعضاً راجع لسان العرب مادة "نصف"]. ومن أجل أنا نشرب الخمر ونزني ونركب الحرام وننقض العهد، ونغصب ونظلم ونأمر بالسخط وننهى عما يرضي الله ونفسد في الأرض. فقال: أنت صدقتني"[البداية والنهاية(7/15)].



نعم عرف السلف الصالح سر انتصارهم، فعضوا عليه بالنواجذ فنصرهم الله، وعرف أعداء الإسلام هذا السر فخططوا تخطيطاً دقيقاً لانتزاعه من المسلمين، فنجحوا في ذلك بأساليب شتى، فابتعد المسلمون عن دينهم وعصوا ربهم فهزمهم الله وأذلهم، فصاروا إلى ما صاروا إليه، حتى أصبح أئمة الفساد ودعاة الانحلال والعبث وأتباعهم، هم الكثرة الغالبة في الشعوب الإسلامية.



وما لم يعودوا إلى صراط الله المستقيم، ويقووا إيمانهم ويطيعوا ربهم ويتركوا معصيته، فإنهم سيبقون على ذلهم الذي ألفوه، وما لم يفق قادتهم من غفلتهم فيحيوا في نفوسهم ونفوس شعوبهم روح الإيمان وحب الطاعة وكراهة المعصية، ويربطوهم بالقرآن بدل الأغاني الخليعة، وبالفتوة بدل الرقص والمجون، فإن نقمة الله ستبقى تلاحقهم.



فعلى قادة جيوش الشعوب الإسلامية أن يقتدوا بالسلف الصالح في تربية جيوشهم على قراءة سورة الأنفال والتوبة وآيات الجهاد الأخرى، في سورة البقرة وآل عمران والنساء والأحزاب ومحمد والفتح والحشر، أو يكثرون من قراءتها عليهم: (وقاصهم الذي يعظهم ويحثهم على القتال أبو سفيان بن حرب، وقارئهم الذي يدور على الناس فيقرأ سورة الأنفال وآيات الجهاد المقداد بن الأسود)[البداية والنهاية لابن كثير(7/8)]. بدلاً من تربيتهم على المعاصي والفسوق والعصيان، وعبادة الطواغيت، وظلم المؤمنين وقتل الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، كما كان بنو إسرائيل تفعل بأنبياء الله ورسله ودعاة الإيمان.



وها هو أحد دعاة الإسلام يحذر أمته من مغبة هذا الصنيع، قبل أن يسيل الطغاة دمه، فعاقبهم الله بتسليط أرذل خلق الله وأذلهم وأقلهم عدداً في الأرض، وهم اليهود الذين زاد أعداء الإسلام من المسلمين عليهم في الجرم والظلم والطغيان، وهل يتوقع قتلة الدعاة إلى الله إلا عذاب الله وحبوط أعمالهم في الدنيا والآخرة، ومن عذاب الدنيا ذلهم وهوانهم. كما قال تعالى: {إن الذين يكفرون بآيات الله، ويقتلون النبيين بغير حق، ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، فبشرهم بعذاب أليم، أولئك الذي حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة، ومالهم من ناصرين}.[آل عمران: 21 ـ 22].



قال سيد قطب ـ رحمه الله ـ: "ولقد قصّ الله سبحانه وتعالى على المسلمين من أنباء بني إسرائيل ـ أي في إخضاع الهداة والشرائع للهوى والنـزوة المتغلبة ـ ما يحذرهم من الوقوع في مثله حتى لا تسلب منهم الخلافة في الأرض والأمانة التي ناطها بهم الله سبحانه وتعالى، فلما وقعوا في مثل ما وقع فيه بنو إسرائيل وطرحوا منهج الله وشريعته، وحكموا أهواءهم وشهواتهم وقتلوا فريقاً من الهداة وكذبوا فريقاً، ضربهم الله بما ضرب به بني إسرائيل من قبل من الفرقة والضعف والذلة والهوان والشقاء والتعاسة". [في ظلال القرآن(1/89)].





السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13467767

عداد الصفحات العام

995

عداد الصفحات اليومي