﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ﴾ الأنعام ٦٥
(07) سافر معي في المشارق والمغارب :: (026) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (06) سافر معي في المشارق والمغارب :: (05) سافر معي في المشارق والمغارب :: (025) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (04) سافر معي في المشارق والغارب :: (24) أثر الترية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي وأمنه :: (03) سافر معي في المشارق والمغارب :: (023) أثر التربية الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي :: (034)الإيمان هو الأساس - أمور تؤخذ من قصة في إنكاره الإيمان باليوم الآخر :: حوار مع الأخ المسلم البريطاني - حامد لي :: (022)تربية المجتمع - اجتناب الهجر والتقاطع :: حوار مع الأخ المسلم الألماني - هادف محمد خليفة. :: (021)تربية المجتمع - الاحتقار والسخرية :: إيجاد الوعي في الأمة-الندوي :: حوار مع الأخ المسلم الألماني عبد الشكور كونزا(KUNZE) -فرانكفورت :: (020)أثر تربية المجتمع- اجتناب الحسد :: (39)السيرة النبوية - ما لاقاه الصحابة من أذى في مكة: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(095)الجهاد في سبيل الله-المبحث الثالث: التوكل على الله، أو الاعتماد على سواه

(095)الجهاد في سبيل الله-المبحث الثالث: التوكل على الله، أو الاعتماد على سواه


من عوامل النصر، التوكل على الله، ومعناه الاعتماد عليه وتفويض الأمور إليه، والاستعانة به والإيمان بأنه إذا أراد شيئا قال له: كن فيكون، وأنه لا معطي لما منع ولا مانع لما أعطى، وأنه لا يصيب أحداً إلا ما كتب الله له أو عليه، وأن جميع الخلق لا يقدرون على نفع أحد لم يرد الله نفعه، ولا ضر أحد لم يرد الله ضره، ولا يتم إلا بمباشرة الأسباب التي جعلها الله كوناً أو شرعاً مؤدية إلى مسبباتها.



ولا يستغني عن التوكل على الله أحد من مخلوقاته، المؤمنون منهم وغير المؤمنين، وأفضله وأشمله التوكل عليه والاستعانة به تعالى على لزوم طاعته، واجتناب معصيته والدعوة إليه، والجهاد في سبيله لإعلاء كلمته ونشر دينه وإقامة حكمه.



قال ابن القيم رحمه الله: "التوكل نصف الدين، والنصف الثاني الإنابة، فإن الدين استعانة وعبادة، فالتوكل هو الاستعانة، والإنابة هي العبادة، ومنزلته أوسع المنازل وأجمعها، ولا تزال معمورة بالنازلين، لسعة متعلق التوكل وكثرة حوائج العالمين.



وعموم التوكل ووقوعه من المؤمنين والكفار والأبرار والفجار والطير والوحش والبهائم، فأهل السموات والأرض - المكلفون وغيرهم - في مقام التوكل وإن تباين متعلق توكلهم، فأولياؤه وخاصته يتوكلون عليه في الإيمان ونصرة دينه وإعلاء كلمته وجهاد أعدائه وفي محابه وتنفيذ أوامره، ودون هؤلاء من يتوكل عليه في استقامته في نفسه وحفظ حاله مع الله فارغاً عن الناس، ودون هؤلاء من يتوكل عليه في معلوم يناله منه من رزق أو عافية أو نصر على عدو، أو زوجة أو ولد ونحو ذلك... -إلى أن قال-: فأفضل التوكل: التوكل في الواجب، عن واجب الحق وواجب الخلق وواجب النفس، وأوسعه وأنفعه التوكل في التأثير في الخارج في مصلحة دينية أو في دفع مفسدة دينية، وهو توكل الأنبياء في إقامة دين الله ودفع فساد المفسدين في الأرض، وهذا توكل ورثتهم" [مدارج السالكين(2/113ـ114)].



وقد أمر الله بالتوكل عليه عباده المؤمنين، كما قال تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}[آل عمران: 122]. وقال: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}[المائدة: 23]. وقال: {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ}[النمل: 79]. وقال: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً}[الفرقان: 58]. وقال: {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً}[الأحزاب: 3]. وقال: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}[آل عمران: 159]. وجعل سبحانه التوكل عليه وحده، من أبرز صفات المؤمنين إيماناً حقاً، كما قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}[الأنفال: 2].



