﴿۞ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلۡیَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰۤ أَوۡلِیَاۤءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِیَاۤءُ بَعۡضࣲۚ وَمَن یَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِینَ ۝٥١ فَتَرَى ٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِم مَّرَضࣱ یُسَـٰرِعُونَ فِیهِمۡ یَقُولُونَ نَخۡشَىٰۤ أَن تُصِیبَنَا دَاۤىِٕرَةࣱۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن یَأۡتِیَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرࣲ مِّنۡ عِندِهِۦ فَیُصۡبِحُوا۟ عَلَىٰ مَاۤ أَسَرُّوا۟ فِیۤ أَنفُسِهِمۡ نَـٰدِمِینَ ۝٥٢ وَیَقُولُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَهَـٰۤؤُلَاۤءِ ٱلَّذِینَ أَقۡسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَیۡمَـٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَـٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُوا۟ خَـٰسِرِینَ ۝٥٣﴾ [المائدة ٥١-٥٣]
(67) سافر معي في المشارق والمغارب :: 66- سافر معي في المشارق والمغارب :: (34) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (033) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف. :: (067) سافر معي في المشارق والمغارب :: (066) سافر معي في المشارق والمغارب :: (031) دور المسجد في تربية الأحداث ووقايتهم من الانحراف :: (065) سافر معي في المشارق والمغارب :: (030) دور المسجد في التربية وعلاج انحراف الأحداث :: :: :: :: :: :: :: :: :: ::
   
جملة البحث



السابق

الفهرس

التالي

( 8 ) إجرام قول لوط بمحاولة الاعتداء على ضيفه الملائكة وسوء عاقبتهم..
{وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77) وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِي فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (78) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (79) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80) قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنْ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمْ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنْ الظَّالِمِينَ بِبَعِيد(83) ٍ} {ولما جاءت رسلنا لوطاً سيء بهم وضاق بهم ذرعاً} في الكلام حذف دلَّ عليه المقام، أي لما ذهبوا من عند إبراهيم إلى لوط عليهما السلام، لينفذوا ما أمروا به، ورأى صورهم مرداً شباباً حساناً، حزن حزناً شديداً، لأنه ظنهم ضيوفاً من البشر، كما ظنهم قبله إبراهيم عليه السلام، وقد مضى أن هذا يدل على عدم علم الأنبياء الغيب إلا ما علمهم الله تعالى إياه، فإن لوطاً لو كان يعلم أنهم رسل الله، لما قال تلك الكلمة المحزنة الدالة على أسفه الشديد على ضيفه خوفاً عليهم من قومه. حيث قال: {لو أن لي بكم قوة} ولهذا قال تعالى: سيء بهم أصل وزنه فَعَل على وزن ضرب، وأصل مادته: " س و ء" والقاعدة أن الأجوف الواوي، كما هنا أو اليائي تقلب ضمة فائه كسرة إذا بني للمجهول، وتقلب عينه إذا كانت واواً ياء، لمناسبة الكسرة، كما هنا، والفاعل هنا يقدر هكذا: ساءه الله بمجيئهم، أو أساءه مجيئهم، ووجه المساءة أنه خشي عليهم من قومه الكفرة أن يفضحوه في ضيفه بفعل الفاحشة فيهم. والذَّرع اختلف في أصله، فقيل هو الصدر، أي ضاق بهم صدره، وقيل مشتق من ذرع البعير الأرض يذرعها، فهو كناية عن العجز، والمرجع شيء واحد، وهو أنه ضاق صدره وضعفت طاقته عن رد قومه عن ضيفه و ذرعاً تمييز محول عن الفاعل. {وقال هذا يوم عصيب} أي شديد في الشر، فيه من الأمور ما يشدده ويصعبه، وإنما كان شديداً على لوط عليه السلام، لأنه خشي أن تنتهك فيه حرمة ضيفه من قبل قومه الكفرة. ويزعم بعض المفسرين أن زوجه كانت توقد النار، ليكون الدخان علامة للكفار أن عند لوط عليه السلام ضيفاً ليأتوا من أجل فعل الفاحشة فيهم. {وجاءه قومه يهرعون إليه} أي يسرعون غاية الإسراع، وقيل: إسراع دون الغاية، كالهرولة، قيل: ولا يستعمل يهرعون إلا في الإسراع مع رعدة، وسبب إسراعهم فرحهم بضيف لوط عليه السلام، يريدون أن يرتكبوا فيهم الفاحشة. وهذا من أغرب ما ينكره البشر، إذ هل يتصور أن أولئك المجرمين كانوا كأنما يساقون سوقاً زاعمين أنهم سيفعلون الفاحشة في جبريل أمين الوحي ومن معه من رسل ربه؟ و يهرعون .. بالبناء للمفعول، ومعناه الفاعل، والإسراع كان كما سبق فرحاً بالضيف، كما قال تعالى في آية أخرى: {وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ} [الحجر:67].. ومن شواهد مجيء يهرعون قول الشاعر:

