{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً (62) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً (63) } [النساء]
(067) سافر معي في المشارق والمغارب :: (066) سافر معي في المشارق والمغارب :: (031) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (065) سافر معي في المشارق والمغارب :: (030) دور المسجد في التربية وعلاج انحراف الأحداث :: (064) سافر معي في المشارق والمغارب :: (029) در المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (028) دور المسجد في التربية وعلاج انحراف الأحداث :: (027) دور المسجد في التربية وعلاج انحراف الأحداث :: :: :: :: :: :: :: :: :: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي


(06) مفتاح باب الريان

(06) مفتاح باب الريان

آثار الصبر في سلوك أهله

والصبر له آثاره في سلوك أهله، في مقامات كثيرة من حياته، يعينه فيها على فعل طاعة ربه، وترك معصيته، وأهمها أربعة مقامات:

المقام الأول: مقام الجهاد في سبيل الله:

ومقارعة الأعداء، دفعاً لعدوانهم، وتحطيماً لسدود الصد عن تبليغ الإسلام إلى الناس، فالمجاهدون في سبيل الله يثبتهم الله بالصبر وهم فئة قليلة، ويمنحهم النصر على الأعداء وهم فئة كثيرة، ويكون تدريب المجاهدين واختبارهم، هو طاعة قائدهم، في تحديد كمية ما تشتهيه أنفسهم مما هو مباح لهم في الأصل، كشرب الماء، وهو شبيه بالصيام.

قال تعالى: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ(249)} [البقرة]. والصبر قرين الجهاد في فتح أبواب الجنة، كما قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142)} [آل عمران].

المقام الثاني: مقام الدعوة إلى الله:

التي ينال فيها الدعاة إلى الله وأتباعهم من الفتنة والأذى، ما لا طاقة لهم على تحمله إلا بالصبر، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ(34)} [الأنعام]. وقال تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (35)} [الأحقاف]. وقال تعالى: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ(110)} [النحل].



وكان الرسول صلى الله عليه وسلم، يربي أصحابه في وقت الشدة والضعف، على الصبر على ما يصيبهم من أذى، اقتداء به، كما في حديث خبَّاب بن الأرت قال: "شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ قال: (كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض، فيجعل فيه فيجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه، فيشق باثنتين وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون) [مسلم (2/1322)].

المقام الثالث: مقام الاعتداء على الصائم:

إن الصائم كغيره، يحق له أن يعامل من يسبه ويشتمه بمثل ما فعل، ولكنه يؤثر عدم استعمال هذا الحق، ويتقي خصمه بصبره وصيامه، كما في حديث عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الصيام جُنة، فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه، فليقل: إني صائم مرتين، والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك، يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به والحسنة بعشر أمثالها) [البخاري (2/670)]. وصبر الصائم على الشتم والسب أمر مطلوب، أما صبره على المقاتلة، بحيث يُعتَدَى عليه بالضرب ونحوه، ففيه إشكال، وهو أن المسلم مأمور بالدفع عن نفسه، وسكوته على العدوان عليه بالفعل، استسلام وخضوع لا يليق به.

وأجيب عن ذلك بجوابين:

الجواب الأول: أن المقاتلة تأتي بمعنى المشاتمة، وهي تأتي بمعنى ذلك، وعلى هذا فلا إشكال.

الجواب الثاني: أن المراد بالمقاتلة تهيؤ المعتدي على الصائم لمقاتلته، وليس المراد مباشرة ذلك فعلاً، فإذا رأى الصائم من خصمه استعداداً لمقاتلته، فعليه أن يبادره بقوله: (إني صائم) لعل ذلك يجعله يرجع عما عزم عليه.
فإن تمادى وبدأ بمقاتلته بالفعل، فعليه أن يدفع عن نفسه، بالأخف فالأخف من الدفع، كالحال مع الصائل().

المقام الرابع: مقام هياج النفس:
ورغبتها في قضاء وطرها بلقاء الرجل المرأة بسبيل شرعي، مع عدم القدرة على ذلك، فإن الصوم من أهم ما يعينه على الصبر حتى يهيئ الله له ما يحقق له رغبته.
وفي هذا المعنى روى عبد الله بن مسعود ، قال: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (يا معشر الشباب من استطاع الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجَاء)"().
والخلاصة أن الصوم صَبرٌ، وهو مُعِينٌ لصاحبه على الصبر في مقامات كثيرة من حياته، وفي تسمية شهر رمضان بـ(شهر الصبر) إشارة واضحة إلى هذا المعنى.
والصائم الصادق في صومه، جدير بأن يكون صيامه لشهر رمضان، دافعاً له على الصبر على فعل الطاعات وترك المعاصي في شهر رمضان، وما تلاه من شهور، إلى رمضان آخر، جعلنا الله جميعاً من الصائمين الصابرين.






السابق

الفهرس

التالي


جميع حقوق الطبع محفوظة لموقع الروضة الإسلامي 1439هـ - 2018م