وحث الله سبحانه وتعالى أمة محمد صَلى الله عليه وسلم، أن يقتدوا بنبيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام ومن معه، في موقفهم من أعدائهم من معاداتهم وتبريهم منهم حتى يؤمنوا بالله وحده، وفي توكلهم عليه سبحانه. كما قال: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ}[الممتحنة: 4].



ويتحدى أنبياء الله قومهم متوكلين على ربهم، فهذا نوح عليه السلام يدعو قومه أن يجتمعوا هم وشركاؤهم لينزلوا به ضراً ولا يمهلوه في ذلك، بعد إن أخبرهم بتوكله على ربه القادر على كل شيء. كما قال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ}[يونس: 71].



وذاك هود عليه السلام يقف أمام قومه مجتمعين، متحدياً لهم كذلك بتوكله على ربه وحده: {إِنْ نَقُولُ إِلا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ، إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}[هود: 54ـ56].

وحكى الله عن جميع الأنبياء أنهم اعتصموا بالتوكل عليه، في صراعهم مع قومهم الكافرين وهم مطمئنون صابرون. كما قال تعالى: {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ، وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ}[إبراهيم: 11ـ12].



وبلغ أمةُ محمد صَلى الله عليه وسلم معه قمةَ التوكل والاستهانة بقوة أعداء الله مهما بلغت. كما قال سبحانه: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}[آل عمران: 173].



وقد كان الرسول صَلى الله عليه وسلم يربي أصحابه على التوكل على الله وعدم الاعتماد على سواه، وكان يُنَشِّئُ على ذلك صغارهم، وتنشئة الصغير على صفة من الصفات، تثبت في نفسه أكثر من ثباتها في نفس الكبير في الغالب. ففي حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كنت خلف النبي صَلى الله عليه وسلم يوماً فقال لي: (يا غلام أني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فأسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)".[الترمذي رقم 2635 تحفة الأحوذي (7/219) وقال الترمذي حديث حسن صحيح ـ وراجع جامع العلوم والحكم لابن رجب ص160].



وفي حديث عمر بن الخطاب رَضي الله عنه: "عن النبي صَلى الله عليه وسلم قال: (لو أنكم توكلتم على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً)[الترمذي رقم الحديث 2447، تحفة الأحوذي (7/8) وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وراجع جامع العلوم والحكم ص379].



ولقد شهد التاريخ بأحداثه الواقعة، أن المؤمنين المتوكلين على الله تعالي منصورون على أعدائهم، وإن ابتلوا ابتلاء يمحصهم الله به، فإن العاقبة لهم حتما وأن أعداء الله مهما كثروا واشتدت قوتهم وتضافروا على أولياء الله، فإنهم مهزومون.



وقد أنكر الله على من وقف ضد دعوة الرسول صَلى الله عليه وسلم، عدم اعتبارهم بالأمم الماضية المكذبة - وقد كانت أشد قوة منهم - التي أخذها أخذ عزيز مقتدر نصراً لأوليائه عليهم. كما قال تعالى: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ}[غافر: 21ـ22].



وأمر الله سبحانه وتعالى نبيه صَلى الله عليه وسلم، أن ينذر قومه عقاب الأمم المكذبة التي اغترت بقوتها وأظهرت تحديها لرسلها الذين كانوا يستندون إلى قوة الخالق سبحانه. كما قال تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ، إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ، فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ}[فصلت: 13ـ16].



وقال عن قوم نوح الذي تحداهم بتوكله على الله – كما مضى -: {فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ}[يونس: 73].



وقال عن فرعون: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ}[القصص: 4ـ6].



وعندما تخلو الأرض من مؤمنين يدافعون عن حرماته في الأرض-وسوف لا تخلو الأرض بعثة الرسول صَلى الله عليه وسلم من مؤمنين يدافعون عن دينه ويسعون لإعلاء كلمته-وإن اختلفت درجة الدفاع والسعي، أو اختلفوا في القلة والكثرة، فإن الله ينزل بأعداء الله المعتدين على تلك الحرمات، ما يشتت شملهم ويمزقهم شر ممزق، وما قصة أصحاب الفيل بخافية. قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ، أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ، وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ، تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ}[سورة الفيل].