من هنا بدأت المحاضرة التاسعة عشرة في 2/8/1384هـ. {ومن قبل كانوا يعملون السيئات} أي ومن قبل مجيء رُسُل الله من الملائكة، أو من قبل لوط عليه السلام كانوا يعملون الفعلات السيئات، وهي فاحشة اللواط، جمع سيئة، فالسيئات الخصلات القبيحات، وإنما سُميت سيئة لأنها تسوء صاحبها، وميزانها فَيْعلة، فهي في الأصل سيْوِءَة، اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء، على حد قول ابن مالك في الألفية:

وقد كان قوم لوط يتجاهرون بهذه الفاحشة حتى في النوادي العامة، كما قال تعالى عنهم : {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمْ الْمُنكَرَ} [العنكبوت:29].. وقد ذكر الله تعالى أن قوم لوط كانوا أول من ارتكب هذه الفعلة القبيحة، كما قال عـز وجل: {وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْعَالَمِينَ} [الأعراف:80].. {قال يا قوم هؤلاء بناتي} أي قال نبي الله لوط عليه السلام مدافعاً عن ضيفه، هؤلاء بالمد لغة الحجازيين، وبها نزل القرآن، ولغة تميم القصر، ولغة المد أولى، وإليها أشار ابن مالك في الخلاصة:

وهو صالح لأن يشار به إلى جماعة الإناث، كما هنا، كما يشار به إلى جماعة الذكور.. واختلف في هؤلاء البنات على أقوال: الأول: أنهن بناته لصلبه، كما هو ظاهر القرآن، قيل: كن ثلاثاً وقيل اثنتين، ويزعم بعض المفسرين أنه منعهن من قبل، وإنما أراد الافتداء بهن عن ضيفه، قيل: وكان يريد أن يزوجهن اثنين أو ثلاثة من الرؤساء، ليكفوا عن ضيفه شر باقيهم، وعلى هذا الوجه يكون تزويج المسلمة بالكافر جائزاً في شريعة لوط، كما كانت بنات الرسول صلى الله عليه وسلم في أول الإسلام تحت كفار. الثاني: أنهن لم يكن بناته حقيقة، وإنما أراد نساء قومه مطلقاً، لأن نبي كل قوم أب لهم، كما قال تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب:6].. ويقرب هذا المعنى أن قومه كانوا كثيرين جداً، فلا يمكن تزويج كل من يريد فعل الفاحشة بضيفه من بنات صلبه، لقلة عددهن، ويُجاب عن هذا بما سبق من أنه يريد تزويج رؤسائهم الثلاثة، وظاهر إضافتهن إليه يُقرب المعنى الأول، ولأنه ليس أباً للكافرات. القول الثالث: وهو متفرع من الأول أنه لم يرد حقيقة تزويجهم ببناته، وإنما هو من باب المدافعة، وهذا خلاف ظاهر القرآن. {هن أطهر لكم أي أنزه وأنقى} {فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد} أي اجعلوا بينكم وبين الله وقاية بامتثال أمره واجتناب نهيه بأن توحدوه ولا تعبدوا غيره، وتطيعوه فلا ترتكبوا ما نهى عنه من المعاصي وبخاصة تلك الفاحشة التي انطبعتم عليها، يقال خزي خزاية، إذا استحيا من عار أو فضيحة، وهان أو ذل، قال الشاعر:

وبعضهم يقول: خزى يخزى خزياً إذا افتضح، قال الشاعر:

أي لا تحملوا عليّ من العار ما يجعلني أخجل وأُهان واستحي مما تفعلون من العار في ضيفي، أي في شأنه، وإنما قال: في ضيفي لأن إذلال الضيف إذلال للمضيف، كما أن إذلال الجار إذلال للمجير، قال الشاعر:

ولم يأت لفظ ضيف في القرآن إلا بالإفراد، فيطلق على المثنى والجمع بلفظ المفرد، لأنه ـ في الأصل ـ مصدر، والمصدر ينعت به المفرد والمثنى والجمع بلفظ واحد مذكر فقط، كما قال ابن مالك في الخلاصة:

وربما جمع، وهو مشهور في اللغة، كما قال الشاعر:

وجمعه حينئذٍ اعتباراً بالوصفية وتناسى المصدرية. والرشد ضد السفاهة، والسفاهة خفة الحلم والطيش، والرشد رزانة الحلم والتمييز به بين الحق والباطل، فالرشيد هو المتزن العقل المتجنب للسفاهة، أي أليس يوجد فيكم ذو عقل متزن غير سفيه، فيكفكم عن هذا الفعل القبيح؟! {قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق} المراد بالحق هنا الحاجة والشهوة، أي لا حاجة لنا في بناتك لأن من احتاج شيئاً فقد كان له فيه بعض الحق، ولذا أطلق عليه حق، وقيل المراد ليس لنا فيهن حق لأنه لا يتزوجهن الكافر، ونحن كفار، والأول أظهر.. {وإنك لتعلم ما نريد} أي عندك يقين بالذي نريده وهو فعل اللواط، فكيف تدافعنا عنه مع علمك به؟ { قال لو أن لي بكم قوة} لو هنا ليست الشرطية، بل هي أداة تمن، وقد تقرر في فن المعاني أن لو تأتي أداة تمنٍ والدليل على ذلك نصب الفعل المضارع بعدها بعد الفاء، كما في قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ} [البقرة: 167].. والمضارع ينصب بع التمني، كقوله تعالى: {يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً} [النساء:73]. وقيل إنها شرطية، فهي معلقة للشرط بالجزاء، والجزاء محذوف والتقدير: لدافعت، وهذا، وإن كان جائزاً، أي حذف جواب الشرطية، غير أن الأولى هنا ما ذكرنا. ومن أمثلة حذف جواب لو الشرطية قوله تعالى: {كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ} [التكاثر: 5].. أي لما ألهاكم التكاثر .. وبالوجه الأول من الوجهين يتضح الجواب عن سؤال نحوي، وهو لماذا جاءت أن بعد لو، مع أن الأصل أن يليها الفعل؟ فإنها ليست شرطية حتى يرد السؤال. والجواب على الوجه الثاني، أن أنَّ وما دخلت عليه في تأويل مصدر فاعل فعل محذوف دخلت عليه لو، أي لو ثبتت لي أو وجدت قوة. والقوة هنا مصدر أطلق على الذات، أي ما أتقوى به والأظهر بقاؤه على معناه. {أو آوي إلى ركن شديد} الركن ما يعتمد عليه ويستند، من قوة وجيش وعصبة. [قال ابن كثير، رحمه الله: لو أن لي بكم قوة.. أي لكنت نكلت بكم وفعلت بكم الأفاعيل بنفسي وعشيرتي، ولهذا ورد في الحديث من طريق محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (رحمة الله على لوط، لقد كان يأوي إلى ركن شديد ـ يعني الله عـز وجل ـ فما بعث الله بعده من نبي إلا في ثروة من قومه) تفسير القرآن العظيم (2/453-454) وفي رواية ذكرها ابن أبي حاتم في تفسيره (6/2064) : (في قوة من قومه)] {قالوا يا لوط إنا رُسُل ربك لن يصلوا إليك}. طمأنه الملائكة عندما تمنى أن يأوي إلى ركن شديد يكفيه شر قومه أن ما تمناه حاصل، وهو أن ضيفه هم رُسُل الله، والله تعالى ناصره وناصرهم على أولئك الأشرار بما أقدرهم عليه من قوة، ويذكر أن لوطاً قال ذلك عندما دافعهم حتى تعب منهم فاقتحموا عليه الباب، وعند ذلك لطمهم جبريل عليه السلام بريشة من جناحه حتى أعماهم. يذكر هذا عن قوله تعالى: {فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ}. [القمر: 37].. وهذا جزاء استبشارهم وفرحهم وإتيانهم لفعل الفاحشة مسرعين، والجزاء من جنس العمل، فقوله تعالى: {إنا رُسُل ربك} أي فَأْمن فإنا مهلكوهم، ولهذا قال تعالى: لن يصلوا إليك .. {فأسر بأهلك}. قرئ بقطع الهمزة عند الأكثر، وقرأ نافع وابن كثير بالوصل، وهما قراءتان سبعيتان، كما أنهما لغتان فصيحتان، قال تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} [الفجر:4].. وقال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً} [الإسراء:1].. وقال الشاعر:

وقال الآخر:

{بقطع من الليل}. القطع الطائفة من الليل، وقيل من آخره، بدليل قوله من الليل، مع أن القطع لا يكون إلا من الليل، ويدل على ذلك قوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ} [القمر: 34].. وقد جرت سنة الله تعالى أنه إذا أراد إهلاك قوم نبي عصوه أن يأمره بالخروج والانفصال عنهم، لينجيهُ ويستأصلهم بالهلاك. وقوله: بأهلك .. يفهم منه أنه لم ينج معه إلا أهله، وهم الذين آمنوا به، وقد صرح الله تعالى أنه لم يؤمن إلا أهل بيت واحد فقط من قومه، كما قال تعالى: {فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ}. [الذاريات: 35-36].. {ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم}. أي لا ينظر أحد منكم وراء ظهره، وقد بين تعالى في موضع آخر أنه أمر لوطاً أن يكون وراء قومه كما قال تعالى: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنْ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ}. [الحجر:65].. أي لا يلتفت أحدكم وراء ظهره، لأن العذاب نازل بأعدائكم، فلا تروه أو تسمعوه حين نزوله بهم فترحموهم من أجل ذلك. {إلا امرأتك}. فيه قراءتان سبعيتان: الأولى النصب وهي قراءة الجمهور، ولا إشكال على هذه القراءة فهو استثناء تام متصل منصوب، والمستثنى منه أهلك في قوله تعالى: فأسر بأهلك أي إلا امرأتك فلا تسر بها، لأنها من الهالكين. القراءة الثانية برفع امرأتك بدلاً من أحد فعلى هذه القراءة يسري بها، وعلى الأولى لا يسري بها، وهنا يرد الإشكال، وقد فسر بعضهم ـ من أجل هذا الإشكال ـ الالتفات بالتخلف، وهو غير صحيح والأقرب في وجه الجمع أن يُقال: إن المدار على القراءتين واحد، وهو وجود الهلاك مطلقاً، والمقصود من الإسراء النجاة، والذي لم ينج، سواء سرى أو لم يسر، الأمر في حقه سواء لأنه هالك، وهي هلكت بالفعل، فالمسير وعدمه سواء بالنسبة لها، فكأنها لم تسر وإن سرت، لأن النتيجة واحدة، وعلى قراءة الرفع فكأن النهي ليس موجهاً إليها، بل هي مستثناة منه. {إنه مصيبها ما أصابهم}. فلا حاجة إلى أن تسري بها، وإن سرت فلا ينفعها ذلك، وإبهام العذاب المدلول عليه بـما في قوله ما أصابهم تنويه بأن الهلاك عظيم.. {إن موعدهم الصبح}. الموعد اسم زمان، وهو يأتي للزمان ـ كما هنا ـ ويأتي اسم مكان، كقوله تعالى: {وإن جهنم لموعدهم أجمعين} والمراد هنا زمان موعدهم بالهلاك. أليس الصبح بقريب .. يذكر أن لوطاً عليه السلام عندما وعده الملائكة بهلاك قومه بقولهم: إن موعدهم الصبح .. استعجل نزول العذاب، فقال لهم: الآن الآن، فقالوا له: أليس الصبح بقريب، وهو استفهام تقريري يحملونه به إلى أن يقر فيقول: بلى هو قريب، وبين تعالى في آية أخرى أنه نزل بهم في وقت الإشراق، كما قال تعالى:{فَأَخَذَتْهُمْ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ}. [الحجر: 73].. وهو وقت الإصباح الذي وعد الله به نبيه لوطاً عليه السلام، كما قال تعالى: {وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ} [الحجر: 66].. وقد وقع عليهم عذاب الله من الصيحة والحجارة والقلب، والصواب أن مطر الحجارة نزل على قريتهم التي كانت العاصمة، وهي التي أتى إليها الملائكة، قال تعالى: {وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ} [الفرقان: 40].. {فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها}. أي أمرنا الذي هو هلاكهم في الوقت المعين، يفهم من هذه الآية أن سافل القرية صار العالي، وأن عاليها صار السافل، ولهذا سميت بالمؤتفكات ومنه قيل للقذف إفك، لأنه قلب للخبر الصحيح إلى الخبر الباطل. ويذكر أن العاصمة التي كان بها لوط تسمى سدوم أو سلوم، وبجانبها قرى تابعة لها، وأن جبريل جعلها على ريشة من جناحه، ثم قلبها