وذكَّر الله سبحانه أصحاب نبيه صَلى الله عليه وسلم، بنصره لنبيه ودفعه عنه، وقد كان في الغار وحيداً إلا من صاحبه أبي بكر، وقريش تحترق لفقدهما، وتغري من يأتي بهما حيين أو ميتين بأموال كثيرة، وكانوا يصلون إلى فم الغار ويعمي الله أبصارهم عنهما، ولو تمكنوا من القبض عليهما لشفوا غلهم من رسول الله صَلى الله عليه وسلم وصاحبه اللذين لم يكن معهما إلا الله تعالى. ذكَّر الله تعالى أصحاب نبيه في المدينة بعد أن قويت شوكتهم، بهذه الحادثة التي كان فيها مع نبيه وصاحبه، فنصره وأيده، وأنهم إن لم ينصروه فهو معه وناصره أيضاً. قال تعالى: {إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}[التوبة: 40].



وفي غزوة بدر كان تدبير الله لعباده المؤمنين ضد أعدائه الكافرين، قبل المعركة، وفي أثنائها، وبعدها، ما لم يكن أصحاب رسول الله صَلى الله عليه وسلم يتوقعونه من نصره وتأييده، فما كانوا يريدون لقاء العدو أولاً، وإنما كانوا يريدون العير ولكن الله أراد لهم ذات الشوكة لكسرها وقطع دابر الكافرين. وكان العَدَد والعُدَّة، أكبر من طاقتهم، فاستغاثوا ربهم، فأغاثهم وأشرك معهم في المعركة ملائكته، وطمأنهم مع ذلك بالنعاس وإنزال المطر وثبت قلوبهم، وألقى الرعب في قلوب أعدائهم. قال تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ، وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ، إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ، ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ}[الأنفال: 9ـ14].



وفي غزوة بني النضير ذكَّر الله سبحانه أصحاب محمد صَلى الله عليه وسلم، بنعمته عليهم وبقدرته الكاملة وملكه المطلق، إذ أنزل الرعب في قلوب أعدائهم فخرجوا من ديارهم، وما كان المسلمون يظنون أنهم يخرجون منها، وكذلك اليهود ما كانوا يظنون أن يخرجوا لتحصنهم فيها ومناعتها، ولكن الله أرعبهم فخرجوا وخربوا بيوتهم بأيديهم مع المؤمنين. قال تعالى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ}[الحشر: 1ـ2].



وعقب غزوة أحد، وجروح المسلمين تسيل، وشهداؤهم يدفنون، خَوَّفهم أعداءُ الله بجموعهم، فاستهانوا بهم متوكلين على الله، فعادوا بفضل الله ونعمته، ولم يصبهم سوء، وذكرهم الله بأن الشيطان يخوفهم من أوليائه، ونهاهم أن يخافوهم، لأن المؤمن يجب أن يعتمد على ربه ولا يخاف سواه. قال تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ، إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}[آل عمران: 173ـ175].



وفي غزوة الأحزاب التي تجمع أعداء الله فيها على الرسول صَلى الله عليه وسلم وأصحابه، من داخل المدينة وخارجها من مكة ونجد وغيرهما، ذكرهم الله بنعمته عليهم إذ نصرهم على أعدائهم بجنود وريح، ورد الكافرين خاسرين وكفى المؤمنين القتال. كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً، إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً}[الأحزاب: 9ـ11]. وقال: {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً}[الأحزاب: 25].



وفي غزوة حنين أذاق الله المؤمنين شيئاً من عقابه لإعجابهم بكثرتهم، وفي ذلك نقص في التوكل على الله، ثم ذكرهم بنصره لهم في مواطن كثيرة، بعد أن أعطاهم درساً يعيدهم به إلى جنابه والتوكل عليه، لنصرهم على أعدائهم سبحانه. قال تعالى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}[التوبة: 25ـ27].



قال سيد قطب رحمه الله، وهو يتفيأ في ظلال سورة الأنفال: "إن الموقعة - أي موقعة بدر - بظروفها التي صاحبتها، تحمل بينة لا تجحد وتدل دلالة لا تنكر، على تدبير وراء تدبير البشر، وعلى قوة وراءها غير قوة البشر، إنها تثبت أن لهذا الدين رباً يتولى أصحابه متى أخلصوا له وجاهدوا في سبيله وثبتوا، وأنه لو كان الأمر إلى القوى المادية الظاهرة ما هزم المشركون، ولا انتصرت العصبة المسلمة هذا الانتصار العظيم.

ولقد قال المشركون أنفسهم لحليفهم الذي أراد أن يمدهم بالرجال وهم ذاهبون للقتال: "فلعمري لئن كنا إنما نقاتل الناس، فما بنا من ضعف عنهم، ولئن كنا إنما نقاتل الله - كما يزعم محمد - فما لأحد بالله من طاقة" ولقد علموا - لو كان العلم يجدي - أنهم إنما يقاتلون الله، كما قال لهم محمد الصادق الأمين وأنه ما لأحد بالله من طاقة، فإذا هلكوا بعد ذلك بالكفر، فإنما يهلكون عن بينة..{لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ}[الأنفال: من الآية42 ـ في ظلال القرآن: (10/1525)].



هذا وإن على ضعاف الإيمان من قادة المسلمين الذين أصبح خوف أعداء الله في أنفسهم أكثر من خوف الله، فقعدوا عن الجهاد في سبيل الله، بل إن كثيراً منهم حارب الله ورسوله، إرضاء لأعدائه، وظناً منهم أنهم إذا اتخذوهم أولياء دامت سيطرتهم على البلاد والعباد، عليهم – إن على هؤلاء أن يعلموا أن أولياءهم الذين يتخذونهم من دون الله، أوهى من بيت العنكبوت، وأن الله وحده هو الذي يكفي من توكل عليه، وأن العزة لله وحده يؤتيها من يشاء فهو الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء، ويؤتي ملكه من يشاء وينزعه ممن يشاء، ولعل في هذه الآيات التي تساق بدون تعليق عبرة لمن ضعف إيمانه ولم يتوكل على الله واتخذ من دونه أولياء. قال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}[العنكبوت: 41] {يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنْهَا الأذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ}[المنافقون: 8]. {الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً}[النساء: 139]. {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ، وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ}[الزمر: 36ـ37].



{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ، لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ، قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ}[الأنفال: 36ـ38]. {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيّاً وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيراً}[النساء: 44ـ45].{قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[آل عمران: 26].



وإن مما يدل على التوكل على الله حسن الظن به، ومما يدل على عدمه سوء الظن به سبحانه وتعالى - ولا سيما وقت الشدة -. ولهذا قال تعالى عن المؤمنين في غزوة الأحزاب: {وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً}[الأحزاب: 22]. وقال عن المنافقين: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُوراً}[الأحزاب: 12].



وذكر تعالى أن المؤمنين يحسنون به الظن في كل الأحوال: حالة النصر وحالة الإدالة عليهم أو استشهاد أحد منهم.{قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ، قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ}[التوبة: 51ـ52].



وقال ابن القيم رحمه الله: "فعلى قدر حسن ظنك بربك ورجائك له يكون توكلك عليه، وكذلك فسر بعضهم التوكل بحسن الظن، والتحقيق أن حسن الظن به يدعوه إلى التوكل عليه، إذ لا يتصور التوكل على من ساء ظنك به، ولا التوكل على من لا ترجوه.. والله أعلم".[مدارج السالكين(2/121)].



وقال سيد قطب رحمه الله: "وقد جعل الله صفة المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات هي ظن السوء بالله، فالقلب المؤمن حسن الظن بربه يتوقع منه الخير في السراء والضراء، يؤمن بأن الله يريد به الخير في الحالين، وسر ذلك أن قلبه موصول بالله، وفيض الخير من الله لا ينقطع أبداً، فمتى اتصل القلب به لمس هذه الحقيقة الأصيلة وأحسها إحساس مباشرة وتذوق.. فأما المنافقون والمشركون فهم مقطوعو الصلة بالله، ومن ثم لا يحسون تلك الحقيقة ولا يجدونها، فيسوء ظنهم بالله وتتعلق قلوبهم بظواهر الأمور ويبنون عليها أحكامهم، ويتوقعون الشر والسوء لأنفسهم وللمؤمنين، كلما كانت ظواهر الأمور توحي بهذا، على غير ثقة بقدر الله وقدرته وتدبيره الخفي".[في ظلال القرآن(26/3319)].