بعد أن قلعها.. {وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود}. يستعمل أمطر الرباعي في اللغة أكثر من مطر الثلاثي في الخير والشر معاً، والذين زعموا أن أمطر تستعمل في الشر خاصة، ومطر في الخير لم يصيبوا. والحجارة جمع حجر، وجمع الْفَعَل على فِعَالة قليل. واختلف في سجيل فقيل: الأصل أنه عربي، وقيل: بل أصله عجمي ثم عرب، والذي يدل عليه القرآن أنه طين تجمد حتى تحجر، وفيه من حرارة النار شيء هائل جداً. قال تعالى: {لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (33) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ}. [الذاريات: 33-34].. من هنا بدأت المحاضرة العشرون في 4/8/1384هـ.. والصحيح أن الأمر واحد الأمور، وهو الشأن الذي حكم الله به وقضاه في إهلاكهم هلاكاً مستأصلاً، وليس المراد به الوقت كما يقوله بعضهم، ويؤيد ما ذكر قوله تعالى: {وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ} [الحجر:66].. والعالي هو أعلى الشيء، والسافل أسفل الشيء.. و منضود .. اسم مفعول، أي مجعول بعضه فوق بعض، كما قال تعالى: {وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ}. [ق:10].. وفي المراد به وجهان صحيحان لا يكذب أحدهما الآخر. الأول: كونه في السماء قد جعل بعضه فوق بعض محضراً للوقت الذي يراد إهلاكهم به. الثاني: أنه مركوم بعضه فوق بعض عند نزوله عليهم. ويؤيد الأول قوله تعالى: {مسومة عند ربك} أي محفوظة في خزائنه، وفي ذلك تخويف للظالمين وزجر لهم، ويؤيد هذا قوله تعالى: {وما هي من الظالمين ببعيد}. {مسومة} أي: مجعولاً فيها علامة تميزها، واختلف في هذه العلامة: فقيل: إن فيها خطوطاً سوداء وحمراء، وقيل على كل حجر اسم من يرمى به، وقيل عليها شبه الخواتيم، وعلى أية حال، فالمراد أن لها علامة خاصة تميزها عن سواها. {وما هي من الظالمين ببعيد}. اختلف في المراد بالمرجع الذي يعود إليه الضمير: هي على وجهين: الأول: أنه الحجارة، لأنها أقرب مذكور، أي وما حجارة السجيل ببعيدة عمن يرتكب ما ارتكبه قوم لوط، من الكفر والفاحشة.. الثاني: أن المراد به قرى قوم لوط، أي وما القرى المجعولة عظة، والتي جعل عاليها سافلها ببعيدة من الظالمين الذين لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم. كما قال تعالى: {ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء أفلم يرونها بل كانوا لا يرجون نشورا}. [الفرقان: 40].. وهنا يرد سؤال عربي، وهو أن "ما" دخلت على مبتدأ أو خبر في الأصل، وهما، هي وبعيد، والمبتدأ مؤنث والخبر مذكر، والقاعدة أن الخبر الجاري على من هو له ـ أعني الذي لم يرفع السببي ـ تجب مطابقته لمبتدئه، وهنا لم يُطابق الخبر المبتدأ في التأنيث فما وجه ذلك؟ والجواب من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن في الكلام محذوفاً مقدراً، وبتقديره تتم المطابقة، والتقدير: وما هي بشيء بعيد، كما قال تعالى: {إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ}. [الحج:1].. الوجه الثاني: أن من أساليب العرب أنها إذا أرادت بالقرب أو البعد المسافة، جاز فيه التذكير والتأنيث، فيقال: دار بكر قريب أو قريبة، وإذا أريد به النسب وجب تأنيثه، فيقال: هند قريبة، ولا يقال قريب، والمراد هنا الأول. وقد يقال: إنه مصدر، كالزميل والصهيل، وهو يذكر ويفرد ولو وصف به غير مذكر وغير مفرد، وهذا هو الوجه الثالث. [ذكر فضيلة شيخنا المفسر ثلاثة أوجه وأدركت مع الوجه الأول والثاني، ولم أدرك الثالث، ولذلك نقلت هذا الوجه من كتاب فتح القدير للشوكاني (3/489).



السابق

الفهرس

التالي


12347888

عداد الصفحات العام

31

عداد الصفحات اليومي

جقوق الطبع محفولموقع الروضة الإسلامي 1446هـ - 2025م