بقي أن يُنبه على خطأ منتشر بين قوم جهلوا حقيقة التوكل المشروع، الذي سار عليه الرسل عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم الذين قاموا بدين الله في الأرض ورفعوا راية الإسلام. هذا الخطأ هو ما فهمه بعض أدعياء التدين، من أن التوكل على الله لا يصح أو لا يتم إلا باطراح الأسباب وعدم مباشرتها، وبنوا على ذلك قدحهم في الذين يباشرون تلك الأسباب.. وهو خطأ فاحش بعيد عن دين الله وعن حقيقة التوكل على الله سبحانه.



فالله سبحانه الذي أمر بالتوكل، أمر بمباشرة الأسباب، إلا أنه سبحانه نهى عن الركون إليها واعتقاد حتمية نتائجها بعيدة عن مشيئته سبحانه. بل على من يفعل السبب المشروع، أن يعتمد على الله سبحانه في الحصول على نتيجته، فإن الله قد يحول بين السبب والنتيجة، وإن الإنسان ليبذل وسعه في سببٍ مَّا من الأسباب، حتى يظن أنه قد وصل إلى هدفه، فيفاجأ بالحرمان منه، وقد يبذل جهده في سبب ما من الأسباب فيبدو له عدم ترتب نتيجته عليه، فيفاجأ بحصول تلك النتيجة، وهذا واقع مشاهد في كثير من الأمور.



وقد أمر الله سبحانه بإعداد العدة للكافرين، ووعد بالنصر عباده المؤمنين، وقد يعدون عدة كبيرة ويظنون أنهم منتصرون على عدوهم، فيصابون بضد ما ظنوا لأمور أخرى يعلمها الله سبحانه منهم، لا يكونون أهلاً لنصره مع وجودها، وقد يكون عددهم قليلاً وعُددهم ضعيفة، ولكنهم بذلوا جهدهم وأحسنوا الظن بالله وتوكلوا عليه، فيحقق الله لهم من النصر ما لم يتوقعوه.



وكان اتخاذ الأسباب من شأن أنبياء الله، فنوح صنع السفينة له ولقومه فنجاهم الله بها، وكان قادراً على نجاتهم بدونها، وداود صنع الدروع لاستعمالها في جهاده أعدائه، والرسول صَلى الله عليه وسلم اتخذ الأسباب وأمر باتخاذها، وقال: (احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز..)[مسلم(4/2052)].



وتأمل قوله سبحانه: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ}[الأنفال: 60].



أمرهم بإعداد القوة التي فسرها الرسول صَلى الله عليه وسلم بالرمي، وأسند إليهم الإرهاب لعدوهم الظاهر والخفي عليهم، وفي آية أخرى أسند إليهم القتل الذي أمرهم به فقال: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ}[التوبة: 5]. وهذا من باب مباشرة الأسباب وإسناد الأفعال الظاهرة إلى من تعلقت به، وقد نفى سبحانه أن يكون المسلمون قتلوا المشركين، وأن يكون الرسول صَلى الله عليه وسلم رمى.. فقال: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}[الأنفال: 17]. ليبين لهم وجوب تسليم الأمر كله إليه، وأن الأسباب التي باشروها، لم تكن وحدها قادرة على إنشاء نتائجها، بل هي خاضعة لمشيئة الله المطلقة، هذا هو مفهوم التوكل لا تفريط فيه ولا إفراط..



فلا يظن الإنسان أنه مستقل عن الله بالأسباب والنتائج ولا يظن أن ترك الأسباب المشروعة هو حقيقة التوكل..وما أجمل ما قاله ابن القيم في هذه المسألة: "فالتجرد من الأسباب جملة، ممتنع عقلاً وشرعاً وحساً..." إلى أن قال: "وقد ظاهر رسوله الله صَلى الله عليه وسلم بين درعين يوم أحد... وأستأجر دليلاً مشركاً على دين قومه يدله على طريق الهجرة، وقد هدى الله به العالمين وعصمه من الناس أجمعين، وكان يدخر لأهله قوت سنة وهو سيد المتوكلين، وكان إذا سافر في جهاد أو حج أو عمرة حمل الزاد والمزاد، وجميع أصحابه وهم أولو التوكل حقاً، وأكمل المتوكلين بعدهم هو من اشتم رائحة توكلهم من مسيرة بعيدة أو لحق أثراً من غبارهم.



فحال النبي صَلى الله عليه وسلم وحال أصحابه، محك الأحوال وميزانها، بها يعلم صحيحها من سقيمها، فإن هممهم كانت في التوكل أعلى من همم من بعدهم، فإن توكلهم كان في فتح بصائر القلوب، وأن يعبد الله في جميع البلاد، وأن يوحده جميع العباد، وأن تشرق شموس الدين الحق على قلوب العباد..فملأوا بذلك التوكل القلوب هدىً وإيماناً، وفتحوا بلاد الكفر وجعلوها دار إيمان، وهبت رياح روح نسمات التوكل على قلوب أتباعهم، فملأتها يقيناً وإيماناً، فكانت همم الصحابة رضي الله عَنهم، أعلى وأجل من أن يصرف أحدهم قوة توكله واعتماده على الله في شيء يحصل بأدق حيلة وسعي فيجعله نصب عينيه ويحمل عليه قوى توكله".[مدارج السالكين(2/134) وما بعدها..].



وقال سيد قطب رحمه الله، مبيناً مفهوم التوكل الشرعي الذي يبذل صاحبه جهده بمباشرة الأسباب ويعتمد على الله في ترتيب النتائج عليها: "إن التصور الإسلامي يتم بالتوازن المطلق بين تقدير الفاعلية المطلقة لقدر الله سبحانه، وتحقق هذا القدر في الحياة الإنسانية، من خلال نشاط الإنسان وفاعليته وعمله. إن سنة الله تجري بترتيب النتائج على الأسباب، ولكن الأسباب ليست هي التي تنشئ النتائج، فالفاعل المؤثر هو الله والله يرتب النتائج على الأسباب بقدره ومشيئته، ومن ثم يطلب إلى الإنسان أن يؤدي واجبه وأن يبذل جهده وأن يفي بالتزاماته، وبقدر ما يوفي بذلك كله يرتب الله النتائج ويحققها. وهكذا تظل النتائج والعواقب متعلقة بمشيئة الله وقدره، وهو وحده الذي يأذن لها بالوجود حين يشاء وكيفما يشاء، وهكذا يتوازن تصور المسلم وعمله، فهو يعمل ويبذل ما في طوقه، وهو يتعلق في نتيجة عمله وجهده بقدر الله ومشيئته، ولا حتمية في تصوره بين النتائج والأسباب، فهو لا يحتم أمراً بعينه على الله".[في ظلال القرآن(4/503)].



وهنا قد يقول سائل جاهل، أو ماكر مخادع: لمَ لم بنصر الله المسلمين على أعدائهم من الوثنيين واليهود والنصارى، الذين يتصرفون في شئونهم، ويقودونهم إلى تحقيق أهدافهم، وينشرون بينهم العداوة والبغضاء، فترى المسلمين أشبه بحيوان الغابات يقتل بعضهم بعضا، مع ما بأيديهم من وسائل من المال ومصادره وما يوجد فيهم من متخصصين في جميع العلوم التي يستطيعون بمزاولتها وإتقانها، أن يكونوا أقوياء، يدافعون أعداءهم عن دينهم وضرورات حياتهم، ولكنهم في ضعف مستمر، أصبح أعداؤهم يهيمنون عليهم، حتى شذاذ الآفاق الذين احتلوا أرضهم، واستضعفوا إخوانهم في الأرض المباركة "فلسطين" وسفكوا دماءهم وساموهم سوء العذاب، بالسجن والاعتقال، والإهانة والإذلال، فلم لم ينصرهم الله تعالى على أعدائهم، كما وعدهم؟



والجواب: أن الله تعالى ما وعد بالنصر إلا المؤمنين حقا، وهم الذين يجمعون بين ما أمرهم الله تعالى به، من طاعته، ومنها اتخاذ الأسباب المادية من القوة التي ترهب أعداءهم، تحقيقا لأما أمرهم به ربهم، في قوله: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (60)} [الأنفال] والإيمان الصادق الذي يحقق التوكل عليه سبحانه، والعزيمة الصادقة على جهاد عدوهم، جهادا يرى فيه الأعداء، من الشجاعة والاستبسال ما يخيفهم ويشرد بهم من خلفهم، كما ذكر الله تعالى في كتابه: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ (15)} [الحجرات] هاؤلاء الصادقون في إيمانهم وفي جهاد عدوهم هم الذين وعدهم الله بالنصر، وليس المستسلمون لعدوهم.





السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م

13467775

عداد الصفحات العام

1003

عداد الصفحات اليومي